يعود مجددًا الملف الاجتماعي إلى صدارة الاهتمامات الوطنية من خلال اجتماع قصر قرطاج الأخير الذي أشرف عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، والذي خصص للنظر في تطبيق أحكام الفصل 15 من قانون المالية لسنة 2026 والمتعلق بالترفيع في الأجور في القطاعين العام والخاص، إلى جانب تحسين جرايات المتقاعدين عن سنوات 2026 و2027 و2028. وهو ما تجسد فعليا بعد ان صدرت أمس الأوامر المتعلقة بالترفيع في الأجور في القطاعين العام والخاص بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، في خطوة أسعدت الشغالين بمختلف اختصاصاتهم وتنوع فئاتهم.
ويُعتبر صدور الأوامر المتعلقة بالترفيع في الأجور في القطاعين العام والخاص ، في هذا الظرف بالذات إجراء ذا أهمية بالغة، في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية. إذ يندرج هذا القرار في إطار دعم القدرة الشرائية للمواطنين، والتخفيف من وطأة ارتفاع كلفة المعيشة، وضمان الكرامة الاجتماعية. كما من شأنه الإسهام في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، فضلاً عن تحفيز النشاط الاقتصادي عبر تنشيط الاستهلاك الداخلي. ويعكس هذا التوجه حرص الدولة على تكريس مبادئ العدالة الاجتماعية وتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لمشاغل الفئات الشغيلة.
وتكتسي رمزية صدور الأوامر المتعلقة بالترفيع في الأجور في القطاعين العام والخاص أهمية خاصة ضمن المسار الذي ينتهجه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، حيث يعكس هذا القرار توجهاً سياسياً واضحاً نحو الاستجابة السريعة للمطالب الاجتماعية الملحّة. ويُبرز حرص رئيس الدولة على التسريع في معالجة ملف الزيادة في الأجور باعتباره أولوية وطنية، تهدف إلى دعم القدرة الشرائية وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية. كما تمثل هذه الخطوة إشارة قوية إلى التزام الدولة بالإنصات لانشغالات المواطنين وتعزيز الثقة في مؤسساتها في ظرف اقتصادي دقيق.
وفي سياق متصل يمثل حرص رئيس الجمهورية قيس سعيّد على صدور الأوامر المتعلقة بالترفيع في الأجور في القطاعين العام والخاص قبل يوم واحد من الاحتفال بعيد الشغل رسالة طمأنة واضحة لفائدة الشغالين في تونس. فهذه الخطوة تعكس اهتمام الدولة بتحسين القدرة الشرائية للمواطنين في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، كما تؤكد التزام السلطة بدعم الفئات العاملة وتقدير جهودها. ويكتسي هذا القرار بعداً رمزياً مهماً، إذ يتزامن مع مناسبة وطنية تحتفي بقيمة العمل، مما يعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة ويدعم الاستقرار الاجتماعي.
وقد عكس هذا المسار توجه الدولة في أعلى هرمها نحو ترسيخ مقاربة اجتماعية جديدة تقوم على إعادة الاعتبار لقيمة العمل وتحقيق قدر أكبر من العدالة والإنصاف وربط الإصلاح الاقتصادي بالحماية الاجتماعية.
فالمرحلة الراهنة، بما تفرضه من تحديات اقتصادية وضغوط اجتماعية، تجعل من تحسين القدرة الشرائية للمواطن واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة أولوية لا تحتمل التأجيل.
وضمن هذه المقاربة، يبدو أن تفعيل الترفيع في الأجور إلى جانب فتح باب الانتداب للمعطلين عن العمل وفق معايير عادلة وشفافة جزء من مشروع سياسي شامل تسعى الدولة في أعلى هرمها إلى تكريسه عبر القطع مع سياسة الامتيازات والولاءات وبناء دولة اجتماعية تعلى فيها قيمة العمل، بما من شأنه بلوغ العدالة الاجتماعية المنشودة.
ترميم التوازن الاجتماعي
في هذا الخصوص، عكس اجتماع قرطاج الأخير الذي أشرف عليه رئيس الدولة قيس سعيّد، بحضور كل من رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزيرة المالية مشكاة سلامة الخالدي ووزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر ووزير التشغيل والتكوين المهني رياض شوّد، توجه الدولة نحو إعادة صياغة علاقتها بالمواطن على أساس جديد يقوم على الإنصاف الاجتماعي واستعادة قيمة العمل وربط الحقوق بالعدالة.
فالخوض في مسائل من قبيل الترفيع في الأجور في القطاعين العام والخاص وتحسين جرايات المتقاعدين لسنوات 2026 و2027 و2028 يندرج ضمن رؤية أشمل يسعى من خلالها رئيس الدولة قيس سعيّد إلى ترميم التوازن الاجتماعي الذي اهتز لسنوات، وإعادة الاعتبار لفئات كانت على مدار عقود خارج دائرة الاهتمام الفعلي للدولة.
وهذا التوجه لا ينفصل في جوهره عن الرؤية السياسية التي يتبناها رئيس الجمهورية قيس سعيّد، والتي تقوم على فكرة الدولة الاجتماعية العادلة التي تسعى إلى تحقيق الحد الأدنى من العدالة وحماية الفئات الضعيفة وإعادة الاعتبار للعمل كقيمة وطنية.
الترفيع في الأجور..
ومن هذا المنطلق جاء الإعلان عن الترفيع في الأجور في القطاعين العام والخاص عبر تطبيق الفصل 15 من قانون المالية لسنة 2026 ثم صدور أوامره بالرائد الرسمي كعنوان لمرحلة تسعى فيها الدولة في أعلى هرمها إعادة ترتيب الأولويات الوطنية من خلال تحسين الوضع الاجتماعي للمواطن، بما من شأنه أن يفضي لاحقًا إلى استقرار وتوازن اجتماعي.
وفي نفس التوجه، برز في قلب اجتماع قرطاج ملف الانتدابات كأحد أكثر الملفات دقة وحساسية، خاصة مع تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على استكمال إعداد المنصة الخاصة بفتح باب انتداب المعطلين عن العمل ممن طالت بطالتهم وفق مقاييس تقوم على العدل والإنصاف والشفافية.
وهذا التوجه يحمل بعدًا سياسيًا هامًا لأنه يضع حدًا تدريجيًا لمنظومة الانتدابات المبنية على الولاءات والمحسوبية والرشوة، وهي إحدى أبرز مظاهر تراجع الدولة خلال السنوات الماضية، بما من شأنه أن يقطع كليًا مع كل مظاهر الفساد التي رافقت سير الانتدابات في غالب المرافق العمومية.
وفي السياق ذاته، لا يمكن فصل مسألة الترفيع في الأجور عن ملف الانتدابات داخل الإدارة، باعتبار أن إصلاح الوضع الاجتماعي لا يقتصر فقط على تحسين الأجور، وإنما يشمل أيضًا إعادة تنظيم الوظيفة العمومية على أسس أكثر عدلًا وشفافية. فالإدارة التي أُنهكت لسنوات بانتدابات غير متوازنة وغير قائمة دائمًا على احترام الصيغ القانونية، تحتاج اليوم إلى إعادة ترتيب داخلي يعيد لها نجاعتها وهيبتها، ويكرّس مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، حتى تصبح الوظيفة العمومية أداة لخدمة الدولة لا مجالًا لتوزيع الامتيازات وفق الولاء والمحسوبية.
وهنا حين تحدّث رئيس الدولة قيس سعيّد على هامش اجتماع قرطاج الأخير عن «وضع غير طبيعي» داخل الإدارة، فإنه يشدد على ضرورة القطع مع منظومة كاملة قامت على اعتبار الدولة غنيمة والإدارة مجالًا للنفوذ.
ومن هنا، فإن إعلاء قيمة العمل لا يعني فقط توفير مواطن شغل، بل إعادة الاعتبار لفكرة أن العمل حق يُنال بالكفاءة بعيدًا عن سياسة الوساطات، وأن الدولة يجب أن تكون طرفًا فاعلًا في ترسيخ قيم العدل والمساواة.
وفي السياق ذاته، يربط رئيس الدولة قيس سعيّد باستمرار بين الملف الاجتماعي ومعركة السيادة الوطنية، وهي مقاربة تبدو واضحة في مختلف تصريحاته الرسمية، حيث يعتبر أن الفساد والعمالة هي إشكاليات تعيق تحقيق العدالة الاجتماعية.
وهنا يتجلى ملف مكافحة الفساد كملف لا يمكن فصله عن مسألة الترفيع في الأجور أو التشغيل، على اعتبار أنه لا يمكن بناء سياسة اجتماعية ناجعة في ظل اقتصاد موازٍ، أو في ظل إدارات تُدار بمنطق المصالح الشخصية الضيقة، أو في ظل شبكات نفوذ تعرقل كل مسار إصلاحي يمس من امتيازاتها.
ومن هذا المنطلق، تبدو مسألة الأجور والتشغيل جزءًا من مسار أشمل أوسع عنوانه استعادة الدولة لهيبتها، وهو ما يؤكد عليه في مناسبات عديدة رئيس الجمهورية قيس سعيّد، على اعتبار أن السيادة الوطنية تتجاوز بعدها الخارجي لتتلخص في جملة من العوامل تنطلق من توزيع عادل للفرص، ومن حماية المال العام، والقطع كليًا مع كل مظاهر الفساد والمحسوبية التي نخرت الدولة على مدار عقود.
المتقاعدون في قلب المعادلة
من جهة أخرى، فإن إدراج جرايات المتقاعدين ضمن هذه الرؤية الممتدة إلى سنة 2028 يحمل بدوره دلالة سياسية واجتماعية هامة، كون فئة المتقاعدين غالبًا ما تكون الأكثر تأثرًا بارتفاع الأسعار والأقل قدرة على التكيّف مع مختلف التحولات الاقتصادية.
وبالتالي، فإن خوض رئيس الدولة قيس سعيّد في مسألة تحسين جراياتهم هو اعتراف بدورهم في بناء الدولة، ورسالة بأن الوفاء الاجتماعي لا يجب أن يكون انتقائيًا أو ظرفيًا.
ومن هنا، فإن إدماج هذه الفئة ضمن الإصلاح الاجتماعي يعكس إدراكًا أعمق لمفهوم العدالة الاجتماعية.
ورغم التحديات المالية التي تفرضها مثل هذه الخيارات، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والانتظارات الاجتماعية الملحة، فإن الرهان الحقيقي يكمن في القدرة على بناء نموذج اقتصادي جديد أكثر عدلًا وإنصافًا ونجاعة.
فالترفيع في الأجور وربطه مع مسارات إصلاحية تطال الإدارة، ومحاربة الفساد، وتنظيم الانتدابات، وتحفيز الإنتاج، يجعل من الملف جزءًا من مشروع متكامل يهدف إلى بناء دولة عادلة ومنصفة، وترنو إلى إعادة تأسيس عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطن.
نموذج اجتماعي جديد
في هذا الخضم، فإن ما يطرحه رئيس الجمهورية قيس سعيّد اليوم يتجاوز مجرد معالجة تقليدية لملف اجتماعي، ليطال محاولة بناء تصور جديد للدولة العادلة: دولة تسعى إلى تفعيل آلية الحماية الاجتماعية وضمان الحد الأدنى من الكرامة.
فالزيادة في الأجور، وتنظيم الانتدابات، وتحسين جرايات المتقاعدين، ومواجهة الفساد، لا يمكن النظر إليها كملفات منفصلة أو معزولة، وإنما هي أجزاء من معادلة واحدة عنوانها: إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة وترسيخ دولة القانون والمؤسسات، على أن الأهم هو بلوغ وترسيخ العدالة الاجتماعية المنشودة.
وفي بلد أنهكته سنوات من الارتباك السياسي والتجاذبات العقيمة، تبدو هذه المقاربة محاولة لإعادة توجيه النقاش الوطني نحو الأولويات الفعلية، والتي ترتكز على: التشغيل، والكرامة، والعدالة، واستعادة قيمة العمل وإعلائها.
وضمن هذا التمشي، فإن مسألة الإعلان عن الترفيع في الأجور ليست مجرد ملف اجتماعي عابر، بل هي عنوان سياسي لمرحلة جديدة تريد فيها تونس أن تعيد تعريف نفسها: دولة تحمي وتنصف، ودولة تعيد للعمل مكانته كأعلى تعبير عن المواطنة والانتماء.
أهمية إعلاء قيمة العمل
وفي هذا الإطار، لطالما يؤكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد في أكثر من مناسبة أن إعلاء قيمة العمل هو خيار سياسي واستراتيجي يرتبط ببناء الدولة نفسها واستعادة توازنها، إذ لا يمكن لدولة تسعى إلى العدالة والإنصاف أن تسمح باستمرار منطق الامتيازات المجانية أو الانتدابات القائمة على الولاءات والمحسوبية.
ومن هذا المنطلق، يصبح ربط التشغيل بالكفاءة والاستحقاق ضرورة وطنية، لأن تكريس ثقافة العمل المنتج يقطع مع عقلية الريع ويؤسس لمجتمع يقوم على الحقوق المرتبطة بالواجب، وعلى مبدأ أن الفرص يجب أن تُمنح لمن يستحقها لا لمن يملك النفوذ أو القرب من دوائر القرار.
فإعادة الاعتبار لقيمة العمل تعني في جوهرها إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وترسيخ قناعة بأن الجهد والإنتاج هما الطريق الفعلي للإنتاج الاجتماعي والمساهمة في بناء دولة عادلة وقوية.
منال حرزي
يعود مجددًا الملف الاجتماعي إلى صدارة الاهتمامات الوطنية من خلال اجتماع قصر قرطاج الأخير الذي أشرف عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، والذي خصص للنظر في تطبيق أحكام الفصل 15 من قانون المالية لسنة 2026 والمتعلق بالترفيع في الأجور في القطاعين العام والخاص، إلى جانب تحسين جرايات المتقاعدين عن سنوات 2026 و2027 و2028. وهو ما تجسد فعليا بعد ان صدرت أمس الأوامر المتعلقة بالترفيع في الأجور في القطاعين العام والخاص بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، في خطوة أسعدت الشغالين بمختلف اختصاصاتهم وتنوع فئاتهم.
ويُعتبر صدور الأوامر المتعلقة بالترفيع في الأجور في القطاعين العام والخاص ، في هذا الظرف بالذات إجراء ذا أهمية بالغة، في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية. إذ يندرج هذا القرار في إطار دعم القدرة الشرائية للمواطنين، والتخفيف من وطأة ارتفاع كلفة المعيشة، وضمان الكرامة الاجتماعية. كما من شأنه الإسهام في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، فضلاً عن تحفيز النشاط الاقتصادي عبر تنشيط الاستهلاك الداخلي. ويعكس هذا التوجه حرص الدولة على تكريس مبادئ العدالة الاجتماعية وتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لمشاغل الفئات الشغيلة.
وتكتسي رمزية صدور الأوامر المتعلقة بالترفيع في الأجور في القطاعين العام والخاص أهمية خاصة ضمن المسار الذي ينتهجه رئيس الجمهورية قيس سعيّد، حيث يعكس هذا القرار توجهاً سياسياً واضحاً نحو الاستجابة السريعة للمطالب الاجتماعية الملحّة. ويُبرز حرص رئيس الدولة على التسريع في معالجة ملف الزيادة في الأجور باعتباره أولوية وطنية، تهدف إلى دعم القدرة الشرائية وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية. كما تمثل هذه الخطوة إشارة قوية إلى التزام الدولة بالإنصات لانشغالات المواطنين وتعزيز الثقة في مؤسساتها في ظرف اقتصادي دقيق.
وفي سياق متصل يمثل حرص رئيس الجمهورية قيس سعيّد على صدور الأوامر المتعلقة بالترفيع في الأجور في القطاعين العام والخاص قبل يوم واحد من الاحتفال بعيد الشغل رسالة طمأنة واضحة لفائدة الشغالين في تونس. فهذه الخطوة تعكس اهتمام الدولة بتحسين القدرة الشرائية للمواطنين في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، كما تؤكد التزام السلطة بدعم الفئات العاملة وتقدير جهودها. ويكتسي هذا القرار بعداً رمزياً مهماً، إذ يتزامن مع مناسبة وطنية تحتفي بقيمة العمل، مما يعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة ويدعم الاستقرار الاجتماعي.
وقد عكس هذا المسار توجه الدولة في أعلى هرمها نحو ترسيخ مقاربة اجتماعية جديدة تقوم على إعادة الاعتبار لقيمة العمل وتحقيق قدر أكبر من العدالة والإنصاف وربط الإصلاح الاقتصادي بالحماية الاجتماعية.
فالمرحلة الراهنة، بما تفرضه من تحديات اقتصادية وضغوط اجتماعية، تجعل من تحسين القدرة الشرائية للمواطن واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة أولوية لا تحتمل التأجيل.
وضمن هذه المقاربة، يبدو أن تفعيل الترفيع في الأجور إلى جانب فتح باب الانتداب للمعطلين عن العمل وفق معايير عادلة وشفافة جزء من مشروع سياسي شامل تسعى الدولة في أعلى هرمها إلى تكريسه عبر القطع مع سياسة الامتيازات والولاءات وبناء دولة اجتماعية تعلى فيها قيمة العمل، بما من شأنه بلوغ العدالة الاجتماعية المنشودة.
ترميم التوازن الاجتماعي
في هذا الخصوص، عكس اجتماع قرطاج الأخير الذي أشرف عليه رئيس الدولة قيس سعيّد، بحضور كل من رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزيرة المالية مشكاة سلامة الخالدي ووزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر ووزير التشغيل والتكوين المهني رياض شوّد، توجه الدولة نحو إعادة صياغة علاقتها بالمواطن على أساس جديد يقوم على الإنصاف الاجتماعي واستعادة قيمة العمل وربط الحقوق بالعدالة.
فالخوض في مسائل من قبيل الترفيع في الأجور في القطاعين العام والخاص وتحسين جرايات المتقاعدين لسنوات 2026 و2027 و2028 يندرج ضمن رؤية أشمل يسعى من خلالها رئيس الدولة قيس سعيّد إلى ترميم التوازن الاجتماعي الذي اهتز لسنوات، وإعادة الاعتبار لفئات كانت على مدار عقود خارج دائرة الاهتمام الفعلي للدولة.
وهذا التوجه لا ينفصل في جوهره عن الرؤية السياسية التي يتبناها رئيس الجمهورية قيس سعيّد، والتي تقوم على فكرة الدولة الاجتماعية العادلة التي تسعى إلى تحقيق الحد الأدنى من العدالة وحماية الفئات الضعيفة وإعادة الاعتبار للعمل كقيمة وطنية.
الترفيع في الأجور..
ومن هذا المنطلق جاء الإعلان عن الترفيع في الأجور في القطاعين العام والخاص عبر تطبيق الفصل 15 من قانون المالية لسنة 2026 ثم صدور أوامره بالرائد الرسمي كعنوان لمرحلة تسعى فيها الدولة في أعلى هرمها إعادة ترتيب الأولويات الوطنية من خلال تحسين الوضع الاجتماعي للمواطن، بما من شأنه أن يفضي لاحقًا إلى استقرار وتوازن اجتماعي.
وفي نفس التوجه، برز في قلب اجتماع قرطاج ملف الانتدابات كأحد أكثر الملفات دقة وحساسية، خاصة مع تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على استكمال إعداد المنصة الخاصة بفتح باب انتداب المعطلين عن العمل ممن طالت بطالتهم وفق مقاييس تقوم على العدل والإنصاف والشفافية.
وهذا التوجه يحمل بعدًا سياسيًا هامًا لأنه يضع حدًا تدريجيًا لمنظومة الانتدابات المبنية على الولاءات والمحسوبية والرشوة، وهي إحدى أبرز مظاهر تراجع الدولة خلال السنوات الماضية، بما من شأنه أن يقطع كليًا مع كل مظاهر الفساد التي رافقت سير الانتدابات في غالب المرافق العمومية.
وفي السياق ذاته، لا يمكن فصل مسألة الترفيع في الأجور عن ملف الانتدابات داخل الإدارة، باعتبار أن إصلاح الوضع الاجتماعي لا يقتصر فقط على تحسين الأجور، وإنما يشمل أيضًا إعادة تنظيم الوظيفة العمومية على أسس أكثر عدلًا وشفافية. فالإدارة التي أُنهكت لسنوات بانتدابات غير متوازنة وغير قائمة دائمًا على احترام الصيغ القانونية، تحتاج اليوم إلى إعادة ترتيب داخلي يعيد لها نجاعتها وهيبتها، ويكرّس مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، حتى تصبح الوظيفة العمومية أداة لخدمة الدولة لا مجالًا لتوزيع الامتيازات وفق الولاء والمحسوبية.
وهنا حين تحدّث رئيس الدولة قيس سعيّد على هامش اجتماع قرطاج الأخير عن «وضع غير طبيعي» داخل الإدارة، فإنه يشدد على ضرورة القطع مع منظومة كاملة قامت على اعتبار الدولة غنيمة والإدارة مجالًا للنفوذ.
ومن هنا، فإن إعلاء قيمة العمل لا يعني فقط توفير مواطن شغل، بل إعادة الاعتبار لفكرة أن العمل حق يُنال بالكفاءة بعيدًا عن سياسة الوساطات، وأن الدولة يجب أن تكون طرفًا فاعلًا في ترسيخ قيم العدل والمساواة.
وفي السياق ذاته، يربط رئيس الدولة قيس سعيّد باستمرار بين الملف الاجتماعي ومعركة السيادة الوطنية، وهي مقاربة تبدو واضحة في مختلف تصريحاته الرسمية، حيث يعتبر أن الفساد والعمالة هي إشكاليات تعيق تحقيق العدالة الاجتماعية.
وهنا يتجلى ملف مكافحة الفساد كملف لا يمكن فصله عن مسألة الترفيع في الأجور أو التشغيل، على اعتبار أنه لا يمكن بناء سياسة اجتماعية ناجعة في ظل اقتصاد موازٍ، أو في ظل إدارات تُدار بمنطق المصالح الشخصية الضيقة، أو في ظل شبكات نفوذ تعرقل كل مسار إصلاحي يمس من امتيازاتها.
ومن هذا المنطلق، تبدو مسألة الأجور والتشغيل جزءًا من مسار أشمل أوسع عنوانه استعادة الدولة لهيبتها، وهو ما يؤكد عليه في مناسبات عديدة رئيس الجمهورية قيس سعيّد، على اعتبار أن السيادة الوطنية تتجاوز بعدها الخارجي لتتلخص في جملة من العوامل تنطلق من توزيع عادل للفرص، ومن حماية المال العام، والقطع كليًا مع كل مظاهر الفساد والمحسوبية التي نخرت الدولة على مدار عقود.
المتقاعدون في قلب المعادلة
من جهة أخرى، فإن إدراج جرايات المتقاعدين ضمن هذه الرؤية الممتدة إلى سنة 2028 يحمل بدوره دلالة سياسية واجتماعية هامة، كون فئة المتقاعدين غالبًا ما تكون الأكثر تأثرًا بارتفاع الأسعار والأقل قدرة على التكيّف مع مختلف التحولات الاقتصادية.
وبالتالي، فإن خوض رئيس الدولة قيس سعيّد في مسألة تحسين جراياتهم هو اعتراف بدورهم في بناء الدولة، ورسالة بأن الوفاء الاجتماعي لا يجب أن يكون انتقائيًا أو ظرفيًا.
ومن هنا، فإن إدماج هذه الفئة ضمن الإصلاح الاجتماعي يعكس إدراكًا أعمق لمفهوم العدالة الاجتماعية.
ورغم التحديات المالية التي تفرضها مثل هذه الخيارات، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والانتظارات الاجتماعية الملحة، فإن الرهان الحقيقي يكمن في القدرة على بناء نموذج اقتصادي جديد أكثر عدلًا وإنصافًا ونجاعة.
فالترفيع في الأجور وربطه مع مسارات إصلاحية تطال الإدارة، ومحاربة الفساد، وتنظيم الانتدابات، وتحفيز الإنتاج، يجعل من الملف جزءًا من مشروع متكامل يهدف إلى بناء دولة عادلة ومنصفة، وترنو إلى إعادة تأسيس عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطن.
نموذج اجتماعي جديد
في هذا الخضم، فإن ما يطرحه رئيس الجمهورية قيس سعيّد اليوم يتجاوز مجرد معالجة تقليدية لملف اجتماعي، ليطال محاولة بناء تصور جديد للدولة العادلة: دولة تسعى إلى تفعيل آلية الحماية الاجتماعية وضمان الحد الأدنى من الكرامة.
فالزيادة في الأجور، وتنظيم الانتدابات، وتحسين جرايات المتقاعدين، ومواجهة الفساد، لا يمكن النظر إليها كملفات منفصلة أو معزولة، وإنما هي أجزاء من معادلة واحدة عنوانها: إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة وترسيخ دولة القانون والمؤسسات، على أن الأهم هو بلوغ وترسيخ العدالة الاجتماعية المنشودة.
وفي بلد أنهكته سنوات من الارتباك السياسي والتجاذبات العقيمة، تبدو هذه المقاربة محاولة لإعادة توجيه النقاش الوطني نحو الأولويات الفعلية، والتي ترتكز على: التشغيل، والكرامة، والعدالة، واستعادة قيمة العمل وإعلائها.
وضمن هذا التمشي، فإن مسألة الإعلان عن الترفيع في الأجور ليست مجرد ملف اجتماعي عابر، بل هي عنوان سياسي لمرحلة جديدة تريد فيها تونس أن تعيد تعريف نفسها: دولة تحمي وتنصف، ودولة تعيد للعمل مكانته كأعلى تعبير عن المواطنة والانتماء.
أهمية إعلاء قيمة العمل
وفي هذا الإطار، لطالما يؤكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد في أكثر من مناسبة أن إعلاء قيمة العمل هو خيار سياسي واستراتيجي يرتبط ببناء الدولة نفسها واستعادة توازنها، إذ لا يمكن لدولة تسعى إلى العدالة والإنصاف أن تسمح باستمرار منطق الامتيازات المجانية أو الانتدابات القائمة على الولاءات والمحسوبية.
ومن هذا المنطلق، يصبح ربط التشغيل بالكفاءة والاستحقاق ضرورة وطنية، لأن تكريس ثقافة العمل المنتج يقطع مع عقلية الريع ويؤسس لمجتمع يقوم على الحقوق المرتبطة بالواجب، وعلى مبدأ أن الفرص يجب أن تُمنح لمن يستحقها لا لمن يملك النفوذ أو القرب من دوائر القرار.
فإعادة الاعتبار لقيمة العمل تعني في جوهرها إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وترسيخ قناعة بأن الجهد والإنتاج هما الطريق الفعلي للإنتاج الاجتماعي والمساهمة في بناء دولة عادلة وقوية.