لإرساء إطار قانوني موحد للتصرف في الإدارة، بادرت مجموعة من أعضاء مجلس نواب الشعب، وفي مقدمتهم رئيس كتلة الأحرار النائب صابر المصمودي، بتقديم مقترح قانون توجيهي جديد يتعلّق بإرساء نظم التصرف الحديث في الإدارة. وقال المصمودي إن ما دفعهم إلى المبادرة بهذا المقترح هو أن المواطن التونسي مازال يشتكي إلى اليوم من الإدارة، كما أن رئيس الجمهورية نفسه تحدث كثيرا عن معاناة المواطن من الإدارة، وهناك إقرار جماعي بوجود إشكاليات على مستوى الإدارة ومتابعة خدماتها في علاقة بالمواطن وفي علاقة بمشاريع الدولة.
وأضاف في تصريح لـ«لصباح» أنه تم الانطلاق منذ سنوات في بعض الإدارات في اعتماد الإيزو، وتم خلال المجلس الوزاري الأخير الحديث عن منصة لمتابعة المشاريع، وبالتالي جاء مقترح القانون في هذا الإطار. ولاحظ ممثل جهة المبادرة أنه من حيث الشكل اتخذ مقترح القانون شكل قانون توجيهي، وهو نص جديد، أي أنه لم يأتِ لينقّح أو يتمّم قانونا قديما. ويهدف القانون التوجيهي بالأساس إلى تحديد الإطار العام والأهداف الكبرى والمبادئ التي تقوم عليها الإدارة من أجل تعزيز الثقة فيها، ويتضمن إجراءات لترسيخ الممارسات الفضلى والتنظيم الذاتي، وفيه تحفيز على اعتماد الوسائل الرقمية واعتماد الترابط البيني، وهي مسائل تعمل الدولة على تطويرها اليوم. وتتمثل أهم النقاط التي تضمنها مقترح القانون التوجيهي، حسب قول النائب صابر المصمودي، في الأدلة المرجعية التي تعتمدها الإدارة، إضافة إلى التنصيص فيه على إحداث وحدة دائمة لمتابعة النشاط الإداري اليومي وتطوير الأداء، ويمكن أن تكون هذه الآلية وسيلة للارتقاء بأداء مكتب الضبط، كما يمكن أن تكون هيكلًا مستقلًا بذاته عن مكتب الضبط. وأشار المصمودي إلى أن جهة المبادرة تريد من خلال مقترح القانون التوجيهي المذكور تعميم الإيزو، وترغب في إرساء إطار تنظيمي جامع تعتمده الإدارة بشكل عام. وذكر أن الفصل السادس عشر من هذا المقترح مهم للغاية حسب رأيه، فهو يسمح لكل ذي مصلحة بالطعن أمام المحكمة الإدارية، خاصة في صورة عدم احترام الإجراءات المكتوبة، أو غياب التوثيق وقابلية التتبع، أو تجاوز الآجال دون مبرر، أو عند الإخلال بمبادئ الشفافية والمساواة وجودة الخدمة العمومية. وفسر عضو مجلس نواب الشعب أن هذه القواعد موجودة في المعايير الدولية، وتريد جهة المبادرة بمقترح القانون اعتمادها، وهي ترغب في أن تتولى الدولة بنفسها وضع أدلة إجرائية لتوضيح عمل الإدارة. كما تريد تعميم نظام إيزو لأن هذا النظام يسمح بالمتابعة والمراقبة من خلال التقارير، بالإضافة إلى أن الدولة ملزمة بالحرص على تطبيق تلك المعايير. خدمة المواطن وتتضمن هذه المبادرة التشريعية، التي أحالها مكتب المجلس خلال اجتماعه الأخير إلى لجنة تنظيم الإدارة وتطويرها والرقمنة والحوكمة ومكافحة الفساد، حسب ما أشار إليه النائب صابر المصمودي، 18 فصلا تتوزع على 6 أبواب. يتعلق الباب الأول بالمبادئ العامة، والباب الثاني بالإطار القانوني والتنظيمي، والباب الثالث بالإجراءات، والباب الرابع بالتكوين والدعم الفني، والباب الخامس بالتقييم والمتابعة، والباب السادس بتنفيذ أحكام القانون والرقابة على تطبيقه. وذكر المصمودي أنه تم عرض هذا المقترح التشريعي في إطار تفعيل الفصل 19 من دستور 2022، الذي ينص على أن الإدارة العمومية في خدمة المواطن وتعمل وفق مبادئ الحياد والمساواة والشفافية، وذلك بما يدعم اعتماد أساليب الحوكمة الرشيدة ومعايير الجودة في التصرف. وأكد على أهمية مقترح القانون المعروض. وأشار المصمودي إلى أن وثيقة شرح الأسباب المصاحبة لمقترح القانون التوجيهي المتعلق بإرساء نظم التصرف الحديث في الإدارة تضمنت تفاصيل ضافية حول أهداف المقترح. إذ تتمثل هذه الأهداف في تعزيز الثقة بين الإدارة والمواطن وكافة المتعاملين معها، وإضفاء النجاعة والجودة على كافة الخدمات والمرافق المسداة، وذلك باعتماد آليات الشفافية، ومنها الرقمنة واستعمال النظم المعلوماتية وأساليب الترابط البيني، واعتماد آليات النشر والإعلام لضمان حق النفاذ إلى المعلومة وسلامة المعاملات وسرعة الإنجاز، إلى جانب إجبارية نشر البيانات المالية والإدارية التي تهم المواطن والمتعاملين مع الإدارة، باستثناء ما اكتسب طابعًا سريًا أو شمله أي شكل من أشكال المنع بمقتضى نص قانوني. ويرمي مقترح القانون أيضا إلى ترسيخ مبادئ التنظيم الذاتي داخل الهياكل العمومية، بما يضمن تقليص التبعية الإدارية والتسلسل المفرط، وإحداث هياكل متابعة داخلية قارة تكون بمثابة لوحة قيادة تضمن الانسيابية والنجاعة في معالجة الملفات، واعتماد أدلة تنظيمية موحدة قابلة للتحيين تلزم الأعوان العموميين بكافة درجاتهم وتحد من التقدير الشخصي الذي يسهم في تعقيد خدمات المرافق العامة، وضبط خارطة توزيع الموارد البشرية بطريقة أنجع وبناء على معايير علمية وتقييمات موضوعية، وتكريس مبادئ التقييم الدوري والمساءلة ومحاربة الفساد المالي والإداري، وضبط آليات الرقابة الداخلية لضمان احترام المشروعية والملاءمة، وضبط مؤشرات قياس الأداء. إطار قانوني موحد وينص الفصل الأول من مقترح القانون التوجيهي المتعلق بإرساء نظم التصرف الحديث في الإدارة على أن هذا القانون يهدف إلى وضع إطار قانوني موحد للتصرف الحديث في الإدارة العمومية، قائم على مبادئ الحوكمة والشفافية والمساءلة والمسؤولية والكفاءة والنزاهة والعدل والمساواة، وعلى جودة الخدمات وتكريس حقوق المواطنين، كما يقوم على التنظيم الذاتي والتكامل الوظيفي والرقابة الداخلية. ويهدف أيضا إلى تبسيط المسارات والإجراءات الإدارية والقضاء على البيروقراطية، وتطوير الأداء الوظيفي للإدارة العمومية، والارتقاء بأداء الأنشطة والممارسات الإدارية وفقًا لمعايير الجودة، بما يضمن الاعتراف بموثوقيتها وكفاءتها وطنيًا ودوليًا، وتعزيز الثقة والمصالحة مع المواطن والمتعاملين مع الإدارة، وتيسير مهام محكمة المحاسبات ومختلف الأجهزة الرقابية المركزية، واعتماد الوسائل الرقمية في التصرف الإداري بما يضمن النجاعة وقابلية التتبع وتحسين جودة الخدمات، واعتماد الترابط البيني بين الهياكل العمومية وتبادل المعطيات والوثائق وفق التشريع الجاري به العمل، بما يحد من الوثائق المطلوبة من المواطنين ويعزز نجاعة المرفق العمومي. أما الفصل الثاني، فهو ينص على أن تشمل منظومة التصرف الحديث في الإدارة العمومية مختلف مراحل معالجة الملفات والمعلومات الإدارية من تاريخ إحداثها أو تلقيها إلى حين اتخاذ القرار النهائي بشأنها أو أرشفتها، وذلك وفق إجراءات مكتوبة وموحدة ومضبوطة تضمن قابلية التتبع وتلزم جميع الأعوان العموميين. وحسب الفصل الثالث من مقترح القانون التوجيهي، تنظم العلاقة بين الإدارة والمواطنين على أساس الشفافية وقابلية التتبع من خلال اعتماد إجراءات مكتوبة وتوثيق مختلف مراحل التصرف الإداري مع إيلاء أولوية لاستعمال الوسائل الرقمية. ويتم تأطير التواصل المباشر عند الاقتضاء بما يضمن توثيقه وعدم الإخلال بحقوق المواطنين في النفاذ إلى المعلومة والخدمات العمومية، وذلك في إطار احترام التشريع الجاري به العمل في مجال حماية المعطيات الشخصية. الإطار التنظيمي ونص الفصل الرابع من الباب الثاني، الذي ضبط الإطار القانوني والتنظيمي، على أن تعتمد الإدارة مقاربة قائمة على حسن التصرف في المعلومات وإسداء خدمات المرافق العمومية، وعلى مبادئ تقنية وعلمية تشمل جميع المعطيات ومعالجتها وحفظها وضمان إتاحتها، وذلك وفق قواعد مضبوطة تكفل سلامتها. أما الفصل الخامس، فقد نص على أن تطبق أحكام هذا القانون المتعلقة بالتصرف في الوثائق الإدارية والأرشيف في انسجام مع النصوص القانونية الجاري بها العمل، مع وجوب التنسيق مع مؤسسة الأرشيف الوطني وسائر الهياكل المعنية، وذلك في إطار احترام التشريعات المتعلقة بالنفاذ إلى المعلومة وحماية المعطيات الشخصية. الإجراءات المتبعة وتم التنصيص في الفصل السادس من الباب الثالث من مقترح القانون التوجيهي المتعلق بإرساء نظم التصرف الحديث في الإدارة، على أن تُعد الأدلة التنظيمية المرجعية على مستوى كافة الهياكل العمومية بالتنسيق مع سلطة الإشراف، وفق نماذج وطنية موحدة تُضبط بأمر، وتراعي المعايير الدولية ومقاييس الجودة. وتعتمد هذه الأدلة بقرار من سلطة الإشراف المختصة، وتكون ملزمة لكافة الأعوان المعنيين. وحسب الفصل السابع من نفس المقترح، تُحدث لدى كل هيكل إداري وحدة دائمة تُسمّى وحدة متابعة النشاط الإداري اليومي وتطوير الأداء، تتولى مهام الرقابة الداخلية ومتابعة الجودة والنجاعة الإدارية، واقتراح آليات تطوير الأداء. وبناء على الفصل الثامن، تُرفع هذه الوحدة إلى رئيس الهيكل الإداري تقارير أسبوعية دورية تتضمن مؤشرات كمية ونوعية تتعلق بمعالجة الملفات ومدى احترام الآجال القانونية وتطبيق الإجراءات المعمول بها. وتعتمد منظومات معلومات لمتابعة الملفات والمؤشرات وإعداد التقارير، وضمان قابلية التتبع وحفظ المعطيات المتعلقة بالنشاط الإداري. ونص الفصل التاسع على أن تُحفظ التقارير والوثائق المتعلقة بالمتابعة والتقييم بصفة منتظمة، وتُعتبر وثائق مرجعية وهي جزء من ذاكرة الهيكل الإداري. التكوين والدعم ونص الفصل العاشر من مقترح القانون على أن تتولى الدولة وضع برامج للتكوين المستمر لفائدة الأعوان والإطارات في مجالات التصرف في العمليات الإدارية، ومعالجة الملفات، والرقابة الداخلية، وجودة الخدمات الإدارية، والتحول الرقمي، وإعداد الأدلة التنظيمية وتحيينها. وتُحدث بموجب الفصل الحادي عشر قاعدة بيانات وطنية للأعوان المؤهلين للتكوين والمرافقة الفنية في مجالات التصرف الحديث والجودة، تُدار مركزيًا من قبل رئاسة الحكومة. ونص الفصل الثاني عشر على أن تعتمد الإدارة العمومية المعايير الوطنية والدولية المعترف بها في مجالات التصرف وجودة الخدمات، والتصرف في المخاطر، ومكافحة الفساد، والتصرف في الوثائق، مع مراعاة خصوصيات المرفق العمومي. أما الفصل الموالي، فقد نص على أن تُضبط مؤشرات وطنية لقياس أداء الإدارة العمومية، خاصة المتعلقة بآجال معالجة الملفات ومدى احترام الإجراءات، ومستوى رضا مستعملي المرفق العمومي، ونسبة رقمنة الخدمات، وعدد الشكاوى. وتنشر هذه المؤشرات بصفة دورية وفق صيغ تُضبط بأمر. تدرج في التطبيق تضمنت المبادرة التشريعية المعروضة على أنظار لجنة تنظيم الإدارة وتطويرها والرقمنة والحوكمة ومكافحة الفساد أحكامًا حول تنفيذ القانون التوجيهي المتعلق بإرساء نظم التصرف الحديث في الإدارة. ونصت المبادرة في الفصل الرابع عشر على أن يتم تنفيذ أحكام هذا القانون تدريجيا وفق روزنامة تُضبط بأمر، على ألا تتجاوز مدة التعميم خمس سنوات، مع إيلاء الأولوية لتطوير أساليب التصرف الإداري واعتماد الوسائل الرقمية. أما الفصل الموالي، فقد نص على إخضاع الهياكل العمومية المعنية بأحكام هذا القانون إلى رقابة دورية من قبل هياكل الرقابة المختصة، للتثبت من مدى احترام الإجراءات والمعايير المنصوص عليها بهذا القانون والنصوص الترتيبية الصادرة تطبيقا له. وحسب الفصل السادس عشر، يمكن لكل ذي مصلحة الطعن أمام المحكمة الإدارية في القرارات أو الممارسات الإدارية الناتجة عن عدم احترام أحكام هذا القانون، خاصة في حال عدم احترام الإجراءات المكتوبة، أو غياب التوثيق وقابلية التتبع، أو تجاوز الآجال دون مبرر، أو الإخلال بمبادئ الشفافية والمساواة وجودة الخدمة العمومية. وتأخذ المحكمة الإدارية بعين الاعتبار مدى احترام الإدارة لمبادئ التصرف الحديث والحوكمة المنصوص عليها بهذا القانون عند تقدير مشروعية القرار الإداري. ونص الفصل السابع عشر على أن تلتزم الهياكل العمومية بوضع خطط تصحيحية لمعالجة الإخلالات والمعاينات الواردة بتقارير الرقابة أو الأحكام القضائية أو تقارير التقييم، مع تحديد آجال التنفيذ والمتابعة. ونص الفصل الأخير على إلغاء جميع الأحكام السابقة المخالفة لأحكام هذا القانون. شرح الأسباب وخلص النائب صابر المصمودي إلى التأكيد على أهمية المبادرة التشريعية وما جاء في وثيقة شرح الأسباب المصاحبة لمقترح هذا القانون التوجيهي المتعلق بإرساء نظم التصرف الحديث في الإدارة، الذي أحاله مكتب مجلس نواب الشعب يوم الخميس 4 جوان 2026 إلى لجنة تنظيم الإدارة وتطويرها والرقمنة والحوكمة ومكافحة الفساد. وإلى جانب تعداد أهداف المبادرة، تمت الإشارة في وثيقة شرح الأسباب إلى أن مقترح القانون التوجيهي المذكور يقوم على مبادئ الانسجام مع الإطار القانوني الحالي، خاصة فيما يتعلق بالتصرف في الوثائق والأرشيف والوظيفة العمومية، دون أن يترتب عنه أعباء مالية إضافية مباشرة، باستثناء ما يخص التكوين والمراقبة التقنية، إذ تقتضي المرحلة، حسب رأي جهة المبادرة، إعادة هندسة شاملة للإجراءات بالاستناد إلى المعايير الدولية، وتتطلب سد الفراغ التنظيمي لكي يتم الاعتراف بموثوقية الإدارة وكفاءاتها وطنيًا ودوليًا، ولكي تستعيد دورها في دفع عجلة التنمية والاقتصاد بشكل عام، وتستوجب الوضعية ضرورة الرفع عالياً من أداء أنشطة الإدارة وفقًا لمعايير الجودة. كما تمت الإشارة في نفس الوثيقة إلى أن مقترح القانون التوجيهي يمثل قاعدة لتحول ثقافي وإداري جوهري نحو إدارة مبنية على الجدوى والأداء والتخطيط والرقمنة، عبر إجراءات مضبوطة زمنيا وتنظيميا تشمل التكوين والتطبيق التجريبي ثم التعميم والتقييم. واستعرضت الوثيقة الإشكاليات المطروحة انطلاقًا من الممارسات اليومية للإدارة التونسية في مختلف أنظمتها المركزية واللامركزية وفي جميع مستوياتها وهياكلها، وهي ممارسات تكتسي طابعا مغلقا وجامدا، حسب وصف جهة المبادرة، وهو ما أدى إلى ظهور اختلالات هيكلية ونقائص وظيفية تتعلق بالتصرف الإداري والمالي، وتمخض عن الأداء الضعيف مظاهر سلبية، وتفشي الممارسات المخلة بمبادئ الحوكمة، وانتشار الفساد الإداري والمحسوبية والوساطة، واحتكار خدمات المرافق العامة والتراخيص. كما نتج عن هذه المظاهر السلبية بطء في الإجراءات وتعطيل مصالح المواطنين والمتعاملين مع الإدارة، إلى جانب تعطل سير الأنشطة الاقتصادية والمشاريع التنموية. وأشار أصحاب المبادرة التشريعية في وثيقة شرح الأسباب إلى أنه رغم ما تم إقراره من إصلاحات وتعديلات قانونية خلال العقود الماضية، فإن تلك التدخلات كانت متفرقة ولم تحقق الأثر المرجو، نظرا لتشتتها وعدم انسجامها وافتقارها إلى مرجعية مؤسسية موحدة، وهو ما استوجب سن إطار قانوني أساسي يكرس الانتقال من إدارة تقليدية مغلقة تعتمد التعليمات إلى إدارة حديثة منفتحة تعتمد النظم والإجراءات القياسية، وتقوم على مبادئ الحوكمة وخاصة الشفافية والمسؤولية والمساءلة والكفاءة والنزاهة، ويتم تجسيدها عبر آليات النشر الدوري والرقمنة والرقابة الداخلية والتنظيم الهيكلي، وبالتالي تحويل الإدارة من عبء إلى قاطرة تنمية. كما تم الانتقال من التنظيم الإداري المركزي المفرط المعتمد إبان الاستقلال، والذي استمر لعقود، إلى اعتماد أساليب التنظيم الإداري اللامركزي بشكل مرحلي، حيث عرف مرحلة مفصلية هامة سنة 1975 بصدور جملة من القوانين التي منحت الاستقلالية الإدارية والمالية للجماعات المحلية، منها القانون الأساسي عدد 33 لسنة 1975 المؤرخ في 14 ماي 1975 المتعلق بالبلديات والنصوص التي تليه، غير أنها بمرور الزمن لم تعد قادرة على تحقيق الأهداف والنتائج المرجوة، في ظل وجود سلطة إشراف على الهياكل المستقلة إداريا وماليا، لا يقتصر دورها على الرقابة المسبقة على المشروعية وسلامة الإجراءات من حيث الملاءمة والمصادقة على القرارات، بل أنها تستعمل أساليب السلطة الرئاسية على الأشخاص والأعمال على غرار ما هو معمول به في مستوى الإدارات الفرعية اللامحورية التابعة هيكليًا للإدارات المركزية، مما أدى إلى تعطيل سير المرافق العامة ومصالح المواطنين والمتعاملين مع الإدارة. ولاحظ أصحاب المبادرة أن اعتماد أساليب الحوكمة في الإدارات العمومية اقتصر على إجراءات متفرقة، منها المرسوم الإطاري عدد 12 لسنة 2011 المؤرخ في 14 نوفمبر 2011 المتعلق بمكافحة الفساد، وهو مرسوم أحدثت بمقتضاه هيئة الحوكمة الرشيدة لكنها لم تحقق الأهداف المرجوة، حسب رأيهم. وتم أيضًا إرساء لجان قارة بالمجالس البلدية تعنى بالحوكمة الرشيدة، لكن لم تكن لها برامج عمل محددة، إضافة إلى تركيز خلايا الحوكمة بمقتضى الأمر الحكومي عدد 1158 لسنة 2016 المؤرخ في 12 أوت 2016 المتعلق بإحداث خلايا الحوكمة وضبط مشمولاتها بالإدارات العمومية، إلا أن نشاطها اقتصر على إعداد التقارير المالية ومتابعة تنفيذ الميزانية بأساليب تقليدية، نظرًا لنشأتها داخل هياكل إدارية لا تعتمد أساليب الحوكمة، وبالتالي لم تحقق الأهداف المنشودة وفق ما أشار إليه أصحاب المبادرة. وتحمل هذه المبادرة إمضاءات النواب صابر المصمودي ونورة الشبراك وهالة جاب الله وبوبكر بن يحي ويسري البواب ومهى عامر وعبد الرزاق عويدات وغسان يامون ومنير الكموني وظافر الصغيري ومريم الشريف ولطفي الهمامي ويوسف التومي وباديس بالحاج علي وماهر الكتاري. وأضاف رئيس كتلة الأحرار صابر المصمودي أنه من المنتظر إيداع مقترح قانون جديد يتعلق بتنقيح مرسوم الصلح الجزائي بهدف تحقيق الأهداف المرجوة من عملية الصلح الجزائي.
سعيدة بوهلال
لإرساء إطار قانوني موحد للتصرف في الإدارة، بادرت مجموعة من أعضاء مجلس نواب الشعب، وفي مقدمتهم رئيس كتلة الأحرار النائب صابر المصمودي، بتقديم مقترح قانون توجيهي جديد يتعلّق بإرساء نظم التصرف الحديث في الإدارة. وقال المصمودي إن ما دفعهم إلى المبادرة بهذا المقترح هو أن المواطن التونسي مازال يشتكي إلى اليوم من الإدارة، كما أن رئيس الجمهورية نفسه تحدث كثيرا عن معاناة المواطن من الإدارة، وهناك إقرار جماعي بوجود إشكاليات على مستوى الإدارة ومتابعة خدماتها في علاقة بالمواطن وفي علاقة بمشاريع الدولة.
وأضاف في تصريح لـ«لصباح» أنه تم الانطلاق منذ سنوات في بعض الإدارات في اعتماد الإيزو، وتم خلال المجلس الوزاري الأخير الحديث عن منصة لمتابعة المشاريع، وبالتالي جاء مقترح القانون في هذا الإطار. ولاحظ ممثل جهة المبادرة أنه من حيث الشكل اتخذ مقترح القانون شكل قانون توجيهي، وهو نص جديد، أي أنه لم يأتِ لينقّح أو يتمّم قانونا قديما. ويهدف القانون التوجيهي بالأساس إلى تحديد الإطار العام والأهداف الكبرى والمبادئ التي تقوم عليها الإدارة من أجل تعزيز الثقة فيها، ويتضمن إجراءات لترسيخ الممارسات الفضلى والتنظيم الذاتي، وفيه تحفيز على اعتماد الوسائل الرقمية واعتماد الترابط البيني، وهي مسائل تعمل الدولة على تطويرها اليوم. وتتمثل أهم النقاط التي تضمنها مقترح القانون التوجيهي، حسب قول النائب صابر المصمودي، في الأدلة المرجعية التي تعتمدها الإدارة، إضافة إلى التنصيص فيه على إحداث وحدة دائمة لمتابعة النشاط الإداري اليومي وتطوير الأداء، ويمكن أن تكون هذه الآلية وسيلة للارتقاء بأداء مكتب الضبط، كما يمكن أن تكون هيكلًا مستقلًا بذاته عن مكتب الضبط. وأشار المصمودي إلى أن جهة المبادرة تريد من خلال مقترح القانون التوجيهي المذكور تعميم الإيزو، وترغب في إرساء إطار تنظيمي جامع تعتمده الإدارة بشكل عام. وذكر أن الفصل السادس عشر من هذا المقترح مهم للغاية حسب رأيه، فهو يسمح لكل ذي مصلحة بالطعن أمام المحكمة الإدارية، خاصة في صورة عدم احترام الإجراءات المكتوبة، أو غياب التوثيق وقابلية التتبع، أو تجاوز الآجال دون مبرر، أو عند الإخلال بمبادئ الشفافية والمساواة وجودة الخدمة العمومية. وفسر عضو مجلس نواب الشعب أن هذه القواعد موجودة في المعايير الدولية، وتريد جهة المبادرة بمقترح القانون اعتمادها، وهي ترغب في أن تتولى الدولة بنفسها وضع أدلة إجرائية لتوضيح عمل الإدارة. كما تريد تعميم نظام إيزو لأن هذا النظام يسمح بالمتابعة والمراقبة من خلال التقارير، بالإضافة إلى أن الدولة ملزمة بالحرص على تطبيق تلك المعايير. خدمة المواطن وتتضمن هذه المبادرة التشريعية، التي أحالها مكتب المجلس خلال اجتماعه الأخير إلى لجنة تنظيم الإدارة وتطويرها والرقمنة والحوكمة ومكافحة الفساد، حسب ما أشار إليه النائب صابر المصمودي، 18 فصلا تتوزع على 6 أبواب. يتعلق الباب الأول بالمبادئ العامة، والباب الثاني بالإطار القانوني والتنظيمي، والباب الثالث بالإجراءات، والباب الرابع بالتكوين والدعم الفني، والباب الخامس بالتقييم والمتابعة، والباب السادس بتنفيذ أحكام القانون والرقابة على تطبيقه. وذكر المصمودي أنه تم عرض هذا المقترح التشريعي في إطار تفعيل الفصل 19 من دستور 2022، الذي ينص على أن الإدارة العمومية في خدمة المواطن وتعمل وفق مبادئ الحياد والمساواة والشفافية، وذلك بما يدعم اعتماد أساليب الحوكمة الرشيدة ومعايير الجودة في التصرف. وأكد على أهمية مقترح القانون المعروض. وأشار المصمودي إلى أن وثيقة شرح الأسباب المصاحبة لمقترح القانون التوجيهي المتعلق بإرساء نظم التصرف الحديث في الإدارة تضمنت تفاصيل ضافية حول أهداف المقترح. إذ تتمثل هذه الأهداف في تعزيز الثقة بين الإدارة والمواطن وكافة المتعاملين معها، وإضفاء النجاعة والجودة على كافة الخدمات والمرافق المسداة، وذلك باعتماد آليات الشفافية، ومنها الرقمنة واستعمال النظم المعلوماتية وأساليب الترابط البيني، واعتماد آليات النشر والإعلام لضمان حق النفاذ إلى المعلومة وسلامة المعاملات وسرعة الإنجاز، إلى جانب إجبارية نشر البيانات المالية والإدارية التي تهم المواطن والمتعاملين مع الإدارة، باستثناء ما اكتسب طابعًا سريًا أو شمله أي شكل من أشكال المنع بمقتضى نص قانوني. ويرمي مقترح القانون أيضا إلى ترسيخ مبادئ التنظيم الذاتي داخل الهياكل العمومية، بما يضمن تقليص التبعية الإدارية والتسلسل المفرط، وإحداث هياكل متابعة داخلية قارة تكون بمثابة لوحة قيادة تضمن الانسيابية والنجاعة في معالجة الملفات، واعتماد أدلة تنظيمية موحدة قابلة للتحيين تلزم الأعوان العموميين بكافة درجاتهم وتحد من التقدير الشخصي الذي يسهم في تعقيد خدمات المرافق العامة، وضبط خارطة توزيع الموارد البشرية بطريقة أنجع وبناء على معايير علمية وتقييمات موضوعية، وتكريس مبادئ التقييم الدوري والمساءلة ومحاربة الفساد المالي والإداري، وضبط آليات الرقابة الداخلية لضمان احترام المشروعية والملاءمة، وضبط مؤشرات قياس الأداء. إطار قانوني موحد وينص الفصل الأول من مقترح القانون التوجيهي المتعلق بإرساء نظم التصرف الحديث في الإدارة على أن هذا القانون يهدف إلى وضع إطار قانوني موحد للتصرف الحديث في الإدارة العمومية، قائم على مبادئ الحوكمة والشفافية والمساءلة والمسؤولية والكفاءة والنزاهة والعدل والمساواة، وعلى جودة الخدمات وتكريس حقوق المواطنين، كما يقوم على التنظيم الذاتي والتكامل الوظيفي والرقابة الداخلية. ويهدف أيضا إلى تبسيط المسارات والإجراءات الإدارية والقضاء على البيروقراطية، وتطوير الأداء الوظيفي للإدارة العمومية، والارتقاء بأداء الأنشطة والممارسات الإدارية وفقًا لمعايير الجودة، بما يضمن الاعتراف بموثوقيتها وكفاءتها وطنيًا ودوليًا، وتعزيز الثقة والمصالحة مع المواطن والمتعاملين مع الإدارة، وتيسير مهام محكمة المحاسبات ومختلف الأجهزة الرقابية المركزية، واعتماد الوسائل الرقمية في التصرف الإداري بما يضمن النجاعة وقابلية التتبع وتحسين جودة الخدمات، واعتماد الترابط البيني بين الهياكل العمومية وتبادل المعطيات والوثائق وفق التشريع الجاري به العمل، بما يحد من الوثائق المطلوبة من المواطنين ويعزز نجاعة المرفق العمومي. أما الفصل الثاني، فهو ينص على أن تشمل منظومة التصرف الحديث في الإدارة العمومية مختلف مراحل معالجة الملفات والمعلومات الإدارية من تاريخ إحداثها أو تلقيها إلى حين اتخاذ القرار النهائي بشأنها أو أرشفتها، وذلك وفق إجراءات مكتوبة وموحدة ومضبوطة تضمن قابلية التتبع وتلزم جميع الأعوان العموميين. وحسب الفصل الثالث من مقترح القانون التوجيهي، تنظم العلاقة بين الإدارة والمواطنين على أساس الشفافية وقابلية التتبع من خلال اعتماد إجراءات مكتوبة وتوثيق مختلف مراحل التصرف الإداري مع إيلاء أولوية لاستعمال الوسائل الرقمية. ويتم تأطير التواصل المباشر عند الاقتضاء بما يضمن توثيقه وعدم الإخلال بحقوق المواطنين في النفاذ إلى المعلومة والخدمات العمومية، وذلك في إطار احترام التشريع الجاري به العمل في مجال حماية المعطيات الشخصية. الإطار التنظيمي ونص الفصل الرابع من الباب الثاني، الذي ضبط الإطار القانوني والتنظيمي، على أن تعتمد الإدارة مقاربة قائمة على حسن التصرف في المعلومات وإسداء خدمات المرافق العمومية، وعلى مبادئ تقنية وعلمية تشمل جميع المعطيات ومعالجتها وحفظها وضمان إتاحتها، وذلك وفق قواعد مضبوطة تكفل سلامتها. أما الفصل الخامس، فقد نص على أن تطبق أحكام هذا القانون المتعلقة بالتصرف في الوثائق الإدارية والأرشيف في انسجام مع النصوص القانونية الجاري بها العمل، مع وجوب التنسيق مع مؤسسة الأرشيف الوطني وسائر الهياكل المعنية، وذلك في إطار احترام التشريعات المتعلقة بالنفاذ إلى المعلومة وحماية المعطيات الشخصية. الإجراءات المتبعة وتم التنصيص في الفصل السادس من الباب الثالث من مقترح القانون التوجيهي المتعلق بإرساء نظم التصرف الحديث في الإدارة، على أن تُعد الأدلة التنظيمية المرجعية على مستوى كافة الهياكل العمومية بالتنسيق مع سلطة الإشراف، وفق نماذج وطنية موحدة تُضبط بأمر، وتراعي المعايير الدولية ومقاييس الجودة. وتعتمد هذه الأدلة بقرار من سلطة الإشراف المختصة، وتكون ملزمة لكافة الأعوان المعنيين. وحسب الفصل السابع من نفس المقترح، تُحدث لدى كل هيكل إداري وحدة دائمة تُسمّى وحدة متابعة النشاط الإداري اليومي وتطوير الأداء، تتولى مهام الرقابة الداخلية ومتابعة الجودة والنجاعة الإدارية، واقتراح آليات تطوير الأداء. وبناء على الفصل الثامن، تُرفع هذه الوحدة إلى رئيس الهيكل الإداري تقارير أسبوعية دورية تتضمن مؤشرات كمية ونوعية تتعلق بمعالجة الملفات ومدى احترام الآجال القانونية وتطبيق الإجراءات المعمول بها. وتعتمد منظومات معلومات لمتابعة الملفات والمؤشرات وإعداد التقارير، وضمان قابلية التتبع وحفظ المعطيات المتعلقة بالنشاط الإداري. ونص الفصل التاسع على أن تُحفظ التقارير والوثائق المتعلقة بالمتابعة والتقييم بصفة منتظمة، وتُعتبر وثائق مرجعية وهي جزء من ذاكرة الهيكل الإداري. التكوين والدعم ونص الفصل العاشر من مقترح القانون على أن تتولى الدولة وضع برامج للتكوين المستمر لفائدة الأعوان والإطارات في مجالات التصرف في العمليات الإدارية، ومعالجة الملفات، والرقابة الداخلية، وجودة الخدمات الإدارية، والتحول الرقمي، وإعداد الأدلة التنظيمية وتحيينها. وتُحدث بموجب الفصل الحادي عشر قاعدة بيانات وطنية للأعوان المؤهلين للتكوين والمرافقة الفنية في مجالات التصرف الحديث والجودة، تُدار مركزيًا من قبل رئاسة الحكومة. ونص الفصل الثاني عشر على أن تعتمد الإدارة العمومية المعايير الوطنية والدولية المعترف بها في مجالات التصرف وجودة الخدمات، والتصرف في المخاطر، ومكافحة الفساد، والتصرف في الوثائق، مع مراعاة خصوصيات المرفق العمومي. أما الفصل الموالي، فقد نص على أن تُضبط مؤشرات وطنية لقياس أداء الإدارة العمومية، خاصة المتعلقة بآجال معالجة الملفات ومدى احترام الإجراءات، ومستوى رضا مستعملي المرفق العمومي، ونسبة رقمنة الخدمات، وعدد الشكاوى. وتنشر هذه المؤشرات بصفة دورية وفق صيغ تُضبط بأمر. تدرج في التطبيق تضمنت المبادرة التشريعية المعروضة على أنظار لجنة تنظيم الإدارة وتطويرها والرقمنة والحوكمة ومكافحة الفساد أحكامًا حول تنفيذ القانون التوجيهي المتعلق بإرساء نظم التصرف الحديث في الإدارة. ونصت المبادرة في الفصل الرابع عشر على أن يتم تنفيذ أحكام هذا القانون تدريجيا وفق روزنامة تُضبط بأمر، على ألا تتجاوز مدة التعميم خمس سنوات، مع إيلاء الأولوية لتطوير أساليب التصرف الإداري واعتماد الوسائل الرقمية. أما الفصل الموالي، فقد نص على إخضاع الهياكل العمومية المعنية بأحكام هذا القانون إلى رقابة دورية من قبل هياكل الرقابة المختصة، للتثبت من مدى احترام الإجراءات والمعايير المنصوص عليها بهذا القانون والنصوص الترتيبية الصادرة تطبيقا له. وحسب الفصل السادس عشر، يمكن لكل ذي مصلحة الطعن أمام المحكمة الإدارية في القرارات أو الممارسات الإدارية الناتجة عن عدم احترام أحكام هذا القانون، خاصة في حال عدم احترام الإجراءات المكتوبة، أو غياب التوثيق وقابلية التتبع، أو تجاوز الآجال دون مبرر، أو الإخلال بمبادئ الشفافية والمساواة وجودة الخدمة العمومية. وتأخذ المحكمة الإدارية بعين الاعتبار مدى احترام الإدارة لمبادئ التصرف الحديث والحوكمة المنصوص عليها بهذا القانون عند تقدير مشروعية القرار الإداري. ونص الفصل السابع عشر على أن تلتزم الهياكل العمومية بوضع خطط تصحيحية لمعالجة الإخلالات والمعاينات الواردة بتقارير الرقابة أو الأحكام القضائية أو تقارير التقييم، مع تحديد آجال التنفيذ والمتابعة. ونص الفصل الأخير على إلغاء جميع الأحكام السابقة المخالفة لأحكام هذا القانون. شرح الأسباب وخلص النائب صابر المصمودي إلى التأكيد على أهمية المبادرة التشريعية وما جاء في وثيقة شرح الأسباب المصاحبة لمقترح هذا القانون التوجيهي المتعلق بإرساء نظم التصرف الحديث في الإدارة، الذي أحاله مكتب مجلس نواب الشعب يوم الخميس 4 جوان 2026 إلى لجنة تنظيم الإدارة وتطويرها والرقمنة والحوكمة ومكافحة الفساد. وإلى جانب تعداد أهداف المبادرة، تمت الإشارة في وثيقة شرح الأسباب إلى أن مقترح القانون التوجيهي المذكور يقوم على مبادئ الانسجام مع الإطار القانوني الحالي، خاصة فيما يتعلق بالتصرف في الوثائق والأرشيف والوظيفة العمومية، دون أن يترتب عنه أعباء مالية إضافية مباشرة، باستثناء ما يخص التكوين والمراقبة التقنية، إذ تقتضي المرحلة، حسب رأي جهة المبادرة، إعادة هندسة شاملة للإجراءات بالاستناد إلى المعايير الدولية، وتتطلب سد الفراغ التنظيمي لكي يتم الاعتراف بموثوقية الإدارة وكفاءاتها وطنيًا ودوليًا، ولكي تستعيد دورها في دفع عجلة التنمية والاقتصاد بشكل عام، وتستوجب الوضعية ضرورة الرفع عالياً من أداء أنشطة الإدارة وفقًا لمعايير الجودة. كما تمت الإشارة في نفس الوثيقة إلى أن مقترح القانون التوجيهي يمثل قاعدة لتحول ثقافي وإداري جوهري نحو إدارة مبنية على الجدوى والأداء والتخطيط والرقمنة، عبر إجراءات مضبوطة زمنيا وتنظيميا تشمل التكوين والتطبيق التجريبي ثم التعميم والتقييم. واستعرضت الوثيقة الإشكاليات المطروحة انطلاقًا من الممارسات اليومية للإدارة التونسية في مختلف أنظمتها المركزية واللامركزية وفي جميع مستوياتها وهياكلها، وهي ممارسات تكتسي طابعا مغلقا وجامدا، حسب وصف جهة المبادرة، وهو ما أدى إلى ظهور اختلالات هيكلية ونقائص وظيفية تتعلق بالتصرف الإداري والمالي، وتمخض عن الأداء الضعيف مظاهر سلبية، وتفشي الممارسات المخلة بمبادئ الحوكمة، وانتشار الفساد الإداري والمحسوبية والوساطة، واحتكار خدمات المرافق العامة والتراخيص. كما نتج عن هذه المظاهر السلبية بطء في الإجراءات وتعطيل مصالح المواطنين والمتعاملين مع الإدارة، إلى جانب تعطل سير الأنشطة الاقتصادية والمشاريع التنموية. وأشار أصحاب المبادرة التشريعية في وثيقة شرح الأسباب إلى أنه رغم ما تم إقراره من إصلاحات وتعديلات قانونية خلال العقود الماضية، فإن تلك التدخلات كانت متفرقة ولم تحقق الأثر المرجو، نظرا لتشتتها وعدم انسجامها وافتقارها إلى مرجعية مؤسسية موحدة، وهو ما استوجب سن إطار قانوني أساسي يكرس الانتقال من إدارة تقليدية مغلقة تعتمد التعليمات إلى إدارة حديثة منفتحة تعتمد النظم والإجراءات القياسية، وتقوم على مبادئ الحوكمة وخاصة الشفافية والمسؤولية والمساءلة والكفاءة والنزاهة، ويتم تجسيدها عبر آليات النشر الدوري والرقمنة والرقابة الداخلية والتنظيم الهيكلي، وبالتالي تحويل الإدارة من عبء إلى قاطرة تنمية. كما تم الانتقال من التنظيم الإداري المركزي المفرط المعتمد إبان الاستقلال، والذي استمر لعقود، إلى اعتماد أساليب التنظيم الإداري اللامركزي بشكل مرحلي، حيث عرف مرحلة مفصلية هامة سنة 1975 بصدور جملة من القوانين التي منحت الاستقلالية الإدارية والمالية للجماعات المحلية، منها القانون الأساسي عدد 33 لسنة 1975 المؤرخ في 14 ماي 1975 المتعلق بالبلديات والنصوص التي تليه، غير أنها بمرور الزمن لم تعد قادرة على تحقيق الأهداف والنتائج المرجوة، في ظل وجود سلطة إشراف على الهياكل المستقلة إداريا وماليا، لا يقتصر دورها على الرقابة المسبقة على المشروعية وسلامة الإجراءات من حيث الملاءمة والمصادقة على القرارات، بل أنها تستعمل أساليب السلطة الرئاسية على الأشخاص والأعمال على غرار ما هو معمول به في مستوى الإدارات الفرعية اللامحورية التابعة هيكليًا للإدارات المركزية، مما أدى إلى تعطيل سير المرافق العامة ومصالح المواطنين والمتعاملين مع الإدارة. ولاحظ أصحاب المبادرة أن اعتماد أساليب الحوكمة في الإدارات العمومية اقتصر على إجراءات متفرقة، منها المرسوم الإطاري عدد 12 لسنة 2011 المؤرخ في 14 نوفمبر 2011 المتعلق بمكافحة الفساد، وهو مرسوم أحدثت بمقتضاه هيئة الحوكمة الرشيدة لكنها لم تحقق الأهداف المرجوة، حسب رأيهم. وتم أيضًا إرساء لجان قارة بالمجالس البلدية تعنى بالحوكمة الرشيدة، لكن لم تكن لها برامج عمل محددة، إضافة إلى تركيز خلايا الحوكمة بمقتضى الأمر الحكومي عدد 1158 لسنة 2016 المؤرخ في 12 أوت 2016 المتعلق بإحداث خلايا الحوكمة وضبط مشمولاتها بالإدارات العمومية، إلا أن نشاطها اقتصر على إعداد التقارير المالية ومتابعة تنفيذ الميزانية بأساليب تقليدية، نظرًا لنشأتها داخل هياكل إدارية لا تعتمد أساليب الحوكمة، وبالتالي لم تحقق الأهداف المنشودة وفق ما أشار إليه أصحاب المبادرة. وتحمل هذه المبادرة إمضاءات النواب صابر المصمودي ونورة الشبراك وهالة جاب الله وبوبكر بن يحي ويسري البواب ومهى عامر وعبد الرزاق عويدات وغسان يامون ومنير الكموني وظافر الصغيري ومريم الشريف ولطفي الهمامي ويوسف التومي وباديس بالحاج علي وماهر الكتاري. وأضاف رئيس كتلة الأحرار صابر المصمودي أنه من المنتظر إيداع مقترح قانون جديد يتعلق بتنقيح مرسوم الصلح الجزائي بهدف تحقيق الأهداف المرجوة من عملية الصلح الجزائي.