هناك، عند سفوح الجبال التي تحفظ بدقة أسرار المكان، تتسلل “زهرة النسري” بهدوء إلى الأزقة والساحات، معلنة انطلاق موسم لا يشبه في تفاصيله بقية المواسم.
في موسم معرض الصناعات التقليدية، تتحول مدينة زغوان إلى باقة من العطر والتراث، يمتزج فيها عبق الزهور بألوان الصناعات التقليدية، وتعانق فيه روايات الحرفيين ذاكرة المكان، فتنسج حكايا لا تشبه إلا زغوان… مدينة تعرف كيف تحوّل التفاصيل الصغيرة إلى مشاهد نابضة بالحياة والحنين.
فبدت الصناعات التقليدية، بجمالها ودقة تفاصيلها وثراء ألوانها، وكأنها الوجه الآخر لزهرة النسري، فكلاهما يحمل عبق الأرض وذاكرة المكان، وكلاهما أيضًا يحتاج إلى شغف وصبر حتى يواصل معركة الحياة. وبين رائحة ماء النسري المتصاعدة من أواني التقطير، وأنامل الحرفيين المنهمكة في التطريز ونحت الخزف وصناعة السلال، بدا المشهد وكأنه احتفال جماعي بموروث تونسي يصر على مقاومة الزمن بإبداع أبنائه وتمسكهم بجذورهم.
تراث يقاوم
كانت الساعة تشير تقريبًا إلى الحادية عشرة من صباح السبت الماضي، عندما وصلنا إلى مقر المندوبية الجهوية للصناعات التقليدية بزغوان، الذي احتضن معرض الصناعات التقليدية الملتئم تزامنًا مع فعاليات الدورة الأربعين لمهرجان النسري، بعد انقطاع دام ثلاث سنوات. هناك، كان المكان يستعيد حركيته الاستثنائية شيئًا فشيئًا مع توافد الزوار والحرفيين، فيما بدت المدينة وكأنها تسترجع دفعة واحدة نبضها الخاص وطقوسها القديمة، فاتحة أبوابها لزوار يملؤهم الفضول والشغف لاكتشاف سحر التفاصيل الصغيرة.
وبين عبق الزهور وألوان المنتوجات الحرفية، كان الفضاء شبيهًا بنوافذ مفتوحة على ذاكرة زغوان، تعود فيها الصناعات التقليدية لتروي من جديد حكاية تراث ظل لسنوات يقاوم بأنامل حرفيين يؤمنون بأن «الصنعة» هي جزء من روح المكان وهويته.
من جناح إلى آخر، كانت الحرف والمنتوجات اليدوية تتفتح بدورها كالزهور؛ تطريزات مفعمة بالألوان، ومنتوجات مزخرفة بعناية تعكس دقة الأنامل الحرفية، وسلال تقليدية تختصر، في تفاصيلها البسيطة، مدى ارتباط الإنسان بأرضه ومواده الطبيعية، وقوارير ماء النسري المصطفة كحبات عقد متماسكة تحفظ داخلها عبق المكان وذاكرته، وتختزن بين جدرانها الصغيرة شيئًا من روح زغوان التي تعرف جيدًا كيف تحول العطر إلى حكاية، والحرفة إلى ذاكرة لا تنطفئ.
فمنذ الخطوات الأولى داخل المعرض، يشعر الزائر وكأنه يعبر بوابة زمنية تعيده إلى تونس القديمة؛ إلى البيوت العتيقة التي كانت تعج بروائح الصوف والخزف والعطور الطبيعية.
في أحد الأروقة، كانت امرأة ستينية تجلس خلف طاولة صغيرة تعرض ملابس ومفروشات مطرزة يدويًا. كانت أصابعها تتحرك بخفة وهي تعدل أطراف قطعة قماش تقليدية، بينما لا تفارق عينيها نظرة اعتزاز وشموخ واضحة. لم تكن تلك المرأة تبيع مجرد منتوجات تقليدية، وإنما كانت تختصر مسيرة سنوات طويلة من الحرفة والدقة والصبر.
وبصوت امتزج فيه الفخر بالحنين، تقول مبروكة:“تعلمت التطريز منذ طفولتي. كانت أمي تقول دائمًا إن الحرفة ليست فقط عملًا، بل ذاكرة يجب أن نحافظ عليها. واليوم، حين ألاحظ اهتمام الشباب والزوار بهذه المنتوجات، ينتابني إحساس جميل بأن تعب السنوات لم يذهب سدى».
حولها، كان الزوار يستفسرون حول نوعية الأقمشة والخيوط والألوان المستعملة، وكأنهم يتأملون صفحات من كتاب قديم، فيما كان بعضهم يلتقط الصور، ويطرح الأسئلة حول طريقة الخياطة والمدة التي تستغرقها كل قطعة.
وبين سؤال وجواب، كانت الحرفية تروي قصتها مع الإبرة والخيط، قصة امرأة صنعت من حرفتها ذاكرة حيّة لا تنطفئ.
وبين الأقمشة المطرزة والمنتوجات العطرية التقليدية، كانت رائحة «النسري» تتسلل بقوة، تقود الزوار نحو الفضاء الأكثر سحرًا: فضاء تقطير زهرة النسري.
هناك، بدا المشهد أقرب إلى طقس احتفالي قديم؛ إناء نحاسي كبير، ونساء يتحركن بخفة وخبرة، وأبخرة عطرية تتصاعد في الهواء محملة بروائح طبيعية آسرة.
وقفت فاطمة أمام آلة التقطير تشرح للزوار المراحل الدقيقة للعملية، موضحة بابتسامة هادئة:“تقطير النسري جزء من حياتنا اليومية في زغوان… كبرنا على هذه العادة، وكنا ننتظر الموسم من سنة إلى أخرى. الرائحة وحدها كفيلة بأن تعيد لنا أجمل الذكريات».
وفي زاوية أخرى من الفضاء، كانت امرأة في العقد الرابع تعرض منتوجات طبيعية مستخلصة من النسري وماء الورد، مؤكدة أن الجيل الجديد أصبح أكثر اهتمامًا بالتراث المحلي وبالمنتوجات الطبيعية التقليدية.
وأوضحت بحماس:“نحاول اليوم تطوير هذه المنتوجات بطريقة عصرية دون أن تفقد أصالتها. فالتراث يمكن أن يكون رافدًا اقتصاديًا هامًا إذا عرفنا كيف نثمنه».
لم يكن الحرفيون في المعرض مجرد عارضين، فالخمسون حرفيًا وحرفية الذين سجلوا حضورهم في المعرض، من زغوان وولايات أخرى، كانوا رواة حقيقيين لذاكرة جماعية تأبى النسيان. فمن جناح إلى آخر، تتعدد الحكايات وتختلف المواد والتقنيات، لكن يبقى القاسم المشترك واحدًا: الإصرار على حماية التراث وتثمينه وإعادة الاعتبار له كجزء من الهوية الحية للذاكرة، لا سيما وأن هذا الموروث بات يشهد إقبالًا لافتًا من الشباب الذين وجدوا في الصناعات التقليدية فضاءً للإبداع والتميز، بما يعكس تحولًا تدريجيًا في التعاطي مع الحرفة من نشاط تقليدي إلى رافد اقتصادي واعد.
وفي كل زاوية من زوايا المعرض، كنا نلمس ذلك التداخل الجميل بين الماضي والحاضر؛ بين حرفيين يحملون خبرة عقود طويلة، وشباب يحاولون إحياء التراث بروح عصرية، في جدلية تؤكد أن الصناعات التقليدية ما تزال قادرة على الحياة والتجدد.
معرض وطني
حول أهمية هذا المعرض، تشير المندوبة الجهوية للصناعات التقليدية بزغوان، بثينة اللوز، في تصريح لـ«الصباح»، إلى أن الجهود منكبة للارتقاء بهذا المعرض، الذي يمثل محطة اقتصادية جهوية هامة، إلى المستوى الوطني، ليصبح سنة 2027 معرضًا وطنيًا يمتد على مدار عشرة أيام، على أن تلتئم فعالياته في معبد المياه الأثري.
وأشارت إلى أن زغوان تضم قرابة 3400 حرفي وحرفية، 70 بالمائة منهم يعملون في اختصاص تقطير النسري وصناعة كعك الورقة، ويسعى الديوان الوطني للصناعات التقليدية، من خلال المندوبية، إلى إدراجهم ضمن دائرة الجودة ودعم قدراتهم من خلال برنامج يستهدف خاصة فئة الشباب، حتى يتسنى تكوين جيل جديد قادر على مواكبة تحولات العصر.
ليتجلى بذلك هذا المعرض، الذي التأم بعد انقطاع دام ثلاث سنوات، كرافد اقتصادي حقيقي قادر على خلق مواطن الشغل ودعم موارد الرزق، خاصة على مستوى الجهات الداخلية التي تزخر بمخزون حرفي مهم. فهذه الحرف، بما تختزنه من خصوصية وإبداع، تمثل اليوم إحدى الواجهات التي تعكس صورة تونس وهويتها الحضارية في الداخل والخارج، كما تساهم في تنشيط الحركة السياحية عبر استقطاب الزوار الباحثين عن المنتوج الأصيل المرتبط بخصوصيات كل جهة.
ومن خلال معارض مماثلة، يجد الحرفيون فرصة للتعريف بمنتوجاتهم وفتح آفاق جديدة للتسويق، بما يعزز مكانة الصناعات التقليدية كقطاع قادر على الجمع بين المحافظة على التراث وتحقيق قيمة اقتصادية وتنموية متجددة.
مرآة للهوية التونسية
غادرنا المكان في حدود الخامسة ظهرًا...كان واضحًا أن الزوار لم يأتوا فقط للتسوق، وإنما للبحث عن شيء أعمق؛ عن رائحة تشبه الذاكرة، وعن تفاصيل صغيرة تأبى النسيان. فمعرض الصناعات التقليدية كان موعدًا متجددًا مع أنامل حرفيين يؤمنون بأن التراث لا يعيش في المتاحف فقط، وإنما في تلك التفاصيل الصغيرة التي يواصلون حمايتها جيلًا بعد جيل، رافعين شعار أن الصناعات التقليدية ليست مجرد قطاع اقتصادي أو نشاط حرفي، وإنما هي مرآة للهوية التونسية بكل ما تحمله الكلمة من تنوع وثراء وجمال.
وبين عبق النسري وبريق الصناعات التقليدية، تواصل زغوان كتابة روايتها الخاصة… رواية مدينة تعرف جيدًا كيف تحول العطر إلى ذاكرة، والتراث إلى حياة.
منال حرزي
هناك، عند سفوح الجبال التي تحفظ بدقة أسرار المكان، تتسلل “زهرة النسري” بهدوء إلى الأزقة والساحات، معلنة انطلاق موسم لا يشبه في تفاصيله بقية المواسم.
في موسم معرض الصناعات التقليدية، تتحول مدينة زغوان إلى باقة من العطر والتراث، يمتزج فيها عبق الزهور بألوان الصناعات التقليدية، وتعانق فيه روايات الحرفيين ذاكرة المكان، فتنسج حكايا لا تشبه إلا زغوان… مدينة تعرف كيف تحوّل التفاصيل الصغيرة إلى مشاهد نابضة بالحياة والحنين.
فبدت الصناعات التقليدية، بجمالها ودقة تفاصيلها وثراء ألوانها، وكأنها الوجه الآخر لزهرة النسري، فكلاهما يحمل عبق الأرض وذاكرة المكان، وكلاهما أيضًا يحتاج إلى شغف وصبر حتى يواصل معركة الحياة. وبين رائحة ماء النسري المتصاعدة من أواني التقطير، وأنامل الحرفيين المنهمكة في التطريز ونحت الخزف وصناعة السلال، بدا المشهد وكأنه احتفال جماعي بموروث تونسي يصر على مقاومة الزمن بإبداع أبنائه وتمسكهم بجذورهم.
تراث يقاوم
كانت الساعة تشير تقريبًا إلى الحادية عشرة من صباح السبت الماضي، عندما وصلنا إلى مقر المندوبية الجهوية للصناعات التقليدية بزغوان، الذي احتضن معرض الصناعات التقليدية الملتئم تزامنًا مع فعاليات الدورة الأربعين لمهرجان النسري، بعد انقطاع دام ثلاث سنوات. هناك، كان المكان يستعيد حركيته الاستثنائية شيئًا فشيئًا مع توافد الزوار والحرفيين، فيما بدت المدينة وكأنها تسترجع دفعة واحدة نبضها الخاص وطقوسها القديمة، فاتحة أبوابها لزوار يملؤهم الفضول والشغف لاكتشاف سحر التفاصيل الصغيرة.
وبين عبق الزهور وألوان المنتوجات الحرفية، كان الفضاء شبيهًا بنوافذ مفتوحة على ذاكرة زغوان، تعود فيها الصناعات التقليدية لتروي من جديد حكاية تراث ظل لسنوات يقاوم بأنامل حرفيين يؤمنون بأن «الصنعة» هي جزء من روح المكان وهويته.
من جناح إلى آخر، كانت الحرف والمنتوجات اليدوية تتفتح بدورها كالزهور؛ تطريزات مفعمة بالألوان، ومنتوجات مزخرفة بعناية تعكس دقة الأنامل الحرفية، وسلال تقليدية تختصر، في تفاصيلها البسيطة، مدى ارتباط الإنسان بأرضه ومواده الطبيعية، وقوارير ماء النسري المصطفة كحبات عقد متماسكة تحفظ داخلها عبق المكان وذاكرته، وتختزن بين جدرانها الصغيرة شيئًا من روح زغوان التي تعرف جيدًا كيف تحول العطر إلى حكاية، والحرفة إلى ذاكرة لا تنطفئ.
فمنذ الخطوات الأولى داخل المعرض، يشعر الزائر وكأنه يعبر بوابة زمنية تعيده إلى تونس القديمة؛ إلى البيوت العتيقة التي كانت تعج بروائح الصوف والخزف والعطور الطبيعية.
في أحد الأروقة، كانت امرأة ستينية تجلس خلف طاولة صغيرة تعرض ملابس ومفروشات مطرزة يدويًا. كانت أصابعها تتحرك بخفة وهي تعدل أطراف قطعة قماش تقليدية، بينما لا تفارق عينيها نظرة اعتزاز وشموخ واضحة. لم تكن تلك المرأة تبيع مجرد منتوجات تقليدية، وإنما كانت تختصر مسيرة سنوات طويلة من الحرفة والدقة والصبر.
وبصوت امتزج فيه الفخر بالحنين، تقول مبروكة:“تعلمت التطريز منذ طفولتي. كانت أمي تقول دائمًا إن الحرفة ليست فقط عملًا، بل ذاكرة يجب أن نحافظ عليها. واليوم، حين ألاحظ اهتمام الشباب والزوار بهذه المنتوجات، ينتابني إحساس جميل بأن تعب السنوات لم يذهب سدى».
حولها، كان الزوار يستفسرون حول نوعية الأقمشة والخيوط والألوان المستعملة، وكأنهم يتأملون صفحات من كتاب قديم، فيما كان بعضهم يلتقط الصور، ويطرح الأسئلة حول طريقة الخياطة والمدة التي تستغرقها كل قطعة.
وبين سؤال وجواب، كانت الحرفية تروي قصتها مع الإبرة والخيط، قصة امرأة صنعت من حرفتها ذاكرة حيّة لا تنطفئ.
وبين الأقمشة المطرزة والمنتوجات العطرية التقليدية، كانت رائحة «النسري» تتسلل بقوة، تقود الزوار نحو الفضاء الأكثر سحرًا: فضاء تقطير زهرة النسري.
هناك، بدا المشهد أقرب إلى طقس احتفالي قديم؛ إناء نحاسي كبير، ونساء يتحركن بخفة وخبرة، وأبخرة عطرية تتصاعد في الهواء محملة بروائح طبيعية آسرة.
وقفت فاطمة أمام آلة التقطير تشرح للزوار المراحل الدقيقة للعملية، موضحة بابتسامة هادئة:“تقطير النسري جزء من حياتنا اليومية في زغوان… كبرنا على هذه العادة، وكنا ننتظر الموسم من سنة إلى أخرى. الرائحة وحدها كفيلة بأن تعيد لنا أجمل الذكريات».
وفي زاوية أخرى من الفضاء، كانت امرأة في العقد الرابع تعرض منتوجات طبيعية مستخلصة من النسري وماء الورد، مؤكدة أن الجيل الجديد أصبح أكثر اهتمامًا بالتراث المحلي وبالمنتوجات الطبيعية التقليدية.
وأوضحت بحماس:“نحاول اليوم تطوير هذه المنتوجات بطريقة عصرية دون أن تفقد أصالتها. فالتراث يمكن أن يكون رافدًا اقتصاديًا هامًا إذا عرفنا كيف نثمنه».
لم يكن الحرفيون في المعرض مجرد عارضين، فالخمسون حرفيًا وحرفية الذين سجلوا حضورهم في المعرض، من زغوان وولايات أخرى، كانوا رواة حقيقيين لذاكرة جماعية تأبى النسيان. فمن جناح إلى آخر، تتعدد الحكايات وتختلف المواد والتقنيات، لكن يبقى القاسم المشترك واحدًا: الإصرار على حماية التراث وتثمينه وإعادة الاعتبار له كجزء من الهوية الحية للذاكرة، لا سيما وأن هذا الموروث بات يشهد إقبالًا لافتًا من الشباب الذين وجدوا في الصناعات التقليدية فضاءً للإبداع والتميز، بما يعكس تحولًا تدريجيًا في التعاطي مع الحرفة من نشاط تقليدي إلى رافد اقتصادي واعد.
وفي كل زاوية من زوايا المعرض، كنا نلمس ذلك التداخل الجميل بين الماضي والحاضر؛ بين حرفيين يحملون خبرة عقود طويلة، وشباب يحاولون إحياء التراث بروح عصرية، في جدلية تؤكد أن الصناعات التقليدية ما تزال قادرة على الحياة والتجدد.
معرض وطني
حول أهمية هذا المعرض، تشير المندوبة الجهوية للصناعات التقليدية بزغوان، بثينة اللوز، في تصريح لـ«الصباح»، إلى أن الجهود منكبة للارتقاء بهذا المعرض، الذي يمثل محطة اقتصادية جهوية هامة، إلى المستوى الوطني، ليصبح سنة 2027 معرضًا وطنيًا يمتد على مدار عشرة أيام، على أن تلتئم فعالياته في معبد المياه الأثري.
وأشارت إلى أن زغوان تضم قرابة 3400 حرفي وحرفية، 70 بالمائة منهم يعملون في اختصاص تقطير النسري وصناعة كعك الورقة، ويسعى الديوان الوطني للصناعات التقليدية، من خلال المندوبية، إلى إدراجهم ضمن دائرة الجودة ودعم قدراتهم من خلال برنامج يستهدف خاصة فئة الشباب، حتى يتسنى تكوين جيل جديد قادر على مواكبة تحولات العصر.
ليتجلى بذلك هذا المعرض، الذي التأم بعد انقطاع دام ثلاث سنوات، كرافد اقتصادي حقيقي قادر على خلق مواطن الشغل ودعم موارد الرزق، خاصة على مستوى الجهات الداخلية التي تزخر بمخزون حرفي مهم. فهذه الحرف، بما تختزنه من خصوصية وإبداع، تمثل اليوم إحدى الواجهات التي تعكس صورة تونس وهويتها الحضارية في الداخل والخارج، كما تساهم في تنشيط الحركة السياحية عبر استقطاب الزوار الباحثين عن المنتوج الأصيل المرتبط بخصوصيات كل جهة.
ومن خلال معارض مماثلة، يجد الحرفيون فرصة للتعريف بمنتوجاتهم وفتح آفاق جديدة للتسويق، بما يعزز مكانة الصناعات التقليدية كقطاع قادر على الجمع بين المحافظة على التراث وتحقيق قيمة اقتصادية وتنموية متجددة.
مرآة للهوية التونسية
غادرنا المكان في حدود الخامسة ظهرًا...كان واضحًا أن الزوار لم يأتوا فقط للتسوق، وإنما للبحث عن شيء أعمق؛ عن رائحة تشبه الذاكرة، وعن تفاصيل صغيرة تأبى النسيان. فمعرض الصناعات التقليدية كان موعدًا متجددًا مع أنامل حرفيين يؤمنون بأن التراث لا يعيش في المتاحف فقط، وإنما في تلك التفاصيل الصغيرة التي يواصلون حمايتها جيلًا بعد جيل، رافعين شعار أن الصناعات التقليدية ليست مجرد قطاع اقتصادي أو نشاط حرفي، وإنما هي مرآة للهوية التونسية بكل ما تحمله الكلمة من تنوع وثراء وجمال.
وبين عبق النسري وبريق الصناعات التقليدية، تواصل زغوان كتابة روايتها الخاصة… رواية مدينة تعرف جيدًا كيف تحول العطر إلى ذاكرة، والتراث إلى حياة.