إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

تونس على موعد مع صيف اقتصادي استثنائي.. منتديات دولية لتعزيز الاستثمار والشراكات

تستعد تونس، مع موفى شهر جوان الجاري وبداية شهر جويلية المقبل، لاحتضان سلسلة من المنتديات واللقاءات الاقتصادية الدولية البارزة، في حركية تعكس أهمية مكانتها كفضاء للتبادل الاقتصادي ومنصة تجمع المستثمرين وصناع القرار والفاعلين الاقتصاديين من مختلف أنحاء العالم. وضمن هذا التمشي، تبدو البلاد خلال صيف 2026 أمام محطات اقتصادية هامة في ظل تواتر عدد من المواعيد الدولية الكبرى التي ستستقطب وفودًا من إفريقيا وأوروبا وغيرها من مختلف الأسواق العالمية.

ولا تقتصر أهمية هذه التظاهرات والمنتديات في بعديها الاقتصادي أو الدبلوماسي، وإنما تندرج ضمن مسار شامل تعمل الدولة، في أعلى هرمها، على ترسيخه منذ سنوات، قوامه تحسين مناخ الأعمال وتعزيز ثقة المستثمرين وإعادة تموقع تونس ضمن الخارطة الاقتصادية الإقليمية والدولية.

دولة قوية بمؤسسات ناجعة

ففي أكثر من مناسبة، شدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على أن النهوض بالاقتصاد الوطني لا يمكن أن يتحقق إلا في إطار دولة قوية بمؤسسات ناجعة وإدارة فعالة وتشريعات واضحة تضمن مبدأ تكافؤ الفرص وتوفر المناخ الملائم للاستثمار، معتبرًا في الإطار نفسه أن بناء اقتصاد منتج وقادر على خلق الثروة ومواطن الشغل يظل من أبرز الرهانات المطروحة في المرحلة الحالية، وهو ما يمنح لهذه المواعيد الاقتصادية بعدًا يتجاوز الجانب الترويجي ليجعل منها مؤشرًا على توجه استراتيجي يربط بين الإصلاح الداخلي والانفتاح على الفضاءات الاقتصادية الدولية.

وفي هذا الاتجاه، تنطلق هذه المحطات الاقتصادية المرتقبة بتنظيم الدورة الأولى لمنتدى المنطقة الحرة القارية الإفريقية «زليكاف» اليوم 10 جوان، في خطوة تؤكد توجه تونس نحو تعزيز تموقعها داخل الفضاء الاقتصادي الإفريقي والاستفادة من الفرص التي تتيحها السوق القارية المشتركة. كما تحتضن العاصمة يومي 24 و25 جوان المنتدى الاقتصادي التونسي الإيطالي، الذي يمثل مناسبة هامة لدفع التعاون الثنائي وفتح آفاق جديدة للشراكة في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والابتكار.

ويتزامن هذا المنتدى مع حدث اقتصادي هام وبارز يتمثل في انعقاد الدورة الثانية والعشرين لمنتدى تونس للاستثمار، وهو أحد أبرز المواعيد الاقتصادية التي تراهن عليها تونس للتعريف بالإصلاحات المنجزة واستقطاب المستثمرين وصناديق التمويل والشركات العالمية.

ومن هذا المنطلق، تعكس هذه المقاربة توجهًا سياسيًا واقتصاديًا متكاملًا يقوم على إعادة تموقع البلاد داخل محيطها الإقليمي والقاري والدولي. فمن خلال سلسلة المنتديات الاقتصادية والاستثمارية الكبرى التي ستحتضنها تونس قريبًا، يتضح أن الدولة تسعى إلى تحويل الإصلاحات التي أطلقتها في السنوات الأخيرة إلى فرص ملموسة لجذب الاستثمار وفتح أسواق جديدة أمام المؤسسات الوطنية.

ويأتي هذا الحراك في سياق خاص تتقاطع فيه رهانات النمو الاقتصادي مع متطلبات الإصلاح الهيكلي وتحسين مناخ الأعمال، وهي ملفات لطالما شكلت محورًا أساسيًا في اللقاءات الرسمية لرئيس الجمهورية قيس سعيّد، الذي شدد في أكثر من مناسبة على ضرورة بناء اقتصاد وطني منتج يقوم على خلق الثروة وتحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية والنجاعة الاقتصادية.

وفي هذا الإطار، تبدو تونس اليوم أمام مرحلة جديدة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها الدولية المبنية على الاحترام وتبادل المصالح، وقدرتها على أن تكون منصة للحوار والتبادل والاستثمار بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي.

وفي هذا الاتجاه، تكتسي الدورة الأولى لمنتدى المنطقة الحرة القارية الإفريقية «زليكاف»، التي تنتظم اليوم بقصر المعارض بالكرم، أهمية خاصة باعتبارها تأتي في مرحلة تسعى فيها تونس إلى تعزيز حضورها داخل الفضاء الاقتصادي الإفريقي، بعد أن أصبحت القارة الإفريقية تمثل اليوم أحد أبرز المحاور الاستراتيجية للسياسة الاقتصادية التونسية.

ويعكس شعار المنتدى «منصة تونس في مواجهة «الزليكاف»: فرص ونمو»، إدراكًا لأهمية الاستفادة من أكبر منطقة تبادل حر في العالم من حيث عدد الدول المشاركة.

وفي هذا السياق، يبدو منتدى «زليكاف» أكثر من مجرد تظاهرة اقتصادية، إذ يمثل ترجمة عملية لتوجه سياسي واقتصادي يسعى إلى تحويل الانتماء الإفريقي لتونس من معطى جغرافي وتاريخي إلى رافعة حقيقية للتنمية والاستثمار والنمو، حيث شدد رئيس الدولة قيس سعيّد، في أكثر من محطة، على أن تونس جزء لا يتجزأ من القارة الإفريقية، مشددًا على أهمية تعزيز حضورها داخل الأسواق الإفريقية وتطوير شراكات متوازنة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

وإذا كان الانفتاح على إفريقيا يمثل أحد أوجه التحرك الاقتصادي التونسي، فإن استقطاب الاستثمار الدولي يظل بدوره ركيزة أساسية ضمن التوجه الاقتصادي للدولة. لذلك يكتسب منتدى تونس للاستثمار، الذي تنظمه وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي يومي 25 و26 جوان الجاري، أهمية استثنائية باعتباره فضاءً لعرض القدرة التنافسية للاقتصاد التونسي أمام المستثمرين وصناع القرار الاقتصادي من مختلف أنحاء العالم.

ولا تكمن أهمية المنتدى في أنه مجرد واجهة ترويجية لتونس، بل تتجسد أيضًا في كونه فرصة لتقديم صورة متكاملة حول مسار الإصلاحات الاقتصادية والمؤسساتية التي انطلقت خلال السنوات الأخيرة.

ويكتسي الحضور المنتظر لما يقارب ألف مشارك من مسؤولين اقتصاديين وممثلي شركات عالمية وصناديق استثمار دلالة واضحة على استمرار اهتمام الفاعلين الدوليين بالسوق التونسية، خاصة في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، على غرار التكنولوجيا والصناعات المتقدمة والطاقات المتجددة والخدمات الرقمية.

وتبرز في هذا السياق أهمية مشروع قانون الاستثمار الجديد الذي تعمل الحكومة على إعداده بالتنسيق مع مختلف المنظمات الوطنية والمهنية، والذي يهدف إلى توفير إطار تشريعي أكثر مرونة ونجاعة يتلاءم مع التحولات الاقتصادية العالمية ويستجيب لتطلعات المستثمرين.

وفي هذا الاتجاه، أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، في معرض لقاءاته الرسمية مع أعضاء الحكومة، على تبسيط إجراءات الاستثمار وإزاحة كل العراقيل الإدارية التي من شأنها أن تعطل سير إنجاز المشاريع أو تحد من جاذبية تونس كوجهة استثمارية، مشددًا على أن دور الإدارة يجب أن يكون عاملًا مساعدًا على المبادرة الاقتصادية.

كما دعا رئيس الدولة قيس سعيّد إلى مراجعة النصوص والترتيبات التي لم تعد تستجيب لمتطلبات المرحلة الحالية، بما يضمن مزيدًا من النجاعة والشفافية والسرعة في معالجة الملفات الاقتصادية.

تعزيز الشراكات الاقتصادية

من جهة أخرى، يندرج المنتدى الاقتصادي التونسي الإيطالي المقرر تنظيمه يومي 24 و25 جوان الجاري بالعاصمة ضمن مسار تعزيز الشراكات الاقتصادية الثنائية مع الدول الصديقة والشريكة.

ومن شأن المنتدى أن يوفر أرضية عملية لتطوير شراكات جديدة بين المؤسسات الاقتصادية في البلدين، بما يساهم في خلق فرص استثمار إضافية وتعزيز اندماج المؤسسات التونسية ضمن الشبكات الصناعية الأوروبية والمتوسطية.

وتتواصل هذه الديناميكية الاقتصادية مع تنظيم الدورة الخامسة للمنتدى الدولي للأعمال الخاص بقطاع الطيران والفضاء «Aerospace Meetings Tunisia 2026» خلال شهر جويلية المقبل. ويعكس هذا الموعد طموح تونس في تعزيز موقعها ضمن الصناعات التكنولوجية المتقدمة، خاصة وأن قطاع الطيران والفضاء يعد من أكثر القطاعات الصناعية قدرة على خلق القيمة المضافة واستقطاب الاستثمارات النوعية.

ويحمل شعار الدورة «تونس 2026: طموح صناعي ونهضة جوية»، دلالات واضحة حول توجه الدولة نحو دعم الصناعات المستقبلية والرفع من نسب الإدماج المحلي وتعزيز تنافسية المؤسسات الوطنية العاملة في هذا المجال.

وفي هذا الخصوص، جدير بالذكر أن تزامن هذه المواعيد الاقتصادية الكبرى في فترة زمنية قصيرة ليس اعتباطيًا، بل يعكس توجهًا سياسيًا يسعى إلى تقديم تونس كفضاء اقتصادي منفتح وقادر على استقطاب المستثمرين والشركاء من مختلف أنحاء العالم. كما يعكس رغبة في استثمار ما تحقق من إصلاحات لتطوير صورة البلاد كوجهة واعدة وجاذبة للأعمال والاستثمار.

معركة مكافحة الفساد

وفي أكثر من محطة، أكد رئيس الدولة قيس سعيّد أن المعركة الاقتصادية لا تنفصل مطلقًا عن معركة مكافحة الفساد، باعتبار أن الاستثمار يحتاج إلى بيئة سليمة تقوم على مبدأ تكافؤ الفرص واحترام القانون وتكريس الشفافية. لذلك شكلت مقاومة شبكات الفساد والاحتكار أحد المحاور الرئيسية التي تم التأكيد عليها ضمن الخطاب الرسمي للدولة خلال السنوات الماضية.

كما تم التركيز على مراجعة عدد من النصوص القانونية والإجراءات التنظيمية بهدف توفير مناخ أكثر ملاءمة للمبادرة الاقتصادية وتحفيز الاستثمار المنتج القادر على خلق الثروة ومواطن الشغل، خاصة في الجهات الداخلية التي تمثل أحد أهم الرهانات التنموية المطروحة أمام الدولة.

وبين الانفتاح على إفريقيا عبر «زليكاف»، وتعزيز الشراكة المتوسطية من خلال المنتدى التونسي الإيطالي، واستقطاب المستثمرين الدوليين عبر منتدى تونس للاستثمار، وتطوير الصناعات التكنولوجية المتقدمة من خلال منتدى الطيران والفضاء، تتشكل ملامح رؤية تقوم على تنويع الشراكات الاقتصادية وتوسيع مجالات النمو.

ومع تواصل الجهود الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال وتطوير الإطار التشريعي وتعزيز الشفافية والحوكمة، تملك تونس اليوم فرصة حقيقية لترسيخ صورتها كوجهة استثمارية موثوقة وكمنصة اقتصادية تربط بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، بما ينسجم مع الرؤية التي ما فتئ رئيس الجمهورية قيس سعيّد يؤكدها، والقائمة على بناء اقتصاد وطني قوي ومنفتح وقادر على تحقيق التنمية المستدامة.

منال حرزي

تونس على موعد مع صيف اقتصادي استثنائي..   منتديات دولية لتعزيز الاستثمار والشراكات

تستعد تونس، مع موفى شهر جوان الجاري وبداية شهر جويلية المقبل، لاحتضان سلسلة من المنتديات واللقاءات الاقتصادية الدولية البارزة، في حركية تعكس أهمية مكانتها كفضاء للتبادل الاقتصادي ومنصة تجمع المستثمرين وصناع القرار والفاعلين الاقتصاديين من مختلف أنحاء العالم. وضمن هذا التمشي، تبدو البلاد خلال صيف 2026 أمام محطات اقتصادية هامة في ظل تواتر عدد من المواعيد الدولية الكبرى التي ستستقطب وفودًا من إفريقيا وأوروبا وغيرها من مختلف الأسواق العالمية.

ولا تقتصر أهمية هذه التظاهرات والمنتديات في بعديها الاقتصادي أو الدبلوماسي، وإنما تندرج ضمن مسار شامل تعمل الدولة، في أعلى هرمها، على ترسيخه منذ سنوات، قوامه تحسين مناخ الأعمال وتعزيز ثقة المستثمرين وإعادة تموقع تونس ضمن الخارطة الاقتصادية الإقليمية والدولية.

دولة قوية بمؤسسات ناجعة

ففي أكثر من مناسبة، شدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على أن النهوض بالاقتصاد الوطني لا يمكن أن يتحقق إلا في إطار دولة قوية بمؤسسات ناجعة وإدارة فعالة وتشريعات واضحة تضمن مبدأ تكافؤ الفرص وتوفر المناخ الملائم للاستثمار، معتبرًا في الإطار نفسه أن بناء اقتصاد منتج وقادر على خلق الثروة ومواطن الشغل يظل من أبرز الرهانات المطروحة في المرحلة الحالية، وهو ما يمنح لهذه المواعيد الاقتصادية بعدًا يتجاوز الجانب الترويجي ليجعل منها مؤشرًا على توجه استراتيجي يربط بين الإصلاح الداخلي والانفتاح على الفضاءات الاقتصادية الدولية.

وفي هذا الاتجاه، تنطلق هذه المحطات الاقتصادية المرتقبة بتنظيم الدورة الأولى لمنتدى المنطقة الحرة القارية الإفريقية «زليكاف» اليوم 10 جوان، في خطوة تؤكد توجه تونس نحو تعزيز تموقعها داخل الفضاء الاقتصادي الإفريقي والاستفادة من الفرص التي تتيحها السوق القارية المشتركة. كما تحتضن العاصمة يومي 24 و25 جوان المنتدى الاقتصادي التونسي الإيطالي، الذي يمثل مناسبة هامة لدفع التعاون الثنائي وفتح آفاق جديدة للشراكة في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والابتكار.

ويتزامن هذا المنتدى مع حدث اقتصادي هام وبارز يتمثل في انعقاد الدورة الثانية والعشرين لمنتدى تونس للاستثمار، وهو أحد أبرز المواعيد الاقتصادية التي تراهن عليها تونس للتعريف بالإصلاحات المنجزة واستقطاب المستثمرين وصناديق التمويل والشركات العالمية.

ومن هذا المنطلق، تعكس هذه المقاربة توجهًا سياسيًا واقتصاديًا متكاملًا يقوم على إعادة تموقع البلاد داخل محيطها الإقليمي والقاري والدولي. فمن خلال سلسلة المنتديات الاقتصادية والاستثمارية الكبرى التي ستحتضنها تونس قريبًا، يتضح أن الدولة تسعى إلى تحويل الإصلاحات التي أطلقتها في السنوات الأخيرة إلى فرص ملموسة لجذب الاستثمار وفتح أسواق جديدة أمام المؤسسات الوطنية.

ويأتي هذا الحراك في سياق خاص تتقاطع فيه رهانات النمو الاقتصادي مع متطلبات الإصلاح الهيكلي وتحسين مناخ الأعمال، وهي ملفات لطالما شكلت محورًا أساسيًا في اللقاءات الرسمية لرئيس الجمهورية قيس سعيّد، الذي شدد في أكثر من مناسبة على ضرورة بناء اقتصاد وطني منتج يقوم على خلق الثروة وتحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية والنجاعة الاقتصادية.

وفي هذا الإطار، تبدو تونس اليوم أمام مرحلة جديدة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها الدولية المبنية على الاحترام وتبادل المصالح، وقدرتها على أن تكون منصة للحوار والتبادل والاستثمار بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي.

وفي هذا الاتجاه، تكتسي الدورة الأولى لمنتدى المنطقة الحرة القارية الإفريقية «زليكاف»، التي تنتظم اليوم بقصر المعارض بالكرم، أهمية خاصة باعتبارها تأتي في مرحلة تسعى فيها تونس إلى تعزيز حضورها داخل الفضاء الاقتصادي الإفريقي، بعد أن أصبحت القارة الإفريقية تمثل اليوم أحد أبرز المحاور الاستراتيجية للسياسة الاقتصادية التونسية.

ويعكس شعار المنتدى «منصة تونس في مواجهة «الزليكاف»: فرص ونمو»، إدراكًا لأهمية الاستفادة من أكبر منطقة تبادل حر في العالم من حيث عدد الدول المشاركة.

وفي هذا السياق، يبدو منتدى «زليكاف» أكثر من مجرد تظاهرة اقتصادية، إذ يمثل ترجمة عملية لتوجه سياسي واقتصادي يسعى إلى تحويل الانتماء الإفريقي لتونس من معطى جغرافي وتاريخي إلى رافعة حقيقية للتنمية والاستثمار والنمو، حيث شدد رئيس الدولة قيس سعيّد، في أكثر من محطة، على أن تونس جزء لا يتجزأ من القارة الإفريقية، مشددًا على أهمية تعزيز حضورها داخل الأسواق الإفريقية وتطوير شراكات متوازنة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

وإذا كان الانفتاح على إفريقيا يمثل أحد أوجه التحرك الاقتصادي التونسي، فإن استقطاب الاستثمار الدولي يظل بدوره ركيزة أساسية ضمن التوجه الاقتصادي للدولة. لذلك يكتسب منتدى تونس للاستثمار، الذي تنظمه وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي يومي 25 و26 جوان الجاري، أهمية استثنائية باعتباره فضاءً لعرض القدرة التنافسية للاقتصاد التونسي أمام المستثمرين وصناع القرار الاقتصادي من مختلف أنحاء العالم.

ولا تكمن أهمية المنتدى في أنه مجرد واجهة ترويجية لتونس، بل تتجسد أيضًا في كونه فرصة لتقديم صورة متكاملة حول مسار الإصلاحات الاقتصادية والمؤسساتية التي انطلقت خلال السنوات الأخيرة.

ويكتسي الحضور المنتظر لما يقارب ألف مشارك من مسؤولين اقتصاديين وممثلي شركات عالمية وصناديق استثمار دلالة واضحة على استمرار اهتمام الفاعلين الدوليين بالسوق التونسية، خاصة في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، على غرار التكنولوجيا والصناعات المتقدمة والطاقات المتجددة والخدمات الرقمية.

وتبرز في هذا السياق أهمية مشروع قانون الاستثمار الجديد الذي تعمل الحكومة على إعداده بالتنسيق مع مختلف المنظمات الوطنية والمهنية، والذي يهدف إلى توفير إطار تشريعي أكثر مرونة ونجاعة يتلاءم مع التحولات الاقتصادية العالمية ويستجيب لتطلعات المستثمرين.

وفي هذا الاتجاه، أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، في معرض لقاءاته الرسمية مع أعضاء الحكومة، على تبسيط إجراءات الاستثمار وإزاحة كل العراقيل الإدارية التي من شأنها أن تعطل سير إنجاز المشاريع أو تحد من جاذبية تونس كوجهة استثمارية، مشددًا على أن دور الإدارة يجب أن يكون عاملًا مساعدًا على المبادرة الاقتصادية.

كما دعا رئيس الدولة قيس سعيّد إلى مراجعة النصوص والترتيبات التي لم تعد تستجيب لمتطلبات المرحلة الحالية، بما يضمن مزيدًا من النجاعة والشفافية والسرعة في معالجة الملفات الاقتصادية.

تعزيز الشراكات الاقتصادية

من جهة أخرى، يندرج المنتدى الاقتصادي التونسي الإيطالي المقرر تنظيمه يومي 24 و25 جوان الجاري بالعاصمة ضمن مسار تعزيز الشراكات الاقتصادية الثنائية مع الدول الصديقة والشريكة.

ومن شأن المنتدى أن يوفر أرضية عملية لتطوير شراكات جديدة بين المؤسسات الاقتصادية في البلدين، بما يساهم في خلق فرص استثمار إضافية وتعزيز اندماج المؤسسات التونسية ضمن الشبكات الصناعية الأوروبية والمتوسطية.

وتتواصل هذه الديناميكية الاقتصادية مع تنظيم الدورة الخامسة للمنتدى الدولي للأعمال الخاص بقطاع الطيران والفضاء «Aerospace Meetings Tunisia 2026» خلال شهر جويلية المقبل. ويعكس هذا الموعد طموح تونس في تعزيز موقعها ضمن الصناعات التكنولوجية المتقدمة، خاصة وأن قطاع الطيران والفضاء يعد من أكثر القطاعات الصناعية قدرة على خلق القيمة المضافة واستقطاب الاستثمارات النوعية.

ويحمل شعار الدورة «تونس 2026: طموح صناعي ونهضة جوية»، دلالات واضحة حول توجه الدولة نحو دعم الصناعات المستقبلية والرفع من نسب الإدماج المحلي وتعزيز تنافسية المؤسسات الوطنية العاملة في هذا المجال.

وفي هذا الخصوص، جدير بالذكر أن تزامن هذه المواعيد الاقتصادية الكبرى في فترة زمنية قصيرة ليس اعتباطيًا، بل يعكس توجهًا سياسيًا يسعى إلى تقديم تونس كفضاء اقتصادي منفتح وقادر على استقطاب المستثمرين والشركاء من مختلف أنحاء العالم. كما يعكس رغبة في استثمار ما تحقق من إصلاحات لتطوير صورة البلاد كوجهة واعدة وجاذبة للأعمال والاستثمار.

معركة مكافحة الفساد

وفي أكثر من محطة، أكد رئيس الدولة قيس سعيّد أن المعركة الاقتصادية لا تنفصل مطلقًا عن معركة مكافحة الفساد، باعتبار أن الاستثمار يحتاج إلى بيئة سليمة تقوم على مبدأ تكافؤ الفرص واحترام القانون وتكريس الشفافية. لذلك شكلت مقاومة شبكات الفساد والاحتكار أحد المحاور الرئيسية التي تم التأكيد عليها ضمن الخطاب الرسمي للدولة خلال السنوات الماضية.

كما تم التركيز على مراجعة عدد من النصوص القانونية والإجراءات التنظيمية بهدف توفير مناخ أكثر ملاءمة للمبادرة الاقتصادية وتحفيز الاستثمار المنتج القادر على خلق الثروة ومواطن الشغل، خاصة في الجهات الداخلية التي تمثل أحد أهم الرهانات التنموية المطروحة أمام الدولة.

وبين الانفتاح على إفريقيا عبر «زليكاف»، وتعزيز الشراكة المتوسطية من خلال المنتدى التونسي الإيطالي، واستقطاب المستثمرين الدوليين عبر منتدى تونس للاستثمار، وتطوير الصناعات التكنولوجية المتقدمة من خلال منتدى الطيران والفضاء، تتشكل ملامح رؤية تقوم على تنويع الشراكات الاقتصادية وتوسيع مجالات النمو.

ومع تواصل الجهود الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال وتطوير الإطار التشريعي وتعزيز الشفافية والحوكمة، تملك تونس اليوم فرصة حقيقية لترسيخ صورتها كوجهة استثمارية موثوقة وكمنصة اقتصادية تربط بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، بما ينسجم مع الرؤية التي ما فتئ رئيس الجمهورية قيس سعيّد يؤكدها، والقائمة على بناء اقتصاد وطني قوي ومنفتح وقادر على تحقيق التنمية المستدامة.

منال حرزي