إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الصين توسّع الإعفاءات الجمركية تجاه إفريقيا.. تونس أمام فرصة تنويع وجهات التصدير وتقليص الاعتماد على الأسواق التقليدية

في سياق يعكس استمرار التحوّل في السياسة التجارية الصينية تجاه القارة الإفريقية، أعلنت بكين مطلع شهر ماي الجاري عن قرار يقضي بإعفاء جمركي كامل على وارداتها من 53 دولة إفريقية تربطها بها علاقات دبلوماسية، من بينها تونس. ويأتي هذا الإجراء ضمن توجه استراتيجي أوسع تتبناه الصين بهدف تعزيز حضورها الاقتصادي والاستثماري في إفريقيا، عبر تسهيل نفاذ المنتجات الإفريقية إلى سوقها الضخمة ودعم انسيابية التبادل التجاري بين الجانبين، بما يرسّخ موقع القارة كشريك اقتصادي متنامٍ الأهمية في الحسابات الصينية.

ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها فرصة واعدة أمام الدول الإفريقية، خصوصًا تلك التي تسعى إلى تنويع شركائها التجاريين وتقليص العجز في موازينها التجارية، غير أنها تطرح في المقابل تحديات مرتبطة بقدرة هذه الاقتصاديات، ومنها الاقتصاد التونسي، على استغلال هذا الانفتاح وتحويله إلى مكاسب فعلية على مستوى الصادرات والنمو والتنمية. كما تعكس هذه السياسة رغبة صينية في إعادة تشكيل علاقاتها التجارية مع إفريقيا على أسس أكثر مرونة وانفتاحًا، بما يدعم حركة المبادلات ويعزز التكامل الاقتصادي بين الجانبين.

تعزيز الشراكة

ويأتي هذا القرار في امتداد لتوجهات أعلن عنها الرئيس الصيني شي جين بينغ في رسالة تهنئة وجهها بمناسبة انعقاد القمة التاسعة والثلاثين للاتحاد الإفريقي في فيفري الماضي، حيث أكد أن تعزيز الشراكة مع الدول الإفريقية يمثل خيارًا استراتيجيًا طويل المدى، يقوم على تطوير التعاون الاقتصادي وتوسيع مجالاته. وقد شدد على أن هذا المسار يندرج ضمن رؤية صينية تسعى إلى بناء علاقات تجارية أكثر توازنًا مع دول القارة، من خلال دعم المبادلات وتوسيع فرص الاستثمار، إلى جانب مواصلة إبرام اتفاقيات تعاون جديدة تدعم مسارات التنمية المشتركة.

وتُظهر المعطيات أن هذه السياسة ليست وليدة اللحظة، إذ دخلت حيّز التنفيذ فعليًا ابتداءً من 1 ديسمبر 2024، عندما شملت في مرحلتها الأولى 33 دولة إفريقية تُصنّف ضمن أقل البلدان نموًا، حيث تم إقرار إعفاء جمركي كامل لكافة فئات المنتجات. وقد مكّن هذا الإجراء تلك الدول من تعزيز قدرتها التصديرية نحو السوق الصينية وتقليص الكلفة التجارية، في إطار مقاربة صينية تعتمد على أدوات تجارية مباشرة لدعم التنمية وتعزيز الاندماج في الاقتصاد العالمي.

تعميم الإعفاء

ومع توسع هذا التوجه، قررت الصين لاحقًا تعميم الإعفاء ليشمل 20 دولة إفريقية إضافية لا تنتمي إلى فئة أقل البلدان نموًا، من بينها تونس، وذلك عبر منحها معاملة تفضيلية تتمثل في إعفاء جمركي كامل لمدة عامين. ويُنتظر أن يسهم هذا الامتياز في فتح مجالات جديدة أمام الصادرات الإفريقية نحو السوق الصينية، وتعزيز قدرة المنتجات على المنافسة، إلى جانب دعم موقع القارة كشريك تجاري أساسي في الاستراتيجية الاقتصادية لبكين.

تبسيط إجراءات الاستيراد

وفي ما يتعلق بتونس، يُتوقع أن يفتح هذا القرار آفاقًا أوسع أمام صادراتها نحو السوق الصينية، لا سيما في قطاع زيت الزيتون الذي يُعد من أبرز المنتجات الفلاحية التونسية وأكثرها قدرة على المنافسة عالميًا. كما يتيح هذا الانفتاح فرصة للاستفادة من الطلب المتزايد في الصين على المنتجات الغذائية الصحية وذات الجودة العالية، بما يعزز حضور المنتوج التونسي في واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم، ويساهم في تنويع وجهات التصدير وتقليص الاعتماد على الأسواق التقليدية.

وفي هذا الإطار، شهدت الفترة الماضية تحركات دبلوماسية داعمة لهذا التوجه، حيث تم تسجيل تنسيق بين السفارة الصينية في تونس والجهات الجمركية في الصين بهدف تبسيط إجراءات الاستيراد وتوضيح متطلبات النفاذ إلى السوق الصينية، بما في ذلك معايير الرقابة الصحية والجودة. ويُعد هذا التعاون خطوة مهمة لتسهيل دخول المنتجات التونسية، خصوصًا زيت الزيتون، وفق الشروط المعتمدة، وتقليص العقبات الإجرائية والتقنية التي قد تعترض عمليات التصدير.

كما أولت الصين اهتمامًا متزايدًا بالإجراءات غير الجمركية، عبر مراجعة وتحديث اللوائح المنظمة لتسجيل الشركات الأجنبية المصدّرة للمواد الغذائية، بهدف تسهيل دخول المنتجات ذات الجودة العالية إلى السوق الصينية، وقد انعكس هذا التطور بشكل إيجابي على الحضور التونسي، حيث تم تسجيل ارتفاع ملحوظ في عدد الشركات التونسية الناشطة في قطاع زيت الزيتون والمسجلة لدى السلطات الصينية، ما يعكس تنامي الثقة في هذا السوق وتزايد اهتمام الفاعلين الاقتصاديين التونسيين به.

ودعت السفارة الصينية في تونس مركز النهوض بالصادرات إلى ترشيح عدد من كبرى الشركات التونسية العاملة في قطاع زيت الزيتون، قصد مرافقتها ميدانيًا وتسهيل إجراءات التسجيل والتصدير، بما يساهم في تذليل الصعوبات الإدارية والفنية. ومن المنتظر أن يواكب هذا التعاون مزيد من التنسيق الثنائي خلال المرحلة المقبلة، بهدف تسريع دخول المنتجات الزراعية والغذائية التونسية إلى السوق الصينية، وتشجيع تنويع الصادرات بما يتيح الاستفادة من الإمكانات الكبيرة التي يوفرها هذا السوق.

تعزيز العلاقات الاقتصادية بين تونس والصين

وتعزز هذه التطورات صورة العلاقات الاقتصادية بين تونس والصين، التي سجلت خلال سنة 2024 مبادلات تجارية بقيمة تُقدّر بنحو 9,2 مليار دينار تونسي، بنمو بلغ 8 بالمائة مقارنة بسنة 2023. ورغم هذا النمو، لا يزال الميزان التجاري يميل لفائدة الصين، ما يعكس الحاجة إلى تعزيز الصادرات التونسية نحو هذا السوق.

وتشير بيانات مركز النهوض بالصادرات إلى وجود فرص تصديرية غير مستغلة تُقدّر بأكثر من 214 مليون دولار أمريكي، تشمل قطاعات واعدة على غرار زيت الزيتون بحوالي 20 مليون دولار، والمنتجات البحرية بنحو 15 مليون دولار، والتمور بما يقارب 2,5 مليون دولار. وتبرز هذه الأرقام حجم الإمكانات المتاحة أمام الاقتصاد التونسي لتعزيز حضوره في السوق الصينية، بما يساهم في تقليص العجز التجاري ودعم التوازن في المبادلات، عبر استثمار أفضل للفرص المتوفرة وتطوير القدرة التنافسية للصادرات الوطنية في الأسواق الآسيوية الكبرى.

جهاد الكلبوسي

الصين توسّع الإعفاءات الجمركية تجاه إفريقيا..   تونس أمام فرصة تنويع وجهات التصدير وتقليص الاعتماد على الأسواق التقليدية

في سياق يعكس استمرار التحوّل في السياسة التجارية الصينية تجاه القارة الإفريقية، أعلنت بكين مطلع شهر ماي الجاري عن قرار يقضي بإعفاء جمركي كامل على وارداتها من 53 دولة إفريقية تربطها بها علاقات دبلوماسية، من بينها تونس. ويأتي هذا الإجراء ضمن توجه استراتيجي أوسع تتبناه الصين بهدف تعزيز حضورها الاقتصادي والاستثماري في إفريقيا، عبر تسهيل نفاذ المنتجات الإفريقية إلى سوقها الضخمة ودعم انسيابية التبادل التجاري بين الجانبين، بما يرسّخ موقع القارة كشريك اقتصادي متنامٍ الأهمية في الحسابات الصينية.

ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها فرصة واعدة أمام الدول الإفريقية، خصوصًا تلك التي تسعى إلى تنويع شركائها التجاريين وتقليص العجز في موازينها التجارية، غير أنها تطرح في المقابل تحديات مرتبطة بقدرة هذه الاقتصاديات، ومنها الاقتصاد التونسي، على استغلال هذا الانفتاح وتحويله إلى مكاسب فعلية على مستوى الصادرات والنمو والتنمية. كما تعكس هذه السياسة رغبة صينية في إعادة تشكيل علاقاتها التجارية مع إفريقيا على أسس أكثر مرونة وانفتاحًا، بما يدعم حركة المبادلات ويعزز التكامل الاقتصادي بين الجانبين.

تعزيز الشراكة

ويأتي هذا القرار في امتداد لتوجهات أعلن عنها الرئيس الصيني شي جين بينغ في رسالة تهنئة وجهها بمناسبة انعقاد القمة التاسعة والثلاثين للاتحاد الإفريقي في فيفري الماضي، حيث أكد أن تعزيز الشراكة مع الدول الإفريقية يمثل خيارًا استراتيجيًا طويل المدى، يقوم على تطوير التعاون الاقتصادي وتوسيع مجالاته. وقد شدد على أن هذا المسار يندرج ضمن رؤية صينية تسعى إلى بناء علاقات تجارية أكثر توازنًا مع دول القارة، من خلال دعم المبادلات وتوسيع فرص الاستثمار، إلى جانب مواصلة إبرام اتفاقيات تعاون جديدة تدعم مسارات التنمية المشتركة.

وتُظهر المعطيات أن هذه السياسة ليست وليدة اللحظة، إذ دخلت حيّز التنفيذ فعليًا ابتداءً من 1 ديسمبر 2024، عندما شملت في مرحلتها الأولى 33 دولة إفريقية تُصنّف ضمن أقل البلدان نموًا، حيث تم إقرار إعفاء جمركي كامل لكافة فئات المنتجات. وقد مكّن هذا الإجراء تلك الدول من تعزيز قدرتها التصديرية نحو السوق الصينية وتقليص الكلفة التجارية، في إطار مقاربة صينية تعتمد على أدوات تجارية مباشرة لدعم التنمية وتعزيز الاندماج في الاقتصاد العالمي.

تعميم الإعفاء

ومع توسع هذا التوجه، قررت الصين لاحقًا تعميم الإعفاء ليشمل 20 دولة إفريقية إضافية لا تنتمي إلى فئة أقل البلدان نموًا، من بينها تونس، وذلك عبر منحها معاملة تفضيلية تتمثل في إعفاء جمركي كامل لمدة عامين. ويُنتظر أن يسهم هذا الامتياز في فتح مجالات جديدة أمام الصادرات الإفريقية نحو السوق الصينية، وتعزيز قدرة المنتجات على المنافسة، إلى جانب دعم موقع القارة كشريك تجاري أساسي في الاستراتيجية الاقتصادية لبكين.

تبسيط إجراءات الاستيراد

وفي ما يتعلق بتونس، يُتوقع أن يفتح هذا القرار آفاقًا أوسع أمام صادراتها نحو السوق الصينية، لا سيما في قطاع زيت الزيتون الذي يُعد من أبرز المنتجات الفلاحية التونسية وأكثرها قدرة على المنافسة عالميًا. كما يتيح هذا الانفتاح فرصة للاستفادة من الطلب المتزايد في الصين على المنتجات الغذائية الصحية وذات الجودة العالية، بما يعزز حضور المنتوج التونسي في واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم، ويساهم في تنويع وجهات التصدير وتقليص الاعتماد على الأسواق التقليدية.

وفي هذا الإطار، شهدت الفترة الماضية تحركات دبلوماسية داعمة لهذا التوجه، حيث تم تسجيل تنسيق بين السفارة الصينية في تونس والجهات الجمركية في الصين بهدف تبسيط إجراءات الاستيراد وتوضيح متطلبات النفاذ إلى السوق الصينية، بما في ذلك معايير الرقابة الصحية والجودة. ويُعد هذا التعاون خطوة مهمة لتسهيل دخول المنتجات التونسية، خصوصًا زيت الزيتون، وفق الشروط المعتمدة، وتقليص العقبات الإجرائية والتقنية التي قد تعترض عمليات التصدير.

كما أولت الصين اهتمامًا متزايدًا بالإجراءات غير الجمركية، عبر مراجعة وتحديث اللوائح المنظمة لتسجيل الشركات الأجنبية المصدّرة للمواد الغذائية، بهدف تسهيل دخول المنتجات ذات الجودة العالية إلى السوق الصينية، وقد انعكس هذا التطور بشكل إيجابي على الحضور التونسي، حيث تم تسجيل ارتفاع ملحوظ في عدد الشركات التونسية الناشطة في قطاع زيت الزيتون والمسجلة لدى السلطات الصينية، ما يعكس تنامي الثقة في هذا السوق وتزايد اهتمام الفاعلين الاقتصاديين التونسيين به.

ودعت السفارة الصينية في تونس مركز النهوض بالصادرات إلى ترشيح عدد من كبرى الشركات التونسية العاملة في قطاع زيت الزيتون، قصد مرافقتها ميدانيًا وتسهيل إجراءات التسجيل والتصدير، بما يساهم في تذليل الصعوبات الإدارية والفنية. ومن المنتظر أن يواكب هذا التعاون مزيد من التنسيق الثنائي خلال المرحلة المقبلة، بهدف تسريع دخول المنتجات الزراعية والغذائية التونسية إلى السوق الصينية، وتشجيع تنويع الصادرات بما يتيح الاستفادة من الإمكانات الكبيرة التي يوفرها هذا السوق.

تعزيز العلاقات الاقتصادية بين تونس والصين

وتعزز هذه التطورات صورة العلاقات الاقتصادية بين تونس والصين، التي سجلت خلال سنة 2024 مبادلات تجارية بقيمة تُقدّر بنحو 9,2 مليار دينار تونسي، بنمو بلغ 8 بالمائة مقارنة بسنة 2023. ورغم هذا النمو، لا يزال الميزان التجاري يميل لفائدة الصين، ما يعكس الحاجة إلى تعزيز الصادرات التونسية نحو هذا السوق.

وتشير بيانات مركز النهوض بالصادرات إلى وجود فرص تصديرية غير مستغلة تُقدّر بأكثر من 214 مليون دولار أمريكي، تشمل قطاعات واعدة على غرار زيت الزيتون بحوالي 20 مليون دولار، والمنتجات البحرية بنحو 15 مليون دولار، والتمور بما يقارب 2,5 مليون دولار. وتبرز هذه الأرقام حجم الإمكانات المتاحة أمام الاقتصاد التونسي لتعزيز حضوره في السوق الصينية، بما يساهم في تقليص العجز التجاري ودعم التوازن في المبادلات، عبر استثمار أفضل للفرص المتوفرة وتطوير القدرة التنافسية للصادرات الوطنية في الأسواق الآسيوية الكبرى.

جهاد الكلبوسي