تتجه أنظار عشاق الفن السابع في القارة السمراء إلى مدينة خريبكة المغربية، التي تستعد، من 30 ماي الجاري إلى 6 جوان المقبل، لاحتضان فعاليات الدورة الـ26 من المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة، أحد أعرق التظاهرات السينمائية في إفريقيا والعالم العربي، والذي يواصل منذ تأسيسه سنة 1977 ترسيخ مكانته بوصفه فضاء للاحتفاء بالسينما الإفريقية، وللحوار الثقافي والجمالي بين شعوب القارة.
وفي قلب هذه الدورة الجديدة، يبرز الحضور التونسي بشكل لافت ومؤثر، سواء من خلال المشاركة في لجان التحكيم عبر الناقدة التونسية سعاد زريبي، ومهندسة الصوت لطيفة بن عائشة، أو عبر حضور المخرجة التونسية كوثر بن هنية ضمن المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة بفيلمها «صوت هند رجب»، وهو عمل أثار، منذ الإعلان عنه، اهتماما واسعا في الأوساط السينمائية والحقوقية على حد سواء.
وتأتي هذه المشاركة التونسية لتؤكد المكانة التي باتت تحتلها السينما التونسية داخل المشهد الإفريقي والدولي، خاصة في السنوات الأخيرة التي شهدت حضورا متصاعدا للأفلام التونسية في أبرز المهرجانات العالمية، من مهرجان كان السينمائي إلى مهرجان البندقية السينمائي ومهرجان برلين السينمائي وجوائز الأوسكار.
ولا تبدو مشاركة تونس في خريبكة هذا العام مجرد حضور رمزي، بل تمثل حضورا نوعيا يجمع بين الرؤية النقدية والرهان الإبداعي، حيث تتولى سعاد زريبي عضوية لجنة تحكيم النقد السينمائي إلى جانب الناقد سابي إيريك من جمهورية إفريقيا الوسطى، والناقدة أمينة بركات من المغرب، وهي لجنة تضطلع بمهمة تقييم جماليات الأعمال المشاركة واختيار التجارب الأكثر جدة وعمقا على مستوى اللغة السينمائية والطرح الفكري.
ويحمل اختيار سعاد زريبي دلالات خاصة، إذ تعد من أبرز الأصوات النقدية التونسية التي واكبت التحولات الكبرى التي عرفتها السينما العربية والإفريقية، وأسهمت، من خلال كتاباتها ومشاركاتها في الملتقيات الدولية، في تكريس مقاربة نقدية تجمع بين الحس الجمالي والقراءة الثقافية والفكرية للصورة السينمائية. كما أن وجودها ضمن هذه اللجنة يكرس الاعتراف المتزايد بالكفاءات التونسية في مجال النقد السينمائي، ويعكس الثقة في الخبرة التونسية التي أصبحت مطلوبة في أبرز التظاهرات الثقافية بالقارة.
أما بخصوص المسابقة الرسمية، فإن الحضور التونسي يتجسد في فيلم «صوت هند رجب» للمخرجة كوثر بن هنية، وهو من أكثر الأعمال المنتظرة في الدورة الحالية. وقد سبق للفيلم أن سجل حضورا دوليا لافتا حتى قبل وصوله إلى خريبكة، إذ اختير للمشاركة أو العرض في عدد من التظاهرات السينمائية الدولية، من بينها مهرجان كان السينمائي، حيث حظي بعرض خاص ضمن الفعاليات الموازية، إضافة إلى مشاركاته في تظاهرات أوروبية وعربية وأمريكية جعلت منه أحد أبرز الأفلام العربية لسنة 2026. وبلغ عدد مشاركات الفيلم الدولية، إلى حد الآن، ما لا يقل عن ست مشاركات بين عروض رسمية وخاصة، في انتظار محطات جديدة خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يعكس حجم الاهتمام العالمي بهذا العمل وبالرسالة الإنسانية التي يحملها.
وتشهد المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة مشاركة 14 فيلما تمثل طيفا واسعا من التجارب الإفريقية المعاصرة. وإلى جانب الفيلم التونسي، تضم القائمة أعمالا من الكاميرون ومصر والسنغال والكونغو الديمقراطية وكينيا وموزمبيق وجنوب إفريقيا والسودان والطوغو، فضلا عن ثلاثة أفلام مغربية تؤكد الحضور القوي للسينما المحلية. ومن بين العناوين اللافتة «طعم نبيذ النخيل» للمخرج جان بيير بيكولو من الكاميرون، و»المستعمرة» للمخرج المصري محمد رشاد، و»ذاكرة شجرة المانجو» للسنغالي نيكولا ساوولو سيسي، و»ملكة القطن» للسودانية سوزانا ميرغاني، و»ناوي.. نفسي المستقبلية العزيزة» لفالنتين تشيلوغيت من كينيا.
هذا التنوع في الجنسيات والمواضيع يمنح الدورة الحالية بعدا إفريقيا عميقا، ويؤكد أن السينما الإفريقية لم تعد مجرد فضاء للتعبير المحلي، بل أصبحت منصة دولية لطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والذاكرة والهجرة والعدالة والبيئة والتحولات الاجتماعية. وفي هذا السياق، يكتسب وجود فيلم تونسي ضمن هذا الانتقاء الرسمي أهمية خاصة، باعتبار أن السينما التونسية نجحت في السنوات الأخيرة في تجاوز حدودها الوطنية لتصبح جزءا من الحوار السينمائي العالمي.
وبموازاة مسابقة الأفلام الطويلة، ينظم المهرجان مسابقة رسمية للأفلام الروائية القصيرة بالمركب الثقافي محمد السادس بخريبكة، وهي مسابقة تمثل مختبرا لاكتشاف المواهب الجديدة في القارة، وتوفر للمخرجين الشباب فضاء لتقديم رؤاهم الفنية المكثفة. كما يشهد المهرجان تنظيم سلسلة من الندوات الفكرية واللقاءات المهنية والورشات التكوينية التي تجمع بين السينمائيين والنقاد والباحثين، بما يعزز من دوره، ليس فقط كتظاهرة للعرض والتتويج، بل أيضا كفضاء للتفكير في مستقبل السينما الإفريقية.
أما على مستوى لجان التحكيم الأخرى، فقد أعلن المهرجان عن تشكيل لجنة جائزة «دون كيشوت» التي تمنحها الجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب، وتضم لطيفة بن عيشة من تونس، وحمزة زردوحي وفريديريك ماسيسي، إضافة إلى لجنة تحكيم الأفلام القصيرة التي تضم غوستاف أو جي سورغو من بوركينا فاسو، وناكي سي سافاني من ساحل العاج، وحسناء غرابا سكينا من النيجر. وتعكس هذه التشكيلات تنوعا جغرافيا وثقافيا ينسجم مع روح المهرجان بوصفه ملتقى للقارة الإفريقية بكل لغاتها وتجاربها. ويكتسب مهرجان خريبكة أهمية خاصة لأنه يعد من أقدم المهرجانات المتخصصة في السينما الإفريقية، وقد ساهم على مدى ما يقارب نصف قرن في التعريف بأجيال من المخرجين والمنتجين والنقاد، وفي بناء ذاكرة جماعية للسينما الإفريقية. كما نجح في الحفاظ على خصوصيته الثقافية رغم التحولات التي شهدتها الصناعة السينمائية عالميا، وظل وفيا لرسالته في دعم الأصوات الجديدة وتشجيع الحوار بين الثقافات.
إيمان عبد اللطيف
تتجه أنظار عشاق الفن السابع في القارة السمراء إلى مدينة خريبكة المغربية، التي تستعد، من 30 ماي الجاري إلى 6 جوان المقبل، لاحتضان فعاليات الدورة الـ26 من المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة، أحد أعرق التظاهرات السينمائية في إفريقيا والعالم العربي، والذي يواصل منذ تأسيسه سنة 1977 ترسيخ مكانته بوصفه فضاء للاحتفاء بالسينما الإفريقية، وللحوار الثقافي والجمالي بين شعوب القارة.
وفي قلب هذه الدورة الجديدة، يبرز الحضور التونسي بشكل لافت ومؤثر، سواء من خلال المشاركة في لجان التحكيم عبر الناقدة التونسية سعاد زريبي، ومهندسة الصوت لطيفة بن عائشة، أو عبر حضور المخرجة التونسية كوثر بن هنية ضمن المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة بفيلمها «صوت هند رجب»، وهو عمل أثار، منذ الإعلان عنه، اهتماما واسعا في الأوساط السينمائية والحقوقية على حد سواء.
وتأتي هذه المشاركة التونسية لتؤكد المكانة التي باتت تحتلها السينما التونسية داخل المشهد الإفريقي والدولي، خاصة في السنوات الأخيرة التي شهدت حضورا متصاعدا للأفلام التونسية في أبرز المهرجانات العالمية، من مهرجان كان السينمائي إلى مهرجان البندقية السينمائي ومهرجان برلين السينمائي وجوائز الأوسكار.
ولا تبدو مشاركة تونس في خريبكة هذا العام مجرد حضور رمزي، بل تمثل حضورا نوعيا يجمع بين الرؤية النقدية والرهان الإبداعي، حيث تتولى سعاد زريبي عضوية لجنة تحكيم النقد السينمائي إلى جانب الناقد سابي إيريك من جمهورية إفريقيا الوسطى، والناقدة أمينة بركات من المغرب، وهي لجنة تضطلع بمهمة تقييم جماليات الأعمال المشاركة واختيار التجارب الأكثر جدة وعمقا على مستوى اللغة السينمائية والطرح الفكري.
ويحمل اختيار سعاد زريبي دلالات خاصة، إذ تعد من أبرز الأصوات النقدية التونسية التي واكبت التحولات الكبرى التي عرفتها السينما العربية والإفريقية، وأسهمت، من خلال كتاباتها ومشاركاتها في الملتقيات الدولية، في تكريس مقاربة نقدية تجمع بين الحس الجمالي والقراءة الثقافية والفكرية للصورة السينمائية. كما أن وجودها ضمن هذه اللجنة يكرس الاعتراف المتزايد بالكفاءات التونسية في مجال النقد السينمائي، ويعكس الثقة في الخبرة التونسية التي أصبحت مطلوبة في أبرز التظاهرات الثقافية بالقارة.
أما بخصوص المسابقة الرسمية، فإن الحضور التونسي يتجسد في فيلم «صوت هند رجب» للمخرجة كوثر بن هنية، وهو من أكثر الأعمال المنتظرة في الدورة الحالية. وقد سبق للفيلم أن سجل حضورا دوليا لافتا حتى قبل وصوله إلى خريبكة، إذ اختير للمشاركة أو العرض في عدد من التظاهرات السينمائية الدولية، من بينها مهرجان كان السينمائي، حيث حظي بعرض خاص ضمن الفعاليات الموازية، إضافة إلى مشاركاته في تظاهرات أوروبية وعربية وأمريكية جعلت منه أحد أبرز الأفلام العربية لسنة 2026. وبلغ عدد مشاركات الفيلم الدولية، إلى حد الآن، ما لا يقل عن ست مشاركات بين عروض رسمية وخاصة، في انتظار محطات جديدة خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يعكس حجم الاهتمام العالمي بهذا العمل وبالرسالة الإنسانية التي يحملها.
وتشهد المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة مشاركة 14 فيلما تمثل طيفا واسعا من التجارب الإفريقية المعاصرة. وإلى جانب الفيلم التونسي، تضم القائمة أعمالا من الكاميرون ومصر والسنغال والكونغو الديمقراطية وكينيا وموزمبيق وجنوب إفريقيا والسودان والطوغو، فضلا عن ثلاثة أفلام مغربية تؤكد الحضور القوي للسينما المحلية. ومن بين العناوين اللافتة «طعم نبيذ النخيل» للمخرج جان بيير بيكولو من الكاميرون، و»المستعمرة» للمخرج المصري محمد رشاد، و»ذاكرة شجرة المانجو» للسنغالي نيكولا ساوولو سيسي، و»ملكة القطن» للسودانية سوزانا ميرغاني، و»ناوي.. نفسي المستقبلية العزيزة» لفالنتين تشيلوغيت من كينيا.
هذا التنوع في الجنسيات والمواضيع يمنح الدورة الحالية بعدا إفريقيا عميقا، ويؤكد أن السينما الإفريقية لم تعد مجرد فضاء للتعبير المحلي، بل أصبحت منصة دولية لطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والذاكرة والهجرة والعدالة والبيئة والتحولات الاجتماعية. وفي هذا السياق، يكتسب وجود فيلم تونسي ضمن هذا الانتقاء الرسمي أهمية خاصة، باعتبار أن السينما التونسية نجحت في السنوات الأخيرة في تجاوز حدودها الوطنية لتصبح جزءا من الحوار السينمائي العالمي.
وبموازاة مسابقة الأفلام الطويلة، ينظم المهرجان مسابقة رسمية للأفلام الروائية القصيرة بالمركب الثقافي محمد السادس بخريبكة، وهي مسابقة تمثل مختبرا لاكتشاف المواهب الجديدة في القارة، وتوفر للمخرجين الشباب فضاء لتقديم رؤاهم الفنية المكثفة. كما يشهد المهرجان تنظيم سلسلة من الندوات الفكرية واللقاءات المهنية والورشات التكوينية التي تجمع بين السينمائيين والنقاد والباحثين، بما يعزز من دوره، ليس فقط كتظاهرة للعرض والتتويج، بل أيضا كفضاء للتفكير في مستقبل السينما الإفريقية.
أما على مستوى لجان التحكيم الأخرى، فقد أعلن المهرجان عن تشكيل لجنة جائزة «دون كيشوت» التي تمنحها الجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب، وتضم لطيفة بن عيشة من تونس، وحمزة زردوحي وفريديريك ماسيسي، إضافة إلى لجنة تحكيم الأفلام القصيرة التي تضم غوستاف أو جي سورغو من بوركينا فاسو، وناكي سي سافاني من ساحل العاج، وحسناء غرابا سكينا من النيجر. وتعكس هذه التشكيلات تنوعا جغرافيا وثقافيا ينسجم مع روح المهرجان بوصفه ملتقى للقارة الإفريقية بكل لغاتها وتجاربها. ويكتسب مهرجان خريبكة أهمية خاصة لأنه يعد من أقدم المهرجانات المتخصصة في السينما الإفريقية، وقد ساهم على مدى ما يقارب نصف قرن في التعريف بأجيال من المخرجين والمنتجين والنقاد، وفي بناء ذاكرة جماعية للسينما الإفريقية. كما نجح في الحفاظ على خصوصيته الثقافية رغم التحولات التي شهدتها الصناعة السينمائية عالميا، وظل وفيا لرسالته في دعم الأصوات الجديدة وتشجيع الحوار بين الثقافات.