مدير عام المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية لـ«الصباح»: صمود الاقتصاد لا يقتصر على امتصاص الصدمات فقط بل يشمل القدرة على استعادة نسق النمو
*الاقتصاد التونسي يواصل التكيف مع الأزمات والصدمات الخارجية
* صمود الاقتصاد التونسي يمثل رهانا أساسيا في ظل التحولات المتسارعة والأزمات العالمية المتتالية
* المطلوب اليوم تعزيز قدرة الاقتصاد التونسي على الصمود عبر تحسين التوازنات الاقتصادية وتنويع مصادر الطاقة والأسواق والشركاء الاقتصاديين.
في ظل تصاعد الأزمات العالمية وتزايد الضغوط الاقتصادية المرتبطة بتقلبات الأسواق الدولية وارتفاع أسعار الطاقة، يسلط هذا الحوار مع مدير عام المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية، علية بالشيخ، الضوء على واقع الاقتصاد التونسي ومدى قدرته على الصمود أمام الصدمات الخارجية. ويبرز النقاش أن صمود الاقتصاد لا يقتصر على امتصاص الصدمات فقط، بل يشمل أيضا القدرة على استعادة نسق النمو ومواكبة المنظومة الاقتصادية للتغيرات الحاصلة وإعادة بنائها على أسس أكثر متانة ومرونة.
وأشار مدير عام المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية إلى أن الأبعاد الثلاثة التي يقوم عليها مفهوم الصمود الاقتصادي تتمثل في المواجهة الفورية للأزمات، واسترجاع النشاط الاقتصادي، وصولا إلى التحول الهيكلي طويل المدى. وفي هذا الإطار، يتناول تأثير تعدد الأزمات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية والاجتماعية والديمغرافية والبيئية، وكذلك التوترات الجيوسياسية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، على الاقتصاد التونسي من خلال انعكاساتها على أسعار النفط وقطاع الطاقة، وما ينجر عنها من ضغوط على الميزان التجاري والمالية العمومية. وأكد مدير عام المعهد أن تعزيز صمود الاقتصاد التونسي يمر عبر تنويع الشراكات الاقتصادية ومصادر الطاقة وسلاسل الإمداد، وتطوير القدرة على التكيف مع الأزمات، بما يضمن استدامة النمو وتحقيق توازن اقتصادي أكثر استقرارا على المدى الطويل. وفيما يلي نص الحوار:
■ كيف تقيّمون اليوم وضع الاقتصاد التونسي في ظل الأزمات العالمية المتلاحقة؟
صمود الاقتصاد التونسي يمثل اليوم رهانا أساسيا في ظل التحولات المتسارعة والأزمات العالمية المتتالية. ومفهوم «قدرة الاقتصاد على الصمود» يرتبط أساسا بقدرة أي اقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية والتأقلم معها بأقل الأضرار الممكنة، بما يضمن استمرارية النشاط الاقتصادي والمحافظة على التوازنات الكبرى للدولة. وتبرز نتائج الدراسة الكمية التي قام بها المعهد، من خلال بناء مؤشر تأليفي حول الصمود الاقتصادي خلال الفترة الممتدة بين 2000 و2023، أن الاقتصاد التونسي أبدى دوما قدرة على الصمود أمام مختلف الهزات والصدمات.
■ ما المقصود بقدرة الاقتصاد على الصمود؟
هذه القدرة تقوم على ثلاثة مستويات مترابطة:
1. القدرة الحينية: أي قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمة والمحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار خلال فترة قصيرة.
2. القدرة على استرجاع نسق النشاط: أي العودة التدريجية للنمو والإنتاج والاستثمار إلى ما كان سائدا قبل الأزمة على المدى المتوسط.
3. القدرة طويلة المدى: وتشمل الجوانب الهيكلية للاقتصاد، وخاصة قدرته على التحول والتكيف مع المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية الدولية.
■ كيف يمكن قياس قوة الاقتصادات في مواجهة الأزمات؟
الاقتصادات القوية لا تقاس فقط بقدرتها على تجاوز الأزمات، بل أيضا بمدى نجاحها في إعادة البناء بشكل أفضل والاستعداد المسبق لصدمات مستقبلية محتملة. فالصمود الاقتصادي يمر عبر ثلاث مراحل أساسية: استيعاب الصدمة، ثم استرجاع نسق ما قبل الأزمة، وأخيرًا إعادة البناء والتأقلم مع التحولات الجديدة بشكل استباقي يضمن استدامة النمو والاستقرار.
وقد تم قياس مؤشر الصمود الاقتصادي بناء على مجموعة من المتغيرات والمؤشرات المتعلقة بأربعة عوامل: القدرات الإنتاجية، الاستقلالية الاقتصادية والمالية، الحوكمة، والتماسك الاجتماعي.
■ هل من تأثر لما يحدث في الشرق الأوسط على الاقتصاد التونسي؟
اقتصاد تونس منفتح على العالم ويرتبط بعلاقات تجارية ومالية مع عدة شركاء دوليين، وهو ما يجعله عرضة للتأثر بالأزمات والصدمات الخارجية، خاصة خلال فترات التوترات الجيوسياسية والحروب. ناهيك أن تونس تعد من البلدان الموردة للطاقة، وبالتالي تكون عرضة لأي تغير يمكن أن يؤثر مباشرة على الكميات المعروضة والأسعار.
■ ما هو التأثير المباشر للتوترات في الشرق الأوسط على الاقتصاد التونسي؟
التأثير المباشر يرتبط أساسا بقطاع الطاقة، إذ أن أي اضطراب في المنطقة يؤثر مباشرة على الإمدادات العالمية وأسعار النفط في الأسواق الدولية. وتونس، باعتبارها بلدا مستوردا للطاقة، تتأثر بشكل واضح بارتفاع أسعار النفط، خاصة بعد تجاوز سعر البرميل 100 دولار، في حين أن تقديرات ميزانية الدولة بنيت على أسعار تتراوح بين 60 و70 دولارا للبرميل.
■ وما هي التداعيات الاقتصادية لارتفاع أسعار النفط؟
ارتفاع سعر البرميل بحوالي 30 دولارا ستكون له تداعيات على الاقتصاد الوطني، سواء عبر ارتفاع كلفة التوريد، بما من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم عجز الميزان التجاري، إضافة إلى ارتفاع كلفة الدعم التي تتحملها ميزانية الدولة، وهو ما يفرض ضغوطا إضافية على المالية العمومية وعلى التوازنات الاقتصادية الكبرى.
■ هل تقتصر تداعيات الأزمة على قطاع الطاقة فقط؟
لا، فالتداعيات تمتد أيضا إلى الشركاء الاقتصاديين لتونس، وعلى رأسهم الاتحاد الأوروبي الذي يستحوذ على ما بين 70 و80 بالمائة من المبادلات التجارية التونسية. وأي تباطؤ اقتصادي داخل أوروبا سينعكس مباشرة على الاقتصاد التونسي من خلال تراجع الطلب على المنتجات التونسية وتقلص الصادرات، خاصة في القطاعات الصناعية الموجهة للأسواق الخارجية.
كما أن حالة عدم اليقين السياسي والأمني في المنطقة يمكن أن تؤثر سلبا على قطاع السياحة، لأن السائح الأجنبي يتأثر بالمناخ الإقليمي العام عند اتخاذ قرار السفر. وتؤدي الأزمات الاقتصادية العالمية عادة إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية، حيث يميل المستثمرون الدوليون إلى التريث وتقليص مشاريعهم الخارجية خلال فترات الأزمات.
■ ما هي الحلول المطلوبة لتعزيز صمود الاقتصاد التونسي؟
المطلوب اليوم هو تعزيز قدرة الاقتصاد التونسي على الصمود عبر تحسين التوازنات الاقتصادية، وتنويع مصادر الطاقة والأسواق والشركاء الاقتصاديين، إضافة إلى تطوير القدرة على التكيف مع الأزمات الخارجية والحد من انعكاساتها على الاقتصاد الوطني.
وتندرج في هذا الإطار ضرورة التسريع في عملية الانتقال الطاقي، وزيادة الاستثمار في الطاقات المتجددة التي تزخر بها تونس.
■ هل هناك مؤشرات علمية تؤكد قدرة الاقتصاد التونسي على الصمود؟
نعم، تستند قدرة الاقتصاد التونسي على الصمود إلى جملة من المؤشرات العلمية والمعطيات الإحصائية التي تم تحليلها وفق منهجيات دقيقة. وقد أظهرت الدراسة المنجزة قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الأزمات دون الوصول إلى حالة تعثر كامل أو توقف للنشاط الاقتصادي.
جائحة كورونا مثلت اختبارا فعليا لهذه القدرة، إذ سجلت تونس خلال الأزمة نسبة نمو سلبية، قبل أن يتمكن الاقتصاد بعد سنة واحدة فقط من العودة إلى نسق نمو إيجابي واسترجاع جزء مهم من حركيته الاقتصادية.
■ هل تم إعداد مؤشر خاص لقياس الصمود الاقتصادي؟
تم إعداد مؤشر خاص يعتمد على حوالي 50 مؤشرا فرعيا ومتغيرا اقتصاديا واجتماعيا، ويتم احتساب قيمته على سلم يتراوح بين صفر وواحد. وقد ارتفعت قيمة هذا المؤشر من 0.35 نقطة سنة 2000 إلى حوالي 0.55 نقطة سنة 2023، وهو ما يعكس تحسنًا ملموسًا في قدرة الاقتصاد التونسي على التكيف مع الأزمات ومواجهة التقلبات الدولية.
■ ما أبرز العوامل التي ساهمت في هذا التحسن؟
يعود ذلك إلى عدة عوامل هيكلية، في مقدمتها تنوع النسيج الاقتصادي الوطني، حيث لا يعتمد الاقتصاد التونسي على قطاع واحد فقط، بل يرتكز على قطاعات متعددة تشمل الفلاحة والصناعة والخدمات، إضافة إلى تنوع الأنشطة داخل كل قطاع، وهو ما يخفف من حدة التأثر بالأزمات عند تراجع نشاط قطاع معين.
كما يمثل رأس المال البشري أبرز نقاط القوة التي تتمتع بها تونس، فالكفاءات التونسية والموارد البشرية المؤهلة ساهمت بشكل كبير في المحافظة على استمرارية النشاط الاقتصادي وتسهيل التأقلم مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية.
ويعد التماسك الاجتماعي عاملا أساسيا في مواجهة الأزمات والتوقي منها، وهو رافعة حقيقية لصمود الاقتصاد التونسي.
■ كيف يمكن تعزيز استقلالية الاقتصاد التونسي مستقبلا؟
تعزيز استقلالية الاقتصاد التونسي لا يعني الانغلاق عن العالم، بل يقوم على بناء اقتصاد أكثر تنوعا ومرونة وقدرة على التكيف مع المتغيرات والأزمات الخارجية، والعمل على حسن استغلال الطاقات والموارد الوطنية المتوفرة بما يضمن استمرارية الإنتاج، ودعم النمو، وتحقيق التوازنات الاقتصادية على المدى الطويل.
■ إلى أي مدى يمكن أن تساهم الإصلاحات التشريعية والإدارية في تحسين مناخ الاستثمار وتعزيز صمود الاقتصاد الوطني؟
التوجهات الإصلاحية الحالية تقوم على تقليص ثقل التراتيب والإجراءات الإدارية، إلى جانب بناء منظومة تشريعية جديدة تهدف إلى دفع عجلة الاقتصاد الوطني وتشجيع الاستثمار الخاص وتسهيل النشاط الاقتصادي. هذه الإصلاحات من شأنها تعزيز قدرة المؤسسات والاقتصاد الوطني على الصمود أمام الأزمات والصدمات، عبر توفير مناخ اقتصادي أكثر مرونة ونجاعة وداعما للقدرة التنافسية.
■ هل تمتلك تونس منظومة فعالة لإدارة المخاطر الطاقية في ظل الأزمات والتوترات الدولية؟
مسألة إدارة المخاطر الطاقية أصبحت اليوم من أبرز التحديات المطروحة، خاصة بالنسبة للدول الموردة للطاقة على غرار تونس، والتي تجد نفسها في وضعية هشاشة أمام التقلبات والأزمات الدولية. لذلك، يعد العمل على تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي والاستثمار في الطاقات المتجددة خيارا أساسيا لتعزيز الاستقلالية الطاقية وتقليص التبعية للخارج، إلى جانب العمل على تدعيم المخزونات الاستراتيجية من المواد الأساسية. وفي هذا السياق، تؤكد الحرب القائمة في الشرق الأوسط البعد الطاقي للصراعات وتأثيرها المباشر على أمن الطاقة والأسعار والتوازنات الاقتصادية.
أجرت الحوار: جهاد الكلبوسي
*الاقتصاد التونسي يواصل التكيف مع الأزمات والصدمات الخارجية
* صمود الاقتصاد التونسي يمثل رهانا أساسيا في ظل التحولات المتسارعة والأزمات العالمية المتتالية
* المطلوب اليوم تعزيز قدرة الاقتصاد التونسي على الصمود عبر تحسين التوازنات الاقتصادية وتنويع مصادر الطاقة والأسواق والشركاء الاقتصاديين.
في ظل تصاعد الأزمات العالمية وتزايد الضغوط الاقتصادية المرتبطة بتقلبات الأسواق الدولية وارتفاع أسعار الطاقة، يسلط هذا الحوار مع مدير عام المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية، علية بالشيخ، الضوء على واقع الاقتصاد التونسي ومدى قدرته على الصمود أمام الصدمات الخارجية. ويبرز النقاش أن صمود الاقتصاد لا يقتصر على امتصاص الصدمات فقط، بل يشمل أيضا القدرة على استعادة نسق النمو ومواكبة المنظومة الاقتصادية للتغيرات الحاصلة وإعادة بنائها على أسس أكثر متانة ومرونة.
وأشار مدير عام المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية إلى أن الأبعاد الثلاثة التي يقوم عليها مفهوم الصمود الاقتصادي تتمثل في المواجهة الفورية للأزمات، واسترجاع النشاط الاقتصادي، وصولا إلى التحول الهيكلي طويل المدى. وفي هذا الإطار، يتناول تأثير تعدد الأزمات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية والاجتماعية والديمغرافية والبيئية، وكذلك التوترات الجيوسياسية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، على الاقتصاد التونسي من خلال انعكاساتها على أسعار النفط وقطاع الطاقة، وما ينجر عنها من ضغوط على الميزان التجاري والمالية العمومية. وأكد مدير عام المعهد أن تعزيز صمود الاقتصاد التونسي يمر عبر تنويع الشراكات الاقتصادية ومصادر الطاقة وسلاسل الإمداد، وتطوير القدرة على التكيف مع الأزمات، بما يضمن استدامة النمو وتحقيق توازن اقتصادي أكثر استقرارا على المدى الطويل. وفيما يلي نص الحوار:
■ كيف تقيّمون اليوم وضع الاقتصاد التونسي في ظل الأزمات العالمية المتلاحقة؟
صمود الاقتصاد التونسي يمثل اليوم رهانا أساسيا في ظل التحولات المتسارعة والأزمات العالمية المتتالية. ومفهوم «قدرة الاقتصاد على الصمود» يرتبط أساسا بقدرة أي اقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية والتأقلم معها بأقل الأضرار الممكنة، بما يضمن استمرارية النشاط الاقتصادي والمحافظة على التوازنات الكبرى للدولة. وتبرز نتائج الدراسة الكمية التي قام بها المعهد، من خلال بناء مؤشر تأليفي حول الصمود الاقتصادي خلال الفترة الممتدة بين 2000 و2023، أن الاقتصاد التونسي أبدى دوما قدرة على الصمود أمام مختلف الهزات والصدمات.
■ ما المقصود بقدرة الاقتصاد على الصمود؟
هذه القدرة تقوم على ثلاثة مستويات مترابطة:
1. القدرة الحينية: أي قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمة والمحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار خلال فترة قصيرة.
2. القدرة على استرجاع نسق النشاط: أي العودة التدريجية للنمو والإنتاج والاستثمار إلى ما كان سائدا قبل الأزمة على المدى المتوسط.
3. القدرة طويلة المدى: وتشمل الجوانب الهيكلية للاقتصاد، وخاصة قدرته على التحول والتكيف مع المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية الدولية.
■ كيف يمكن قياس قوة الاقتصادات في مواجهة الأزمات؟
الاقتصادات القوية لا تقاس فقط بقدرتها على تجاوز الأزمات، بل أيضا بمدى نجاحها في إعادة البناء بشكل أفضل والاستعداد المسبق لصدمات مستقبلية محتملة. فالصمود الاقتصادي يمر عبر ثلاث مراحل أساسية: استيعاب الصدمة، ثم استرجاع نسق ما قبل الأزمة، وأخيرًا إعادة البناء والتأقلم مع التحولات الجديدة بشكل استباقي يضمن استدامة النمو والاستقرار.
وقد تم قياس مؤشر الصمود الاقتصادي بناء على مجموعة من المتغيرات والمؤشرات المتعلقة بأربعة عوامل: القدرات الإنتاجية، الاستقلالية الاقتصادية والمالية، الحوكمة، والتماسك الاجتماعي.
■ هل من تأثر لما يحدث في الشرق الأوسط على الاقتصاد التونسي؟
اقتصاد تونس منفتح على العالم ويرتبط بعلاقات تجارية ومالية مع عدة شركاء دوليين، وهو ما يجعله عرضة للتأثر بالأزمات والصدمات الخارجية، خاصة خلال فترات التوترات الجيوسياسية والحروب. ناهيك أن تونس تعد من البلدان الموردة للطاقة، وبالتالي تكون عرضة لأي تغير يمكن أن يؤثر مباشرة على الكميات المعروضة والأسعار.
■ ما هو التأثير المباشر للتوترات في الشرق الأوسط على الاقتصاد التونسي؟
التأثير المباشر يرتبط أساسا بقطاع الطاقة، إذ أن أي اضطراب في المنطقة يؤثر مباشرة على الإمدادات العالمية وأسعار النفط في الأسواق الدولية. وتونس، باعتبارها بلدا مستوردا للطاقة، تتأثر بشكل واضح بارتفاع أسعار النفط، خاصة بعد تجاوز سعر البرميل 100 دولار، في حين أن تقديرات ميزانية الدولة بنيت على أسعار تتراوح بين 60 و70 دولارا للبرميل.
■ وما هي التداعيات الاقتصادية لارتفاع أسعار النفط؟
ارتفاع سعر البرميل بحوالي 30 دولارا ستكون له تداعيات على الاقتصاد الوطني، سواء عبر ارتفاع كلفة التوريد، بما من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم عجز الميزان التجاري، إضافة إلى ارتفاع كلفة الدعم التي تتحملها ميزانية الدولة، وهو ما يفرض ضغوطا إضافية على المالية العمومية وعلى التوازنات الاقتصادية الكبرى.
■ هل تقتصر تداعيات الأزمة على قطاع الطاقة فقط؟
لا، فالتداعيات تمتد أيضا إلى الشركاء الاقتصاديين لتونس، وعلى رأسهم الاتحاد الأوروبي الذي يستحوذ على ما بين 70 و80 بالمائة من المبادلات التجارية التونسية. وأي تباطؤ اقتصادي داخل أوروبا سينعكس مباشرة على الاقتصاد التونسي من خلال تراجع الطلب على المنتجات التونسية وتقلص الصادرات، خاصة في القطاعات الصناعية الموجهة للأسواق الخارجية.
كما أن حالة عدم اليقين السياسي والأمني في المنطقة يمكن أن تؤثر سلبا على قطاع السياحة، لأن السائح الأجنبي يتأثر بالمناخ الإقليمي العام عند اتخاذ قرار السفر. وتؤدي الأزمات الاقتصادية العالمية عادة إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية، حيث يميل المستثمرون الدوليون إلى التريث وتقليص مشاريعهم الخارجية خلال فترات الأزمات.
■ ما هي الحلول المطلوبة لتعزيز صمود الاقتصاد التونسي؟
المطلوب اليوم هو تعزيز قدرة الاقتصاد التونسي على الصمود عبر تحسين التوازنات الاقتصادية، وتنويع مصادر الطاقة والأسواق والشركاء الاقتصاديين، إضافة إلى تطوير القدرة على التكيف مع الأزمات الخارجية والحد من انعكاساتها على الاقتصاد الوطني.
وتندرج في هذا الإطار ضرورة التسريع في عملية الانتقال الطاقي، وزيادة الاستثمار في الطاقات المتجددة التي تزخر بها تونس.
■ هل هناك مؤشرات علمية تؤكد قدرة الاقتصاد التونسي على الصمود؟
نعم، تستند قدرة الاقتصاد التونسي على الصمود إلى جملة من المؤشرات العلمية والمعطيات الإحصائية التي تم تحليلها وفق منهجيات دقيقة. وقد أظهرت الدراسة المنجزة قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الأزمات دون الوصول إلى حالة تعثر كامل أو توقف للنشاط الاقتصادي.
جائحة كورونا مثلت اختبارا فعليا لهذه القدرة، إذ سجلت تونس خلال الأزمة نسبة نمو سلبية، قبل أن يتمكن الاقتصاد بعد سنة واحدة فقط من العودة إلى نسق نمو إيجابي واسترجاع جزء مهم من حركيته الاقتصادية.
■ هل تم إعداد مؤشر خاص لقياس الصمود الاقتصادي؟
تم إعداد مؤشر خاص يعتمد على حوالي 50 مؤشرا فرعيا ومتغيرا اقتصاديا واجتماعيا، ويتم احتساب قيمته على سلم يتراوح بين صفر وواحد. وقد ارتفعت قيمة هذا المؤشر من 0.35 نقطة سنة 2000 إلى حوالي 0.55 نقطة سنة 2023، وهو ما يعكس تحسنًا ملموسًا في قدرة الاقتصاد التونسي على التكيف مع الأزمات ومواجهة التقلبات الدولية.
■ ما أبرز العوامل التي ساهمت في هذا التحسن؟
يعود ذلك إلى عدة عوامل هيكلية، في مقدمتها تنوع النسيج الاقتصادي الوطني، حيث لا يعتمد الاقتصاد التونسي على قطاع واحد فقط، بل يرتكز على قطاعات متعددة تشمل الفلاحة والصناعة والخدمات، إضافة إلى تنوع الأنشطة داخل كل قطاع، وهو ما يخفف من حدة التأثر بالأزمات عند تراجع نشاط قطاع معين.
كما يمثل رأس المال البشري أبرز نقاط القوة التي تتمتع بها تونس، فالكفاءات التونسية والموارد البشرية المؤهلة ساهمت بشكل كبير في المحافظة على استمرارية النشاط الاقتصادي وتسهيل التأقلم مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية.
ويعد التماسك الاجتماعي عاملا أساسيا في مواجهة الأزمات والتوقي منها، وهو رافعة حقيقية لصمود الاقتصاد التونسي.
■ كيف يمكن تعزيز استقلالية الاقتصاد التونسي مستقبلا؟
تعزيز استقلالية الاقتصاد التونسي لا يعني الانغلاق عن العالم، بل يقوم على بناء اقتصاد أكثر تنوعا ومرونة وقدرة على التكيف مع المتغيرات والأزمات الخارجية، والعمل على حسن استغلال الطاقات والموارد الوطنية المتوفرة بما يضمن استمرارية الإنتاج، ودعم النمو، وتحقيق التوازنات الاقتصادية على المدى الطويل.
■ إلى أي مدى يمكن أن تساهم الإصلاحات التشريعية والإدارية في تحسين مناخ الاستثمار وتعزيز صمود الاقتصاد الوطني؟
التوجهات الإصلاحية الحالية تقوم على تقليص ثقل التراتيب والإجراءات الإدارية، إلى جانب بناء منظومة تشريعية جديدة تهدف إلى دفع عجلة الاقتصاد الوطني وتشجيع الاستثمار الخاص وتسهيل النشاط الاقتصادي. هذه الإصلاحات من شأنها تعزيز قدرة المؤسسات والاقتصاد الوطني على الصمود أمام الأزمات والصدمات، عبر توفير مناخ اقتصادي أكثر مرونة ونجاعة وداعما للقدرة التنافسية.
■ هل تمتلك تونس منظومة فعالة لإدارة المخاطر الطاقية في ظل الأزمات والتوترات الدولية؟
مسألة إدارة المخاطر الطاقية أصبحت اليوم من أبرز التحديات المطروحة، خاصة بالنسبة للدول الموردة للطاقة على غرار تونس، والتي تجد نفسها في وضعية هشاشة أمام التقلبات والأزمات الدولية. لذلك، يعد العمل على تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي والاستثمار في الطاقات المتجددة خيارا أساسيا لتعزيز الاستقلالية الطاقية وتقليص التبعية للخارج، إلى جانب العمل على تدعيم المخزونات الاستراتيجية من المواد الأساسية. وفي هذا السياق، تؤكد الحرب القائمة في الشرق الأوسط البعد الطاقي للصراعات وتأثيرها المباشر على أمن الطاقة والأسعار والتوازنات الاقتصادية.