«اللمة العائلية» صمام أمان لمقاومة الهزات الاجتماعية
حركية غير مسبوقة واستنفار في قطاع النقل
مع اقتراب أولى تكبيرات عيد الأضحى المبارك، تبدأ العاصمة والمدن الكبرى، التي تستقطب آلاف التونسيين المقيمين فيها والوافدين إليها من مدن وأرياف البلاد، في خلع رداء صخبها المعتاد، إعلانًا عن دخولها تدريجيا في «شبه عزلة»، في حين تنبض الشرايين المؤدية إلى عمق الجهات في الشمال الغربي، والوسط، والجنوب بحياة استثنائية، معلنة بدء رحلة الوفاء السنوية والعودة إلى مسقط الرأس أو ما يسميه التونسيون بـ»البلاد».
وتمثل هذه العودة محورا أساسيا لاستمرار التقاليد الإسلامية والعربية، مثل ذبح الأضاحي بشكل جماعي وتوزيع اللحوم على الأقارب والمحتاجين، مما يعزز الروابط الاجتماعية، كما تمثل هذه العودة «هجرة عكسية» جماعية مدفوعة بحنين جارف إلى الجذور، من موقع الشغل إلى موقع الانتماء.
وتحمل هذه العودة معها عدة مظاهر، على غرار تزيين الأضاحي قبيل ذبحها، والعادات التي تصاحبها، واجتماع أفراد العائلات بهذه المناطق في بيوت العائلة الكبيرة، لتكون هذه المظاهر الاحتفالية مؤشرا على ترسيخ العادات الدينية والاجتماعية، والتي من شأنها أن تخفف من حدة الضغوط والتحديات الاقتصادية التي تواجهها الأسر التونسية استعدادًا لهذه المناسبة السنوية الأهم.
إجراءات استثنائية واستنفار في قطاع النقل
ومع عطلة نهاية هذا الأسبوع، تنطلق العديد من العائلات في رحلة العودة، مما يضفي حركية غير مسبوقة في الطرقات وعلى مستوى وسائل النقل بكل أصنافها، مما يشكل ضغطًا كبيرًا على البنية التحتية للنقل، رغم اتخاذ الحكومة والجهات المعنية إجراءات استثنائية واستباقية لمواجهتها، كانت قد أعلنت عنها مؤخرًا وزارة النقل والهياكل المتداخلة من حماية مدنية والمرصد الوطني للسلامة المرورية.
ومن أبرز هذه الإجراءات، التي تصدرها هذه الهياكل في شكل توصيات لمستخدمي الطرق، تعزيز اليقظة في محطات النقل الرئيسية لمتابعة التدفق المروري وتقديم إرشادات المرور، وحركة النقل الحضري بين المدن على الطرقات السيارة والفرعية والمسالك الريفية.
كما تدعم وزارة النقل وسائل النقل العمومي عبر زيادة الرحلات البرية وإضافة سفرات إضافية تؤمنها الشركة الوطنية للنقل بين المدن والشركات الجهوية، موزعة على خطوط رئيسية مثل تونس-صفاقس وتونس-قابس، لتسهيل تنقل العائلات. كذلك على مستوى النقل الحديدي، تعمل الشركة الوطنية للسكك الحديدية على تعزيز خدماتها بعربات إضافية لتأمين سفرات إضافية بهذه المناسبة.
إلى جانب إجراءات أخرى، مثل الترخيص الاستثنائي لسيارات الأجرة «لواج» للعمل على كامل تراب الجمهورية دون التقيد بمنطقة الجولان المنصوص عليها في رخصة النشاط الأصلية، مما يتيح نقل المسافرين مباشرة إلى قراهم ومعتمدياتهم، وزيادة طاقة الاستيعاب في رحلات القطارات عبر تدعيم تركيبات القطارات العادية بعربات إضافية على الخطوط البعيدة الأكثر طلبا.
وتأتي هذه الإجراءات الاستثنائية في إطار الاستعدادات لمناسبة عيد الأضحى، كأحد الحلول لامتصاص الضغط الكبير في المحطات الكبرى وعلى الطرقات.
تداخل بين العيد ومواعيد الامتحانات
وعرفت نسبة عيد الأضحى في السنتين الأخيرتين تداخلا مع مواعيد الامتحانات الوطنية والدراسية، مما يثير قلقًا لدى الأسر التونسية، باعتبار أن هذا التداخل يمثل ضغطًا مضاعفًا، خاصة فيما يتعلق بقدسية «اللمة العائلية» وعادة العودة إلى مسقط الرأس.
وفرض هذا التداخل صدامًا بين «الالتزام التربوي» و»الطقس الاجتماعي» لدى العديد من العائلات التونسية، وخاصة تلك التي لديها أبناء يجتازون مناظرات وطنية (مثل الباكالوريا، «النوفيام»، أو السيزيام) أو امتحانات جامعية، الذين يجدون أنفسهم ممزقين بين ضرورة توفير مناخ ملائم للمراجعة والتركيز، وبين الرغبة الجارفة في السفر إلى المدن والأرياف لمشاركة العائلة الموسعة أجواء العيد.
كذلك، يمثل هذا التداخل في المواعيد عبئا نفسيا مضاعفا، بدل أن يكون العيد «صمام أمان» لتفريغ الشحنات النفسية السلبية وضغوط السنة الدراسية، ليصبح العيد نفسه مصدرًا للضغط الإضافي، ويساهم في تشتت الانتباه وعدم التركيز وإتمام الاستحقاقات الدراسية التي فرضتها مناسبة عيد الأضحى.
العودة إلى مسقط الرأس.. حركية اقتصادية في الأسواق الداخلية
بالرغم من موجة الغلاء وتصاعد الأسعار، إلا أن رغبة التونسيين في الحفاظ على عادات عيد الأضحى، من العودة إلى الديار وزيارة الأسواق المخصصة لبيع الأضاحي أو ما يعرف بـ»الرحبة»، وإحياء شعيرة العيد على أكمل وجه في المساجد وبين الأهل والأقارب، ظلت من الثوابت والتقاليد العريقة. ويساهم ذلك في إضفاء حركية تجارية واقتصادية قبيل عيد الأضحى، ليس فقط عبر اقتناء الأضحية، بل تشمل العديد من المنتجات الاستهلاكية التي توسعت في السنوات الأخيرة لتصبح مقتنيات هذه المناسبة واسعة الخيارات لدى العائلات التونسية.
واليوم، لا يختلف اثنان بشأن ارتفاع أسعار الأضاحي التي لم تعد في متناول كل العائلات التونسية، بعد أن معدل سعر الخروف تجاوز 1500 دينار، مما أجبر العديد من التونسيين هذا العام على الاكتفاء باقتناء خروف واحد مشترك بين العائلة الموسعة والمكونة من عائلات صغيرة أو ما يعرف بـ»دار الجد»، في حين اختار آخرون التخلي عن الذبح الفردي.
لكن الثابت أن طبيعة هذه المناسبة، خاصة في ما يتعلق بعودة آلاف التونسيين إلى ديارهم في الأرياف والمدن الصغيرة في أنحاء البلاد، بقيت لها طابعها الخاص على مستوى الحركة الاقتصادية والاجتماعية التي تصاحبها.
وتعرف الأسواق المحلية الموزعة على كامل تراب البلاد حركية اقتصادية غير مسبوقة مع عودة أبنائها، حيث يفضل البعض شراء الأضحية من مسقط رأسه لدعم الاقتصاد المحلي ولتوفر المساحات الشاسعة لتربية الماشية هناك.
علم الاجتماع والعودة إلى «مسقط الرأس»
يرى خبراء علم الاجتماع أن الهجرة العكسية في العيد هي انتصار مؤقت للمجتمع الأصيل، حيث يتخلص الفرد من قيود «الفردانية»، كما أن «اللمة العائلية» تعد صمام أمان لمقاومة الهزات الاجتماعية في ظل الأزمات الاقتصادية والضغوط اليومية التي يعيشها المجتمع التونسي، وهي تعمل كـ«شبكة أمان اجتماعي ونفسي».
كذلك، يعتبرها مختصو علم الاجتماع ظاهرة اجتماعية وثقافية عميقة، لا تقتصر على حركة مرور موسمية، بل تعكس حاجة الإنسان المعاصر إلى التوازن النفسي والاجتماعي، ولا تقتصر أهميتها على الجانب العاطفي فحسب، بل تمتد لتكون آلية غير مباشرة لـ«التنشئة الاجتماعية».
ويؤكد الخبراء أن الآباء الذين يصطحبون أبناءهم المولودين في المدن إلى مسقط رؤوسهم، يمررون لهم دون وعي الذاكرة الجماعية والعادات والتقاليد، مما يضمن استمرار الهوية الثقافية التونسية العميقة وتماسكها عبر الأجيال.
حتى بالنسبة لأولئك الذين حالت المسافات بينهم وبين الحضور الجسدي، مثل المغتربين في الخارج، فإن التكنولوجيا الحديثة، من خلال مكالمات الفيديو الجماعية، تصنع «لمة افتراضية بديلة»، تحاول مشاركة الأهل تفاصيل يوم العيد لحظة بلحظة. في المخيال الشعبي التونسي، ما زالت العودة إلى مسقط الرأس، بمعنى المعتمدية أو القرية الأصلية، تحمل رمزية «ميثولوجية» قوية باعتبارها «الأرض الأم» ومصدر الأمان والبركة، وعملية التنقل إليها في مناسبة الأعياد اعتراف رمزي بالانتماء وولاء للجذور، حيث يشعر الفرد أن قيمته واعتراف المجتمع به يتحققان بشكل أعمق داخل بيئته الأولى ومحيطه العائلي الموسع.
وبين كل هذه المفاهيم الاجتماعية والثقافية لتفسير ظاهرة العودة إلى مسقط الرأس في مناسبات الأعياد، خاصة عيد الأضحى، وبين ما يحمله المشهد العام للبلاد من متغيرات في الأطر الزمنية والاقتصادية واللوجستية، تبقى النقطة المضيئة حرص العائلات التونسية على التشبث بهذه العادة ذات الرمزية الاجتماعية والعاطفية، والتي لم تنجح السنوات في ردمها، بل ظلت مظهرا خاصا ومميزا من مظاهر مجتمعنا التونسي.
وفاء بن محمد
«اللمة العائلية» صمام أمان لمقاومة الهزات الاجتماعية
حركية غير مسبوقة واستنفار في قطاع النقل
مع اقتراب أولى تكبيرات عيد الأضحى المبارك، تبدأ العاصمة والمدن الكبرى، التي تستقطب آلاف التونسيين المقيمين فيها والوافدين إليها من مدن وأرياف البلاد، في خلع رداء صخبها المعتاد، إعلانًا عن دخولها تدريجيا في «شبه عزلة»، في حين تنبض الشرايين المؤدية إلى عمق الجهات في الشمال الغربي، والوسط، والجنوب بحياة استثنائية، معلنة بدء رحلة الوفاء السنوية والعودة إلى مسقط الرأس أو ما يسميه التونسيون بـ»البلاد».
وتمثل هذه العودة محورا أساسيا لاستمرار التقاليد الإسلامية والعربية، مثل ذبح الأضاحي بشكل جماعي وتوزيع اللحوم على الأقارب والمحتاجين، مما يعزز الروابط الاجتماعية، كما تمثل هذه العودة «هجرة عكسية» جماعية مدفوعة بحنين جارف إلى الجذور، من موقع الشغل إلى موقع الانتماء.
وتحمل هذه العودة معها عدة مظاهر، على غرار تزيين الأضاحي قبيل ذبحها، والعادات التي تصاحبها، واجتماع أفراد العائلات بهذه المناطق في بيوت العائلة الكبيرة، لتكون هذه المظاهر الاحتفالية مؤشرا على ترسيخ العادات الدينية والاجتماعية، والتي من شأنها أن تخفف من حدة الضغوط والتحديات الاقتصادية التي تواجهها الأسر التونسية استعدادًا لهذه المناسبة السنوية الأهم.
إجراءات استثنائية واستنفار في قطاع النقل
ومع عطلة نهاية هذا الأسبوع، تنطلق العديد من العائلات في رحلة العودة، مما يضفي حركية غير مسبوقة في الطرقات وعلى مستوى وسائل النقل بكل أصنافها، مما يشكل ضغطًا كبيرًا على البنية التحتية للنقل، رغم اتخاذ الحكومة والجهات المعنية إجراءات استثنائية واستباقية لمواجهتها، كانت قد أعلنت عنها مؤخرًا وزارة النقل والهياكل المتداخلة من حماية مدنية والمرصد الوطني للسلامة المرورية.
ومن أبرز هذه الإجراءات، التي تصدرها هذه الهياكل في شكل توصيات لمستخدمي الطرق، تعزيز اليقظة في محطات النقل الرئيسية لمتابعة التدفق المروري وتقديم إرشادات المرور، وحركة النقل الحضري بين المدن على الطرقات السيارة والفرعية والمسالك الريفية.
كما تدعم وزارة النقل وسائل النقل العمومي عبر زيادة الرحلات البرية وإضافة سفرات إضافية تؤمنها الشركة الوطنية للنقل بين المدن والشركات الجهوية، موزعة على خطوط رئيسية مثل تونس-صفاقس وتونس-قابس، لتسهيل تنقل العائلات. كذلك على مستوى النقل الحديدي، تعمل الشركة الوطنية للسكك الحديدية على تعزيز خدماتها بعربات إضافية لتأمين سفرات إضافية بهذه المناسبة.
إلى جانب إجراءات أخرى، مثل الترخيص الاستثنائي لسيارات الأجرة «لواج» للعمل على كامل تراب الجمهورية دون التقيد بمنطقة الجولان المنصوص عليها في رخصة النشاط الأصلية، مما يتيح نقل المسافرين مباشرة إلى قراهم ومعتمدياتهم، وزيادة طاقة الاستيعاب في رحلات القطارات عبر تدعيم تركيبات القطارات العادية بعربات إضافية على الخطوط البعيدة الأكثر طلبا.
وتأتي هذه الإجراءات الاستثنائية في إطار الاستعدادات لمناسبة عيد الأضحى، كأحد الحلول لامتصاص الضغط الكبير في المحطات الكبرى وعلى الطرقات.
تداخل بين العيد ومواعيد الامتحانات
وعرفت نسبة عيد الأضحى في السنتين الأخيرتين تداخلا مع مواعيد الامتحانات الوطنية والدراسية، مما يثير قلقًا لدى الأسر التونسية، باعتبار أن هذا التداخل يمثل ضغطًا مضاعفًا، خاصة فيما يتعلق بقدسية «اللمة العائلية» وعادة العودة إلى مسقط الرأس.
وفرض هذا التداخل صدامًا بين «الالتزام التربوي» و»الطقس الاجتماعي» لدى العديد من العائلات التونسية، وخاصة تلك التي لديها أبناء يجتازون مناظرات وطنية (مثل الباكالوريا، «النوفيام»، أو السيزيام) أو امتحانات جامعية، الذين يجدون أنفسهم ممزقين بين ضرورة توفير مناخ ملائم للمراجعة والتركيز، وبين الرغبة الجارفة في السفر إلى المدن والأرياف لمشاركة العائلة الموسعة أجواء العيد.
كذلك، يمثل هذا التداخل في المواعيد عبئا نفسيا مضاعفا، بدل أن يكون العيد «صمام أمان» لتفريغ الشحنات النفسية السلبية وضغوط السنة الدراسية، ليصبح العيد نفسه مصدرًا للضغط الإضافي، ويساهم في تشتت الانتباه وعدم التركيز وإتمام الاستحقاقات الدراسية التي فرضتها مناسبة عيد الأضحى.
العودة إلى مسقط الرأس.. حركية اقتصادية في الأسواق الداخلية
بالرغم من موجة الغلاء وتصاعد الأسعار، إلا أن رغبة التونسيين في الحفاظ على عادات عيد الأضحى، من العودة إلى الديار وزيارة الأسواق المخصصة لبيع الأضاحي أو ما يعرف بـ»الرحبة»، وإحياء شعيرة العيد على أكمل وجه في المساجد وبين الأهل والأقارب، ظلت من الثوابت والتقاليد العريقة. ويساهم ذلك في إضفاء حركية تجارية واقتصادية قبيل عيد الأضحى، ليس فقط عبر اقتناء الأضحية، بل تشمل العديد من المنتجات الاستهلاكية التي توسعت في السنوات الأخيرة لتصبح مقتنيات هذه المناسبة واسعة الخيارات لدى العائلات التونسية.
واليوم، لا يختلف اثنان بشأن ارتفاع أسعار الأضاحي التي لم تعد في متناول كل العائلات التونسية، بعد أن معدل سعر الخروف تجاوز 1500 دينار، مما أجبر العديد من التونسيين هذا العام على الاكتفاء باقتناء خروف واحد مشترك بين العائلة الموسعة والمكونة من عائلات صغيرة أو ما يعرف بـ»دار الجد»، في حين اختار آخرون التخلي عن الذبح الفردي.
لكن الثابت أن طبيعة هذه المناسبة، خاصة في ما يتعلق بعودة آلاف التونسيين إلى ديارهم في الأرياف والمدن الصغيرة في أنحاء البلاد، بقيت لها طابعها الخاص على مستوى الحركة الاقتصادية والاجتماعية التي تصاحبها.
وتعرف الأسواق المحلية الموزعة على كامل تراب البلاد حركية اقتصادية غير مسبوقة مع عودة أبنائها، حيث يفضل البعض شراء الأضحية من مسقط رأسه لدعم الاقتصاد المحلي ولتوفر المساحات الشاسعة لتربية الماشية هناك.
علم الاجتماع والعودة إلى «مسقط الرأس»
يرى خبراء علم الاجتماع أن الهجرة العكسية في العيد هي انتصار مؤقت للمجتمع الأصيل، حيث يتخلص الفرد من قيود «الفردانية»، كما أن «اللمة العائلية» تعد صمام أمان لمقاومة الهزات الاجتماعية في ظل الأزمات الاقتصادية والضغوط اليومية التي يعيشها المجتمع التونسي، وهي تعمل كـ«شبكة أمان اجتماعي ونفسي».
كذلك، يعتبرها مختصو علم الاجتماع ظاهرة اجتماعية وثقافية عميقة، لا تقتصر على حركة مرور موسمية، بل تعكس حاجة الإنسان المعاصر إلى التوازن النفسي والاجتماعي، ولا تقتصر أهميتها على الجانب العاطفي فحسب، بل تمتد لتكون آلية غير مباشرة لـ«التنشئة الاجتماعية».
ويؤكد الخبراء أن الآباء الذين يصطحبون أبناءهم المولودين في المدن إلى مسقط رؤوسهم، يمررون لهم دون وعي الذاكرة الجماعية والعادات والتقاليد، مما يضمن استمرار الهوية الثقافية التونسية العميقة وتماسكها عبر الأجيال.
حتى بالنسبة لأولئك الذين حالت المسافات بينهم وبين الحضور الجسدي، مثل المغتربين في الخارج، فإن التكنولوجيا الحديثة، من خلال مكالمات الفيديو الجماعية، تصنع «لمة افتراضية بديلة»، تحاول مشاركة الأهل تفاصيل يوم العيد لحظة بلحظة. في المخيال الشعبي التونسي، ما زالت العودة إلى مسقط الرأس، بمعنى المعتمدية أو القرية الأصلية، تحمل رمزية «ميثولوجية» قوية باعتبارها «الأرض الأم» ومصدر الأمان والبركة، وعملية التنقل إليها في مناسبة الأعياد اعتراف رمزي بالانتماء وولاء للجذور، حيث يشعر الفرد أن قيمته واعتراف المجتمع به يتحققان بشكل أعمق داخل بيئته الأولى ومحيطه العائلي الموسع.
وبين كل هذه المفاهيم الاجتماعية والثقافية لتفسير ظاهرة العودة إلى مسقط الرأس في مناسبات الأعياد، خاصة عيد الأضحى، وبين ما يحمله المشهد العام للبلاد من متغيرات في الأطر الزمنية والاقتصادية واللوجستية، تبقى النقطة المضيئة حرص العائلات التونسية على التشبث بهذه العادة ذات الرمزية الاجتماعية والعاطفية، والتي لم تنجح السنوات في ردمها، بل ظلت مظهرا خاصا ومميزا من مظاهر مجتمعنا التونسي.