◄ قراءات جديدة في الملتقى تعتمد على نتائج حفريات حديثة ومقاربات متعددة الاختصاصات
◄ «التل الأعلى التونسي» منطقة تمتد عبر ولايات الشمال الغربي والوسط الغربي وتضم مواقع أثرية كبرى
◄ المدن الرومانية والنوميدية والمعالم الدينية والمنشآت المتنوعة تشهد على تعاقب حضارات متعددة بالمنطقة
تستعد الساحة الثقافية والأكاديمية في تونس لاحتضان حدث علمي دولي جديد يعيد تسليط الضوء على واحدة من أكثر المناطق التونسية ثراء من حيث التاريخ والآثار والذاكرة الحضارية، وذلك من خلال تنظيم الملتقى الدولي الأول «التل الأعلى التونسي في العصور القديمة والقرون الوسطى المبكرة: مقاربات جديدة وإضافات حديثة»، والذي سينتظم أيام 4 و5 و6 جوان 2026 بقصر السعيد بباردو، تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية، وبمبادرة مشتركة بين المعهد الوطني للتراث ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية ومركز الفنون والثقافة والآداب قصر السعيد، إلى جانب مخبر “الاقتصاد والمجال والمشاهد التراثية بتونس والمغرب والمتوسط”.
ويأتي هذا الموعد العلمي في سياق تنامي الاهتمام الأكاديمي بمنطقة التل الأعلى التونسي، باعتبارها الفضاء التاريخي والحضاري البارز، وأحد المواقع الأثرية الأكثر شهرة بالبلاد، بما تختزنه مدنه ومجالاته الريفية من شواهد تعود إلى فترات ما قبل التاريخ والعهدين النوميدي والروماني، وصولا إلى العصور الوسطى المبكرة، وهو ما جعل هذا الملتقى يتجه نحو تقديم قراءات جديدة تعتمد على نتائج حفريات حديثة ومقاربات متعددة الاختصاصات، تجمع بين التاريخ والآثار والجغرافيا والتراث والعمارة والدراسات الاقتصادية والاجتماعية القديمة.
ويفتتح الملتقى أشغاله صباح يوم 4 جوان بجلسة استقبال وكلمات افتتاحية رسمية، قبل تقديم مجموعة من الإصدارات العلمية الحديثة المرتبطة بتاريخ وآثار تونس القديمة، ثم تنطلق الجلسات العلمية التي تتوزع على عدة محاور كبرى، تعكس تنوع الرهانات البحثية المرتبطة بالتل الأعلى. ويخصص المحور الأول للسياق العام وفترة ما قبل التاريخ، حيث تتناول المداخلات الخصوصيات الجغرافية للمجال الطبيعي بالتل الأعلى، ومستقبل الأبحاث حول المدن القديمة بالمنطقة، إضافة إلى الدراسات المرتبطة بالمواقع الصخرية والذاكرة البشرية الأولى بالمجال الجبلي في الشمال الغربي التونسي. أما المحور الثاني فيركز على التهيئة الترابية والبنية الحدودية والطرقات التاريخية واستعمال الموارد المائية، إلى جانب الدراسات المتعلقة بالمعالم الحضارية والمنشآت الرومانية القديمة، وهو ما يعكس الاهتمام بفهم أنماط التنظيم المجالي والعمراني في المنطقة خلال الفترات القديمة.
ويسلط الملتقى الضوء على الديناميكيات الريفية والاقتصاد الزراعي في العصور القديمة، من خلال جلسة تتناول الملكيات الكبرى والمنشآت الهيدروليكية واستراتيجيات التزويد بالمياه، فضلا عن الاقتصاد الفلاحي والعلاقات التجارية والسياسية التي ربطت المجال التونسي القديم بفضاءات متوسطية أخرى. ويبرز ضمن هذه المحاور اهتمام الباحثين بإعادة قراءة التاريخ الاقتصادي للتل الأعلى، باعتباره فضاءً إنتاجيا واستراتيجيا لعب أدوارا محورية في شمال إفريقيا القديمة، لا مجرد منطقة هامشية أو داخلية.
وتتواصل أعمال الملتقى بجلسات أخرى تخصص للحياة الدينية والطقوس والمعتقدات المحلية، حيث يتم التطرق إلى المعابد والرموز الدينية والآلهة المحلية وشبكات النفوذ الروحي داخل المدن القديمة، إضافة إلى دراسة النخب المحلية وعلاقتها بالسلطة وبالمؤسسات السياسية والإدارية في إفريقيا الرومانية. ويعكس هذا المحور رغبة الباحثين في فهم البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمعات التي عاشت في مدن التل الأعلى، وكيفية تشكل هوياتها المحلية وتفاعلها مع التأثيرات المتوسطية المختلفة.
أما اليوم الثاني من الملتقى، الموافق لـ5 جوان، فيخصص جزء مهم منه للحفريات والاكتشافات الأثرية الحديثة، حيث تعرض نتائج أولية لعدد من المشاريع البحثية المتعلقة بمواقع أثرية تونسية شهدت خلال السنوات الأخيرة أعمال تنقيب ودراسات ميدانية جديدة، من بينها مسارح ومدن نوميدية وأحياء سكنية ومنشآت معمارية تعود إلى العهد الروماني. كما تتناول الجلسات الاكتشافات المرتبطة بالمدن الداخلية التي بدأت تستعيد حضورها في الخريطة الأثرية التونسية، بفضل البحوث متعددة الاختصاصات، بما يسمح بإعادة كتابة أجزاء من تاريخ المجال التونسي القديم انطلاقا من معطيات أثرية وعمرانية جديدة.
ويتضمن البرنامج أيضا محورا خاصا بالفنون والعمارة، يتم خلاله التطرق إلى مكانة بعض المدن الأثرية في التل الأعلى داخل المشهد الحضاري التونسي القديم، إضافة إلى دراسة العمارة الدفاعية والمنشآت الصخرية والأحياء السكنية الرومانية، فضلا عن تحليل الزخارف والديكور المعماري والتماثيل والنقائش الجدارية التي تم اكتشافها أو إعادة دراستها حديثا. ويكشف هذا المحور عن الأهمية الفنية والمعمارية للمواقع الأثرية المنتشرة بالشمال الغربي والوسط الغربي التونسي، وهي مواقع لا تزال الكثير من مكوناتها في حاجة إلى مزيد من التثمين والتعريف.
كما يطرح الملتقى، من خلال جلساته الأخيرة، إشكاليات مرتبطة بالزخرفة الحضرية والفنون التشكيلية القديمة، من خلال دراسة التماثيل واللوحات الجدارية والعناصر الزخرفية المكتشفة في عدد من المدن التاريخية، بما يساهم في فهم التحولات الجمالية والثقافية التي عرفتها المنطقة عبر الحقب القديمة. ويتواصل البرنامج العلمي يوم السبت 6 جوان من خلال جلسة تاسعة تحمل عنوان “من المدينة القديمة إلى المدينة الوسيطة”، وتخصص لدراسة التحولات التي عرفتها مدن التل الأعلى خلال العصور القديمة المتأخرة، من خلال التطرق إلى طبيعة الاستقرار البشري واختفاء مدن قديمة بالشمال الغربي التونسي، إضافة إلى النقوش الفسيفسائية الخاصة بـ»البازيليكات» المسيحية المبكرة والأسقفيات وعلاقة المدن بالبنية الدينية خلال تلك المرحلة، فضلا عن العودة إلى بعض النقوش التاريخية العائدة إلى عهد قسطنطين الأكبر. كما يخصص الجزء الأخير من الملتقى للعصور الوسطى والمجالات الريفية، حيث تتناول الجلسات صورة “التل” في المصادر الوسيطة والحديثة، ودور الزوايا والأحباس في تنظيم المجال الريفي وتعميره، إلى جانب تقديم معطيات أثرية جديدة حول بعض المدن الوسيطة بالتل العالي التونسي، قبل أن تختتم الندوة أشغالها ظهر يوم 6 جوان.
ويكتسي هذا الملتقى أهمية خاصة بالنظر إلى تركيزه على «التل الأعلى التونسي»، وهي منطقة تمتد أساسا عبر ولايات الشمال الغربي والوسط الغربي، وتضم مواقع أثرية كبرى ظلت لعقود أقل حضورا في الخطاب الثقافي والسياحي مقارنة بمواقع الساحل والجنوب، رغم ما تختزنه من مدن رومانية ونوميدية ومعالم دينية وطرق تاريخية ومنشآت مائية وعسكرية، تشهد على تعاقب حضارات متعددة.
إيمان عبد اللطيف
◄ قراءات جديدة في الملتقى تعتمد على نتائج حفريات حديثة ومقاربات متعددة الاختصاصات
◄ «التل الأعلى التونسي» منطقة تمتد عبر ولايات الشمال الغربي والوسط الغربي وتضم مواقع أثرية كبرى
◄ المدن الرومانية والنوميدية والمعالم الدينية والمنشآت المتنوعة تشهد على تعاقب حضارات متعددة بالمنطقة
تستعد الساحة الثقافية والأكاديمية في تونس لاحتضان حدث علمي دولي جديد يعيد تسليط الضوء على واحدة من أكثر المناطق التونسية ثراء من حيث التاريخ والآثار والذاكرة الحضارية، وذلك من خلال تنظيم الملتقى الدولي الأول «التل الأعلى التونسي في العصور القديمة والقرون الوسطى المبكرة: مقاربات جديدة وإضافات حديثة»، والذي سينتظم أيام 4 و5 و6 جوان 2026 بقصر السعيد بباردو، تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية، وبمبادرة مشتركة بين المعهد الوطني للتراث ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية ومركز الفنون والثقافة والآداب قصر السعيد، إلى جانب مخبر “الاقتصاد والمجال والمشاهد التراثية بتونس والمغرب والمتوسط”.
ويأتي هذا الموعد العلمي في سياق تنامي الاهتمام الأكاديمي بمنطقة التل الأعلى التونسي، باعتبارها الفضاء التاريخي والحضاري البارز، وأحد المواقع الأثرية الأكثر شهرة بالبلاد، بما تختزنه مدنه ومجالاته الريفية من شواهد تعود إلى فترات ما قبل التاريخ والعهدين النوميدي والروماني، وصولا إلى العصور الوسطى المبكرة، وهو ما جعل هذا الملتقى يتجه نحو تقديم قراءات جديدة تعتمد على نتائج حفريات حديثة ومقاربات متعددة الاختصاصات، تجمع بين التاريخ والآثار والجغرافيا والتراث والعمارة والدراسات الاقتصادية والاجتماعية القديمة.
ويفتتح الملتقى أشغاله صباح يوم 4 جوان بجلسة استقبال وكلمات افتتاحية رسمية، قبل تقديم مجموعة من الإصدارات العلمية الحديثة المرتبطة بتاريخ وآثار تونس القديمة، ثم تنطلق الجلسات العلمية التي تتوزع على عدة محاور كبرى، تعكس تنوع الرهانات البحثية المرتبطة بالتل الأعلى. ويخصص المحور الأول للسياق العام وفترة ما قبل التاريخ، حيث تتناول المداخلات الخصوصيات الجغرافية للمجال الطبيعي بالتل الأعلى، ومستقبل الأبحاث حول المدن القديمة بالمنطقة، إضافة إلى الدراسات المرتبطة بالمواقع الصخرية والذاكرة البشرية الأولى بالمجال الجبلي في الشمال الغربي التونسي. أما المحور الثاني فيركز على التهيئة الترابية والبنية الحدودية والطرقات التاريخية واستعمال الموارد المائية، إلى جانب الدراسات المتعلقة بالمعالم الحضارية والمنشآت الرومانية القديمة، وهو ما يعكس الاهتمام بفهم أنماط التنظيم المجالي والعمراني في المنطقة خلال الفترات القديمة.
ويسلط الملتقى الضوء على الديناميكيات الريفية والاقتصاد الزراعي في العصور القديمة، من خلال جلسة تتناول الملكيات الكبرى والمنشآت الهيدروليكية واستراتيجيات التزويد بالمياه، فضلا عن الاقتصاد الفلاحي والعلاقات التجارية والسياسية التي ربطت المجال التونسي القديم بفضاءات متوسطية أخرى. ويبرز ضمن هذه المحاور اهتمام الباحثين بإعادة قراءة التاريخ الاقتصادي للتل الأعلى، باعتباره فضاءً إنتاجيا واستراتيجيا لعب أدوارا محورية في شمال إفريقيا القديمة، لا مجرد منطقة هامشية أو داخلية.
وتتواصل أعمال الملتقى بجلسات أخرى تخصص للحياة الدينية والطقوس والمعتقدات المحلية، حيث يتم التطرق إلى المعابد والرموز الدينية والآلهة المحلية وشبكات النفوذ الروحي داخل المدن القديمة، إضافة إلى دراسة النخب المحلية وعلاقتها بالسلطة وبالمؤسسات السياسية والإدارية في إفريقيا الرومانية. ويعكس هذا المحور رغبة الباحثين في فهم البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمعات التي عاشت في مدن التل الأعلى، وكيفية تشكل هوياتها المحلية وتفاعلها مع التأثيرات المتوسطية المختلفة.
أما اليوم الثاني من الملتقى، الموافق لـ5 جوان، فيخصص جزء مهم منه للحفريات والاكتشافات الأثرية الحديثة، حيث تعرض نتائج أولية لعدد من المشاريع البحثية المتعلقة بمواقع أثرية تونسية شهدت خلال السنوات الأخيرة أعمال تنقيب ودراسات ميدانية جديدة، من بينها مسارح ومدن نوميدية وأحياء سكنية ومنشآت معمارية تعود إلى العهد الروماني. كما تتناول الجلسات الاكتشافات المرتبطة بالمدن الداخلية التي بدأت تستعيد حضورها في الخريطة الأثرية التونسية، بفضل البحوث متعددة الاختصاصات، بما يسمح بإعادة كتابة أجزاء من تاريخ المجال التونسي القديم انطلاقا من معطيات أثرية وعمرانية جديدة.
ويتضمن البرنامج أيضا محورا خاصا بالفنون والعمارة، يتم خلاله التطرق إلى مكانة بعض المدن الأثرية في التل الأعلى داخل المشهد الحضاري التونسي القديم، إضافة إلى دراسة العمارة الدفاعية والمنشآت الصخرية والأحياء السكنية الرومانية، فضلا عن تحليل الزخارف والديكور المعماري والتماثيل والنقائش الجدارية التي تم اكتشافها أو إعادة دراستها حديثا. ويكشف هذا المحور عن الأهمية الفنية والمعمارية للمواقع الأثرية المنتشرة بالشمال الغربي والوسط الغربي التونسي، وهي مواقع لا تزال الكثير من مكوناتها في حاجة إلى مزيد من التثمين والتعريف.
كما يطرح الملتقى، من خلال جلساته الأخيرة، إشكاليات مرتبطة بالزخرفة الحضرية والفنون التشكيلية القديمة، من خلال دراسة التماثيل واللوحات الجدارية والعناصر الزخرفية المكتشفة في عدد من المدن التاريخية، بما يساهم في فهم التحولات الجمالية والثقافية التي عرفتها المنطقة عبر الحقب القديمة. ويتواصل البرنامج العلمي يوم السبت 6 جوان من خلال جلسة تاسعة تحمل عنوان “من المدينة القديمة إلى المدينة الوسيطة”، وتخصص لدراسة التحولات التي عرفتها مدن التل الأعلى خلال العصور القديمة المتأخرة، من خلال التطرق إلى طبيعة الاستقرار البشري واختفاء مدن قديمة بالشمال الغربي التونسي، إضافة إلى النقوش الفسيفسائية الخاصة بـ»البازيليكات» المسيحية المبكرة والأسقفيات وعلاقة المدن بالبنية الدينية خلال تلك المرحلة، فضلا عن العودة إلى بعض النقوش التاريخية العائدة إلى عهد قسطنطين الأكبر. كما يخصص الجزء الأخير من الملتقى للعصور الوسطى والمجالات الريفية، حيث تتناول الجلسات صورة “التل” في المصادر الوسيطة والحديثة، ودور الزوايا والأحباس في تنظيم المجال الريفي وتعميره، إلى جانب تقديم معطيات أثرية جديدة حول بعض المدن الوسيطة بالتل العالي التونسي، قبل أن تختتم الندوة أشغالها ظهر يوم 6 جوان.
ويكتسي هذا الملتقى أهمية خاصة بالنظر إلى تركيزه على «التل الأعلى التونسي»، وهي منطقة تمتد أساسا عبر ولايات الشمال الغربي والوسط الغربي، وتضم مواقع أثرية كبرى ظلت لعقود أقل حضورا في الخطاب الثقافي والسياحي مقارنة بمواقع الساحل والجنوب، رغم ما تختزنه من مدن رومانية ونوميدية ومعالم دينية وطرق تاريخية ومنشآت مائية وعسكرية، تشهد على تعاقب حضارات متعددة.