إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رئيس لجنة المخططات التنموية والمشاريع الكبرى بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم لـ«الصباح»: زمن «المشاريع الورقية» قد ولى.. والطاقة الشمسية هي «الثروة الخضراء»

 

في سياق التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها تونس، وفي ظل التحديات الوطنية والدولية المتسارعة، يكتسي إعداد مخطط التنمية للفترة 2026–2030 أهمية استراتيجية كبرى، باعتباره محطة مفصلية لإعادة توجيه السياسات العمومية نحو تحقيق تنمية أكثر عدلاً ونجاعة واستدامة. ويأتي هذا المخطط في إطار توجه جديد يهدف إلى القطع مع المقاربات التقليدية التي لم تنجح في تقليص الفوارق بين الجهات، خاصة لفائدة المناطق الداخلية التي عانت طويلاً من التهميش وضعف الاستثمار. وفي هذا الإطار، تضطلع لجنة المخططات بدور محوري في بلورة رؤية تنموية شاملة تنطلق من تشخيص دقيق للواقع الميداني، وتعتمد على مقاربة تشاركية تصاعدية تأخذ بعين الاعتبار انتظارات المواطنين ومقترحات المجالس المحلية والجهوية. كما تسعى اللجنة إلى تحقيق توازن دقيق بين المشاريع الوطنية الكبرى، باعتبارها رافعة للنمو الاقتصادي، وبين خصوصيات كل جهة بما يضمن تكاملاً فعلياً ينعكس إيجاباً على التنمية المحلية.ولا يقتصر دور اللجنة على وضع التصورات، بل يمتد ليشمل إرساء آليات عملية وفعالة لمتابعة تنفيذ المشاريع وتجاوز العراقيل التي عطلتها في السابق، وذلك عبر اعتماد الرقمنة، وتعزيز الحوكمة، وإصلاح الإطار التشريعي. وتبرز أهمية القطاعات الواعدة، وعلى رأسها الطاقات المتجددة، في دعم الاقتصاد الوطني وخلق فرص شغل جديدة، خاصة في الجهات الداخلية. وفي هذا السياق، تحدث رئيس لجنة المخططات التنموية والمشاريع الكبرى بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، محمد الكو، في حوار لـ«الصباح». وفيما يلي نص الحوار:

*في ظل عرض مخطط التنمية 2026–2030، ما هي أبرز الأولويات التنموية التي ستركز عليها اللجنة، خاصة لفائدة الجهات الداخلية؟

أولويتنا المطلقة في اللجنة هي تكريس مبدأ الإنصاف التنموي كحق دستوري وليس مجرد شعار.

المخطط التنموي القادم (2026–2030) يقطع مع سياسات الإقصاء والتهميش، من خلال متابعتنا للشأن التنموي بالجهات وزياراتنا الميدانية إلى عدة ولايات، آخرها سيدي بوزيد.

كما حاولنا، من خلال تحاليل المخططات الإقليمية ونتائج اجتماعات اللجنة، تجميع أهم الإشكاليات التي تطرحها المجالس المحلية والمواطنون، وقمنا بترتيبها، فتبين أن التركيز يجب أن يكون على معالجة الإشكاليات التالية، البنية التحتية وفك العزلة، الماء الصالح للشرب، النقل، وخاصة النقل المدرسي، الإشكاليات الإدارية والتشريعية ومنظومة الصفقات العمومية من أجل تسريع المشاريع وتشجيع الاستثمار.

* كيف كان التعاطي مع هذه الإشكاليات؟

قمنا في لجنة المخططات بترجمة هذه الإشكاليات على النحو التالي:

السيادة الغذائية والمائية: دعم المنظومات الفلاحية المحلية وتطوير البنية التحتية المائية لضمان الصمود أمام التغيرات المناخية.

الربط الشامل: لا يمكن الحديث عن تنمية دون ربط الجهات الداخلية بشبكات طرقية ورقمية وطاقية متطورة تجعلها أقطاباً جاذبة للاستثمار وليست مناطق طاردة للسكان.

تثمين الهوية الاقتصادية لكل إقليم: نعمل على أن تستفيد كل جهة من ثرواتها الطبيعية والبشرية في إطار «الاقتصاد التضامني» والشركات الأهلية، تنفيذاً لمنهج البناء القاعدي.

*كيف ستتعامل اللجنة مع مسألة التوازن بين المشاريع الوطنية الكبرى وخصوصيات كل جهة؟

يجب أن نأخذ بعين الاعتبار التغيرات الجيوسياسية في العالم التي زادت من صعوبة الوضع الاقتصادي، لذا يجب أن نتحلى بالكثير من العقلانية والرصانة الاقتصادية. هذه الأزمات، رغم صعوبتها، توفر فرصًا تنموية هامة إذا أحسنّا استغلالها.

ننظر إلى المشاريع الوطنية الكبرى، مثل الربط الكهربائي «ELMED» والمشاريع الكبرى للانتقال الطاقي أو الطرقات السيارة، كـ «قاطرات نمو» يجب أن تستقطب الاستثمار الأجنبي وتنهض بالاقتصاد الوطني وبالتنمية في الجهات والأقاليم إذا وُجد التكامل واستُغلّت مقومات كل جهة من أجل دفع التنمية وتوظيفها بأفضل شكل.

المعادلة بسيطة، لا مشروع وطني ينجح إذا لم يجد صدىً وتكاملاً مع حاجيات الجهة التي يمرّ عبرها. دورنا في اللجنة هو ضمان هذا التكامل؛ فالمشروع الوطني يوفر «الهيكل»، بينما توفر الخصوصيات الجهوية «الروح» والفعالية الاقتصادية. نعتمد اليوم منهجا تصاعديا، حيث تنبع فكرة المشروع من المجلس المحلي والجهوي وصولاً إلى مخطط الدولة، مما يضمن التناغم التام بين الطموح الوطني والواقع المحلي.

*ما هي الآليات التي ستعتمدونها لضمان متابعة تنفيذ المشاريع وتفادي التعطيلات؟

زمن «المشاريع الورقية» قد ولى، والقرارات الانطباعية ليست حلاً. يجب وضع آليات رقابية وتقنية صارمة، أهمها، مبدأ الجاهزية التامة، لن يتم رصد اعتمادات دفع لأي مشروع في ميزانية 2027 ما لم تكن دراساته الفنية وتسوياته العقارية مكتملة بنسبة 100 %، لحماية المال العام من الهدر، الرقمنة والمتابعة اللحظية، نعتمد «لوحات قيادة رقمية» بمؤشرات قابلة للقياس تتيح متابعة نسبة تقدم كل مشروع بصفة دورية، الثورة التشريعية، إرساء منظومة تشريعية مرنة لتجاوز العقبات البيروقراطية والعقارية، مع تكثيف الزيارات الميدانية للوقوف على واقع الإنجاز.

*إلى أي مدى يمكن لمشاريع الطاقات المتجددة، خاصة الشمسية، أن تساهم في دفع التنمية الجهوية وخلق مواطن شغل؟

الطاقة الشمسية هي «الثروة الخضراء» ومحرك السيادة الوطنية. لقد نجحنا في رفع مساهمة الطاقات المتجددة في المزيج الكهربائي إلى 9 % حاليا، وطموحنا في المخطط القادم هو 35 %.

هذه الفرصة يجب أن نسرع في استغلالها، فهي قد تحوّل تونس إلى قطب للطاقات البديلة. مشاريع مثل محطات توزر وسيدي بوزيد وتطاوين وغيرها ليست مجرد محطات لإنتاج الكهرباء، بل هي أقطاب تنموية توفر وظائف مستدامة في مجالات التركيب والصيانة والخدمات اللوجستية المرتبطة بها، تخفيض كلفة الإنتاج، مما يسمح للمؤسسات الصناعية الصغرى والمتوسطة في الجهات الداخلية بالترفيع في تنافسيتها والتعويل على الذات لأن كل ميغاوات ننتجه من شمسنا يوفر العملة الصعبة التي كانت تُنفق على استيراد الغاز، ويعيد استثمارها في الجهات في مجالات الصحة والتعليم.

حاورته: أميرة الدريدي

رئيس لجنة المخططات التنموية والمشاريع الكبرى بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم لـ«الصباح»:   زمن «المشاريع الورقية» قد ولى.. والطاقة الشمسية هي «الثروة الخضراء»

 

في سياق التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها تونس، وفي ظل التحديات الوطنية والدولية المتسارعة، يكتسي إعداد مخطط التنمية للفترة 2026–2030 أهمية استراتيجية كبرى، باعتباره محطة مفصلية لإعادة توجيه السياسات العمومية نحو تحقيق تنمية أكثر عدلاً ونجاعة واستدامة. ويأتي هذا المخطط في إطار توجه جديد يهدف إلى القطع مع المقاربات التقليدية التي لم تنجح في تقليص الفوارق بين الجهات، خاصة لفائدة المناطق الداخلية التي عانت طويلاً من التهميش وضعف الاستثمار. وفي هذا الإطار، تضطلع لجنة المخططات بدور محوري في بلورة رؤية تنموية شاملة تنطلق من تشخيص دقيق للواقع الميداني، وتعتمد على مقاربة تشاركية تصاعدية تأخذ بعين الاعتبار انتظارات المواطنين ومقترحات المجالس المحلية والجهوية. كما تسعى اللجنة إلى تحقيق توازن دقيق بين المشاريع الوطنية الكبرى، باعتبارها رافعة للنمو الاقتصادي، وبين خصوصيات كل جهة بما يضمن تكاملاً فعلياً ينعكس إيجاباً على التنمية المحلية.ولا يقتصر دور اللجنة على وضع التصورات، بل يمتد ليشمل إرساء آليات عملية وفعالة لمتابعة تنفيذ المشاريع وتجاوز العراقيل التي عطلتها في السابق، وذلك عبر اعتماد الرقمنة، وتعزيز الحوكمة، وإصلاح الإطار التشريعي. وتبرز أهمية القطاعات الواعدة، وعلى رأسها الطاقات المتجددة، في دعم الاقتصاد الوطني وخلق فرص شغل جديدة، خاصة في الجهات الداخلية. وفي هذا السياق، تحدث رئيس لجنة المخططات التنموية والمشاريع الكبرى بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، محمد الكو، في حوار لـ«الصباح». وفيما يلي نص الحوار:

*في ظل عرض مخطط التنمية 2026–2030، ما هي أبرز الأولويات التنموية التي ستركز عليها اللجنة، خاصة لفائدة الجهات الداخلية؟

أولويتنا المطلقة في اللجنة هي تكريس مبدأ الإنصاف التنموي كحق دستوري وليس مجرد شعار.

المخطط التنموي القادم (2026–2030) يقطع مع سياسات الإقصاء والتهميش، من خلال متابعتنا للشأن التنموي بالجهات وزياراتنا الميدانية إلى عدة ولايات، آخرها سيدي بوزيد.

كما حاولنا، من خلال تحاليل المخططات الإقليمية ونتائج اجتماعات اللجنة، تجميع أهم الإشكاليات التي تطرحها المجالس المحلية والمواطنون، وقمنا بترتيبها، فتبين أن التركيز يجب أن يكون على معالجة الإشكاليات التالية، البنية التحتية وفك العزلة، الماء الصالح للشرب، النقل، وخاصة النقل المدرسي، الإشكاليات الإدارية والتشريعية ومنظومة الصفقات العمومية من أجل تسريع المشاريع وتشجيع الاستثمار.

* كيف كان التعاطي مع هذه الإشكاليات؟

قمنا في لجنة المخططات بترجمة هذه الإشكاليات على النحو التالي:

السيادة الغذائية والمائية: دعم المنظومات الفلاحية المحلية وتطوير البنية التحتية المائية لضمان الصمود أمام التغيرات المناخية.

الربط الشامل: لا يمكن الحديث عن تنمية دون ربط الجهات الداخلية بشبكات طرقية ورقمية وطاقية متطورة تجعلها أقطاباً جاذبة للاستثمار وليست مناطق طاردة للسكان.

تثمين الهوية الاقتصادية لكل إقليم: نعمل على أن تستفيد كل جهة من ثرواتها الطبيعية والبشرية في إطار «الاقتصاد التضامني» والشركات الأهلية، تنفيذاً لمنهج البناء القاعدي.

*كيف ستتعامل اللجنة مع مسألة التوازن بين المشاريع الوطنية الكبرى وخصوصيات كل جهة؟

يجب أن نأخذ بعين الاعتبار التغيرات الجيوسياسية في العالم التي زادت من صعوبة الوضع الاقتصادي، لذا يجب أن نتحلى بالكثير من العقلانية والرصانة الاقتصادية. هذه الأزمات، رغم صعوبتها، توفر فرصًا تنموية هامة إذا أحسنّا استغلالها.

ننظر إلى المشاريع الوطنية الكبرى، مثل الربط الكهربائي «ELMED» والمشاريع الكبرى للانتقال الطاقي أو الطرقات السيارة، كـ «قاطرات نمو» يجب أن تستقطب الاستثمار الأجنبي وتنهض بالاقتصاد الوطني وبالتنمية في الجهات والأقاليم إذا وُجد التكامل واستُغلّت مقومات كل جهة من أجل دفع التنمية وتوظيفها بأفضل شكل.

المعادلة بسيطة، لا مشروع وطني ينجح إذا لم يجد صدىً وتكاملاً مع حاجيات الجهة التي يمرّ عبرها. دورنا في اللجنة هو ضمان هذا التكامل؛ فالمشروع الوطني يوفر «الهيكل»، بينما توفر الخصوصيات الجهوية «الروح» والفعالية الاقتصادية. نعتمد اليوم منهجا تصاعديا، حيث تنبع فكرة المشروع من المجلس المحلي والجهوي وصولاً إلى مخطط الدولة، مما يضمن التناغم التام بين الطموح الوطني والواقع المحلي.

*ما هي الآليات التي ستعتمدونها لضمان متابعة تنفيذ المشاريع وتفادي التعطيلات؟

زمن «المشاريع الورقية» قد ولى، والقرارات الانطباعية ليست حلاً. يجب وضع آليات رقابية وتقنية صارمة، أهمها، مبدأ الجاهزية التامة، لن يتم رصد اعتمادات دفع لأي مشروع في ميزانية 2027 ما لم تكن دراساته الفنية وتسوياته العقارية مكتملة بنسبة 100 %، لحماية المال العام من الهدر، الرقمنة والمتابعة اللحظية، نعتمد «لوحات قيادة رقمية» بمؤشرات قابلة للقياس تتيح متابعة نسبة تقدم كل مشروع بصفة دورية، الثورة التشريعية، إرساء منظومة تشريعية مرنة لتجاوز العقبات البيروقراطية والعقارية، مع تكثيف الزيارات الميدانية للوقوف على واقع الإنجاز.

*إلى أي مدى يمكن لمشاريع الطاقات المتجددة، خاصة الشمسية، أن تساهم في دفع التنمية الجهوية وخلق مواطن شغل؟

الطاقة الشمسية هي «الثروة الخضراء» ومحرك السيادة الوطنية. لقد نجحنا في رفع مساهمة الطاقات المتجددة في المزيج الكهربائي إلى 9 % حاليا، وطموحنا في المخطط القادم هو 35 %.

هذه الفرصة يجب أن نسرع في استغلالها، فهي قد تحوّل تونس إلى قطب للطاقات البديلة. مشاريع مثل محطات توزر وسيدي بوزيد وتطاوين وغيرها ليست مجرد محطات لإنتاج الكهرباء، بل هي أقطاب تنموية توفر وظائف مستدامة في مجالات التركيب والصيانة والخدمات اللوجستية المرتبطة بها، تخفيض كلفة الإنتاج، مما يسمح للمؤسسات الصناعية الصغرى والمتوسطة في الجهات الداخلية بالترفيع في تنافسيتها والتعويل على الذات لأن كل ميغاوات ننتجه من شمسنا يوفر العملة الصعبة التي كانت تُنفق على استيراد الغاز، ويعيد استثمارها في الجهات في مجالات الصحة والتعليم.

حاورته: أميرة الدريدي