أعادت التقديرات الاقتصادية الصادرة مؤخرًا عن دوائر مالية دولية الملف الاقتصادي إلى واجهة النقاش العام، خاصة بعد توقع البنك الإفريقي للتنمية تسجيل نسبة نمو بـ2.1 بالمائة خلال سنة 2026، وارتفاعها إلى 2.8 بالمائة في عام 2027، بالتوازي مع توقعات باستقرار نسب التضخم. وتأتي هذه المؤشرات في وقت تواصل فيه الدولة، في أعلى هرمها، الدفع نحو مسار إصلاحي يقوم على مراجعة مناخ الأعمال، وتطوير الإدارة، وتيسير آليات الاستثمار، باعتبارها عوامل ضرورية لبلوغ الانتعاشة المرجوة.
وتكتسي هذه الأرقام أهمية خاصة، لأنها تتزامن أيضًا مع إعلان المعهد الوطني للإحصاء تسجيل نمو فعلي بنسبة 2.6 بالمائة خلال الثلاثي الأول من سنة 2026، وهو ما اعتبره متابعون للشأن العام مؤشرًا على بداية تشكل ديناميكية اقتصادية في ظل وجود مسار إصلاحي تكرسه الدولة.
وكان رئيس الجمهورية قيس سعيّد قد أكد أن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يكون منفصلًا عن إصلاح مؤسسات الدولة ومراجعة المنظومة القانونية والإدارية التي عطلت، لعقود، ديناميكية الاقتصاد والاستثمار. وفي هذا السياق، تكتسي التقديرات الصادرة عن المؤسسات الدولية، على غرار البنك الإفريقي للتنمية والبنك الدولي، أهمية خاصة باعتبارها تعكس قراءة خارجية لمسار الاقتصاد التونسي ومدى قدرته على تجاوز الضغوطات التي عرفها خلال السنوات الماضية.
وفي هذا الإطار، تشير أحدث التوقعات إلى أن تونس مرشحة لتحقيق نسبة نمو اقتصادي في حدود 2.1 بالمائة خلال سنة 2026، وفق تقديرات البنك الإفريقي للتنمية، على أن يرتفع هذا النمو إلى 2.8 بالمائة سنة 2027، في وقت يتوقع فيه استقرار التضخم عند حدود 5.5 بالمائة، قبل أن يتراجع إلى 5.4 بالمائة خلال السنة المقبلة. ورغم أن هذه الأرقام تبقى دون طموحات الحكومة التي بنت ميزانية الدولة لسنة 2026 على فرضية نسبة نمو تبلغ 3.3 بالمائة، فإنها تحمل، في المقابل، مؤشرات يعتبرها عدد من المراقبين إيجابية مقارنة بالسنوات السابقة التي اتسمت بارتفاع الضغوط المالية وتباطؤ نسق الاستثمار، خاصة في ظل مناخ الإصلاحات الذي تعمل الدولة على ترسيخه خلال المرحلة الحالية، عبر تحسين مناخ الأعمال، وتبسيط الإجراءات الإدارية، ودفع الاستثمار، وهي عوامل قد تساهم تدريجيًا في الاقتراب من الأهداف الاقتصادية المرسومة ورفع نسق النمو خلال الفترة المقبلة.
مؤشرات للنمو
يمثل إعلان البنك الإفريقي للتنمية، الصادر من العاصمة الكونغولية برازافيل خلال الاجتماعات السنوية للمجموعة، مؤشرًا يعكس نظرة المؤسسات المالية الإفريقية والدولية إلى الاقتصاد التونسي. فحين تتوقع مؤسسة مالية بحجم البنك الإفريقي للتنمية تحسن نسبة النمو التدريجي في تونس خلال سنتي 2026 و2027، فإن هذه التوقعات تترجم وجود بوادر استقرار بدأت تتشكل داخل الاقتصاد الوطني رغم التحديات المطروحة.
كما أن صدور هذه المؤشرات بالتزامن مع تسجيل الاقتصاد الوطني نموًا فعليًا بنسبة 2.6 بالمائة خلال الثلاثي الأول من سنة 2026، وفق الإحصائيات التي نشرها المعهد الوطني للإحصاء، يمنح هذه التوقعات بعدًا أكثر واقعية.
وتعكس هذه المعطيات كذلك بداية تحسن نسبي في عدد من القطاعات الاقتصادية الحيوية، خاصة السياحة والخدمات وبعض الأنشطة الصناعية والفلاحية، إضافة إلى ارتفاع نسق الصادرات نحو عدد من الأسواق التقليدية.
وفي هذا الاتجاه، جدير بالذكر أن تونس قد ظهرت ضمن كوكبة الدول الإفريقية الصناعية الخمس الأولى، واحتلت المرتبة الرابعة في مؤشر التصنيع في إفريقيا، في نسخته الثانية، وفقًا لما نشرته مجموعة البنك الإفريقي للتنمية، بما يؤشر إلى تحسن مردودية الاقتصاد التونسي وقدرته على الحفاظ على موقع متقدم قارّيًا رغم التحديات الاقتصادية العالمية، كما يعكس تطور عدد من القطاعات الصناعية والتصديرية، ويعزز، في الآن ذاته، رهان الدولة، في أعلى هرمها، على جعل الصناعة والاستثمار من أبرز محركات النمو خلال المرحلة المقبلة.
استعادة الثقة في المؤسسات
تبرز هذه التصنيفات دور الدولة في إعادة توجيه السياسات الاقتصادية نحو مقاربة تقوم على استعادة الثقة في المؤسسات وتحسين مناخ الأعمال، وهي ملفات وضعها رئيس الجمهورية قيس سعيّد ضمن أولويات المرحلة الحالية، من خلال الدعوة إلى مراجعة عدد من القوانين والإجراءات الإدارية المرتبطة بالاستثمار.
ففي عديد المناسبات واللقاءات الرسمية، اعتبر رئيس الدولة قيس سعيّد أنه من الضروري ربط الإصلاح الاقتصادي بإصلاح الدولة نفسها، معتبرًا أن جزءًا كبيرًا من الأزمة الاقتصادية يعود إلى ما وصفه بتفكك مؤسسات الدولة واستفحال الفساد والبيروقراطية وتعطل المشاريع الكبرى. ولهذا، انكبت الجهود خلال السنوات الماضية على ضرورة إعادة بناء الإدارة، وتطوير التشريعات، وتحقيق قدر أكبر من النجاعة في تنفيذ المشاريع العمومية.
وفي أكثر من محطة، شدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على أن تحسين الوضع الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق عبر الحلول الظرفية أو التداين فقط، وإنما من خلال إصلاحات هيكلية تضمن استقرار الدولة وتحفز الاستثمار الوطني والأجنبي. ويبدو أن هذه المقاربة بدأت تنعكس تدريجيًا على بعض المؤشرات الاقتصادية، خاصة مع عودة الحديث داخل المؤسسات الدولية عن إمكانية تحقيق نسب نمو تصاعدية خلال السنوات المقبلة.
كما عملت الدولة، خلال الفترة الأخيرة، على دفع عدد من المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية والرقمنة وتبسيط الإجراءات الإدارية، وهي ملفات تعتبرها المؤسسات الاقتصادية الدولية ضرورية لتحسين مناخ الأعمال.
وضمن هذه المقاربة، تسعى تونس إلى تعزيز موقعها كشريك اقتصادي إقليمي ودولي عبر تنويع علاقاتها الاقتصادية والانفتاح على أسواق جديدة، خاصة في إفريقيا وآسيا. وقد تزامن ذلك مع نشاط دبلوماسي متزايد خلال الأشهر الماضية، شمل عددًا من اللقاءات الثنائية والاقتصادية التي تناولت أهمية جذب الاستثمارات وتوسيع مجالات التعاون.
وهذا الطرح طالما شدد عليه رئيس الدولة قيس سعيّد في عديد اللقاءات الرسمية، معتبرًا أن تنويع الشراكات الاقتصادية والانفتاح على فضاءات إقليمية ودولية جديدة يمثلان خيارًا استراتيجيًا لتونس في المرحلة المقبلة.
ضرورة تحسين مناخ الأعمال
تدرك الدولة جيدًا أن تحقيق نسب نمو أعلى خلال السنوات القادمة يقترن أساسًا بمدى قدرة البلاد على تحسين مناخ الاستثمار والأعمال. فرغم المؤشرات الإيجابية الأخيرة، لا تزال تونس تواجه تحديات هيكلية تتعلق بتعزيز الاستثمار الخاص عبر تجاوز تعقيدات الإجراءات الإدارية التي تنفر المستثمرين.
وفي هذا الإطار، تبرز الإصلاحات الاقتصادية كأحد أهم رهانات المرحلة المقبلة، خاصة مع تزايد الحاجة إلى خلق مناخ أكثر جاذبية للمستثمرين المحليين والأجانب. وقد سعت الدولة خلال الفترة الأخيرة إلى توجيه رسائل طمأنة للشركاء الاقتصاديين عبر التأكيد على استقرار المؤسسات واستمرار الإصلاحات.
ومن جانب آخر، يعتبر عدد من الخبراء أن تحسن المؤشرات الاقتصادية خلال سنة 2026 يعود إلى استرجاع الثقة نسبيًا في قدرة الدولة على إدارة الملفات الاقتصادية الكبرى. كما أن الاستقرار النسبي في المؤشرات المالية والتضخم من شأنه أن يمنح الحكومة هامشًا أكبر لتنفيذ برامجها الاقتصادية والاجتماعية.
رهان على الشراكات الدولية
من جهة أخرى، وبالتوازي مع مسار الإصلاحات الداخلية، تعمل تونس على تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع عدد من الشركاء الدوليين والإقليميين، في إطار استراتيجية تقوم على تنويع مصادر التمويل والاستثمار. وقد شهدت الأشهر الأخيرة تكثيفًا للقاءات الاقتصادية والدبلوماسية مع عدد من الدول والمؤسسات المالية، في مؤشر على رغبة تونس في استعادة موقعها كوجهة استثمارية وشريك اقتصادي مستقر.
وهذا التوجه ينسجم مع رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيّد، التي تستند إلى بناء علاقات اقتصادية تقوم على احترام السيادة الوطنية وتحقيق المصالح المشتركة، بعيدًا عن منطق التبعية أو الإملاءات الخارجية.
وفي هذا السياق، تمثل التقديرات الإيجابية الصادرة عن المؤسسات الدولية عنصر دعم وإشعاع إضافي لصورة الاقتصاد التونسي في الخارج، باعتبار أن هذه التقارير تؤثر بشكل مباشر على قرارات المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية.
وبالتالي، تكشف جميع المؤشرات الاقتصادية الأخيرة أن تونس دخلت مرحلة جديدة تتطلع فيها إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء مسار اقتصادي أكثر استقرارًا. فرغم الضغوطات والتحديات المطروحة في أكثر من قطاع حيوي، فإن عودة نسب النمو إلى الارتفاع التدريجي وتراجع التضخم يمثلان مؤشرين يعتبرهما مراقبون مهمين في تقييم أداء الاقتصاد الوطني ونجاعته.
كما أن تواصل نسق الإصلاحات من شأنه أن يساهم في بلوغ نسبة النمو التي ضبطتها الحكومة ضمن ميزانية الدولة لسنة 2026 والمقدرة بـ3.3 بالمائة، خاصة إذا ما تواصل تحسن مناخ الاستثمار وتعززت ثقة الفاعلين الاقتصاديين، بالتوازي مع دفع المشاريع العمومية والخاصة وتحسين مردودية عدد من القطاعات الحيوية، دون التغافل عن ضرورة القطع كليًا مع تعقيدات الإجراءات الإدارية.
وبالعودة إلى الأرقام الرسمية والدولية، يبدو أن نسب النمو الاقتصادي في تونس بدأت تستعيد تدريجيًا نسقها بعد سنوات من الضغوط المالية والاضطرابات الاقتصادية، وسط مؤشرات تعكس تحسنًا نسبيًا في عدد من القطاعات الحيوية. ورغم أن التحديات ما تزال قائمة، فإن التقارير الصادرة عن المؤسسات الدولية، إلى جانب المعطيات الرسمية، توحي بأن مسار الإصلاحات الذي تتبناه الدولة قد بدأ يعطي أكله تدريجيًا على المؤشرات الاقتصادية.
منال حرزي
أعادت التقديرات الاقتصادية الصادرة مؤخرًا عن دوائر مالية دولية الملف الاقتصادي إلى واجهة النقاش العام، خاصة بعد توقع البنك الإفريقي للتنمية تسجيل نسبة نمو بـ2.1 بالمائة خلال سنة 2026، وارتفاعها إلى 2.8 بالمائة في عام 2027، بالتوازي مع توقعات باستقرار نسب التضخم. وتأتي هذه المؤشرات في وقت تواصل فيه الدولة، في أعلى هرمها، الدفع نحو مسار إصلاحي يقوم على مراجعة مناخ الأعمال، وتطوير الإدارة، وتيسير آليات الاستثمار، باعتبارها عوامل ضرورية لبلوغ الانتعاشة المرجوة.
وتكتسي هذه الأرقام أهمية خاصة، لأنها تتزامن أيضًا مع إعلان المعهد الوطني للإحصاء تسجيل نمو فعلي بنسبة 2.6 بالمائة خلال الثلاثي الأول من سنة 2026، وهو ما اعتبره متابعون للشأن العام مؤشرًا على بداية تشكل ديناميكية اقتصادية في ظل وجود مسار إصلاحي تكرسه الدولة.
وكان رئيس الجمهورية قيس سعيّد قد أكد أن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يكون منفصلًا عن إصلاح مؤسسات الدولة ومراجعة المنظومة القانونية والإدارية التي عطلت، لعقود، ديناميكية الاقتصاد والاستثمار. وفي هذا السياق، تكتسي التقديرات الصادرة عن المؤسسات الدولية، على غرار البنك الإفريقي للتنمية والبنك الدولي، أهمية خاصة باعتبارها تعكس قراءة خارجية لمسار الاقتصاد التونسي ومدى قدرته على تجاوز الضغوطات التي عرفها خلال السنوات الماضية.
وفي هذا الإطار، تشير أحدث التوقعات إلى أن تونس مرشحة لتحقيق نسبة نمو اقتصادي في حدود 2.1 بالمائة خلال سنة 2026، وفق تقديرات البنك الإفريقي للتنمية، على أن يرتفع هذا النمو إلى 2.8 بالمائة سنة 2027، في وقت يتوقع فيه استقرار التضخم عند حدود 5.5 بالمائة، قبل أن يتراجع إلى 5.4 بالمائة خلال السنة المقبلة. ورغم أن هذه الأرقام تبقى دون طموحات الحكومة التي بنت ميزانية الدولة لسنة 2026 على فرضية نسبة نمو تبلغ 3.3 بالمائة، فإنها تحمل، في المقابل، مؤشرات يعتبرها عدد من المراقبين إيجابية مقارنة بالسنوات السابقة التي اتسمت بارتفاع الضغوط المالية وتباطؤ نسق الاستثمار، خاصة في ظل مناخ الإصلاحات الذي تعمل الدولة على ترسيخه خلال المرحلة الحالية، عبر تحسين مناخ الأعمال، وتبسيط الإجراءات الإدارية، ودفع الاستثمار، وهي عوامل قد تساهم تدريجيًا في الاقتراب من الأهداف الاقتصادية المرسومة ورفع نسق النمو خلال الفترة المقبلة.
مؤشرات للنمو
يمثل إعلان البنك الإفريقي للتنمية، الصادر من العاصمة الكونغولية برازافيل خلال الاجتماعات السنوية للمجموعة، مؤشرًا يعكس نظرة المؤسسات المالية الإفريقية والدولية إلى الاقتصاد التونسي. فحين تتوقع مؤسسة مالية بحجم البنك الإفريقي للتنمية تحسن نسبة النمو التدريجي في تونس خلال سنتي 2026 و2027، فإن هذه التوقعات تترجم وجود بوادر استقرار بدأت تتشكل داخل الاقتصاد الوطني رغم التحديات المطروحة.
كما أن صدور هذه المؤشرات بالتزامن مع تسجيل الاقتصاد الوطني نموًا فعليًا بنسبة 2.6 بالمائة خلال الثلاثي الأول من سنة 2026، وفق الإحصائيات التي نشرها المعهد الوطني للإحصاء، يمنح هذه التوقعات بعدًا أكثر واقعية.
وتعكس هذه المعطيات كذلك بداية تحسن نسبي في عدد من القطاعات الاقتصادية الحيوية، خاصة السياحة والخدمات وبعض الأنشطة الصناعية والفلاحية، إضافة إلى ارتفاع نسق الصادرات نحو عدد من الأسواق التقليدية.
وفي هذا الاتجاه، جدير بالذكر أن تونس قد ظهرت ضمن كوكبة الدول الإفريقية الصناعية الخمس الأولى، واحتلت المرتبة الرابعة في مؤشر التصنيع في إفريقيا، في نسخته الثانية، وفقًا لما نشرته مجموعة البنك الإفريقي للتنمية، بما يؤشر إلى تحسن مردودية الاقتصاد التونسي وقدرته على الحفاظ على موقع متقدم قارّيًا رغم التحديات الاقتصادية العالمية، كما يعكس تطور عدد من القطاعات الصناعية والتصديرية، ويعزز، في الآن ذاته، رهان الدولة، في أعلى هرمها، على جعل الصناعة والاستثمار من أبرز محركات النمو خلال المرحلة المقبلة.
استعادة الثقة في المؤسسات
تبرز هذه التصنيفات دور الدولة في إعادة توجيه السياسات الاقتصادية نحو مقاربة تقوم على استعادة الثقة في المؤسسات وتحسين مناخ الأعمال، وهي ملفات وضعها رئيس الجمهورية قيس سعيّد ضمن أولويات المرحلة الحالية، من خلال الدعوة إلى مراجعة عدد من القوانين والإجراءات الإدارية المرتبطة بالاستثمار.
ففي عديد المناسبات واللقاءات الرسمية، اعتبر رئيس الدولة قيس سعيّد أنه من الضروري ربط الإصلاح الاقتصادي بإصلاح الدولة نفسها، معتبرًا أن جزءًا كبيرًا من الأزمة الاقتصادية يعود إلى ما وصفه بتفكك مؤسسات الدولة واستفحال الفساد والبيروقراطية وتعطل المشاريع الكبرى. ولهذا، انكبت الجهود خلال السنوات الماضية على ضرورة إعادة بناء الإدارة، وتطوير التشريعات، وتحقيق قدر أكبر من النجاعة في تنفيذ المشاريع العمومية.
وفي أكثر من محطة، شدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على أن تحسين الوضع الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق عبر الحلول الظرفية أو التداين فقط، وإنما من خلال إصلاحات هيكلية تضمن استقرار الدولة وتحفز الاستثمار الوطني والأجنبي. ويبدو أن هذه المقاربة بدأت تنعكس تدريجيًا على بعض المؤشرات الاقتصادية، خاصة مع عودة الحديث داخل المؤسسات الدولية عن إمكانية تحقيق نسب نمو تصاعدية خلال السنوات المقبلة.
كما عملت الدولة، خلال الفترة الأخيرة، على دفع عدد من المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية والرقمنة وتبسيط الإجراءات الإدارية، وهي ملفات تعتبرها المؤسسات الاقتصادية الدولية ضرورية لتحسين مناخ الأعمال.
وضمن هذه المقاربة، تسعى تونس إلى تعزيز موقعها كشريك اقتصادي إقليمي ودولي عبر تنويع علاقاتها الاقتصادية والانفتاح على أسواق جديدة، خاصة في إفريقيا وآسيا. وقد تزامن ذلك مع نشاط دبلوماسي متزايد خلال الأشهر الماضية، شمل عددًا من اللقاءات الثنائية والاقتصادية التي تناولت أهمية جذب الاستثمارات وتوسيع مجالات التعاون.
وهذا الطرح طالما شدد عليه رئيس الدولة قيس سعيّد في عديد اللقاءات الرسمية، معتبرًا أن تنويع الشراكات الاقتصادية والانفتاح على فضاءات إقليمية ودولية جديدة يمثلان خيارًا استراتيجيًا لتونس في المرحلة المقبلة.
ضرورة تحسين مناخ الأعمال
تدرك الدولة جيدًا أن تحقيق نسب نمو أعلى خلال السنوات القادمة يقترن أساسًا بمدى قدرة البلاد على تحسين مناخ الاستثمار والأعمال. فرغم المؤشرات الإيجابية الأخيرة، لا تزال تونس تواجه تحديات هيكلية تتعلق بتعزيز الاستثمار الخاص عبر تجاوز تعقيدات الإجراءات الإدارية التي تنفر المستثمرين.
وفي هذا الإطار، تبرز الإصلاحات الاقتصادية كأحد أهم رهانات المرحلة المقبلة، خاصة مع تزايد الحاجة إلى خلق مناخ أكثر جاذبية للمستثمرين المحليين والأجانب. وقد سعت الدولة خلال الفترة الأخيرة إلى توجيه رسائل طمأنة للشركاء الاقتصاديين عبر التأكيد على استقرار المؤسسات واستمرار الإصلاحات.
ومن جانب آخر، يعتبر عدد من الخبراء أن تحسن المؤشرات الاقتصادية خلال سنة 2026 يعود إلى استرجاع الثقة نسبيًا في قدرة الدولة على إدارة الملفات الاقتصادية الكبرى. كما أن الاستقرار النسبي في المؤشرات المالية والتضخم من شأنه أن يمنح الحكومة هامشًا أكبر لتنفيذ برامجها الاقتصادية والاجتماعية.
رهان على الشراكات الدولية
من جهة أخرى، وبالتوازي مع مسار الإصلاحات الداخلية، تعمل تونس على تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع عدد من الشركاء الدوليين والإقليميين، في إطار استراتيجية تقوم على تنويع مصادر التمويل والاستثمار. وقد شهدت الأشهر الأخيرة تكثيفًا للقاءات الاقتصادية والدبلوماسية مع عدد من الدول والمؤسسات المالية، في مؤشر على رغبة تونس في استعادة موقعها كوجهة استثمارية وشريك اقتصادي مستقر.
وهذا التوجه ينسجم مع رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيّد، التي تستند إلى بناء علاقات اقتصادية تقوم على احترام السيادة الوطنية وتحقيق المصالح المشتركة، بعيدًا عن منطق التبعية أو الإملاءات الخارجية.
وفي هذا السياق، تمثل التقديرات الإيجابية الصادرة عن المؤسسات الدولية عنصر دعم وإشعاع إضافي لصورة الاقتصاد التونسي في الخارج، باعتبار أن هذه التقارير تؤثر بشكل مباشر على قرارات المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية.
وبالتالي، تكشف جميع المؤشرات الاقتصادية الأخيرة أن تونس دخلت مرحلة جديدة تتطلع فيها إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء مسار اقتصادي أكثر استقرارًا. فرغم الضغوطات والتحديات المطروحة في أكثر من قطاع حيوي، فإن عودة نسب النمو إلى الارتفاع التدريجي وتراجع التضخم يمثلان مؤشرين يعتبرهما مراقبون مهمين في تقييم أداء الاقتصاد الوطني ونجاعته.
كما أن تواصل نسق الإصلاحات من شأنه أن يساهم في بلوغ نسبة النمو التي ضبطتها الحكومة ضمن ميزانية الدولة لسنة 2026 والمقدرة بـ3.3 بالمائة، خاصة إذا ما تواصل تحسن مناخ الاستثمار وتعززت ثقة الفاعلين الاقتصاديين، بالتوازي مع دفع المشاريع العمومية والخاصة وتحسين مردودية عدد من القطاعات الحيوية، دون التغافل عن ضرورة القطع كليًا مع تعقيدات الإجراءات الإدارية.
وبالعودة إلى الأرقام الرسمية والدولية، يبدو أن نسب النمو الاقتصادي في تونس بدأت تستعيد تدريجيًا نسقها بعد سنوات من الضغوط المالية والاضطرابات الاقتصادية، وسط مؤشرات تعكس تحسنًا نسبيًا في عدد من القطاعات الحيوية. ورغم أن التحديات ما تزال قائمة، فإن التقارير الصادرة عن المؤسسات الدولية، إلى جانب المعطيات الرسمية، توحي بأن مسار الإصلاحات الذي تتبناه الدولة قد بدأ يعطي أكله تدريجيًا على المؤشرات الاقتصادية.