تأكيد على أن مجمل كتابات أميرة غنيم مرجعية هامة في فهم آليات اشتغال الرواية التاريخية التونسية المعاصرة.
عندما يكون النص المشحون بالطبقات المعرفية والتاريخية منطلقا لإعادة تشكيل أفق انتظار القارئ.
الرواية يمكن أن تفكك الثنائية القائمة بين حقيقة التاريخ وسحر المتخيل الأدبي.
تونس - الصباح
احتضنت أكاديمية بيت الحكمة صباح أمس السبت 30 ماي الجاري ندوة علمية بعنوان «السرد والتاريخ والتأويل: قراءات في أعمال أميرة غنيم»، في مبادرة أكاديمية تسعى إلى إعادة قراءة التجربة الروائية للكاتبة التونسية أميرة غنيم من زوايا نقدية وتأويلية متعددة، وذلك بإشراف أستاذ الفلسفة والباحث محمد محجوب، وبتنظيم من قسم العلوم الإنسانية والاجتماعية وفريق "الحلقة التأويلية".
وجمعت الندوة نخبة من الجامعيين والباحثين من مؤسسات أكاديمية تونسية مختلفة لمناقشة أبرز أعمال الروائية، وفي مقدمتها روايات "نازلة دار الأكابر" و"تراب سخون" و"العظماء يموتون في أفريل"، من خلال مقاربات تناولت علاقة السرد بالتاريخ وأسئلة الذاكرة والهوية والتخييل والتأويل.
وانطلقت أشغال الندوة بكلمة افتتاحية ألقاها رئيس قسم العلوم الإنسانية والاجتماعية ببيت الحكمة عبد الحميد هنية، تلتها مداخلة تقديمية لمحمد محجوب، قبل أن تنتظم جلستان علميتان توزعتا على ست مداخلات أكاديمية.
ففي الجلسة الأولى، التي ترأسها الأستاذ محمد القاضي، تناولت المداخلات قضايا الهوية القصصية في رواية «العظماء يموتون في أفريل»، وعلاقة الرواية بالتاريخ، إضافة إلى إشكاليات السرد النسوي بين هاجس التوثيق وسحر التخييل في أعمال أميرة غنيم. أما الجلسة الثانية، برئاسة عبد الحميد هنية، فاتجهت إلى مساءلة تمثلات العائلة والتاريخ في الرواية، والحدود الفاصلة بين الوقائع التاريخية ومخيال السرد، إلى جانب قراءة نقدية لرواية "نازلة دار الأكابر" من منظور التأويل و"القارئ المثالي".
وفي قراءة نقدية معمقة تفكك الخطاب الروائي المعاصر وتطرح أسئلة الهوية والذاكرة، قدم الأستاذ محمد بن محمد الخبو مقاربة تفكيكية لرواية "العظماء يموتون في أفريل"، متناولا مفهوم "الهوية السردية" عند الفيلسوف الفرنسي "بول ريكور"، وموضحا أن هوية الذات لا تدرك بصفة ذهنية مجردة، بل تتجسد وتُفسر فيما يرويه الشخص عن حياته من أعمال وأقوال. وضمن هذا الإطار الفلسفي، التقط الخبو آليات التشكيل الروائي عند أميرة غنيم، مبرزا نجاحها في خلق "تلبيس أجناسي" ممتع يتأرجح بين التخييل والمرجع التاريخي، وبين طابع السيرة والسيرة الذاتية الروائية، حيث تتداخل الضمائر والأصوات بين شهادة شخصية "سعاد" التي تنقل سيرة الزعيم الحبيب بورقيبة من دار الوالي بالمنستير، وبين صوت بورقيبة نفسه الذي يتحدث بضمير المتكلم ليروي فصول نضاله وتاريخه، وصوت السارد الغائب الذي يتدخل لتحليل أبعاد طفولته وحالته النفسية. ولم تقف قراءة الخبو عند حدود البنية السردية الدائرية التي تبدأ من الهامش وتنتهي إليه، بل غاصت في عمق التكوين السيكولوجي لشخصية الزعيم في النص، مستعرضا كيف تشكلت هويته القصصية من خلال جدلية مستمرة بين "سماته القارّة" كذكائه وجماله وحلمه بالزعامة، وبين "عراقيل ونقائص" عضوية ونفسية رافقته منذ الطفولة. لينتهي الخبو في قراءته المستفيضة إلى أن الرواية وضعتنا أمام "توافق متخالف" يجمع بين المنجز البطولي والشرخ النفسي الداخلي، في عمل برعت فيه أميرة غنيم - كما فعلت سابقا مع طاهر الحداد - في تحويل رجل السياسة والتاريخ إلى شخصية عاشقة ومأزومة تتنازعها الهويات.
وفي مداخلته التي حملت عنوان "عندما يطرق الروائي باب التاريخ"، ركز الأستاذ عبد الجليل بوقرة على سيرة "وسيلة بن عمار" وعلاقتها الجدلية بثنائية خيال الروائي وإكراهات المنهج التاريخي الصارم.
وأوضح أن فضوله المعرفي قاده لقراءة كل ما كُتب عن هذه الشخصية نظرا لأهميتها السياسية البالغة في تاريخ تونس، ولكونها لم تُنصف في التاريخ المكتوب مقارنة بغيرها، إلى جانب دافع جندري يتقصى كيفية تمثّل المرأة الكاتبة لامرأة أخرى في نصها الأدبي.
وبناء على ذلك، ميز بوقرة بين عمل المؤرخ الذي يبحث عن الحقيقة المجرّدة، والسرد الأدبي الذي يسعى لتمرير مواقف معينة عبر الاهتمام بـ"تاريخ الظل" والتفاصيل الهامشية. وفي قراءته لرواية أميرة غنيم، أشار إلى اعتمادها الرئيسي على كتاب "حوارات مع وسيلة" لجاكلين غاسبار، معتبرا أنه كان بإمكان الكاتبة الاستعانة بمصادر أخرى لتعميق الشخصية وتغذية حواراتها التخيلية، مثل التحقيق الصحفي لفرانسوا بولي عام 1986 ومحاضرات الحبيب بورقيبة في معهد الصحافة.
وقدم الباحث عددا من المآخذ التاريخية على الرواية، منها تقديم "وسيلة" بصورة امرأة صارمة وكئيبة تتناقض مع ما وُصفت به في مذكرات غاسبار من حب للدعابة والضحك. وتوقف عند تغييب شخصية صالح بن يوسف والاتهام الموجه لوسيلة بالتخطيط لاغتياله، مشددا على أن طلاقها من بورقيبة كان مدفوعا بالأساس بخلافاتهما السياسية، لكونها فاعلا سياسيا بامتياز. واختتم عبد الجليل بوقرة مداخلته بالإشارة إلى أن علم التاريخ عند العرب ظل دائما محل تجاذبات، وهو ما أدى تاريخيا إلى ازدهار الأسطورة قديما والأدب حديثا، لتصبح الرواية التاريخية اليوم وسيلة لتعويض ما لا يمكن قوله في النص التاريخي المحاصر بالخطوط الحمراء.
وفي قراءة متقاطعة، جاءت مداخلة الأستاذة دليلة شقرون بعنوان "السرد النسوي بين هاجس التوثيق وسحر التخييل، أميرة غنيم نموذجا" لتبني على هذه الأفكار، حيث أكدت الباحثة في مستهل ورقتها النقدية أنها لا تقتصر على تفكيك رواية واحدة لأميرة غنيم، بل تتعدى ذلك لتشمل مدونتها الروائية بأكملها. واعتبرت أن كتابات أميرة غنيم تمثل نموذجا فريدا ومتميزا في إدارة الصراع بين التوثيق التاريخي الصارم وسحر التخييل الجمالي، إذ تنجح الكاتبة باقتدار في تحويل الوثيقة التاريخية المكتوبة من مادة جافة إلى عنصر حيوي متدفق يغذي الخيال الروائي، دون أن تفقد الرواية قيمتها الفنية أو تسقط في فخ التقريرية الجافة.
وأوضحت الباحثة أن السرد النسوي في مشروع أميرة غنيم يعيد قراءة الأحداث التاريخية الكبرى من منظور الهامش، ويسلط الضوء على المسكوت عنه وغير المدون في التاريخ الرسمي عبر استنطاق الشخصيات النسائية ومنحها صوتا فاعلا ومؤثرا في صياغة الأحداث وتوجيهها، مما يجعل من مجمل كتاباتها مرجعية هامة في فهم آليات اشتغال الرواية التاريخية التونسية المعاصرة وقدرتها العالية على إعادة بناء الواقع جماليا.
تتكامل المداخلات النقدية والتحليلية لكل من الأساتذة العادل خضر، وسعيد بحيرة، ومحمد محجوب حول المنجز الروائي للكاتبة أميرة غنيم، لتشكل مجتمعة مقاربة معرفية دسمة تفكك العلاقة الجدلية بين الفضاء المغلق للعائلة، وتحولات التاريخ، والمخيال الروائي، ووضعية القارئ.
وقد انطلق الأستاذ العادل خضر من تفكيك البنية الفضائية والدرامية، مصنفا هذا المنجز ضمن سياق "رواية البيت أو العائلة"، فالبيت هنا فضاء "جواني" مغلق، حميمي ومحفوف بالظلال والأسرار المتوارثة عبر الأجيال، حيث يتأسس النسيج الاجتماعي داخله على علاقات قرابة معقدة محكومة بجدلية تراجيدية تتأرجح بين ذروة المحبة وقاع العداوة، والكامل من الصراعات المكتومة. وتتحرك الأحداث عبر ديناميكية "الرسائل المسروقة" أو المخفية كعامل دفع درامي يهتك سرية المكان ويستفز استقراره الهش، في حين تطرح المداخلة بعدا فلسفيا يتجاوز حتمية الفناء الجسدي. فإذا كان الموت يدرك الأعلام والرموز التاريخية واقعيا في شهر "أفريل"، فإن المخيال الروائي يمنحهم ولادة ثانية وخلودا إبداعيا في رحاب الكتابة.
وفي مضمار التحولات الاجتماعية، ركزت مداخلة الأستاذ سعيد بحيرة على الرواية بوصفها تأريخا للثقافات ورصدا لـ"القطيعة الحداثية" في المجتمع التونسي، ويتجلى هذا المخاض من خلال رصد التوترات بين الأصالة والمؤسسة التقليدية وبين الأفكار التحررية الجديدة، لاسيما عبر صعود من يسميهم "أطفال الحداثة الرهيبين"، وهم أبطال انحدروا من الأوساط البروليتارية والكادحة، لكنهم تمكنوا بفضل التعليم من كسر القيود الطبقية التقليدية واختراق دوائر الحكم والتأثير في الوجدان العام. ويؤكد بحيرة أن الكاتبة لا تسقط في فخ المحاكاة التسجيلية الجافة للتاريخ، بل تعتمد آلية "الصياغة الثانوية" بالمفهوم التحليلي لإعادة تشكيل المادة الواقعية صياغة تراجيدية تدمج ببراعة بين العناصر السحرية للذاكرة وبين الواقع الملموس.
وتكتمل هذه الرؤية مع مداخلة الأستاذ محمد محجوب التي تنتقل إلى جمالية التلقي، مشيرة إلى أن هذا النص المشحون بالطبقات المعرفية والتاريخية يعيد تشكيل أفق انتظار القارئ ويتحدى التوقعات النمطية للقراءة العابرة، مما يشترط وجود "قارئ مثالي" يمتلك صندوق أدوات نقدية لفك عتمة النص وأسراره. وينقسم هذا التلقي لديه إلى مرتبتين: "قراءة القريب" (القارئ المحلي العليم) المحكومة بالوعي بالخلفيات الاجتماعية والسياسية والإحالات المرجعية لتفاصيل المجتمع التونسي، و"قراءة غير القريب" (القارئ الكوني) التي تقارب النص من منظور بنيوي أو جمالي مجرد متحرر من إسقاطات الواقع المباشر، مما يمنح الرواية عالمية تفكك الثنائية بين حقيقة التاريخ وسحر المتخيل الأدبي.
الروائية أميرة غنيم في مكاشفة أدبية: الكتابة بالنسبة لي فعل "لعب ممتع"، ومتى فقدت متعة هذا اللعب سأتوقف عن الكتابة الأدبية فورا.
تونس - الصباح في ردها على مختلف المداخلات والأسئلة، وضعت الكاتبة الروائية أميرة غنيم الإصبع على كواليس العملية الإبداعية وجدلية العلاقة الملتبسة بين الكاتب، والناقد، والتاريخ، معتبرة أن استماع الكاتب للنقاد والجمهور وهم يفككون أثره الأدبي في حياته هو من الأمور النادرة التي تندرج في باب الفرص الثمينة، بخلاف ما جرت عليه العادة من مناقشة الأعمال الأدبية بوقار أكاديمي بعد رحيل مبدعيها. وبكثير من التواضع والعفوية، أعلنت أميرة غنيم أن أي كلام يدلي به المبدع بعد قراءات النقاد يصبح "زائدا تماما ولا قيمة له"، مستحضرة المقولة الشهيرة للشاعر الفرنسي بول فاليري حين كان يستمع للنقاد وهم يفسرون شعره، فيقول: إنني لم أقصد قول هذا، ولكن ربما القصيدة هي من أرادت قوله، وهو المبدأ ذاته الذي تراه ينطبق على رواياتها، إذ تؤكد أن القارئ متى ما رأى أبعادا معينة في النص، فإن النص يحمل بالضرورة مدعاة لذلك، معربة عن امتنانها الشديد بأن ترى نصوصها تُقرأ بغير عينها وبأفكار متجددة. وفي محاولة لتشريح فعل الإبداع، شبهت أميرة غنيم الكتابة بـ"مشية الطفل الصغير لأول مرة"، واصفة إياها بالمعجزة التي تبدو في ظاهرها طبيعية وبديهية وعفوية، لكنها في العمق تنطوي على تعقيد مذهل. فحين يكتب المبدع بعفوية الخاطر وبديهة اللحظة، يأتي دور الناقد الذي يشبه دور "عالم الأعصاب" ليقوم بتفكيك تلك الحركة العفوية ووصف الإشارات الدماغية والروابط التي تحركت لينتصب الطفل واقفا، محولا اللحظة العابرة بأدواته النقدية إلى حدث مذهل يستحق احتفاء الجمهور وتصفيقه الحار. هذا التفكيك قاد الكاتبة إلى الحديث عن علاقة الرواية بالتاريخ، والتي وصفت الصراع فيها بين الروائي والمؤرخ بأنه "صراع موهوم" ناتج عن تنازعهما على تركة الماضي والأدوات السردية نفسها، مع فارق جوهري يكمن في أن المؤرخ يظل راويا عليما يسرد الأحداث بمنطق التوثيق، في حين يعتمد الروائي على الرؤية المصاحبة وضمير المتكلم ليتكلم بلسان "البشر الصغير" الذي يحمل الهشاشة والتقلبات بين البطولية والخسة، وهو ما وظفته في شخصية "أنا بورقيبة" في روايتها "العظماء يموتون في أفريل" والشخصيات المتعددة في "تراب سخون" و"نازلة دار الأكابر". وأكدت أميرة غنيم في هذا السياق أنها لا تتجرأ على تزوير التاريخ، بل تحترمه كخلفية صلبة، لكنها تتدخل لملء "الفراغات الانفعالية والنفسية والشعورية" التي تختلج داخل الشخصيات أثناء صناعة الحدث التاريخي، وهي الفراغات التي لا تدخل في حسابات المؤرخ عادة. وعن كواليس اشتغالها ومصادرها، أوضحت أنها تلتزم بالتدقيق والاطلاع على كافة الوثائق والشهادات التاريخية المتاحة احتراما لقرائها، مشددة على وجود عقد صريح ومكتوب على غلاف أي أثر إبداعي يفيد بأن "هذه رواية وليست مصدرا للمعرفة التاريخية". فرغم أن المؤرخ يعد بالحقيقة والروائي يقدم المتخيل، إلا أن الأدب الذي يبدأ صغيرا على الهامش قد يتحول بعد مئات السنين إلى المرجع الأساسي والأبقى لمن يبحثون عن روح العصر والصدق الإنساني. وفي ختام مداخلتها، كشفت الروائية عن الصدمة الوجودية التي نقلتها من الصرامة الأكاديمية والبحث العلمي إلى رحاب الرواية، وهي صدمة أحداث 14 جانفي 2011 وما تلاها، والتي ولّدت لديها سؤالا حارقا ومتجددا حول الهوية التونسية قائلا: "من نحن؟ ومَن هذا الشعب الذي خرج فجأة ليسقط دكتاتورا ثم يذهب ليصوت وينتخب؟"، مؤكدة أن جميع "الأناوات" الطاغية في رواياتها هي مجرد أدوات تبحث بها عن نفسها أولا، ومشددة على أن الكتابة تظل بالنسبة إليها فعل "لعب ممتع"، ومتى ما فقدت متعة هذا اللعب فستتوقف عن الكتابة الأدبية فورا.
إيمان عبد اللطيف
تأكيد على أن مجمل كتابات أميرة غنيم مرجعية هامة في فهم آليات اشتغال الرواية التاريخية التونسية المعاصرة.
عندما يكون النص المشحون بالطبقات المعرفية والتاريخية منطلقا لإعادة تشكيل أفق انتظار القارئ.
الرواية يمكن أن تفكك الثنائية القائمة بين حقيقة التاريخ وسحر المتخيل الأدبي.
تونس - الصباح
احتضنت أكاديمية بيت الحكمة صباح أمس السبت 30 ماي الجاري ندوة علمية بعنوان «السرد والتاريخ والتأويل: قراءات في أعمال أميرة غنيم»، في مبادرة أكاديمية تسعى إلى إعادة قراءة التجربة الروائية للكاتبة التونسية أميرة غنيم من زوايا نقدية وتأويلية متعددة، وذلك بإشراف أستاذ الفلسفة والباحث محمد محجوب، وبتنظيم من قسم العلوم الإنسانية والاجتماعية وفريق "الحلقة التأويلية".
وجمعت الندوة نخبة من الجامعيين والباحثين من مؤسسات أكاديمية تونسية مختلفة لمناقشة أبرز أعمال الروائية، وفي مقدمتها روايات "نازلة دار الأكابر" و"تراب سخون" و"العظماء يموتون في أفريل"، من خلال مقاربات تناولت علاقة السرد بالتاريخ وأسئلة الذاكرة والهوية والتخييل والتأويل.
وانطلقت أشغال الندوة بكلمة افتتاحية ألقاها رئيس قسم العلوم الإنسانية والاجتماعية ببيت الحكمة عبد الحميد هنية، تلتها مداخلة تقديمية لمحمد محجوب، قبل أن تنتظم جلستان علميتان توزعتا على ست مداخلات أكاديمية.
ففي الجلسة الأولى، التي ترأسها الأستاذ محمد القاضي، تناولت المداخلات قضايا الهوية القصصية في رواية «العظماء يموتون في أفريل»، وعلاقة الرواية بالتاريخ، إضافة إلى إشكاليات السرد النسوي بين هاجس التوثيق وسحر التخييل في أعمال أميرة غنيم. أما الجلسة الثانية، برئاسة عبد الحميد هنية، فاتجهت إلى مساءلة تمثلات العائلة والتاريخ في الرواية، والحدود الفاصلة بين الوقائع التاريخية ومخيال السرد، إلى جانب قراءة نقدية لرواية "نازلة دار الأكابر" من منظور التأويل و"القارئ المثالي".
وفي قراءة نقدية معمقة تفكك الخطاب الروائي المعاصر وتطرح أسئلة الهوية والذاكرة، قدم الأستاذ محمد بن محمد الخبو مقاربة تفكيكية لرواية "العظماء يموتون في أفريل"، متناولا مفهوم "الهوية السردية" عند الفيلسوف الفرنسي "بول ريكور"، وموضحا أن هوية الذات لا تدرك بصفة ذهنية مجردة، بل تتجسد وتُفسر فيما يرويه الشخص عن حياته من أعمال وأقوال. وضمن هذا الإطار الفلسفي، التقط الخبو آليات التشكيل الروائي عند أميرة غنيم، مبرزا نجاحها في خلق "تلبيس أجناسي" ممتع يتأرجح بين التخييل والمرجع التاريخي، وبين طابع السيرة والسيرة الذاتية الروائية، حيث تتداخل الضمائر والأصوات بين شهادة شخصية "سعاد" التي تنقل سيرة الزعيم الحبيب بورقيبة من دار الوالي بالمنستير، وبين صوت بورقيبة نفسه الذي يتحدث بضمير المتكلم ليروي فصول نضاله وتاريخه، وصوت السارد الغائب الذي يتدخل لتحليل أبعاد طفولته وحالته النفسية. ولم تقف قراءة الخبو عند حدود البنية السردية الدائرية التي تبدأ من الهامش وتنتهي إليه، بل غاصت في عمق التكوين السيكولوجي لشخصية الزعيم في النص، مستعرضا كيف تشكلت هويته القصصية من خلال جدلية مستمرة بين "سماته القارّة" كذكائه وجماله وحلمه بالزعامة، وبين "عراقيل ونقائص" عضوية ونفسية رافقته منذ الطفولة. لينتهي الخبو في قراءته المستفيضة إلى أن الرواية وضعتنا أمام "توافق متخالف" يجمع بين المنجز البطولي والشرخ النفسي الداخلي، في عمل برعت فيه أميرة غنيم - كما فعلت سابقا مع طاهر الحداد - في تحويل رجل السياسة والتاريخ إلى شخصية عاشقة ومأزومة تتنازعها الهويات.
وفي مداخلته التي حملت عنوان "عندما يطرق الروائي باب التاريخ"، ركز الأستاذ عبد الجليل بوقرة على سيرة "وسيلة بن عمار" وعلاقتها الجدلية بثنائية خيال الروائي وإكراهات المنهج التاريخي الصارم.
وأوضح أن فضوله المعرفي قاده لقراءة كل ما كُتب عن هذه الشخصية نظرا لأهميتها السياسية البالغة في تاريخ تونس، ولكونها لم تُنصف في التاريخ المكتوب مقارنة بغيرها، إلى جانب دافع جندري يتقصى كيفية تمثّل المرأة الكاتبة لامرأة أخرى في نصها الأدبي.
وبناء على ذلك، ميز بوقرة بين عمل المؤرخ الذي يبحث عن الحقيقة المجرّدة، والسرد الأدبي الذي يسعى لتمرير مواقف معينة عبر الاهتمام بـ"تاريخ الظل" والتفاصيل الهامشية. وفي قراءته لرواية أميرة غنيم، أشار إلى اعتمادها الرئيسي على كتاب "حوارات مع وسيلة" لجاكلين غاسبار، معتبرا أنه كان بإمكان الكاتبة الاستعانة بمصادر أخرى لتعميق الشخصية وتغذية حواراتها التخيلية، مثل التحقيق الصحفي لفرانسوا بولي عام 1986 ومحاضرات الحبيب بورقيبة في معهد الصحافة.
وقدم الباحث عددا من المآخذ التاريخية على الرواية، منها تقديم "وسيلة" بصورة امرأة صارمة وكئيبة تتناقض مع ما وُصفت به في مذكرات غاسبار من حب للدعابة والضحك. وتوقف عند تغييب شخصية صالح بن يوسف والاتهام الموجه لوسيلة بالتخطيط لاغتياله، مشددا على أن طلاقها من بورقيبة كان مدفوعا بالأساس بخلافاتهما السياسية، لكونها فاعلا سياسيا بامتياز. واختتم عبد الجليل بوقرة مداخلته بالإشارة إلى أن علم التاريخ عند العرب ظل دائما محل تجاذبات، وهو ما أدى تاريخيا إلى ازدهار الأسطورة قديما والأدب حديثا، لتصبح الرواية التاريخية اليوم وسيلة لتعويض ما لا يمكن قوله في النص التاريخي المحاصر بالخطوط الحمراء.
وفي قراءة متقاطعة، جاءت مداخلة الأستاذة دليلة شقرون بعنوان "السرد النسوي بين هاجس التوثيق وسحر التخييل، أميرة غنيم نموذجا" لتبني على هذه الأفكار، حيث أكدت الباحثة في مستهل ورقتها النقدية أنها لا تقتصر على تفكيك رواية واحدة لأميرة غنيم، بل تتعدى ذلك لتشمل مدونتها الروائية بأكملها. واعتبرت أن كتابات أميرة غنيم تمثل نموذجا فريدا ومتميزا في إدارة الصراع بين التوثيق التاريخي الصارم وسحر التخييل الجمالي، إذ تنجح الكاتبة باقتدار في تحويل الوثيقة التاريخية المكتوبة من مادة جافة إلى عنصر حيوي متدفق يغذي الخيال الروائي، دون أن تفقد الرواية قيمتها الفنية أو تسقط في فخ التقريرية الجافة.
وأوضحت الباحثة أن السرد النسوي في مشروع أميرة غنيم يعيد قراءة الأحداث التاريخية الكبرى من منظور الهامش، ويسلط الضوء على المسكوت عنه وغير المدون في التاريخ الرسمي عبر استنطاق الشخصيات النسائية ومنحها صوتا فاعلا ومؤثرا في صياغة الأحداث وتوجيهها، مما يجعل من مجمل كتاباتها مرجعية هامة في فهم آليات اشتغال الرواية التاريخية التونسية المعاصرة وقدرتها العالية على إعادة بناء الواقع جماليا.
تتكامل المداخلات النقدية والتحليلية لكل من الأساتذة العادل خضر، وسعيد بحيرة، ومحمد محجوب حول المنجز الروائي للكاتبة أميرة غنيم، لتشكل مجتمعة مقاربة معرفية دسمة تفكك العلاقة الجدلية بين الفضاء المغلق للعائلة، وتحولات التاريخ، والمخيال الروائي، ووضعية القارئ.
وقد انطلق الأستاذ العادل خضر من تفكيك البنية الفضائية والدرامية، مصنفا هذا المنجز ضمن سياق "رواية البيت أو العائلة"، فالبيت هنا فضاء "جواني" مغلق، حميمي ومحفوف بالظلال والأسرار المتوارثة عبر الأجيال، حيث يتأسس النسيج الاجتماعي داخله على علاقات قرابة معقدة محكومة بجدلية تراجيدية تتأرجح بين ذروة المحبة وقاع العداوة، والكامل من الصراعات المكتومة. وتتحرك الأحداث عبر ديناميكية "الرسائل المسروقة" أو المخفية كعامل دفع درامي يهتك سرية المكان ويستفز استقراره الهش، في حين تطرح المداخلة بعدا فلسفيا يتجاوز حتمية الفناء الجسدي. فإذا كان الموت يدرك الأعلام والرموز التاريخية واقعيا في شهر "أفريل"، فإن المخيال الروائي يمنحهم ولادة ثانية وخلودا إبداعيا في رحاب الكتابة.
وفي مضمار التحولات الاجتماعية، ركزت مداخلة الأستاذ سعيد بحيرة على الرواية بوصفها تأريخا للثقافات ورصدا لـ"القطيعة الحداثية" في المجتمع التونسي، ويتجلى هذا المخاض من خلال رصد التوترات بين الأصالة والمؤسسة التقليدية وبين الأفكار التحررية الجديدة، لاسيما عبر صعود من يسميهم "أطفال الحداثة الرهيبين"، وهم أبطال انحدروا من الأوساط البروليتارية والكادحة، لكنهم تمكنوا بفضل التعليم من كسر القيود الطبقية التقليدية واختراق دوائر الحكم والتأثير في الوجدان العام. ويؤكد بحيرة أن الكاتبة لا تسقط في فخ المحاكاة التسجيلية الجافة للتاريخ، بل تعتمد آلية "الصياغة الثانوية" بالمفهوم التحليلي لإعادة تشكيل المادة الواقعية صياغة تراجيدية تدمج ببراعة بين العناصر السحرية للذاكرة وبين الواقع الملموس.
وتكتمل هذه الرؤية مع مداخلة الأستاذ محمد محجوب التي تنتقل إلى جمالية التلقي، مشيرة إلى أن هذا النص المشحون بالطبقات المعرفية والتاريخية يعيد تشكيل أفق انتظار القارئ ويتحدى التوقعات النمطية للقراءة العابرة، مما يشترط وجود "قارئ مثالي" يمتلك صندوق أدوات نقدية لفك عتمة النص وأسراره. وينقسم هذا التلقي لديه إلى مرتبتين: "قراءة القريب" (القارئ المحلي العليم) المحكومة بالوعي بالخلفيات الاجتماعية والسياسية والإحالات المرجعية لتفاصيل المجتمع التونسي، و"قراءة غير القريب" (القارئ الكوني) التي تقارب النص من منظور بنيوي أو جمالي مجرد متحرر من إسقاطات الواقع المباشر، مما يمنح الرواية عالمية تفكك الثنائية بين حقيقة التاريخ وسحر المتخيل الأدبي.
الروائية أميرة غنيم في مكاشفة أدبية: الكتابة بالنسبة لي فعل "لعب ممتع"، ومتى فقدت متعة هذا اللعب سأتوقف عن الكتابة الأدبية فورا.
تونس - الصباح في ردها على مختلف المداخلات والأسئلة، وضعت الكاتبة الروائية أميرة غنيم الإصبع على كواليس العملية الإبداعية وجدلية العلاقة الملتبسة بين الكاتب، والناقد، والتاريخ، معتبرة أن استماع الكاتب للنقاد والجمهور وهم يفككون أثره الأدبي في حياته هو من الأمور النادرة التي تندرج في باب الفرص الثمينة، بخلاف ما جرت عليه العادة من مناقشة الأعمال الأدبية بوقار أكاديمي بعد رحيل مبدعيها. وبكثير من التواضع والعفوية، أعلنت أميرة غنيم أن أي كلام يدلي به المبدع بعد قراءات النقاد يصبح "زائدا تماما ولا قيمة له"، مستحضرة المقولة الشهيرة للشاعر الفرنسي بول فاليري حين كان يستمع للنقاد وهم يفسرون شعره، فيقول: إنني لم أقصد قول هذا، ولكن ربما القصيدة هي من أرادت قوله، وهو المبدأ ذاته الذي تراه ينطبق على رواياتها، إذ تؤكد أن القارئ متى ما رأى أبعادا معينة في النص، فإن النص يحمل بالضرورة مدعاة لذلك، معربة عن امتنانها الشديد بأن ترى نصوصها تُقرأ بغير عينها وبأفكار متجددة. وفي محاولة لتشريح فعل الإبداع، شبهت أميرة غنيم الكتابة بـ"مشية الطفل الصغير لأول مرة"، واصفة إياها بالمعجزة التي تبدو في ظاهرها طبيعية وبديهية وعفوية، لكنها في العمق تنطوي على تعقيد مذهل. فحين يكتب المبدع بعفوية الخاطر وبديهة اللحظة، يأتي دور الناقد الذي يشبه دور "عالم الأعصاب" ليقوم بتفكيك تلك الحركة العفوية ووصف الإشارات الدماغية والروابط التي تحركت لينتصب الطفل واقفا، محولا اللحظة العابرة بأدواته النقدية إلى حدث مذهل يستحق احتفاء الجمهور وتصفيقه الحار. هذا التفكيك قاد الكاتبة إلى الحديث عن علاقة الرواية بالتاريخ، والتي وصفت الصراع فيها بين الروائي والمؤرخ بأنه "صراع موهوم" ناتج عن تنازعهما على تركة الماضي والأدوات السردية نفسها، مع فارق جوهري يكمن في أن المؤرخ يظل راويا عليما يسرد الأحداث بمنطق التوثيق، في حين يعتمد الروائي على الرؤية المصاحبة وضمير المتكلم ليتكلم بلسان "البشر الصغير" الذي يحمل الهشاشة والتقلبات بين البطولية والخسة، وهو ما وظفته في شخصية "أنا بورقيبة" في روايتها "العظماء يموتون في أفريل" والشخصيات المتعددة في "تراب سخون" و"نازلة دار الأكابر". وأكدت أميرة غنيم في هذا السياق أنها لا تتجرأ على تزوير التاريخ، بل تحترمه كخلفية صلبة، لكنها تتدخل لملء "الفراغات الانفعالية والنفسية والشعورية" التي تختلج داخل الشخصيات أثناء صناعة الحدث التاريخي، وهي الفراغات التي لا تدخل في حسابات المؤرخ عادة. وعن كواليس اشتغالها ومصادرها، أوضحت أنها تلتزم بالتدقيق والاطلاع على كافة الوثائق والشهادات التاريخية المتاحة احتراما لقرائها، مشددة على وجود عقد صريح ومكتوب على غلاف أي أثر إبداعي يفيد بأن "هذه رواية وليست مصدرا للمعرفة التاريخية". فرغم أن المؤرخ يعد بالحقيقة والروائي يقدم المتخيل، إلا أن الأدب الذي يبدأ صغيرا على الهامش قد يتحول بعد مئات السنين إلى المرجع الأساسي والأبقى لمن يبحثون عن روح العصر والصدق الإنساني. وفي ختام مداخلتها، كشفت الروائية عن الصدمة الوجودية التي نقلتها من الصرامة الأكاديمية والبحث العلمي إلى رحاب الرواية، وهي صدمة أحداث 14 جانفي 2011 وما تلاها، والتي ولّدت لديها سؤالا حارقا ومتجددا حول الهوية التونسية قائلا: "من نحن؟ ومَن هذا الشعب الذي خرج فجأة ليسقط دكتاتورا ثم يذهب ليصوت وينتخب؟"، مؤكدة أن جميع "الأناوات" الطاغية في رواياتها هي مجرد أدوات تبحث بها عن نفسها أولا، ومشددة على أن الكتابة تظل بالنسبة إليها فعل "لعب ممتع"، ومتى ما فقدت متعة هذا اللعب فستتوقف عن الكتابة الأدبية فورا.