إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في الدورة الأربعين لمعرض الكتاب.. الخط العربي يفتح نوافذ الفن ويعيد الاعتبار لروح الحرف

ياسين المقراني، مدير المركز الوطني لفنون الخط لـ«الصباح»: الحضور الجماهيري دليلًا على أن الخط العربي لم يفقد جاذبيته، بل أعاد تشكيلها داخل سياقات جديدة.

مع اقتراب اختتام الدورة الأربعين من معرض تونس الدولي للكتاب يوم 3 ماي الجاري، تتكثف حركة الزوار داخل قصر المعارض بالكرم في ما يشبه سباقًا مع الزمن لالتقاط ما تبقى من تفاصيل هذه التظاهرة الثقافية. فبعض الفضاءات فرضت إيقاعًا مختلفًا ومتنوعًا، من بينها معرض الخط العربي الذي يبدو كأنه ينسحب من منطق السرعة ليقترح تجربة قائمة على التمهل والتأمل، أين لا يُنظر إلى الأعمال بنظرة عابرة، بل تُقرأ بصريًا كما تُقرأ النصوص، حرفًا حرفًا، وتفصيلًا تفصيلًا، في مشهد يعيد طرح مكانة هذا الفن في زمن تتسارع فيه الصور وتُختزل فيه المعاني، ويجعل من الحرف العربي ليس مجرد عنصر جمالي، بل مدخلًا للتفكير في علاقة الإنسان بلغته وهويته وذاكرته البصرية، وهي علاقة تبدو اليوم في حاجة إلى إعادة بناء في ظل هيمنة الوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعي على أنماط التعبير المعاصر.

هذا المعرض الذي يشرف عليه المركز الوطني لفنون الخط التابع للمعهد الوطني للتراث بوزارة الشؤون الثقافية، يأتي في صيغة تجمع بين العرض الفني والتكوين الأكاديمي، حيث إنّ الأعمال المعروضة لا تُقرأ فقط كمنتوج نهائي، بل كأثر لمسار تعليمي طويل يمر عبر ثلاث سنوات من التكوين، قبل أن يصل الطالب في سنته الرابعة إلى مرحلة التخصص، فيختار مجالين من بين ستة خطوط رئيسية يشتغل عليها المركز، وهي الخط التونسي والمغربي، وخطا النسخ والثلث، وخطا الرقعة والديواني، ليقدّم في النهاية لوحات تمثل خلاصة تجربته، وهو ما يجعل من المعرض في جوهره ليس مجرد عرض جمالي، بل وثيقة بصرية لمسارات تشكل جيلًا جديدًا من الخطاطين، يحاول أن يوازن بين صرامة القواعد التقليدية وإغراءات التجريب المعاصر.

لكن هذا الغنى في المحتوى واجه في الواقع تحديًا لوجستيًا مباشرًا تمثل في ضيق المساحة المخصصة للمعرض داخل قصر المعارض، وهو ما ينعكس بشكل واضح على طريقة تقديم الأعمال، إذ بدت اللوحات في كثير من الأحيان متقاربة إلى درجة تجعل العين تنتقل بسرعة من عمل إلى آخر دون أن تحصل على المسافة الضرورية للتأمل الكامل.

كما أن توزيع الأعمال على الحوامل الخشبية وتعليق بعضها على الجدران يتم في صيغة كثيفة نسبيًا، ما يخلق نوعًا من التراكم البصري الذي قد يُربك الزائر غير المتخصص، رغم أنّه – وفي المقابل – منح الفضاء طاقة خاصة تشبه ورشة مفتوحة أكثر من كونه قاعة عرض تقليدية، أين تداخلت الأصوات والحركة والألوان في مشهد حيّ يعكس حيوية هذا الفن رغم محدودية شروط العرض، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، وفي قلب هذا الفضاء، لا تبدو الأعمال متشابهة رغم انتمائها إلى نفس المؤسسة التكوينية، بل تكشف عن تنوع لافت في الأساليب والاختيارات الجمالية، فهناك من يلتزم حرفيًا بقواعد الخط الكلاسيكي، محافظًا على التوازنات الدقيقة بين الحروف والمسافات والانحناءات، وهناك من يذهب نحو مساحات أكثر تحررًا، حيث يصبح الحرف عنصرًا تشكيليًا قريبًا من الفن التجريدي، دون أن يفقد صلته بالبنية الأصلية للكتابة العربية، وهذا التباين لا يعكس فقط اختلافًا في الذائقة، بل أيضًا اختلافًا في مقاربة العلاقة بين التراث والمعاصرة، بين ما يُحفظ وما يُعاد ابتكاره، وهو ما يمنح المعرض بعدًا تحليليًا يتجاوز حدود العرض البصري إلى مساءلة موقع الخط العربي اليوم داخل المشهد الثقافي.

ورغم هذا الطابع الأكاديمي الواضح، فإن المعرض لم يبق محصورًا داخل دائرة الطلبة أو المختصين، بل شهد إقبالًا جماهيريًا لافتًا، حيث يتقاطع داخله جمهور متنوع من حيث العمر والخلفية والاهتمام، من أطفال يتعاملون مع الحرف بوصفه اكتشافًا بصريًا، إلى شباب يبحثون عن مسارات فنية بديلة، وصولًا إلى زوار يعيدون ربط الخط بذاكرة ثقافية أوسع. وهذا الإقبال الذي فاق توقعات المنظمين يكشف عن مفارقة لافتة، مفادها أن الفنون التقليدية، رغم كل ما يُقال عن تراجعها أمام التكنولوجيا، لا تزال قادرة على استقطاب اهتمام واسع حين تُقدَّم في سياق حيّ وتفاعلي، وهو ما أكّده ياسين المقراني، مدير المركز الوطني لفنون الخط، الذي يرى في هذا الحضور الجماهيري دليلًا على أن الخط العربي لم يفقد جاذبيته، بل أعاد تشكيلها داخل سياقات جديدة، معتبرًا في تصريحه لـ«الصباح» أن هذا المعرض يمثل «استعادة للأصالة في زمن التكنولوجيا»، وهي عبارة تختصر فكرة أساسية مفادها أن التقدم التكنولوجي لا يلغي بالضرورة الحاجة إلى الفنون اليدوية، بل قد يعيد إبراز قيمتها بوصفها فضاءات للبطء والتأمل.

هذا التوتر بين الأصالة والتكنولوجيا لا يتجلى فقط في مضمون الأعمال، بل أيضًا في سياق الدورة الأربعين لمعرض الكتاب نفسه، الذي اختار أن يجعل من الخط العربي محورًا لهويته البصرية، في خطوة ذات دلالة رمزية واضحة، حيث تم تكليف الفنان والخطاط نجا المهداوي بتصميم الملصق الرسمي للدورة، بما يحمله من رؤية حداثية للحرف العربي تتجاوز الإطار التقليدي، كما تم إصدار طابع بريدي تذكاري مستوحى من هذا العمل، في محاولة لنقل الخط من فضاء المعرض إلى الحياة اليومية. أما معرض «إيقاع الحروف: فنون الخط في تونس تجارب واتجاهات»، فقد جاء ليقدّم قراءة شاملة لتطور هذا الفن في تونس، من خلال عرض تجارب متعددة تعكس اختلاف المدارس والرؤى بين الحفاظ على القواعد والانفتاح على التجريب.

وفي موازاة ذلك، أضاف البرنامج الثقافي بعدًا آخر لهذا الحضور عبر ورشات تفاعلية تستكشف إمكانيات إدماج الذكاء الاصطناعي في فنون الخط العربي، وهو خيار يبدو في ظاهره مفارقًا، لكنه في العمق يعكس محاولة لطرح سؤال جوهري عن مستقبل هذا الفن، وكيف يمكن له أن يتعايش مع أدوات العصر دون أن يفقد هويته، فبدل أن يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كبديل، يتم التعامل معه كوسيط يمكن أن يفتح إمكانيات جديدة للتفكير في الحرف، وهو ما يضع الخط العربي داخل نقاش أوسع عن مستقبل الفنون اليدوية في عصر الرقمنة.

إيمان عبد اللطيف

في الدورة الأربعين لمعرض الكتاب.. الخط العربي يفتح نوافذ الفن ويعيد الاعتبار لروح الحرف

ياسين المقراني، مدير المركز الوطني لفنون الخط لـ«الصباح»: الحضور الجماهيري دليلًا على أن الخط العربي لم يفقد جاذبيته، بل أعاد تشكيلها داخل سياقات جديدة.

مع اقتراب اختتام الدورة الأربعين من معرض تونس الدولي للكتاب يوم 3 ماي الجاري، تتكثف حركة الزوار داخل قصر المعارض بالكرم في ما يشبه سباقًا مع الزمن لالتقاط ما تبقى من تفاصيل هذه التظاهرة الثقافية. فبعض الفضاءات فرضت إيقاعًا مختلفًا ومتنوعًا، من بينها معرض الخط العربي الذي يبدو كأنه ينسحب من منطق السرعة ليقترح تجربة قائمة على التمهل والتأمل، أين لا يُنظر إلى الأعمال بنظرة عابرة، بل تُقرأ بصريًا كما تُقرأ النصوص، حرفًا حرفًا، وتفصيلًا تفصيلًا، في مشهد يعيد طرح مكانة هذا الفن في زمن تتسارع فيه الصور وتُختزل فيه المعاني، ويجعل من الحرف العربي ليس مجرد عنصر جمالي، بل مدخلًا للتفكير في علاقة الإنسان بلغته وهويته وذاكرته البصرية، وهي علاقة تبدو اليوم في حاجة إلى إعادة بناء في ظل هيمنة الوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعي على أنماط التعبير المعاصر.

هذا المعرض الذي يشرف عليه المركز الوطني لفنون الخط التابع للمعهد الوطني للتراث بوزارة الشؤون الثقافية، يأتي في صيغة تجمع بين العرض الفني والتكوين الأكاديمي، حيث إنّ الأعمال المعروضة لا تُقرأ فقط كمنتوج نهائي، بل كأثر لمسار تعليمي طويل يمر عبر ثلاث سنوات من التكوين، قبل أن يصل الطالب في سنته الرابعة إلى مرحلة التخصص، فيختار مجالين من بين ستة خطوط رئيسية يشتغل عليها المركز، وهي الخط التونسي والمغربي، وخطا النسخ والثلث، وخطا الرقعة والديواني، ليقدّم في النهاية لوحات تمثل خلاصة تجربته، وهو ما يجعل من المعرض في جوهره ليس مجرد عرض جمالي، بل وثيقة بصرية لمسارات تشكل جيلًا جديدًا من الخطاطين، يحاول أن يوازن بين صرامة القواعد التقليدية وإغراءات التجريب المعاصر.

لكن هذا الغنى في المحتوى واجه في الواقع تحديًا لوجستيًا مباشرًا تمثل في ضيق المساحة المخصصة للمعرض داخل قصر المعارض، وهو ما ينعكس بشكل واضح على طريقة تقديم الأعمال، إذ بدت اللوحات في كثير من الأحيان متقاربة إلى درجة تجعل العين تنتقل بسرعة من عمل إلى آخر دون أن تحصل على المسافة الضرورية للتأمل الكامل.

كما أن توزيع الأعمال على الحوامل الخشبية وتعليق بعضها على الجدران يتم في صيغة كثيفة نسبيًا، ما يخلق نوعًا من التراكم البصري الذي قد يُربك الزائر غير المتخصص، رغم أنّه – وفي المقابل – منح الفضاء طاقة خاصة تشبه ورشة مفتوحة أكثر من كونه قاعة عرض تقليدية، أين تداخلت الأصوات والحركة والألوان في مشهد حيّ يعكس حيوية هذا الفن رغم محدودية شروط العرض، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، وفي قلب هذا الفضاء، لا تبدو الأعمال متشابهة رغم انتمائها إلى نفس المؤسسة التكوينية، بل تكشف عن تنوع لافت في الأساليب والاختيارات الجمالية، فهناك من يلتزم حرفيًا بقواعد الخط الكلاسيكي، محافظًا على التوازنات الدقيقة بين الحروف والمسافات والانحناءات، وهناك من يذهب نحو مساحات أكثر تحررًا، حيث يصبح الحرف عنصرًا تشكيليًا قريبًا من الفن التجريدي، دون أن يفقد صلته بالبنية الأصلية للكتابة العربية، وهذا التباين لا يعكس فقط اختلافًا في الذائقة، بل أيضًا اختلافًا في مقاربة العلاقة بين التراث والمعاصرة، بين ما يُحفظ وما يُعاد ابتكاره، وهو ما يمنح المعرض بعدًا تحليليًا يتجاوز حدود العرض البصري إلى مساءلة موقع الخط العربي اليوم داخل المشهد الثقافي.

ورغم هذا الطابع الأكاديمي الواضح، فإن المعرض لم يبق محصورًا داخل دائرة الطلبة أو المختصين، بل شهد إقبالًا جماهيريًا لافتًا، حيث يتقاطع داخله جمهور متنوع من حيث العمر والخلفية والاهتمام، من أطفال يتعاملون مع الحرف بوصفه اكتشافًا بصريًا، إلى شباب يبحثون عن مسارات فنية بديلة، وصولًا إلى زوار يعيدون ربط الخط بذاكرة ثقافية أوسع. وهذا الإقبال الذي فاق توقعات المنظمين يكشف عن مفارقة لافتة، مفادها أن الفنون التقليدية، رغم كل ما يُقال عن تراجعها أمام التكنولوجيا، لا تزال قادرة على استقطاب اهتمام واسع حين تُقدَّم في سياق حيّ وتفاعلي، وهو ما أكّده ياسين المقراني، مدير المركز الوطني لفنون الخط، الذي يرى في هذا الحضور الجماهيري دليلًا على أن الخط العربي لم يفقد جاذبيته، بل أعاد تشكيلها داخل سياقات جديدة، معتبرًا في تصريحه لـ«الصباح» أن هذا المعرض يمثل «استعادة للأصالة في زمن التكنولوجيا»، وهي عبارة تختصر فكرة أساسية مفادها أن التقدم التكنولوجي لا يلغي بالضرورة الحاجة إلى الفنون اليدوية، بل قد يعيد إبراز قيمتها بوصفها فضاءات للبطء والتأمل.

هذا التوتر بين الأصالة والتكنولوجيا لا يتجلى فقط في مضمون الأعمال، بل أيضًا في سياق الدورة الأربعين لمعرض الكتاب نفسه، الذي اختار أن يجعل من الخط العربي محورًا لهويته البصرية، في خطوة ذات دلالة رمزية واضحة، حيث تم تكليف الفنان والخطاط نجا المهداوي بتصميم الملصق الرسمي للدورة، بما يحمله من رؤية حداثية للحرف العربي تتجاوز الإطار التقليدي، كما تم إصدار طابع بريدي تذكاري مستوحى من هذا العمل، في محاولة لنقل الخط من فضاء المعرض إلى الحياة اليومية. أما معرض «إيقاع الحروف: فنون الخط في تونس تجارب واتجاهات»، فقد جاء ليقدّم قراءة شاملة لتطور هذا الفن في تونس، من خلال عرض تجارب متعددة تعكس اختلاف المدارس والرؤى بين الحفاظ على القواعد والانفتاح على التجريب.

وفي موازاة ذلك، أضاف البرنامج الثقافي بعدًا آخر لهذا الحضور عبر ورشات تفاعلية تستكشف إمكانيات إدماج الذكاء الاصطناعي في فنون الخط العربي، وهو خيار يبدو في ظاهره مفارقًا، لكنه في العمق يعكس محاولة لطرح سؤال جوهري عن مستقبل هذا الفن، وكيف يمكن له أن يتعايش مع أدوات العصر دون أن يفقد هويته، فبدل أن يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كبديل، يتم التعامل معه كوسيط يمكن أن يفتح إمكانيات جديدة للتفكير في الحرف، وهو ما يضع الخط العربي داخل نقاش أوسع عن مستقبل الفنون اليدوية في عصر الرقمنة.

إيمان عبد اللطيف