إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

تتوزع على امتداد السنة وتنال نصيبا كبيرا من الميزانية الخاصة بالثقافة.. المهرجانات والتظاهرات تواصل تكريسها للذوق الواحد.. والحاجة ملحة للانتصار للقيمة الفنية

●  تركيز على الفلكلور والتنشيط، وأولوية للفنان العربي، والمشاريع الفنية تبقى دون المأمول
●  الأطفال واليافعون جمهور قائم بذاته، والبرمجة الخاصة به تكاد تكون منعدمة، وبعض المبادرات في حاجة إلى دراسة أعمق

تتوزع العروض الفنية والثقافية في تونس على امتداد السنة ضمن برمجة شتوية ومهرجانات صيفية تنال نصيبا كبيرا من الميزانية المخصصة للفعل الثقافي في البلاد. هذه الخارطة الثقافية تسيطر عليها، ومنذ سنوات، الخيارات الفلكلورية والتنشيطية على حساب الإنتاج الفني والفكري، وتمنح عبرها الأولوية للفنان العربي - ومعظم هؤلاء الضيوف من فنانين عرب ينتمون إلى فئة فناني الإيقاع ولا يحملون مشاريع فنية مجددة - كما يسمح للخواص بتنظيم حفلات على أهم مسارح تونس وأعرقها دون متابعة لمحتواها الذي يتجاوز، في كثير من الأحيان، المعايير، ولا يهتم إلا بالجانب التجاري..

لماذا نتحدث عن هذه الظاهرة وقد أصبحت متفشية في المشهد الثقافي لأكثر من عقدين؟ المسألة أن هذه الدائرة تتسع تدريجيا، وأصبح تأثيرها السلبي أعمق، وهي تتوسع على حساب التظاهرات الجادة التي تهدف إلى تحقيق التنمية الفكرية وخلق وعي وذائقة فنية لدى الناشئة وجيل اليافعين خاصة. فهؤلاء المراهقون لا يجدون مساحة كافية للتعبير، والمبادرات القليلة الموجهة لهم مثل «مصيف الكتاب» أو بعض التظاهرات المسرحية والسينمائية تبقى غير كافية، وأحيانا تكون التظاهرات الموجهة لجمهور الأطفال واليافعين لا تستجيب لمعايير العصر ولا لتطلعات الفئات المستهدفة.
ومن نتائج هذا المشهد الثقافي والترفيهي، أننا صرنا نلاحظ أكثر فأكثر وجود أطفال ويافعين في المهرجانات الكبرى يغنون ويرقصون على أغانٍ لا تناسب أعمارهم ولا تتناسب مع معايير التنشئة السليمة، وكل ذلك على مرأى من عائلاتهم ومسؤولي المهرجانات الذين يؤكدون في كل مناسبة رفضهم لوجود الأطفال في سهرات معينة لا تناسب أعمارهم.
صحيح، أن  وزارة الشؤون الثقافية تقوم بمجهود كبير ضمن برنامجها السنوي «مصيف الكتاب» بالشواطئ والفضاءات العامة، وتقترح ورشات تعمل على الترغيب في المطالعة باستخدام الألعاب الترفيهية والفكرية، مع عروض لمسرح العرائس والحكواتي وبرمجة سينمائية وموسيقية، لكن تبقى طريقة تنظيم مثل هذه المبادرات ومضامينها في حاجة إلى دراسة أكبر ولمتابعة دقيقة لهذه العروض في كامل مناطق البلاد من قبل المندوبيات الثقافية لضمان خلو البرمجة الموجهة للجيل الصغير من تجاوزات أو إخلال بالمعايير.
ولنا أن نشير إلى أن الطفل واليافع التونسي في حاجة إلى عروض فنية خاصة بموسم الصيف أفضل مما هو موجود، وأن تكون البرمجة موزعة على كافة جهات البلاد تطبيقا لمبادئ الديمقراطية الثقافية، وحتى لا يبقى الحديث عن اللامركزية في حدود النظري.
والسؤال، هل هناك مشروع ثقافي موجه للأطفال واليافعين في بلادنا؟ الحقيقة أن المشهد الثقافي شتاء وصيفا يؤكد العكس. فلِمَ تُلام العائلات التي تصر على اصطحاب أبنائها الصغار إلى المهرجانات ولمواكبة عروض في أغلبها لا تتلاءم مع أعمارهم، بينما لا تراعي برمجة التظاهرات هذه الفئة من الجمهور ولا تخصها بعروض تتلاءم مع سنها واحتياجاتها؟ وقد لا نكون في حاجة إلى التأكيد على أن هذه الفئة الواسعة من المجتمع في حاجة أكثر لبرامج تنمي فكرها وثقافتها الفنية، ونشير في هذا السياق إلى أن مهرجان قرطاج الدولي مثلا نجح في السابق في برمجة عروض من التبادل الثقافي موجهة لجمهور الأطفال واليافعين تلتزم بمقاييس الحرفية والجودة، وفي الآن نفسه هي مساحة للإبداع واكتشاف ثقافات أخرى للجمهور التونسي.
بعض التظاهرات الثقافية الجهوية حاولت من جانبها مؤخرا استقطاب اليافعين لورشات في صناعة المحتوى والذكاء الاصطناعي وغيرها من الأنشطة ذات البعد الرقمي، ومع ذلك ما زالت هذه الخيارات في حاجة إلى مراجعة عميقة. ففي السابق كان لليافعين متنفس لثقافة بديلة من خلال فنون الشارع التي تنتج فنونا تعبر عن هواجسهم وأحلامهم، منها الغرافيتي ورقص الهيب هوب وموسيقى الراب بتمردها الواعد، لكن اليوم لم يعد للشارع التونسي ذاك التوهج في ظل انتشار ثقافة رقمية لم يستفد منها فعليا إلا بعض الشباب المتعاونين والمدعومين ضمن برامج مركز تونس الدولي للاقتصاد الثقافي الرقمي مثلا، بينما معظم المهتمين بهذا الجانب من الثقافة المعرفية والابتكارات يظلون على هامش الخيارات...
صحيح أن التنوع يلون خارطة البرمجة الثقافية والفنية في بلادنا عبر استمرارية المواعيد الكبرى على غرار أيام قرطاج المسرحية كما السينمائية والموسيقية ومعرض تونس الدولي للكتاب وخصوصية عدد من التظاهرات المخصصة لموسيقات العالم، المالوف، السمفونيات وغيرها من ألوان الفنون والثقافة، ومع ذلك لا وجود لطفرة فكرية أو فنية للإنتاج الوطني، وكأننا في مرحلة التسيير لهذه البرامج الثقافية حفاظا على الاستمرارية دون مراجعة أو سعي للتطوير والتجديد.
وهنا لا بد أن نتساءل: هل هذه الخيارات تعكس الهوية الثقافية التونسية؟ وهل إن برمجة عدد مهم من العروض الفلكلورية التي يكون بعضها هجينا ومستهلكا تحت بند تثمين التراث هي الحل، والحال أن هناك انتقادات واسعة لهذا الاختيار، إذ كثيرا ما يوظف التراث لأهداف تجارية بحتة ولغايات ربحية تسويقية لا تخدم التراث ولا تخدم المشهد الفني والثقافي عموما.
والواضح أننا لم نتخلص من ثقافة أصبحت مهيمنة، وهي التركيز على الترفيه على حساب بقية الاختيارات، وهو ما نتج عنه تكريس للذوق الواحد. المشهد يتكرر تقريبا في كل المهرجانات: إيقاعات سريعة دون بحث، عروض جاهزة للاستهلاك، ولا نكاد نعثر على مشاريع فنية حقيقية. والسؤال، لماذا تستمر تلك الفجوة بين ما تؤكد عليه سلطة الإشراف، سواء من خلال هياكلها المركزية أو من خلال المندوبيات الجهوية للشؤون الثقافية، من ضرورة احترام كل الأذواق واعتماد معايير الجودة والانتقاء الجيد للعروض، وبين ما هو موجود في الواقع، إذ تستمر المهرجانات في اعتماد برمجة تركز على العروض التنشيطية والترفيهية حتى إننا نجد أن عددا من المندوبيات تفضل دعم العروض التنشيطية التجارية على حساب التظاهرات الثقافية الموجهة للفكر والتوعية والتثمين الحقيقي للإرث الثقافي الوطني.
ويظل ملف العروض الأجنبية والعربية المعضلة الأكبر للبرمجة الصيفية، حتى أن بعض الأسماء التجارية بدأت تتسلل لعروض مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة، مما يثير الاستغراب فعلا. ولعل الخطر الأكبر هو سيطرة منطق السوق والارتهان لمتعهدي الحفلات الذين يختارون الأقل ثمنا. لا ننسى أيضا مسألة مهمة، وهي أن الساهرين على البرمجة يكون لديهم أحيانا هاجس وحيد، وهو إعداد روزنامة العروض وغلق ملف البرمجة، مما يجعل الكم الكبير من البرمجة يتمثل في عروض تنشيطية وترفيهية وتجارية، وذلك على حساب العروض الثقافية التي تحمل قيمة فنية وتمتاز بالجودة العالية.

نجلاء قموع

تتوزع على امتداد السنة وتنال نصيبا كبيرا من الميزانية الخاصة بالثقافة..  المهرجانات والتظاهرات تواصل تكريسها للذوق الواحد.. والحاجة ملحة للانتصار للقيمة الفنية

●  تركيز على الفلكلور والتنشيط، وأولوية للفنان العربي، والمشاريع الفنية تبقى دون المأمول
●  الأطفال واليافعون جمهور قائم بذاته، والبرمجة الخاصة به تكاد تكون منعدمة، وبعض المبادرات في حاجة إلى دراسة أعمق

تتوزع العروض الفنية والثقافية في تونس على امتداد السنة ضمن برمجة شتوية ومهرجانات صيفية تنال نصيبا كبيرا من الميزانية المخصصة للفعل الثقافي في البلاد. هذه الخارطة الثقافية تسيطر عليها، ومنذ سنوات، الخيارات الفلكلورية والتنشيطية على حساب الإنتاج الفني والفكري، وتمنح عبرها الأولوية للفنان العربي - ومعظم هؤلاء الضيوف من فنانين عرب ينتمون إلى فئة فناني الإيقاع ولا يحملون مشاريع فنية مجددة - كما يسمح للخواص بتنظيم حفلات على أهم مسارح تونس وأعرقها دون متابعة لمحتواها الذي يتجاوز، في كثير من الأحيان، المعايير، ولا يهتم إلا بالجانب التجاري..

لماذا نتحدث عن هذه الظاهرة وقد أصبحت متفشية في المشهد الثقافي لأكثر من عقدين؟ المسألة أن هذه الدائرة تتسع تدريجيا، وأصبح تأثيرها السلبي أعمق، وهي تتوسع على حساب التظاهرات الجادة التي تهدف إلى تحقيق التنمية الفكرية وخلق وعي وذائقة فنية لدى الناشئة وجيل اليافعين خاصة. فهؤلاء المراهقون لا يجدون مساحة كافية للتعبير، والمبادرات القليلة الموجهة لهم مثل «مصيف الكتاب» أو بعض التظاهرات المسرحية والسينمائية تبقى غير كافية، وأحيانا تكون التظاهرات الموجهة لجمهور الأطفال واليافعين لا تستجيب لمعايير العصر ولا لتطلعات الفئات المستهدفة.
ومن نتائج هذا المشهد الثقافي والترفيهي، أننا صرنا نلاحظ أكثر فأكثر وجود أطفال ويافعين في المهرجانات الكبرى يغنون ويرقصون على أغانٍ لا تناسب أعمارهم ولا تتناسب مع معايير التنشئة السليمة، وكل ذلك على مرأى من عائلاتهم ومسؤولي المهرجانات الذين يؤكدون في كل مناسبة رفضهم لوجود الأطفال في سهرات معينة لا تناسب أعمارهم.
صحيح، أن  وزارة الشؤون الثقافية تقوم بمجهود كبير ضمن برنامجها السنوي «مصيف الكتاب» بالشواطئ والفضاءات العامة، وتقترح ورشات تعمل على الترغيب في المطالعة باستخدام الألعاب الترفيهية والفكرية، مع عروض لمسرح العرائس والحكواتي وبرمجة سينمائية وموسيقية، لكن تبقى طريقة تنظيم مثل هذه المبادرات ومضامينها في حاجة إلى دراسة أكبر ولمتابعة دقيقة لهذه العروض في كامل مناطق البلاد من قبل المندوبيات الثقافية لضمان خلو البرمجة الموجهة للجيل الصغير من تجاوزات أو إخلال بالمعايير.
ولنا أن نشير إلى أن الطفل واليافع التونسي في حاجة إلى عروض فنية خاصة بموسم الصيف أفضل مما هو موجود، وأن تكون البرمجة موزعة على كافة جهات البلاد تطبيقا لمبادئ الديمقراطية الثقافية، وحتى لا يبقى الحديث عن اللامركزية في حدود النظري.
والسؤال، هل هناك مشروع ثقافي موجه للأطفال واليافعين في بلادنا؟ الحقيقة أن المشهد الثقافي شتاء وصيفا يؤكد العكس. فلِمَ تُلام العائلات التي تصر على اصطحاب أبنائها الصغار إلى المهرجانات ولمواكبة عروض في أغلبها لا تتلاءم مع أعمارهم، بينما لا تراعي برمجة التظاهرات هذه الفئة من الجمهور ولا تخصها بعروض تتلاءم مع سنها واحتياجاتها؟ وقد لا نكون في حاجة إلى التأكيد على أن هذه الفئة الواسعة من المجتمع في حاجة أكثر لبرامج تنمي فكرها وثقافتها الفنية، ونشير في هذا السياق إلى أن مهرجان قرطاج الدولي مثلا نجح في السابق في برمجة عروض من التبادل الثقافي موجهة لجمهور الأطفال واليافعين تلتزم بمقاييس الحرفية والجودة، وفي الآن نفسه هي مساحة للإبداع واكتشاف ثقافات أخرى للجمهور التونسي.
بعض التظاهرات الثقافية الجهوية حاولت من جانبها مؤخرا استقطاب اليافعين لورشات في صناعة المحتوى والذكاء الاصطناعي وغيرها من الأنشطة ذات البعد الرقمي، ومع ذلك ما زالت هذه الخيارات في حاجة إلى مراجعة عميقة. ففي السابق كان لليافعين متنفس لثقافة بديلة من خلال فنون الشارع التي تنتج فنونا تعبر عن هواجسهم وأحلامهم، منها الغرافيتي ورقص الهيب هوب وموسيقى الراب بتمردها الواعد، لكن اليوم لم يعد للشارع التونسي ذاك التوهج في ظل انتشار ثقافة رقمية لم يستفد منها فعليا إلا بعض الشباب المتعاونين والمدعومين ضمن برامج مركز تونس الدولي للاقتصاد الثقافي الرقمي مثلا، بينما معظم المهتمين بهذا الجانب من الثقافة المعرفية والابتكارات يظلون على هامش الخيارات...
صحيح أن التنوع يلون خارطة البرمجة الثقافية والفنية في بلادنا عبر استمرارية المواعيد الكبرى على غرار أيام قرطاج المسرحية كما السينمائية والموسيقية ومعرض تونس الدولي للكتاب وخصوصية عدد من التظاهرات المخصصة لموسيقات العالم، المالوف، السمفونيات وغيرها من ألوان الفنون والثقافة، ومع ذلك لا وجود لطفرة فكرية أو فنية للإنتاج الوطني، وكأننا في مرحلة التسيير لهذه البرامج الثقافية حفاظا على الاستمرارية دون مراجعة أو سعي للتطوير والتجديد.
وهنا لا بد أن نتساءل: هل هذه الخيارات تعكس الهوية الثقافية التونسية؟ وهل إن برمجة عدد مهم من العروض الفلكلورية التي يكون بعضها هجينا ومستهلكا تحت بند تثمين التراث هي الحل، والحال أن هناك انتقادات واسعة لهذا الاختيار، إذ كثيرا ما يوظف التراث لأهداف تجارية بحتة ولغايات ربحية تسويقية لا تخدم التراث ولا تخدم المشهد الفني والثقافي عموما.
والواضح أننا لم نتخلص من ثقافة أصبحت مهيمنة، وهي التركيز على الترفيه على حساب بقية الاختيارات، وهو ما نتج عنه تكريس للذوق الواحد. المشهد يتكرر تقريبا في كل المهرجانات: إيقاعات سريعة دون بحث، عروض جاهزة للاستهلاك، ولا نكاد نعثر على مشاريع فنية حقيقية. والسؤال، لماذا تستمر تلك الفجوة بين ما تؤكد عليه سلطة الإشراف، سواء من خلال هياكلها المركزية أو من خلال المندوبيات الجهوية للشؤون الثقافية، من ضرورة احترام كل الأذواق واعتماد معايير الجودة والانتقاء الجيد للعروض، وبين ما هو موجود في الواقع، إذ تستمر المهرجانات في اعتماد برمجة تركز على العروض التنشيطية والترفيهية حتى إننا نجد أن عددا من المندوبيات تفضل دعم العروض التنشيطية التجارية على حساب التظاهرات الثقافية الموجهة للفكر والتوعية والتثمين الحقيقي للإرث الثقافي الوطني.
ويظل ملف العروض الأجنبية والعربية المعضلة الأكبر للبرمجة الصيفية، حتى أن بعض الأسماء التجارية بدأت تتسلل لعروض مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة، مما يثير الاستغراب فعلا. ولعل الخطر الأكبر هو سيطرة منطق السوق والارتهان لمتعهدي الحفلات الذين يختارون الأقل ثمنا. لا ننسى أيضا مسألة مهمة، وهي أن الساهرين على البرمجة يكون لديهم أحيانا هاجس وحيد، وهو إعداد روزنامة العروض وغلق ملف البرمجة، مما يجعل الكم الكبير من البرمجة يتمثل في عروض تنشيطية وترفيهية وتجارية، وذلك على حساب العروض الثقافية التي تحمل قيمة فنية وتمتاز بالجودة العالية.

نجلاء قموع