إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

اجتماع سيول جوان 2026.. محطة جديدة في مسار العلاقات التونسية- الكورية

رغم التباعد الجغرافي واختلاف المسارات التنموية، نجحت تونس وكوريا الجنوبية على امتداد عقود في بناء علاقات ثنائية مستقرة، قبل أن تشهد خلال السنوات الأخيرة ديناميكية لافتة تعززها رغبة البلدين في توسيع مجالات التعاون خارج الأطر التقليدية. واليوم، يبدو أن مسار التعاون الثنائي يتجه نحو مرحلة استراتيجية عنوانها إعطاء دفع جديد لهذا التعاون عبر الانفتاح على شراكات ثلاثية تتجاوز الإطار الثنائي التقليدي.

وفي هذا السياق، يكتسي اجتماع وزراء خارجية كوريا-إفريقيا المنتظر عقده بسيول يوم غرة جوان 2026 أهمية خاصة، باعتباره محطة دبلوماسية تعكس التوجه الكوري المتصاعد نحو القارة الإفريقية، عبر تعزيز الحضور الاقتصادي والتكنولوجي وبناء شراكات أكثر تنوعاً. كما يمثل هذا الموعد فرصة بالنسبة إلى تونس لإعادة تموقعها ضمن خارطة التعاون الآسيوي-الإفريقي، خاصة في ظل سعيها إلى تنويع شركائها والانفتاح على التجارب الاقتصادية والتكنولوجية الصاعدة.

ويأتي اللقاء الذي جمع مؤخراً وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي بسفير جمهورية كوريا بتونس Lee-TaeWon، ليؤكد هذا التوجه الجديد الذي يقوم على إمكانيات التعاون الثلاثي التونسي-الكوري-الإفريقي، إلى جانب دعم الاستثمارات والشراكات في قطاعات ذات قيمة مضافة عالية على غرار الصحة الرقمية، ورقمنة الإدارة، وتكنولوجيات الاتصال، وصناعة مكونات السيارات. وهو ما يعكس رغبة مشتركة في الارتقاء بواقع العلاقات الثنائية من مستوى التعاون التقليدي إلى شراكة أكثر عمقاً ترتبط في جوهرها بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي يشهدها العالم اليوم.

رسائل دبلوماسية واقتصادية

اللقاء حمل في طياته عدة رسائل دبلوماسية واقتصادية تعكس توجه البلدين نحو إعادة إعطاء دفع جديد للعلاقات الثنائية. فتأكيد الجانب التونسي على أهمية القطاعات ذات “القيمة المضافة العالية” مثل الصحة الرقمية وصناعة مكونات السيارات ورقمنة الإدارة والخدمات الرقمية يعكس بوضوح طبيعة التوجه التونسي تجاه التعاون مع كوريا الجنوبية، الذي يقوم على استقطاب الخبرات ونقل التكنولوجيا.

كما يكشف هذا التوجه عن قناعة رسمية تونسية بأن المرحلة المقبلة تتطلب شراكات قادرة على مرافقة التحولات الرقمية والاقتصادية التي يشهدها العالم، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والخدمات الذكية، وهي قطاعات تمتلك فيها كوريا الجنوبية خبرة عالمية متقدمة.

وفي المقابل، فإن حديث الجانب الكوري عن توسيع الاستثمارات والرفع من نسق التبادل التجاري يعكس وجود اهتمام اقتصادي متزايد بالسوق التونسية، خاصة مع سعي الشركات الكورية إلى تنويع حضورها داخل القارة الإفريقية والبحث عن منصات إنتاج وتصدير جديدة بالمنطقة المتوسطية.

تموقع جديد

ضمن هذا التمشي، تعرض اللقاء إلى اجتماع وزراء خارجية كوريا-إفريقيا المزمع عقده بسيول في غرة جوان 2026 باعتباره محطة هامة تطرح توجهاً كورياً جديداً نحو تعزيز الحضور داخل القارة الإفريقية.

فسيول تسعى منذ سنوات إلى بناء شراكات اقتصادية وتنموية هامة مع الدول الإفريقية، مستفيدة من حاجيات القارة في مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية والتحول الرقمي والطاقة. وفي هذا السياق، تبدو تونس معنية بهذا التوجه باعتبارها من الدول القادرة على أن تكون حلقة وصل بين كوريا والفضاء الإفريقي، خاصة في قطاعات الخدمات والتكنولوجيا والتكوين.

ومن هنا جاء تركيز وزير الخارجية على إمكانيات التعاون الثلاثي التونسي-الكوري-الإفريقي، وهي آلية تعكس رغبة تونس في عدم الاكتفاء بدور «المتلقي»، بل التحول إلى شريك إقليمي قادر على المساهمة في مشاريع مشتركة موجهة نحو إفريقيا، مستفيدة من موقعها الجغرافي وخبراتها البشرية وعلاقاتها الإفريقية. كما يمكن لهذا التوجه أن يمنح تونس فرصة لتعزيز تموقعها داخل شبكات التعاون الآسيوي-الإفريقي، خاصة في ظل التنافس الدولي المتزايد على القارة الإفريقية بين القوى الاقتصادية الكبرى.

ومن بين أبرز النقاط التي توقف عندها اللقاء أيضاً، إشادة تونس بالدور الذي تقوم به الوكالة الكورية للتعاون الدولي “KOICA”، والتي أصبحت خلال السنوات الماضية أحد أهم آليات الحضور الكوري داخل تونس. فالوكالة لم تقتصر على تمويل بعض المشاريع فقط، وإنما ساهمت في نقل الخبرات الكورية في مجالات التكوين والرقمنة وتطوير الخدمات الإدارية والصحية، وهو ما يعكس طبيعة المقاربة الكورية القائمة على “دبلوماسية التنمية” وربط التعاون الاقتصادي ببناء القدرات البشرية والمؤسساتية.

وتراهن تونس كثيراً على طبيعة هذا التعاون، خاصة في ظل حاجياتها إلى تعصير الإدارة وتطوير الخدمات الرقمية وتحسين البنية التكنولوجية، وجميعها ملفات تطرحها اليوم الدولة في أعلى هرمها كأولوية قصوى.

أما على المستوى الاقتصادي، فقد حمل اللقاء مؤشرات هامة تتعلق بإمكانية تطوير المبادلات التجارية، خاصة مع التطرق إلى اعتزام شركة كورية توريد كميات هامة من زيت الزيتون التونسي ومنتجات غذائية أخرى. ورغم أن المبادلات التجارية بين البلدين ما تزال دون المستوى المطلوب، فإن هذا المعطى يكشف عن بداية اهتمام كوري متزايد بالمنتجات التونسية، خاصة تلك التي تمتلك قدرة تنافسية عالية في الأسواق الخارجية، بما من شأنه أن يساعد تونس على تنويع أسواق صادراتها الغذائية خارج الفضاء الأوروبي التقليدي، خصوصاً في ظل اتساع وأهمية السوق الآسيوية.

إعادة تموقع للعلاقات

وبالعودة إلى الزخم الدبلوماسي بين تونس وكوريا خلال السنوات الأخيرة، جدير بالذكر أن العلاقات الثنائية دخلت مرحلة إعادة تموقع تقوم على التكنولوجيا والاستثمار والتعاون متعدد الأبعاد، بعيداً عن الأطر التقليدية التي رافقت مسار التعاون الثنائي بين البلدين لسنوات طويلة.

ومع اقتراب الذكرى الستين لإرساء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، تبدو الفرصة سانحة اليوم أمام تونس وكوريا لبناء شراكة استراتيجية شاملة تستجيب للتحولات الاقتصادية الدولية وتفتح آفاقاً جديدة للتعاون داخل الفضاء الإفريقي والمتوسطي.

منال حرزي

اجتماع سيول جوان 2026..   محطة جديدة في مسار العلاقات التونسية- الكورية

رغم التباعد الجغرافي واختلاف المسارات التنموية، نجحت تونس وكوريا الجنوبية على امتداد عقود في بناء علاقات ثنائية مستقرة، قبل أن تشهد خلال السنوات الأخيرة ديناميكية لافتة تعززها رغبة البلدين في توسيع مجالات التعاون خارج الأطر التقليدية. واليوم، يبدو أن مسار التعاون الثنائي يتجه نحو مرحلة استراتيجية عنوانها إعطاء دفع جديد لهذا التعاون عبر الانفتاح على شراكات ثلاثية تتجاوز الإطار الثنائي التقليدي.

وفي هذا السياق، يكتسي اجتماع وزراء خارجية كوريا-إفريقيا المنتظر عقده بسيول يوم غرة جوان 2026 أهمية خاصة، باعتباره محطة دبلوماسية تعكس التوجه الكوري المتصاعد نحو القارة الإفريقية، عبر تعزيز الحضور الاقتصادي والتكنولوجي وبناء شراكات أكثر تنوعاً. كما يمثل هذا الموعد فرصة بالنسبة إلى تونس لإعادة تموقعها ضمن خارطة التعاون الآسيوي-الإفريقي، خاصة في ظل سعيها إلى تنويع شركائها والانفتاح على التجارب الاقتصادية والتكنولوجية الصاعدة.

ويأتي اللقاء الذي جمع مؤخراً وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي بسفير جمهورية كوريا بتونس Lee-TaeWon، ليؤكد هذا التوجه الجديد الذي يقوم على إمكانيات التعاون الثلاثي التونسي-الكوري-الإفريقي، إلى جانب دعم الاستثمارات والشراكات في قطاعات ذات قيمة مضافة عالية على غرار الصحة الرقمية، ورقمنة الإدارة، وتكنولوجيات الاتصال، وصناعة مكونات السيارات. وهو ما يعكس رغبة مشتركة في الارتقاء بواقع العلاقات الثنائية من مستوى التعاون التقليدي إلى شراكة أكثر عمقاً ترتبط في جوهرها بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي يشهدها العالم اليوم.

رسائل دبلوماسية واقتصادية

اللقاء حمل في طياته عدة رسائل دبلوماسية واقتصادية تعكس توجه البلدين نحو إعادة إعطاء دفع جديد للعلاقات الثنائية. فتأكيد الجانب التونسي على أهمية القطاعات ذات “القيمة المضافة العالية” مثل الصحة الرقمية وصناعة مكونات السيارات ورقمنة الإدارة والخدمات الرقمية يعكس بوضوح طبيعة التوجه التونسي تجاه التعاون مع كوريا الجنوبية، الذي يقوم على استقطاب الخبرات ونقل التكنولوجيا.

كما يكشف هذا التوجه عن قناعة رسمية تونسية بأن المرحلة المقبلة تتطلب شراكات قادرة على مرافقة التحولات الرقمية والاقتصادية التي يشهدها العالم، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والخدمات الذكية، وهي قطاعات تمتلك فيها كوريا الجنوبية خبرة عالمية متقدمة.

وفي المقابل، فإن حديث الجانب الكوري عن توسيع الاستثمارات والرفع من نسق التبادل التجاري يعكس وجود اهتمام اقتصادي متزايد بالسوق التونسية، خاصة مع سعي الشركات الكورية إلى تنويع حضورها داخل القارة الإفريقية والبحث عن منصات إنتاج وتصدير جديدة بالمنطقة المتوسطية.

تموقع جديد

ضمن هذا التمشي، تعرض اللقاء إلى اجتماع وزراء خارجية كوريا-إفريقيا المزمع عقده بسيول في غرة جوان 2026 باعتباره محطة هامة تطرح توجهاً كورياً جديداً نحو تعزيز الحضور داخل القارة الإفريقية.

فسيول تسعى منذ سنوات إلى بناء شراكات اقتصادية وتنموية هامة مع الدول الإفريقية، مستفيدة من حاجيات القارة في مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية والتحول الرقمي والطاقة. وفي هذا السياق، تبدو تونس معنية بهذا التوجه باعتبارها من الدول القادرة على أن تكون حلقة وصل بين كوريا والفضاء الإفريقي، خاصة في قطاعات الخدمات والتكنولوجيا والتكوين.

ومن هنا جاء تركيز وزير الخارجية على إمكانيات التعاون الثلاثي التونسي-الكوري-الإفريقي، وهي آلية تعكس رغبة تونس في عدم الاكتفاء بدور «المتلقي»، بل التحول إلى شريك إقليمي قادر على المساهمة في مشاريع مشتركة موجهة نحو إفريقيا، مستفيدة من موقعها الجغرافي وخبراتها البشرية وعلاقاتها الإفريقية. كما يمكن لهذا التوجه أن يمنح تونس فرصة لتعزيز تموقعها داخل شبكات التعاون الآسيوي-الإفريقي، خاصة في ظل التنافس الدولي المتزايد على القارة الإفريقية بين القوى الاقتصادية الكبرى.

ومن بين أبرز النقاط التي توقف عندها اللقاء أيضاً، إشادة تونس بالدور الذي تقوم به الوكالة الكورية للتعاون الدولي “KOICA”، والتي أصبحت خلال السنوات الماضية أحد أهم آليات الحضور الكوري داخل تونس. فالوكالة لم تقتصر على تمويل بعض المشاريع فقط، وإنما ساهمت في نقل الخبرات الكورية في مجالات التكوين والرقمنة وتطوير الخدمات الإدارية والصحية، وهو ما يعكس طبيعة المقاربة الكورية القائمة على “دبلوماسية التنمية” وربط التعاون الاقتصادي ببناء القدرات البشرية والمؤسساتية.

وتراهن تونس كثيراً على طبيعة هذا التعاون، خاصة في ظل حاجياتها إلى تعصير الإدارة وتطوير الخدمات الرقمية وتحسين البنية التكنولوجية، وجميعها ملفات تطرحها اليوم الدولة في أعلى هرمها كأولوية قصوى.

أما على المستوى الاقتصادي، فقد حمل اللقاء مؤشرات هامة تتعلق بإمكانية تطوير المبادلات التجارية، خاصة مع التطرق إلى اعتزام شركة كورية توريد كميات هامة من زيت الزيتون التونسي ومنتجات غذائية أخرى. ورغم أن المبادلات التجارية بين البلدين ما تزال دون المستوى المطلوب، فإن هذا المعطى يكشف عن بداية اهتمام كوري متزايد بالمنتجات التونسية، خاصة تلك التي تمتلك قدرة تنافسية عالية في الأسواق الخارجية، بما من شأنه أن يساعد تونس على تنويع أسواق صادراتها الغذائية خارج الفضاء الأوروبي التقليدي، خصوصاً في ظل اتساع وأهمية السوق الآسيوية.

إعادة تموقع للعلاقات

وبالعودة إلى الزخم الدبلوماسي بين تونس وكوريا خلال السنوات الأخيرة، جدير بالذكر أن العلاقات الثنائية دخلت مرحلة إعادة تموقع تقوم على التكنولوجيا والاستثمار والتعاون متعدد الأبعاد، بعيداً عن الأطر التقليدية التي رافقت مسار التعاون الثنائي بين البلدين لسنوات طويلة.

ومع اقتراب الذكرى الستين لإرساء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، تبدو الفرصة سانحة اليوم أمام تونس وكوريا لبناء شراكة استراتيجية شاملة تستجيب للتحولات الاقتصادية الدولية وتفتح آفاقاً جديدة للتعاون داخل الفضاء الإفريقي والمتوسطي.

منال حرزي