-المهرجانات تأسست لتثمين الفعل السينمائي المستقل بعيدا عن معايير التلفزة المغايرة لعالم الفن السابع.
-التظاهرات المنخرطة في دعم الدراما تسعى لإيجاد مساحات للإنتاج الفني تستجيب لعادات الفرجة الجديدة.
يبدو أن صناعة السينما والدراما تحولت في السنوات الأخيرة، في جانب منها، إلى مجال مشترك يجمع الفاعلين في القطاعين بفضل تعدد المنصات الرقمية المشجعة على عرض المسلسلات القصيرة والسلسلات التلفزيونية المعتمدة على تقنيات وجماليات السينما.
التداخل بين المجالين قدم إنتاجات موجهة لجمهور السينما كما التلفزيون، حتى أن عددا من المهرجانات العالمية المختصة في الفن السابع وجهت جزءا من دعمها لصناع الدراما التلفزيونية عبر ورشات لتطوير كتابة هذا النوع من الإنتاج وتوفير منح دعم وتمويل المحتوى الموجه للمنصات وشاشات التلفزيون. ومع ذلك، يواجه انفتاح مهرجانات السينما على الدراما ومسلسلات الواب انتقادات عديدة من نسبة كبيرة من الفاعلين في صناعة السينما ونقادها، إذ يعتبرون منح مساحة لترويج المسلسلات في المواعيد السينمائية تهميشا للفعل السينمائي والهوية الفنية لهذه التظاهرات القائمة أساسا على دعم صناع الأفلام لا صناعة الدراما التلفزيونية التي تختلف معاييرها عن خيارات المهرجانات السينمائية. فقد تأسست هذه التظاهرات لتثمين الفعل السينمائي المستقل بعيدا عن معايير التلفزة التي تقدم تصورات سردية وجمالية وتسويقية مغايرة لعالم الفن السابع.
ومع ذلك، اتخذت بعض التظاهرات السينمائية العربية هذا التوجه، باحثة بدورها عن مساحات جديدة للإنتاج الفني تستجيب لعادات الفرجة الجديدة وتستقطب جيلا شابا يفضل مشاهدة المسلسلات والأفلام على شاشة التليفون، مفضلا الأعمال القصيرة في حلقاتها والسريعة في حبكتها وأحداثها.
وتعد إحدى المؤسسات القطرية صاحبة المبادرة الأولى في دعم الانتاج الدرامي التلفزيوني في العالم العربي منذ سنة 2018، واهتمت في السياق بالأعمال الروائية والوثائقية وخصصت تمويلاتها لكتاب السيناريو من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مراحل التطوير والإنتاج ومرحلة ما بعد الإنتاج، كما خصصت جانبا من دعمها لدراما الواب، وأطلقت «مختبر المسلسلات» لتطوير الدراما التلفزيونية بالتعاون مع مختصين دوليين على غرار تجربتها في صناعة الأفلام. ومن أحدث المشاريع المدعومة في 2026، وتم الإعلان عنها في قمرة السينمائي في دورته الأخيرة، عمل للمخرج والممثل التونسي نجيب بالقاضي ينتمي لدراما الواب بعنوان «حب عربي»، ويشارك في إنتاجه، إلى جانب تونس، قطر والسعودية ومصر والمغرب.
من جهته، اتجه مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي لدعم المحتوى الدرامي التلفزيوني منذ سنة 2023، وتطورت هذه التجربة لتشمل تمويلا مهما لأعمال درامية سعودية ومن العالم العربي وإفريقيا وآسيا في مراحل التطوير والإنتاج وما بعد الإنتاج. وتحظى اليوم منصة صندوق البحر الأحمر للإنتاج الدرامي باهتمام دولي يتجاوز الرقعة الجغرافية للمهرجان، ودعم في السياق مجموعة مشاريع درامية، نذكر منها «فلتحترق الأرض» للمخرجة المغربية صوفيا علوي، والعمل السعودي «بعثة» للكاتبة نورا العيدي، والمشروع اللبناني «Saria Othman Needs No Man» للكاتب استيفان خطار، والمشروع العراقي السعودي «Bazuzu’s Breath» للكاتب والمنتج علي كريم والكاتبة المشاركة دانيا الطيب.
ومن المهرجانات العربية الحريصة على خوض هذا المجال مهرجان الجونة السينمائي بمصر، والذي أعلن مؤخرا عن إطلاق «سيني جونة مسلسلات»، وهي منصة جديدة لتطوير وتسويق مشاريع المسلسلات العربية، وتشرف على هذا المشروع السيناريست مريم نعوم، صاحبة النجاحات اللافتة في مجال الكتابة الدرامية للتلفزيون، وأثمرت ورشتها «سرد» عن اكتشاف عدد كبير من كتاب السيناريو.
ويدعم «سيني جونة مسلسلات» كتاب السيناريو العرب ضمن برنامج تطوير تتواصل جلساته المكثفة عن بعد على امتداد 6 أسابيع (شهري أوت وسبتمبر)، ويشمل استشارات وإستراتيجية تسويق هذه المشاريع، في حين تبرمج العروض التقديمية للأعمال المختارة خلال فترة عقد الدورة القادمة من مهرجان الجونة السينمائي من 15 إلى 23 أكتوبر المقبل، بالتوازي مع مساحة للتشبيك تجمع صناع المسلسلات وعددا من مسؤولي القنوات التلفزيونية ومبرمجي الدراما من العالم العربي والغربي.
وكشفت مريم نعوم، «رئيسة سيني جونة مسلسلات»، والذي سيكون 30 جويلية آخر موعد لقبول المشاريع المرشحة لنسخته الأولى، في بلاغ للمهرجان، أن «هناك عددا كبيرا من المواهب العربية القادرة على تقديم قصص لمسلسلات قوية ومختلفة، لكن ما ينقص الكثير من المشاريع هو منظومة التطوير المتخصصة وربطها الحقيقي بالسوق. من هنا جاءت فكرة سيني جونة مسلسلات ليس فقط كبرنامج تطوير، بل مساحة متكاملة تربط بين الكتابة والتطوير وفهم متطلبات المنصات والجمهور والتسويق واللقاء المباشر مع القائمين على الصناعة».
ومن جهته، يدعم مهرجان عمان السينمائي مبادرة مخصصة لمسلسلات الواب بعنوان The Spark Series ضمن برنامج «أيام عمان لصناع الأفلام». وخاض مهرجان القاهرة السينمائي هذه التجربة في دورتي 2019 و2020، إلا أنها لم تتواصل. أمّا أغلبية المهرجانات العربية السينمائية الأخرى، فتركز على هدف تأسيسها من البداية، وهو صناعة الأفلام مع منح الأولوية للسينمائيين الشباب والمستقلين وتمويل تجارب لأصوات واعدة في صناعة الأفلام، لأسباب متعددة منها ضعف الميزانية وضرورة توجيهها كليا نحو السينما أو الالتزام بثوابت تأسيس التظاهرة، على غرار أيام قرطاج السينمائية، المنصة المخصصة لاكتشافات السينما العربية والإفريقية ودعم تجاربها المستقلة. وتبقى خيارات المهرجانات السينمائية العربية في طور التجريب والتطوير، خاصة على مستوى الذراع الصناعي لهذه المواعيد الفنية، وأغلبها يبحث عن مسالك جديدة تضمن حضورا أوسع واستقطابا أكبر للنجوم والمؤثرين والمستثمرين في الترفيه، وهو ما يوقع بعضهم في فخ التقليد والاستهلاك، مما يهدد بأن تمحى تدريجيا خصوصية بعض المهرجانات السينمائية القائمة أساسا على الاحتفاء بالأفلام وصناعها واكتشاف الأصوات السينمائية الواعدة.
نجلاء قمّوع
-المهرجانات تأسست لتثمين الفعل السينمائي المستقل بعيدا عن معايير التلفزة المغايرة لعالم الفن السابع.
-التظاهرات المنخرطة في دعم الدراما تسعى لإيجاد مساحات للإنتاج الفني تستجيب لعادات الفرجة الجديدة.
يبدو أن صناعة السينما والدراما تحولت في السنوات الأخيرة، في جانب منها، إلى مجال مشترك يجمع الفاعلين في القطاعين بفضل تعدد المنصات الرقمية المشجعة على عرض المسلسلات القصيرة والسلسلات التلفزيونية المعتمدة على تقنيات وجماليات السينما.
التداخل بين المجالين قدم إنتاجات موجهة لجمهور السينما كما التلفزيون، حتى أن عددا من المهرجانات العالمية المختصة في الفن السابع وجهت جزءا من دعمها لصناع الدراما التلفزيونية عبر ورشات لتطوير كتابة هذا النوع من الإنتاج وتوفير منح دعم وتمويل المحتوى الموجه للمنصات وشاشات التلفزيون. ومع ذلك، يواجه انفتاح مهرجانات السينما على الدراما ومسلسلات الواب انتقادات عديدة من نسبة كبيرة من الفاعلين في صناعة السينما ونقادها، إذ يعتبرون منح مساحة لترويج المسلسلات في المواعيد السينمائية تهميشا للفعل السينمائي والهوية الفنية لهذه التظاهرات القائمة أساسا على دعم صناع الأفلام لا صناعة الدراما التلفزيونية التي تختلف معاييرها عن خيارات المهرجانات السينمائية. فقد تأسست هذه التظاهرات لتثمين الفعل السينمائي المستقل بعيدا عن معايير التلفزة التي تقدم تصورات سردية وجمالية وتسويقية مغايرة لعالم الفن السابع.
ومع ذلك، اتخذت بعض التظاهرات السينمائية العربية هذا التوجه، باحثة بدورها عن مساحات جديدة للإنتاج الفني تستجيب لعادات الفرجة الجديدة وتستقطب جيلا شابا يفضل مشاهدة المسلسلات والأفلام على شاشة التليفون، مفضلا الأعمال القصيرة في حلقاتها والسريعة في حبكتها وأحداثها.
وتعد إحدى المؤسسات القطرية صاحبة المبادرة الأولى في دعم الانتاج الدرامي التلفزيوني في العالم العربي منذ سنة 2018، واهتمت في السياق بالأعمال الروائية والوثائقية وخصصت تمويلاتها لكتاب السيناريو من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مراحل التطوير والإنتاج ومرحلة ما بعد الإنتاج، كما خصصت جانبا من دعمها لدراما الواب، وأطلقت «مختبر المسلسلات» لتطوير الدراما التلفزيونية بالتعاون مع مختصين دوليين على غرار تجربتها في صناعة الأفلام. ومن أحدث المشاريع المدعومة في 2026، وتم الإعلان عنها في قمرة السينمائي في دورته الأخيرة، عمل للمخرج والممثل التونسي نجيب بالقاضي ينتمي لدراما الواب بعنوان «حب عربي»، ويشارك في إنتاجه، إلى جانب تونس، قطر والسعودية ومصر والمغرب.
من جهته، اتجه مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي لدعم المحتوى الدرامي التلفزيوني منذ سنة 2023، وتطورت هذه التجربة لتشمل تمويلا مهما لأعمال درامية سعودية ومن العالم العربي وإفريقيا وآسيا في مراحل التطوير والإنتاج وما بعد الإنتاج. وتحظى اليوم منصة صندوق البحر الأحمر للإنتاج الدرامي باهتمام دولي يتجاوز الرقعة الجغرافية للمهرجان، ودعم في السياق مجموعة مشاريع درامية، نذكر منها «فلتحترق الأرض» للمخرجة المغربية صوفيا علوي، والعمل السعودي «بعثة» للكاتبة نورا العيدي، والمشروع اللبناني «Saria Othman Needs No Man» للكاتب استيفان خطار، والمشروع العراقي السعودي «Bazuzu’s Breath» للكاتب والمنتج علي كريم والكاتبة المشاركة دانيا الطيب.
ومن المهرجانات العربية الحريصة على خوض هذا المجال مهرجان الجونة السينمائي بمصر، والذي أعلن مؤخرا عن إطلاق «سيني جونة مسلسلات»، وهي منصة جديدة لتطوير وتسويق مشاريع المسلسلات العربية، وتشرف على هذا المشروع السيناريست مريم نعوم، صاحبة النجاحات اللافتة في مجال الكتابة الدرامية للتلفزيون، وأثمرت ورشتها «سرد» عن اكتشاف عدد كبير من كتاب السيناريو.
ويدعم «سيني جونة مسلسلات» كتاب السيناريو العرب ضمن برنامج تطوير تتواصل جلساته المكثفة عن بعد على امتداد 6 أسابيع (شهري أوت وسبتمبر)، ويشمل استشارات وإستراتيجية تسويق هذه المشاريع، في حين تبرمج العروض التقديمية للأعمال المختارة خلال فترة عقد الدورة القادمة من مهرجان الجونة السينمائي من 15 إلى 23 أكتوبر المقبل، بالتوازي مع مساحة للتشبيك تجمع صناع المسلسلات وعددا من مسؤولي القنوات التلفزيونية ومبرمجي الدراما من العالم العربي والغربي.
وكشفت مريم نعوم، «رئيسة سيني جونة مسلسلات»، والذي سيكون 30 جويلية آخر موعد لقبول المشاريع المرشحة لنسخته الأولى، في بلاغ للمهرجان، أن «هناك عددا كبيرا من المواهب العربية القادرة على تقديم قصص لمسلسلات قوية ومختلفة، لكن ما ينقص الكثير من المشاريع هو منظومة التطوير المتخصصة وربطها الحقيقي بالسوق. من هنا جاءت فكرة سيني جونة مسلسلات ليس فقط كبرنامج تطوير، بل مساحة متكاملة تربط بين الكتابة والتطوير وفهم متطلبات المنصات والجمهور والتسويق واللقاء المباشر مع القائمين على الصناعة».
ومن جهته، يدعم مهرجان عمان السينمائي مبادرة مخصصة لمسلسلات الواب بعنوان The Spark Series ضمن برنامج «أيام عمان لصناع الأفلام». وخاض مهرجان القاهرة السينمائي هذه التجربة في دورتي 2019 و2020، إلا أنها لم تتواصل. أمّا أغلبية المهرجانات العربية السينمائية الأخرى، فتركز على هدف تأسيسها من البداية، وهو صناعة الأفلام مع منح الأولوية للسينمائيين الشباب والمستقلين وتمويل تجارب لأصوات واعدة في صناعة الأفلام، لأسباب متعددة منها ضعف الميزانية وضرورة توجيهها كليا نحو السينما أو الالتزام بثوابت تأسيس التظاهرة، على غرار أيام قرطاج السينمائية، المنصة المخصصة لاكتشافات السينما العربية والإفريقية ودعم تجاربها المستقلة. وتبقى خيارات المهرجانات السينمائية العربية في طور التجريب والتطوير، خاصة على مستوى الذراع الصناعي لهذه المواعيد الفنية، وأغلبها يبحث عن مسالك جديدة تضمن حضورا أوسع واستقطابا أكبر للنجوم والمؤثرين والمستثمرين في الترفيه، وهو ما يوقع بعضهم في فخ التقليد والاستهلاك، مما يهدد بأن تمحى تدريجيا خصوصية بعض المهرجانات السينمائية القائمة أساسا على الاحتفاء بالأفلام وصناعها واكتشاف الأصوات السينمائية الواعدة.