إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

بين صفحات الدليل وواقع الميدان: متاحف تونس بين إشكالية التعريف بوجودها وتطوير جاذبيتها وتجربتها

"دليل المتاحف في تونس" الصادر حديثا يقدم معلومات حول 23 متحفا بمختلف الجهات

الرهان الحقيقي اليوم لا يتمثل في توفير المعلومات فقط حول المتاحف، بل في إعادة صياغة علاقتها مع الجمهور
البيئة الثقافية الجديدة تتطلب رؤية تجعل من المتحف مؤسسة حية قادرة على مخاطبة جمهور متغير باستمرار
تونس – الصباح
بإصدارها "دليل المتاحف في تونس" يوم أول أمس الاثنين غرة جوان 2026، فتحت وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، بإشراف وزارة الشؤون الثقافية، نافذة جديدة للتعريف بالمشهد المتحفي التونسي وما يزخر به من رصيد أثري وفني وحضاري يعكس تنوع الذاكرة الوطنية وثراء الحضارات التي تعاقبت على البلاد.
ويقدّم هذا الدليل مادة توثيقية باللغة الفرنسية موزعة على 68 صفحة، تتعلق بـ23 متحفا بمختلف الجهات التونسية، وموجهة إلى الباحثين والمهتمين بالتراث وعشاق التاريخ والسياحة الثقافية، عبر التعريف بأبرز المتاحف التونسية ومحتوياتها وخصوصياتها، في خطوة تندرج ضمن جهود تثمين التراث الثقافي الوطني وتعزيز الإقبال على المتاحف باعتبارها فضاءات للمعرفة وحفظ الذاكرة الجماعية ودعم السياحة الثقافية.


غير أن صدور هذا الدليل، على أهميته الرمزية والثقافية، يطرح في المقابل أسئلة أعمق تتجاوز محتواه ذاته إلى واقع المتاحف التونسية ومستقبلها ودورها في مجتمع يشهد تحولات متسارعة في طرق الوصول إلى المعرفة واستهلاك الثقافة. فهل تعاني المتاحف التونسية فعلا من نقص في التعريف بها حتى يكون الحل في إصدار دليل جديد؟ أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في مستوى الجاذبية والخدمات والتجربة الثقافية التي تقدمها للزوار؟ وهل ما تحتاجه هذه المؤسسات اليوم هو مزيد من الأدلة والمنشورات أم مراجعة شاملة لعلاقتها بالجمهور؟
للوهلة الأولى يبدو الدليل الجديد استجابة لحاجة فعلية تتمثل في تجميع المعلومات المتعلقة بالمؤسسات المتحفية المنتشرة في مختلف جهات البلاد داخل مرجع واحد (لا يُعلم إلى الآن هل هو متوفر بصفة مجانية، وهل سينشر على مختلف المحامل الرقمية، وهل سيتم توفير نسخ مطبوعة، وكيف سيتمّ توزيعها). فالواقع يؤكد أنّ عددا مُهمّا من التونسيين لا يعرفون سوى عدد محدود من المتاحف الكبرى مثل متحف باردو أو متحف قرطاج أو بعض المتاحف المعروفة في المدن السياحية، في حين تبقى عشرات المتاحف الجهوية أو المتخصصة شبه غائبة عن الوعي العام والإعلامي.
ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار الدليل محاولة لسد فجوة معرفية قائمة منذ سنوات، خاصة في ظل ضعف التغطية الإعلامية المنتظمة للشأن المتحفي وغياب حملات ترويجية واسعة لهذه الفضاءات. لكن بمجرد الانتقال من صفحات الدليل إلى الواقع الميداني تبرز أسئلة أخرى أكثر تعقيدا. فالتعريف بالمتحف لا يعني بالضرورة إقناع الزائر بزيارته، والمعرفة بوجود مؤسسة ثقافية لا تتحول تلقائيا إلى رغبة في اكتشافها، وهنا تحديدا تبدأ حدود أي دليل مهما بلغت جودة محتواه.
فالمتاحف التونسية لا تواجه اليوم فقط تحدي الظهور والانتشار، بل تواجه أيضا تحدي الجاذبية. ذلك أن جزءا من الجمهور، وخاصة من فئة الشباب، لا ينظر إلى المتحف باعتباره فضاء حيا ومثيرا للاهتمام، بل باعتباره مكانا تقليديا يرتبط بالزيارات المدرسية أو بالسياح الأجانب أكثر مما يرتبط بالحياة الثقافية اليومية. وهذه الصورة ليست بالضرورة نتيجة ضعف التراث المعروض أو فقر المحتوى الثقافي، بل ترتبط في كثير من الأحيان بطريقة تقديم هذا المحتوى وآليات التفاعل معه.
ففي عصر أصبحت فيه الثقافة نفسها تخضع لمنطق المنافسة مع المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية والوسائط التفاعلية، لم يعد يكفي عرض قطعة أثرية داخل واجهة زجاجية مصحوبة ببطاقة تعريفية مختصرة. الزائر المعاصر يبحث عن تجربة كاملة، عن قصة، عن تفاعل، عن محتوى بصري وسمعي، وعن شعور بالاكتشاف والمشاركة.
ومن هنا تبرز المفارقة التي يسلط عليها صدور الدليل الضوء بشكل غير مباشر. فبينما يقدّم الدليل صورة منظمة وغنية عن المتاحف التونسية، فإن الواقع الميداني لبعض هذه المؤسسات يكشف تفاوتا واضحا في مستوى التجهيزات والخدمات والاستقبال والبنية التحتية. فهناك متاحف نجحت خلال السنوات الأخيرة في تحسين ظروف العرض والتعريف بمجموعاتها، بينما لا تزال مؤسسات أخرى تعاني من محدودية الفضاءات أو نقص الوسائط التفسيرية أو ضعف الخدمات الموجهة للزائر. وقد يجد الزائر أحيانا نفسه أمام كنوز أثرية نادرة، لكنه لا يجد ما يكفي من الأدوات التي تساعده على فهمها أو التفاعل معها. وهنا يصبح السؤال مشروعا: هل تكمن الأولوية في تعريف الجمهور بالمتحف أم في تطوير تجربة الزيارة داخله؟ لأن الدليل، مهما كان متقنا، لا يستطيع وحده معالجة الإشكالات المرتبطة بجودة التجربة الثقافية على أرض الواقع.
ويكتسب هذا النقاش أهمية أكبر عند النظر إلى الأرقام المسجلة خلال سنة 2025، إذ بلغت مداخيل المتاحف والمواقع الأثرية في تونس قرابة 17 مليون دينار، مع تسجيل نحو مليوني زائر. وهي أرقام تعكس من جهة قدرة التراث الثقافي على المساهمة في الدورة الاقتصادية، لكنها تعيد من جهة أخرى طرح سؤال العلاقة بين الثقافة والتنمية. فهذه الأرقام لا ينبغي قراءتها فقط باعتبارها مؤشرات مالية، بل باعتبارها مؤشرات على حجم الطلب الثقافي الممكن وعلى الإمكانات غير المستغلة بعد. فحين تستقطب المتاحف والمواقع الأثرية مليوني زائر في سنة واحدة، فإن ذلك يعني أن هناك جمهورا موجودا بالفعل، لكن التحدي يكمن في توسيعه وتنويعه وتحويل الزيارة من نشاط استثنائي إلى ممارسة ثقافية أكثر انتظاما.
وفي هذا السياق يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يحتاج الزائر اليوم إلى دليل ورقي أم إلى تجربة رقمية؟ فالعالم الذي أنتج الأدلة السياحية الكلاسيكية تغير بشكل جذري. الزائر المعاصر غالبا ما يبدأ رحلته من شاشة الهاتف قبل أن يخطو أول خطوة نحو الموقع الذي ينوي زيارته. يبحث عن الصور والتقييمات والخرائط وساعات العمل والمسارات المقترحة والمحتويات التفاعلية. لذلك فإن القيمة الحقيقية لأي دليل لم تعد فقط في المعلومات التي يحتويها، بل في قدرته على الاندماج ضمن منظومة رقمية أوسع. فالكثير من المؤسسات الثقافية حول العالم انتقلت من فكرة الدليل المطبوع إلى مفهوم المنصة الرقمية المتكاملة التي توفر للزائر المعلومات والحجز والتوجيه والمحتوى التفاعلي في آن واحد. ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى الدليل الجديد باعتباره خطوة أولى إيجابية، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤال الخطوة التالية: هل سيتم تحويل هذا الرصيد المعرفي إلى تطبيقات رقمية وخرائط ذكية ومسارات ثقافية تفاعلية؟
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد مواكبة للتكنولوجيا من أجل التكنولوجيا، بل باستجابة لتحولات عميقة في سلوك الجمهور. فالأجيال الجديدة لا تستهلك الثقافة بالطريقة نفسها التي كانت سائدة قبل عقدين أو ثلاثة عقود. وهي تبحث عن محتوى سريع الوصول وغني بالوسائط وقابل للمشاركة عبر المنصات الرقمية. لذلك فإن الرهان الحقيقي أمام المتاحف التونسية لا يتمثل في توفير المعلومات فقط، بل في إعادة صياغة علاقتها مع الجمهور ضمن بيئة ثقافية جديدة. فالدليل يستطيع أن يخبر القارئ بوجود المتحف، لكنه لا يستطيع وحده أن يخلق ذلك الفضول الذي يدفعه إلى زيارته.
ومن هنا تنتقل القضية من مستوى التعريف إلى مستوى الجذب. فالتحدي الحقيقي الذي تواجهه المتاحف التونسية اليوم لا يتمثل في أن يعرف الناس بوجودها فحسب، بل في أن يرغبوا فعلا في الذهاب إليها. وهذا يقتضي التفكير في المتحف باعتباره تجربة ثقافية متكاملة، لا مجرد فضاء لحفظ القطع الأثرية. ويقتضي أيضا تطوير البرامج الموجهة للعائلات والأطفال والشباب، وتنظيم التظاهرات والأنشطة الموازية، واستثمار الوسائط الرقمية، وتعزيز الربط بين المتاحف والمسارات السياحية والتعليمية. فالمتحف الذي ينجح في استقطاب الزوار ليس بالضرورة ذلك الذي يمتلك أغنى المجموعات فقط، بل ذلك الذي يعرف كيف يحول هذه المجموعات إلى تجربة إنسانية ومعرفية جذابة.
ولعل أبرز ما يكشفه صدور "دليل المتاحف في تونس" هو أن النقاش حول المتاحف لم يعد نقاشا تقنيا أو قطاعيا يخص المختصين وحدهم، بل أصبح جزءا من سؤال أوسع يتعلق بمكانة الثقافة في المجتمع وبقدرتها على إنتاج القيمة الاقتصادية والرمزية في آن واحد. فالمتاحف ليست مجرد مخازن للذاكرة، بل يمكن أن تكون أدوات للتنمية ومجالات للتربية ومراكز لجذب السياح ومنصات للحوار مع الماضي. لكن تحقيق هذه الأدوار يتطلب أكثر من إصدار دليل، مهما كانت أهميته. إنه يتطلب رؤية تجعل من المتحف مؤسسة حية قادرة على مخاطبة جمهور متغير باستمرار.

إيمان عبد اللطيف

 بين صفحات الدليل وواقع الميدان: متاحف تونس بين إشكالية التعريف بوجودها وتطوير جاذبيتها وتجربتها

"دليل المتاحف في تونس" الصادر حديثا يقدم معلومات حول 23 متحفا بمختلف الجهات

الرهان الحقيقي اليوم لا يتمثل في توفير المعلومات فقط حول المتاحف، بل في إعادة صياغة علاقتها مع الجمهور
البيئة الثقافية الجديدة تتطلب رؤية تجعل من المتحف مؤسسة حية قادرة على مخاطبة جمهور متغير باستمرار
تونس – الصباح
بإصدارها "دليل المتاحف في تونس" يوم أول أمس الاثنين غرة جوان 2026، فتحت وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، بإشراف وزارة الشؤون الثقافية، نافذة جديدة للتعريف بالمشهد المتحفي التونسي وما يزخر به من رصيد أثري وفني وحضاري يعكس تنوع الذاكرة الوطنية وثراء الحضارات التي تعاقبت على البلاد.
ويقدّم هذا الدليل مادة توثيقية باللغة الفرنسية موزعة على 68 صفحة، تتعلق بـ23 متحفا بمختلف الجهات التونسية، وموجهة إلى الباحثين والمهتمين بالتراث وعشاق التاريخ والسياحة الثقافية، عبر التعريف بأبرز المتاحف التونسية ومحتوياتها وخصوصياتها، في خطوة تندرج ضمن جهود تثمين التراث الثقافي الوطني وتعزيز الإقبال على المتاحف باعتبارها فضاءات للمعرفة وحفظ الذاكرة الجماعية ودعم السياحة الثقافية.


غير أن صدور هذا الدليل، على أهميته الرمزية والثقافية، يطرح في المقابل أسئلة أعمق تتجاوز محتواه ذاته إلى واقع المتاحف التونسية ومستقبلها ودورها في مجتمع يشهد تحولات متسارعة في طرق الوصول إلى المعرفة واستهلاك الثقافة. فهل تعاني المتاحف التونسية فعلا من نقص في التعريف بها حتى يكون الحل في إصدار دليل جديد؟ أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في مستوى الجاذبية والخدمات والتجربة الثقافية التي تقدمها للزوار؟ وهل ما تحتاجه هذه المؤسسات اليوم هو مزيد من الأدلة والمنشورات أم مراجعة شاملة لعلاقتها بالجمهور؟
للوهلة الأولى يبدو الدليل الجديد استجابة لحاجة فعلية تتمثل في تجميع المعلومات المتعلقة بالمؤسسات المتحفية المنتشرة في مختلف جهات البلاد داخل مرجع واحد (لا يُعلم إلى الآن هل هو متوفر بصفة مجانية، وهل سينشر على مختلف المحامل الرقمية، وهل سيتم توفير نسخ مطبوعة، وكيف سيتمّ توزيعها). فالواقع يؤكد أنّ عددا مُهمّا من التونسيين لا يعرفون سوى عدد محدود من المتاحف الكبرى مثل متحف باردو أو متحف قرطاج أو بعض المتاحف المعروفة في المدن السياحية، في حين تبقى عشرات المتاحف الجهوية أو المتخصصة شبه غائبة عن الوعي العام والإعلامي.
ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار الدليل محاولة لسد فجوة معرفية قائمة منذ سنوات، خاصة في ظل ضعف التغطية الإعلامية المنتظمة للشأن المتحفي وغياب حملات ترويجية واسعة لهذه الفضاءات. لكن بمجرد الانتقال من صفحات الدليل إلى الواقع الميداني تبرز أسئلة أخرى أكثر تعقيدا. فالتعريف بالمتحف لا يعني بالضرورة إقناع الزائر بزيارته، والمعرفة بوجود مؤسسة ثقافية لا تتحول تلقائيا إلى رغبة في اكتشافها، وهنا تحديدا تبدأ حدود أي دليل مهما بلغت جودة محتواه.
فالمتاحف التونسية لا تواجه اليوم فقط تحدي الظهور والانتشار، بل تواجه أيضا تحدي الجاذبية. ذلك أن جزءا من الجمهور، وخاصة من فئة الشباب، لا ينظر إلى المتحف باعتباره فضاء حيا ومثيرا للاهتمام، بل باعتباره مكانا تقليديا يرتبط بالزيارات المدرسية أو بالسياح الأجانب أكثر مما يرتبط بالحياة الثقافية اليومية. وهذه الصورة ليست بالضرورة نتيجة ضعف التراث المعروض أو فقر المحتوى الثقافي، بل ترتبط في كثير من الأحيان بطريقة تقديم هذا المحتوى وآليات التفاعل معه.
ففي عصر أصبحت فيه الثقافة نفسها تخضع لمنطق المنافسة مع المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية والوسائط التفاعلية، لم يعد يكفي عرض قطعة أثرية داخل واجهة زجاجية مصحوبة ببطاقة تعريفية مختصرة. الزائر المعاصر يبحث عن تجربة كاملة، عن قصة، عن تفاعل، عن محتوى بصري وسمعي، وعن شعور بالاكتشاف والمشاركة.
ومن هنا تبرز المفارقة التي يسلط عليها صدور الدليل الضوء بشكل غير مباشر. فبينما يقدّم الدليل صورة منظمة وغنية عن المتاحف التونسية، فإن الواقع الميداني لبعض هذه المؤسسات يكشف تفاوتا واضحا في مستوى التجهيزات والخدمات والاستقبال والبنية التحتية. فهناك متاحف نجحت خلال السنوات الأخيرة في تحسين ظروف العرض والتعريف بمجموعاتها، بينما لا تزال مؤسسات أخرى تعاني من محدودية الفضاءات أو نقص الوسائط التفسيرية أو ضعف الخدمات الموجهة للزائر. وقد يجد الزائر أحيانا نفسه أمام كنوز أثرية نادرة، لكنه لا يجد ما يكفي من الأدوات التي تساعده على فهمها أو التفاعل معها. وهنا يصبح السؤال مشروعا: هل تكمن الأولوية في تعريف الجمهور بالمتحف أم في تطوير تجربة الزيارة داخله؟ لأن الدليل، مهما كان متقنا، لا يستطيع وحده معالجة الإشكالات المرتبطة بجودة التجربة الثقافية على أرض الواقع.
ويكتسب هذا النقاش أهمية أكبر عند النظر إلى الأرقام المسجلة خلال سنة 2025، إذ بلغت مداخيل المتاحف والمواقع الأثرية في تونس قرابة 17 مليون دينار، مع تسجيل نحو مليوني زائر. وهي أرقام تعكس من جهة قدرة التراث الثقافي على المساهمة في الدورة الاقتصادية، لكنها تعيد من جهة أخرى طرح سؤال العلاقة بين الثقافة والتنمية. فهذه الأرقام لا ينبغي قراءتها فقط باعتبارها مؤشرات مالية، بل باعتبارها مؤشرات على حجم الطلب الثقافي الممكن وعلى الإمكانات غير المستغلة بعد. فحين تستقطب المتاحف والمواقع الأثرية مليوني زائر في سنة واحدة، فإن ذلك يعني أن هناك جمهورا موجودا بالفعل، لكن التحدي يكمن في توسيعه وتنويعه وتحويل الزيارة من نشاط استثنائي إلى ممارسة ثقافية أكثر انتظاما.
وفي هذا السياق يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يحتاج الزائر اليوم إلى دليل ورقي أم إلى تجربة رقمية؟ فالعالم الذي أنتج الأدلة السياحية الكلاسيكية تغير بشكل جذري. الزائر المعاصر غالبا ما يبدأ رحلته من شاشة الهاتف قبل أن يخطو أول خطوة نحو الموقع الذي ينوي زيارته. يبحث عن الصور والتقييمات والخرائط وساعات العمل والمسارات المقترحة والمحتويات التفاعلية. لذلك فإن القيمة الحقيقية لأي دليل لم تعد فقط في المعلومات التي يحتويها، بل في قدرته على الاندماج ضمن منظومة رقمية أوسع. فالكثير من المؤسسات الثقافية حول العالم انتقلت من فكرة الدليل المطبوع إلى مفهوم المنصة الرقمية المتكاملة التي توفر للزائر المعلومات والحجز والتوجيه والمحتوى التفاعلي في آن واحد. ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى الدليل الجديد باعتباره خطوة أولى إيجابية، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤال الخطوة التالية: هل سيتم تحويل هذا الرصيد المعرفي إلى تطبيقات رقمية وخرائط ذكية ومسارات ثقافية تفاعلية؟
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد مواكبة للتكنولوجيا من أجل التكنولوجيا، بل باستجابة لتحولات عميقة في سلوك الجمهور. فالأجيال الجديدة لا تستهلك الثقافة بالطريقة نفسها التي كانت سائدة قبل عقدين أو ثلاثة عقود. وهي تبحث عن محتوى سريع الوصول وغني بالوسائط وقابل للمشاركة عبر المنصات الرقمية. لذلك فإن الرهان الحقيقي أمام المتاحف التونسية لا يتمثل في توفير المعلومات فقط، بل في إعادة صياغة علاقتها مع الجمهور ضمن بيئة ثقافية جديدة. فالدليل يستطيع أن يخبر القارئ بوجود المتحف، لكنه لا يستطيع وحده أن يخلق ذلك الفضول الذي يدفعه إلى زيارته.
ومن هنا تنتقل القضية من مستوى التعريف إلى مستوى الجذب. فالتحدي الحقيقي الذي تواجهه المتاحف التونسية اليوم لا يتمثل في أن يعرف الناس بوجودها فحسب، بل في أن يرغبوا فعلا في الذهاب إليها. وهذا يقتضي التفكير في المتحف باعتباره تجربة ثقافية متكاملة، لا مجرد فضاء لحفظ القطع الأثرية. ويقتضي أيضا تطوير البرامج الموجهة للعائلات والأطفال والشباب، وتنظيم التظاهرات والأنشطة الموازية، واستثمار الوسائط الرقمية، وتعزيز الربط بين المتاحف والمسارات السياحية والتعليمية. فالمتحف الذي ينجح في استقطاب الزوار ليس بالضرورة ذلك الذي يمتلك أغنى المجموعات فقط، بل ذلك الذي يعرف كيف يحول هذه المجموعات إلى تجربة إنسانية ومعرفية جذابة.
ولعل أبرز ما يكشفه صدور "دليل المتاحف في تونس" هو أن النقاش حول المتاحف لم يعد نقاشا تقنيا أو قطاعيا يخص المختصين وحدهم، بل أصبح جزءا من سؤال أوسع يتعلق بمكانة الثقافة في المجتمع وبقدرتها على إنتاج القيمة الاقتصادية والرمزية في آن واحد. فالمتاحف ليست مجرد مخازن للذاكرة، بل يمكن أن تكون أدوات للتنمية ومجالات للتربية ومراكز لجذب السياح ومنصات للحوار مع الماضي. لكن تحقيق هذه الأدوار يتطلب أكثر من إصدار دليل، مهما كانت أهميته. إنه يتطلب رؤية تجعل من المتحف مؤسسة حية قادرة على مخاطبة جمهور متغير باستمرار.

إيمان عبد اللطيف