◄ المهرجانات بالجهات ظلّت لسنوات تُدار بمنطق محلي متفاوت من جهة إلى أخرى.
◄ سلطة الإشراف تسعى إلى مقاربة جديدة تقوم على المتابعة الاستباقية بدل التدخل المتأخر.
◄ ويبقى السؤال القائم: هل أنّ آليات المتابعة المحدثة قادرة فعلا على حل المشاكل المزمنة للمشهد الثقافي الصيفي؟..
◄ الواقع الجديد يجعل المهرجان أمام رهان جديد، وهو الالتزام بضوابط التنظيم دون خنق روح التظاهرة الإبداعية.
قبل أسابيع قليلة من انطلاق الموسم الصيفي، بدت وزارة الشؤون الثقافية منشغلة هذه السنة بما هو أبعد من البرمجة الفنية والأسماء اللامعة، إذ تكشف الاجتماعات الأخيرة للمندوبين الجهويين عن محاولة واضحة لإعادة ترتيب البيت التنظيمي للمهرجانات بالجهات، عبر خطاب جديد يضع «المتابعة»، «التنسيق»، و«الجاهزية» في قلب التحضيرات.
وبين تفاصيل الحديث عن تعيين منسقين جهويين وإعداد تقارير دورية وتحيين المعطيات بشكل متواصل، يبرز سؤال أساسي يرافق كل صيف ثقافي في تونس: هل تنجح البلاد أخيرا في الانتقال من منطق إدارة المهرجانات بالمجهودات الظرفية إلى نموذج أكثر احترافية واستقرارا؟
أظهرت السنوات الماضية أنّ أزمة المهرجانات التونسية بالجهات لم تكن دائما أزمة برمجة، بل أزمة إدارة وتنظيم بالأساس. فكثير من التظاهرات استطاعت استقطاب أسماء فنية معروفة وجمهورا واسعا، لكنها في المقابل سقطت في مشاكل متكررة تتعلق بالفوضى، وسوء التهيئة، والارتباك اللوجستي، وغياب المعلومة الدقيقة، وحتى ضعف التواصل مع الجمهور. لذلك يبدو أنّ وزارة الشؤون الثقافية تحاول هذا العام توجيه الرسالة بشكل مختلف، مفادها أنّ نجاح المهرجان لم يعد يقاس فقط بمن يعتلي الركح، بل أيضا بما يحدث خلف الكواليس.
وربّما من هنا جاءت فكرة تعيين منسقين جهويين يتولون متابعة سير التحضيرات وإعداد تقارير دورية بخصوص مختلف التظاهرات. وهي خطوة قد يُفهم من خلالها رغبة الإدارة المركزية في امتلاك صورة أوضح عن الواقع الميداني، خاصة أنّ المهرجانات التونسية بالجهات ظلّت لسنوات تُدار بمنطق محلي متفاوت من جهة إلى أخرى، حيث تختلف إمكانيات التنظيم، ودرجة التنسيق، وحتى مستوى الجاهزية بين ولاية وأخرى. وفي كثير من الأحيان كانت الوزارة لا تتدخل إلا بعد ظهور الإخلالات أو انفجار الأزمات، بينما يبدو أنّ المقاربة الحالية تقوم على المتابعة الاستباقية بدل التدخل المتأخر.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو ما إذا كانت كثرة التقارير وآليات المتابعة قادرة فعلا على حل المشكلات المزمنة للمشهد الثقافي الصيفي. فالمهرجانات في تونس لا تواجه فقط نقصا في التنسيق، بل تصطدم أيضا بإشكاليات أعمق تتعلق بالبنية التحتية، وضعف التمويل، وتراجع بعض الفضاءات الثقافية، فضلا عن النقص في الموارد البشرية المختصة في إدارة التظاهرات الكبرى. لذلك يُخشى أن تتحول هذه الخطوات الجديدة إلى مجرد معالجة إدارية لواقع أكثر تعقيدا.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أنّ الخطاب الرسمي الحالي يعكس تحولا لافتا في فهم الدولة لطبيعة العمل الثقافي. فحين تتحدث الوزارة اليوم أيضا عن جودة المعلقات الإشهارية، واحترام الهوية البصرية، ووضوح المعلومات الخاصة بالعروض والأسعار، فإنها تعترف ضمنيا بأن صورة المهرجان لا تُصنع فقط على الركح، بل تبدأ منذ اللحظة الأولى التي يرى فيها الجمهور الملصق أو الإعلان على مواقع التواصل الاجتماعي. وهذه التفاصيل التي كانت تُعتبر في السابق ثانوية أصبحت اليوم جزءا أساسيا من صناعة الحدث الثقافي.
كما تكشف التوصيات الجديدة المتعلقة بالفضاءات عن إدراك متزايد بخطورة الاستهانة بشروط السلامة والجاهزية. فالمهرجانات الصيفية في تونس كثيرا ما ارتبطت بفضاءات مفتوحة تفتقر أحيانا إلى أبسط التجهيزات، من الإنارة والصوت إلى المدارج ومخارج الطوارئ. ومع تزايد أعداد الجمهور وارتفاع سقف التوقعات، لم يعد ممكنا التعامل مع هذه النقائص باعتبارها تفاصيل عابرة يمكن تجاوزها بحلول مؤقتة.
وفي هذا السياق، يبدو أنّ الوزارة تسعى إلى فرض نوع من «الانضباط التنظيمي» على المهرجانات، عبر ضبط الروزنامة بدقة وتحديد الفضاءات المناسبة والتنسيق مع السلطات الجهوية والمحلية. غير أنّ هذا التوجه يضع المهرجانات التونسية أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن تحقيق التنظيم الصارم دون خنق خصوصية التظاهرات وروحها الإبداعية؟ فالمهرجانات في النهاية ليست مؤسسات إدارية بحتة، بل فضاءات للفن والتجريب والحرية، وأي مبالغة في المقاربة البيروقراطية قد تدفع بعض الفاعلين الثقافيين إلى الشعور بأن الجانب الفني أصبح خاضعا لمنطق إداري ثقيل.
من جهة أخرى، يبدو أنّ رهانات صيف 2026 لا تتعلق فقط بالثقافة، بل أيضا بصورة تونس نفسها. فالمهرجانات الكبرى تحولت منذ سنوات إلى واجهة سياحية وإعلامية، وأصبحت قادرة على التأثير في صورة المدن والجهات وحتى في الحركية الاقتصادية المحلية. لذلك فإنّ أي إخلال تنظيمي لا ينعكس فقط على التظاهرة المعنية، بل ينعكس أيضا على صورة البلاد كوجهة ثقافية وسياحية. وربما لهذا السبب تتحدث الوزارة اليوم بلغة أقرب إلى إدارة المشاريع الكبرى، حيث تصبح المتابعة والتقييم والاتصال عناصر أساسية في نجاح الحدث.
وبالتالي فإنّ التحدي الحقيقي سيظل في مدى قدرة هذه التوصيات على النزول إلى الميدان. فالتجربة التونسية أظهرت في أكثر من مناسبة وجود فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والواقع العملي. كم من موسم انطلق بشعارات «التطوير» و»الاحترافية» قبل أن يعود الجدل نفسه حول التأخير، وضعف التنظيم، ومشاكل التذاكر، أو غياب الخدمات الأساسية؟ ولذلك فإن الجمهور والمتابعين لن يحكموا على نجاح هذه المقاربة الجديدة من خلال البلاغات والاجتماعات، بل من خلال التفاصيل الصغيرة التي تصنع تجربة المهرجان على أرض الواقع.
ويبدو أنّ الرهان الأكبر اليوم يتمثل في قدرة الوزارة على خلق ثقافة تنظيمية جديدة داخل المهرجانات، ثقافة تقوم على التخطيط المسبق والمتابعة اليومية والعمل الجماعي، بدل الاعتماد على الحلول الظرفية وردود الفعل المتأخرة. فنجاح أي موسم ثقافي لا يتحقق فقط عبر الميزانيات أو النجوم، بل عبر شبكة كاملة من التفاصيل التي يجب الاستعداد إليها منذ أشهر طويلة، بحيث تضمن حسن الاستقبال ووضوح المعلومة، وتنتهي بطريقة خروج الجمهور من الفضاء.
وفي انتظار انطلاق العروض الأولى، يبقى صيف 2026 بمثابة اختبار حقيقي لهذا التوجه الجديد. فإما أن تنجح تونس في تحويل الحديث عن «الاحترافية» إلى واقع ملموس يعيد الثقة في مهرجاناتها، أو يبقى الأمر مجرد خطاب تنظيمي جديد يصطدم مرة أخرى بتعقيدات الميدان وثقل الإشكالات القديمة.
إيمان عبد اللطيف
◄ المهرجانات بالجهات ظلّت لسنوات تُدار بمنطق محلي متفاوت من جهة إلى أخرى.
◄ سلطة الإشراف تسعى إلى مقاربة جديدة تقوم على المتابعة الاستباقية بدل التدخل المتأخر.
◄ ويبقى السؤال القائم: هل أنّ آليات المتابعة المحدثة قادرة فعلا على حل المشاكل المزمنة للمشهد الثقافي الصيفي؟..
◄ الواقع الجديد يجعل المهرجان أمام رهان جديد، وهو الالتزام بضوابط التنظيم دون خنق روح التظاهرة الإبداعية.
قبل أسابيع قليلة من انطلاق الموسم الصيفي، بدت وزارة الشؤون الثقافية منشغلة هذه السنة بما هو أبعد من البرمجة الفنية والأسماء اللامعة، إذ تكشف الاجتماعات الأخيرة للمندوبين الجهويين عن محاولة واضحة لإعادة ترتيب البيت التنظيمي للمهرجانات بالجهات، عبر خطاب جديد يضع «المتابعة»، «التنسيق»، و«الجاهزية» في قلب التحضيرات.
وبين تفاصيل الحديث عن تعيين منسقين جهويين وإعداد تقارير دورية وتحيين المعطيات بشكل متواصل، يبرز سؤال أساسي يرافق كل صيف ثقافي في تونس: هل تنجح البلاد أخيرا في الانتقال من منطق إدارة المهرجانات بالمجهودات الظرفية إلى نموذج أكثر احترافية واستقرارا؟
أظهرت السنوات الماضية أنّ أزمة المهرجانات التونسية بالجهات لم تكن دائما أزمة برمجة، بل أزمة إدارة وتنظيم بالأساس. فكثير من التظاهرات استطاعت استقطاب أسماء فنية معروفة وجمهورا واسعا، لكنها في المقابل سقطت في مشاكل متكررة تتعلق بالفوضى، وسوء التهيئة، والارتباك اللوجستي، وغياب المعلومة الدقيقة، وحتى ضعف التواصل مع الجمهور. لذلك يبدو أنّ وزارة الشؤون الثقافية تحاول هذا العام توجيه الرسالة بشكل مختلف، مفادها أنّ نجاح المهرجان لم يعد يقاس فقط بمن يعتلي الركح، بل أيضا بما يحدث خلف الكواليس.
وربّما من هنا جاءت فكرة تعيين منسقين جهويين يتولون متابعة سير التحضيرات وإعداد تقارير دورية بخصوص مختلف التظاهرات. وهي خطوة قد يُفهم من خلالها رغبة الإدارة المركزية في امتلاك صورة أوضح عن الواقع الميداني، خاصة أنّ المهرجانات التونسية بالجهات ظلّت لسنوات تُدار بمنطق محلي متفاوت من جهة إلى أخرى، حيث تختلف إمكانيات التنظيم، ودرجة التنسيق، وحتى مستوى الجاهزية بين ولاية وأخرى. وفي كثير من الأحيان كانت الوزارة لا تتدخل إلا بعد ظهور الإخلالات أو انفجار الأزمات، بينما يبدو أنّ المقاربة الحالية تقوم على المتابعة الاستباقية بدل التدخل المتأخر.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو ما إذا كانت كثرة التقارير وآليات المتابعة قادرة فعلا على حل المشكلات المزمنة للمشهد الثقافي الصيفي. فالمهرجانات في تونس لا تواجه فقط نقصا في التنسيق، بل تصطدم أيضا بإشكاليات أعمق تتعلق بالبنية التحتية، وضعف التمويل، وتراجع بعض الفضاءات الثقافية، فضلا عن النقص في الموارد البشرية المختصة في إدارة التظاهرات الكبرى. لذلك يُخشى أن تتحول هذه الخطوات الجديدة إلى مجرد معالجة إدارية لواقع أكثر تعقيدا.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أنّ الخطاب الرسمي الحالي يعكس تحولا لافتا في فهم الدولة لطبيعة العمل الثقافي. فحين تتحدث الوزارة اليوم أيضا عن جودة المعلقات الإشهارية، واحترام الهوية البصرية، ووضوح المعلومات الخاصة بالعروض والأسعار، فإنها تعترف ضمنيا بأن صورة المهرجان لا تُصنع فقط على الركح، بل تبدأ منذ اللحظة الأولى التي يرى فيها الجمهور الملصق أو الإعلان على مواقع التواصل الاجتماعي. وهذه التفاصيل التي كانت تُعتبر في السابق ثانوية أصبحت اليوم جزءا أساسيا من صناعة الحدث الثقافي.
كما تكشف التوصيات الجديدة المتعلقة بالفضاءات عن إدراك متزايد بخطورة الاستهانة بشروط السلامة والجاهزية. فالمهرجانات الصيفية في تونس كثيرا ما ارتبطت بفضاءات مفتوحة تفتقر أحيانا إلى أبسط التجهيزات، من الإنارة والصوت إلى المدارج ومخارج الطوارئ. ومع تزايد أعداد الجمهور وارتفاع سقف التوقعات، لم يعد ممكنا التعامل مع هذه النقائص باعتبارها تفاصيل عابرة يمكن تجاوزها بحلول مؤقتة.
وفي هذا السياق، يبدو أنّ الوزارة تسعى إلى فرض نوع من «الانضباط التنظيمي» على المهرجانات، عبر ضبط الروزنامة بدقة وتحديد الفضاءات المناسبة والتنسيق مع السلطات الجهوية والمحلية. غير أنّ هذا التوجه يضع المهرجانات التونسية أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن تحقيق التنظيم الصارم دون خنق خصوصية التظاهرات وروحها الإبداعية؟ فالمهرجانات في النهاية ليست مؤسسات إدارية بحتة، بل فضاءات للفن والتجريب والحرية، وأي مبالغة في المقاربة البيروقراطية قد تدفع بعض الفاعلين الثقافيين إلى الشعور بأن الجانب الفني أصبح خاضعا لمنطق إداري ثقيل.
من جهة أخرى، يبدو أنّ رهانات صيف 2026 لا تتعلق فقط بالثقافة، بل أيضا بصورة تونس نفسها. فالمهرجانات الكبرى تحولت منذ سنوات إلى واجهة سياحية وإعلامية، وأصبحت قادرة على التأثير في صورة المدن والجهات وحتى في الحركية الاقتصادية المحلية. لذلك فإنّ أي إخلال تنظيمي لا ينعكس فقط على التظاهرة المعنية، بل ينعكس أيضا على صورة البلاد كوجهة ثقافية وسياحية. وربما لهذا السبب تتحدث الوزارة اليوم بلغة أقرب إلى إدارة المشاريع الكبرى، حيث تصبح المتابعة والتقييم والاتصال عناصر أساسية في نجاح الحدث.
وبالتالي فإنّ التحدي الحقيقي سيظل في مدى قدرة هذه التوصيات على النزول إلى الميدان. فالتجربة التونسية أظهرت في أكثر من مناسبة وجود فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والواقع العملي. كم من موسم انطلق بشعارات «التطوير» و»الاحترافية» قبل أن يعود الجدل نفسه حول التأخير، وضعف التنظيم، ومشاكل التذاكر، أو غياب الخدمات الأساسية؟ ولذلك فإن الجمهور والمتابعين لن يحكموا على نجاح هذه المقاربة الجديدة من خلال البلاغات والاجتماعات، بل من خلال التفاصيل الصغيرة التي تصنع تجربة المهرجان على أرض الواقع.
ويبدو أنّ الرهان الأكبر اليوم يتمثل في قدرة الوزارة على خلق ثقافة تنظيمية جديدة داخل المهرجانات، ثقافة تقوم على التخطيط المسبق والمتابعة اليومية والعمل الجماعي، بدل الاعتماد على الحلول الظرفية وردود الفعل المتأخرة. فنجاح أي موسم ثقافي لا يتحقق فقط عبر الميزانيات أو النجوم، بل عبر شبكة كاملة من التفاصيل التي يجب الاستعداد إليها منذ أشهر طويلة، بحيث تضمن حسن الاستقبال ووضوح المعلومة، وتنتهي بطريقة خروج الجمهور من الفضاء.
وفي انتظار انطلاق العروض الأولى، يبقى صيف 2026 بمثابة اختبار حقيقي لهذا التوجه الجديد. فإما أن تنجح تونس في تحويل الحديث عن «الاحترافية» إلى واقع ملموس يعيد الثقة في مهرجاناتها، أو يبقى الأمر مجرد خطاب تنظيمي جديد يصطدم مرة أخرى بتعقيدات الميدان وثقل الإشكالات القديمة.