إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الأمن الغذائي أولوية وطنية.. مواصلة دعم صغار الفلاحين وبرامج عاجلة لإنقاذ الثروة الحيوانية

تُعدّ الفلاحة في تونس من أهم القطاعات الاستراتيجية التي لعبت عبر التاريخ دوراً أساسياً في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وضمان الأمن الغذائي الوطني. وتمتلك بلادنا إمكانيات طبيعية وبشرية هامة تجعل من القطاع الفلاحي ركيزة حقيقية للتنمية المستدامة، خاصة في ظل تنوع الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية وانتشار النشاط الفلاحي في مختلف الجهات الداخلية والريفية.

ويبرز قطاع تربية الماشية باعتباره أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الفلاحي، لما يوفره من منتجات حيوية كالحليب واللحوم الحمراء، إلى جانب مساهمته في توفير مورد رزق لآلاف العائلات التونسية.

لكن عيد الأضحى لهذه السنة شهد ارتفاعاً كبيراً وغير مسبوق في أسعار أضاحي العيد، حيث وجدت آلاف العائلات التونسية نفسها عاجزة عن مجاراة الأسعار المرتفعة، في مشهد يعكس عمق الأزمة التي يعيشها قطاع تربية الماشية وتراجع القدرة الإنتاجية الوطنية في مجال اللحوم الحمراء.

ولم يعد ارتفاع أسعار الأضاحي مجرد ظاهرة موسمية مرتبطة بالطلب المرتفع خلال عيد الأضحى، بل أصبح نتيجة مباشرة لتراكمات هيكلية عرفها القطاع الفلاحي على امتداد سنوات طويلة، من بينها الجفاف المتكرر، وارتفاع أسعار الأعلاف، وضعف الدعم الموجّه للفلاحين، وغياب سياسات فلاحية ناجعة قادرة على حماية المنتج الصغير وضمان استمرارية الإنتاج. كما ساهمت المضاربة والاحتكار وارتفاع كلفة النقل والطاقة والأدوية البيطرية في زيادة الأعباء على المربين، خاصة صغار الفلاحين الذين يمثلون النسبة الأكبر من المنتجين في قطاع الماشية.

وقد أدت هذه الصعوبات إلى تقلّص القطيع الوطني بشكل ملحوظ، سواء في قطاع الأبقار أو الأغنام أو الماعز، حيث اضطر عدد كبير من المربين إلى بيع إناث القطيع أو التخلي نهائياً عن النشاط بسبب الخسائر المتراكمة، وهو ما تسبب في اختلال التوازن بين العرض والطلب، وبالتالي ارتفاع الأسعار وتراجع الإنتاج المحلي. كما أثّرت هذه الأزمة على منظومة الحليب واللحوم الحمراء، وأصبحت تونس تواجه تحديات حقيقية مرتبطة بالأمن الغذائي وبقدرتها على تأمين حاجيات السوق الداخلية دون اللجوء المكثف إلى التوريد.

وفي خضم هذه الأوضاع، عاد الحديث بقوة عن ضرورة إعادة الاعتبار للقطاع الفلاحي باعتباره قطاعاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن بقية القطاعات السيادية، فالفلاحة ليست مجرد نشاط اقتصادي مرتبط بالإنتاج والاستهلاك، بل هي عنصر أساسي في استقرار الدول وحماية المجتمعات وضمان استقلالية القرار الوطني.

وفي هذا السياق، شدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد في أكثر من مناسبة على أن الفلاحة تمثل جزءاً من السيادة الوطنية، وأن الدولة مطالبة بحماية الفلاحين وإزالة العراقيل التي تعيقهم، خاصة صغار المنتجين الذين يتحملون العبء الأكبر في عملية الإنتاج. كما أكد رئيس الدولة أن تونس تمتلك من الإمكانيات الطبيعية والبشرية ما يمكّنها من تحقيق الاكتفاء الذاتي إذا توفرت الإرادة السياسية والسياسات العادلة التي تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار.

كما دعا رئيس الجمهورية إلى إعادة بناء المنظومة الفلاحية على أسس جديدة تقوم على العدالة الاجتماعية ومقاومة الاحتكار والفساد والمضاربة التي أنهكت الفلاح والمستهلك على حد سواء، مؤكداً أن دعم الفلاحين ليس منّة من الدولة، بل هو استثمار مباشر في الأمن الغذائي وفي استقرار البلاد الاقتصادي والاجتماعي.

وقد رافقت تصريحات رئيس الجمهورية جملة من الإجراءات والبرامج التي تم الإعلان عنها خلال المجالس الوزارية والاجتماعات الرسمية، من بينها تخصيص اعتمادات مالية لدعم صغار الفلاحين وتمويل المواسم الفلاحية، والعمل على إعادة تكوين القطيع الوطني على امتداد السنوات القادمة، إضافة إلى وضع خطط لمجابهة آثار الجفاف وتحسين إنتاج الأعلاف وتطوير الفلاحة العلفية المحلية للحد من التبعية للأسواق الخارجية.

كما أثبتت الأزمات العالمية المتتالية، سواء الصحية أو الاقتصادية أو المناخية، أن الدول التي تمتلك منظومات فلاحية قوية تكون أكثر قدرة على الصمود وحماية مواطنيها من الاضطرابات الخارجية.

ومن هذا المنطلق، برزت دعوات متزايدة إلى ضرورة وضع استراتيجية وطنية شاملة لإنقاذ القطاع الفلاحي في تونس تقوم أساساً على دعم صغار الفلاحين والمربين باعتبارهم الحلقة الأهم في دورة الإنتاج. فصغار الفلاحين لا يملكون فقط الخبرة المتوارثة في تربية الماشية وزراعة الأرض، بل يمثلون أيضاً الضامن الحقيقي لاستمرارية الإنتاج في المناطق والجهات الداخلية والريفية، وهم الأكثر قدرة على المحافظة على التوازن الاجتماعي داخل الجهات.

وعليه، فإن عملية دعم صغار الفلاحين يجب ألا تكون ظرفية أو موسمية، بل ينبغي أن تتحول إلى سياسة دولة واضحة ومستدامة تقوم على توفير التمويل الميسر، وتخفيض أسعار الأعلاف، وتوفير البذور والأسمدة والأدوية البيطرية بأسعار مدعومة، إلى جانب تطوير البنية التحتية الفلاحية وتحسين شبكات الري والمسالك الفلاحية ومراكز التجميع والتبريد، وهي أمور ينادي بها عموماً أغلبية الفلاحين في مختلف ولايات الجمهورية.

كما يتطلب الأمر تسهيل النفاذ إلى القروض، وتشجيع التعاونيات الفلاحية، وتمكين الشباب من الاستثمار في القطاع عبر حوافز حقيقية ومرافقة تقنية وإدارية.

وتتطلب جملة التحديات المطروحة اليوم رؤية أعمق وإصلاحات أكثر جرأة، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي أصبحت تهدد الموارد المائية والإنتاج الزراعي في مختلف أنحاء العالم. فتعزيز القطاع الفلاحي في تونس يمر أيضاً عبر تحديث أساليب الإنتاج واعتماد التكنولوجيا الحديثة في الري والزراعة وتربية الماشية، وتشجيع البحث العلمي والابتكار، وربط الجامعات ومراكز البحث بحاجيات الفلاحين الحقيقية.

ولا يمكن الحديث عن إنقاذ الفلاحة دون التطرق إلى أهمية تنمية الثروة الحيوانية باعتبارها عنصراً أساسياً في الاقتصاد الوطني، فالماشية ليست فقط مصدرًا للحوم والحليب، بل تمثل مورد رزق لآلاف العائلات التونسية، خاصة في المناطق الريفية والجبلية. ولذلك فإن إعادة تكوين القطيع الوطني يجب أن تكون أولوية وطنية عاجلة عبر تشجيع المربين على المحافظة على الإناث المنتجة، وتوفير الدعم الكافي لتغطية تكاليف التربية والعلف والرعاية البيطرية.

كما يستوجب تطوير قطاع اللحوم الحمراء والألبان تنظيماً أفضل لمسالك التوزيع، مع العمل على القضاء على المحتكرين والمضاربين الذين يحققون أرباحاً ضخمة على حساب المنتج والمستهلك، فالفلاح التونسي يعاني بدوره من ارتفاع كلفة الإنتاج ومن ضعف هامش الربح، في حين يتحمل المواطن أسعاراً مرتفعة بسبب تعدد الوسطاء وغياب الرقابة الفعّالة على الأسواق.

وفي إطار مواجهة هذه التحديات، تُنفذ تونس استراتيجية وطنية للفلاحة للفترة 2026-2030 تهدف إلى إعادة تكوين القطيع الوطني من الأغنام والأبقار وتحسين الإنتاجية وتعزيز الأمن الغذائي الوطني. وتعتمد هذه الاستراتيجية على جملة من المحاور الأساسية التي تسعى إلى إعادة التوازن للقطاع الفلاحي وضمان استدامته في ظل التحولات الاقتصادية والمناخية الراهنة.

ويتمثل المحور الأول في إعادة تكوين القطيع الوطني وهيكلته من خلال التوسع في برامج التحسين الوراثي للماشية وإعادة هيكلة ديوان الأراضي الدولية إلى جانب دعم صغار الفلاحين والهياكل المهنية باعتبارهم الحلقة الأساسية في منظومة الإنتاج الحيواني.

أما المحور الثاني فيرتكز على توفير الأعلاف ومقاومة الجفاف عبر تنويع مصادر الأعلاف المقاومة للتغيرات المناخية وتحسين تقنيات التخزين والعمل على استغلال المياه غير التقليدية في الري بما يضمن استمرارية الإنتاج وتقليص التبعية للأسواق الخارجية.

كما تولي الاستراتيجية أهمية خاصة للحماية الصحية الحيوانية من خلال تحسين التغطية الصحية للقطيع وتطوير خدمات الطب البيطري ورقمنة منظومة المتابعة والمراقبة بما يسمح بالتدخل السريع والحد من انتشار الأمراض.

وفي جانب تنظيم الأسواق، تعمل الدولة على تفعيل دور الهياكل الرسمية على غرار الديوان الوطني للأعلاف للحد من المضاربة والاحتكار إلى جانب إصلاح أسواق الدواب وتنظيم مسالك التوزيع بما يحقق التوازن بين مصلحة المنتج والقدرة الشرائية للمستهلك.

وعموماً، يمثل بناء منظومة فلاحية قوية ومستدامة اليوم أحد أكبر التحديات المطروحة أمام بلادنا، لكنه في المقابل يشكل فرصة حقيقية لتحقيق نهضة اقتصادية واجتماعية شاملة. فحين يتم دعم الفلاح وتمكينه من وسائل الإنتاج، تتحقق التنمية في الجهات الداخلية، وتتراجع البطالة والهجرة والفقر، ويستعيد الريف التونسي دوره التاريخي كمحرك أساسي للاقتصاد الوطني.

ويعتبر تصنيف أزمة ارتفاع أسعار أضاحي العيد مؤشراً من مؤشرات أزمة أعمق يعيشها القطاع الفلاحي، وهي أزمة لا يمكن تجاوزها إلا عبر رؤية وطنية شاملة تعيد الاعتبار للأرض والفلاح والإنتاج المحلي، فمستقبل بلادنا الغذائي والاقتصادي يمر حتماً عبر دعم الفلاحة وتعزيز الثروة الحيوانية وتمكين صغار الفلاحين من لعب دورهم الطبيعي في بناء اقتصاد وطني قوي.

أميرة الدريدي

الأمن الغذائي أولوية وطنية..   مواصلة دعم صغار الفلاحين وبرامج عاجلة لإنقاذ الثروة الحيوانية

تُعدّ الفلاحة في تونس من أهم القطاعات الاستراتيجية التي لعبت عبر التاريخ دوراً أساسياً في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وضمان الأمن الغذائي الوطني. وتمتلك بلادنا إمكانيات طبيعية وبشرية هامة تجعل من القطاع الفلاحي ركيزة حقيقية للتنمية المستدامة، خاصة في ظل تنوع الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية وانتشار النشاط الفلاحي في مختلف الجهات الداخلية والريفية.

ويبرز قطاع تربية الماشية باعتباره أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الفلاحي، لما يوفره من منتجات حيوية كالحليب واللحوم الحمراء، إلى جانب مساهمته في توفير مورد رزق لآلاف العائلات التونسية.

لكن عيد الأضحى لهذه السنة شهد ارتفاعاً كبيراً وغير مسبوق في أسعار أضاحي العيد، حيث وجدت آلاف العائلات التونسية نفسها عاجزة عن مجاراة الأسعار المرتفعة، في مشهد يعكس عمق الأزمة التي يعيشها قطاع تربية الماشية وتراجع القدرة الإنتاجية الوطنية في مجال اللحوم الحمراء.

ولم يعد ارتفاع أسعار الأضاحي مجرد ظاهرة موسمية مرتبطة بالطلب المرتفع خلال عيد الأضحى، بل أصبح نتيجة مباشرة لتراكمات هيكلية عرفها القطاع الفلاحي على امتداد سنوات طويلة، من بينها الجفاف المتكرر، وارتفاع أسعار الأعلاف، وضعف الدعم الموجّه للفلاحين، وغياب سياسات فلاحية ناجعة قادرة على حماية المنتج الصغير وضمان استمرارية الإنتاج. كما ساهمت المضاربة والاحتكار وارتفاع كلفة النقل والطاقة والأدوية البيطرية في زيادة الأعباء على المربين، خاصة صغار الفلاحين الذين يمثلون النسبة الأكبر من المنتجين في قطاع الماشية.

وقد أدت هذه الصعوبات إلى تقلّص القطيع الوطني بشكل ملحوظ، سواء في قطاع الأبقار أو الأغنام أو الماعز، حيث اضطر عدد كبير من المربين إلى بيع إناث القطيع أو التخلي نهائياً عن النشاط بسبب الخسائر المتراكمة، وهو ما تسبب في اختلال التوازن بين العرض والطلب، وبالتالي ارتفاع الأسعار وتراجع الإنتاج المحلي. كما أثّرت هذه الأزمة على منظومة الحليب واللحوم الحمراء، وأصبحت تونس تواجه تحديات حقيقية مرتبطة بالأمن الغذائي وبقدرتها على تأمين حاجيات السوق الداخلية دون اللجوء المكثف إلى التوريد.

وفي خضم هذه الأوضاع، عاد الحديث بقوة عن ضرورة إعادة الاعتبار للقطاع الفلاحي باعتباره قطاعاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن بقية القطاعات السيادية، فالفلاحة ليست مجرد نشاط اقتصادي مرتبط بالإنتاج والاستهلاك، بل هي عنصر أساسي في استقرار الدول وحماية المجتمعات وضمان استقلالية القرار الوطني.

وفي هذا السياق، شدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد في أكثر من مناسبة على أن الفلاحة تمثل جزءاً من السيادة الوطنية، وأن الدولة مطالبة بحماية الفلاحين وإزالة العراقيل التي تعيقهم، خاصة صغار المنتجين الذين يتحملون العبء الأكبر في عملية الإنتاج. كما أكد رئيس الدولة أن تونس تمتلك من الإمكانيات الطبيعية والبشرية ما يمكّنها من تحقيق الاكتفاء الذاتي إذا توفرت الإرادة السياسية والسياسات العادلة التي تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار.

كما دعا رئيس الجمهورية إلى إعادة بناء المنظومة الفلاحية على أسس جديدة تقوم على العدالة الاجتماعية ومقاومة الاحتكار والفساد والمضاربة التي أنهكت الفلاح والمستهلك على حد سواء، مؤكداً أن دعم الفلاحين ليس منّة من الدولة، بل هو استثمار مباشر في الأمن الغذائي وفي استقرار البلاد الاقتصادي والاجتماعي.

وقد رافقت تصريحات رئيس الجمهورية جملة من الإجراءات والبرامج التي تم الإعلان عنها خلال المجالس الوزارية والاجتماعات الرسمية، من بينها تخصيص اعتمادات مالية لدعم صغار الفلاحين وتمويل المواسم الفلاحية، والعمل على إعادة تكوين القطيع الوطني على امتداد السنوات القادمة، إضافة إلى وضع خطط لمجابهة آثار الجفاف وتحسين إنتاج الأعلاف وتطوير الفلاحة العلفية المحلية للحد من التبعية للأسواق الخارجية.

كما أثبتت الأزمات العالمية المتتالية، سواء الصحية أو الاقتصادية أو المناخية، أن الدول التي تمتلك منظومات فلاحية قوية تكون أكثر قدرة على الصمود وحماية مواطنيها من الاضطرابات الخارجية.

ومن هذا المنطلق، برزت دعوات متزايدة إلى ضرورة وضع استراتيجية وطنية شاملة لإنقاذ القطاع الفلاحي في تونس تقوم أساساً على دعم صغار الفلاحين والمربين باعتبارهم الحلقة الأهم في دورة الإنتاج. فصغار الفلاحين لا يملكون فقط الخبرة المتوارثة في تربية الماشية وزراعة الأرض، بل يمثلون أيضاً الضامن الحقيقي لاستمرارية الإنتاج في المناطق والجهات الداخلية والريفية، وهم الأكثر قدرة على المحافظة على التوازن الاجتماعي داخل الجهات.

وعليه، فإن عملية دعم صغار الفلاحين يجب ألا تكون ظرفية أو موسمية، بل ينبغي أن تتحول إلى سياسة دولة واضحة ومستدامة تقوم على توفير التمويل الميسر، وتخفيض أسعار الأعلاف، وتوفير البذور والأسمدة والأدوية البيطرية بأسعار مدعومة، إلى جانب تطوير البنية التحتية الفلاحية وتحسين شبكات الري والمسالك الفلاحية ومراكز التجميع والتبريد، وهي أمور ينادي بها عموماً أغلبية الفلاحين في مختلف ولايات الجمهورية.

كما يتطلب الأمر تسهيل النفاذ إلى القروض، وتشجيع التعاونيات الفلاحية، وتمكين الشباب من الاستثمار في القطاع عبر حوافز حقيقية ومرافقة تقنية وإدارية.

وتتطلب جملة التحديات المطروحة اليوم رؤية أعمق وإصلاحات أكثر جرأة، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي أصبحت تهدد الموارد المائية والإنتاج الزراعي في مختلف أنحاء العالم. فتعزيز القطاع الفلاحي في تونس يمر أيضاً عبر تحديث أساليب الإنتاج واعتماد التكنولوجيا الحديثة في الري والزراعة وتربية الماشية، وتشجيع البحث العلمي والابتكار، وربط الجامعات ومراكز البحث بحاجيات الفلاحين الحقيقية.

ولا يمكن الحديث عن إنقاذ الفلاحة دون التطرق إلى أهمية تنمية الثروة الحيوانية باعتبارها عنصراً أساسياً في الاقتصاد الوطني، فالماشية ليست فقط مصدرًا للحوم والحليب، بل تمثل مورد رزق لآلاف العائلات التونسية، خاصة في المناطق الريفية والجبلية. ولذلك فإن إعادة تكوين القطيع الوطني يجب أن تكون أولوية وطنية عاجلة عبر تشجيع المربين على المحافظة على الإناث المنتجة، وتوفير الدعم الكافي لتغطية تكاليف التربية والعلف والرعاية البيطرية.

كما يستوجب تطوير قطاع اللحوم الحمراء والألبان تنظيماً أفضل لمسالك التوزيع، مع العمل على القضاء على المحتكرين والمضاربين الذين يحققون أرباحاً ضخمة على حساب المنتج والمستهلك، فالفلاح التونسي يعاني بدوره من ارتفاع كلفة الإنتاج ومن ضعف هامش الربح، في حين يتحمل المواطن أسعاراً مرتفعة بسبب تعدد الوسطاء وغياب الرقابة الفعّالة على الأسواق.

وفي إطار مواجهة هذه التحديات، تُنفذ تونس استراتيجية وطنية للفلاحة للفترة 2026-2030 تهدف إلى إعادة تكوين القطيع الوطني من الأغنام والأبقار وتحسين الإنتاجية وتعزيز الأمن الغذائي الوطني. وتعتمد هذه الاستراتيجية على جملة من المحاور الأساسية التي تسعى إلى إعادة التوازن للقطاع الفلاحي وضمان استدامته في ظل التحولات الاقتصادية والمناخية الراهنة.

ويتمثل المحور الأول في إعادة تكوين القطيع الوطني وهيكلته من خلال التوسع في برامج التحسين الوراثي للماشية وإعادة هيكلة ديوان الأراضي الدولية إلى جانب دعم صغار الفلاحين والهياكل المهنية باعتبارهم الحلقة الأساسية في منظومة الإنتاج الحيواني.

أما المحور الثاني فيرتكز على توفير الأعلاف ومقاومة الجفاف عبر تنويع مصادر الأعلاف المقاومة للتغيرات المناخية وتحسين تقنيات التخزين والعمل على استغلال المياه غير التقليدية في الري بما يضمن استمرارية الإنتاج وتقليص التبعية للأسواق الخارجية.

كما تولي الاستراتيجية أهمية خاصة للحماية الصحية الحيوانية من خلال تحسين التغطية الصحية للقطيع وتطوير خدمات الطب البيطري ورقمنة منظومة المتابعة والمراقبة بما يسمح بالتدخل السريع والحد من انتشار الأمراض.

وفي جانب تنظيم الأسواق، تعمل الدولة على تفعيل دور الهياكل الرسمية على غرار الديوان الوطني للأعلاف للحد من المضاربة والاحتكار إلى جانب إصلاح أسواق الدواب وتنظيم مسالك التوزيع بما يحقق التوازن بين مصلحة المنتج والقدرة الشرائية للمستهلك.

وعموماً، يمثل بناء منظومة فلاحية قوية ومستدامة اليوم أحد أكبر التحديات المطروحة أمام بلادنا، لكنه في المقابل يشكل فرصة حقيقية لتحقيق نهضة اقتصادية واجتماعية شاملة. فحين يتم دعم الفلاح وتمكينه من وسائل الإنتاج، تتحقق التنمية في الجهات الداخلية، وتتراجع البطالة والهجرة والفقر، ويستعيد الريف التونسي دوره التاريخي كمحرك أساسي للاقتصاد الوطني.

ويعتبر تصنيف أزمة ارتفاع أسعار أضاحي العيد مؤشراً من مؤشرات أزمة أعمق يعيشها القطاع الفلاحي، وهي أزمة لا يمكن تجاوزها إلا عبر رؤية وطنية شاملة تعيد الاعتبار للأرض والفلاح والإنتاج المحلي، فمستقبل بلادنا الغذائي والاقتصادي يمر حتماً عبر دعم الفلاحة وتعزيز الثروة الحيوانية وتمكين صغار الفلاحين من لعب دورهم الطبيعي في بناء اقتصاد وطني قوي.

أميرة الدريدي