سفير إندونيسيا بتونس لـ«الصباح»: تحمل المشاركة في المعرض رغبة في بناء جسور فكرية للأجيال القادمة للبلدين
الموسيقى في جناح إندونيسيا بالمعرض مدخل حسي لفهم بلد يقدّم نفسه عبر موسيقاه كما عبر كتبه.
أكثر من ألف عنوان موزعة بين الفكر والتاريخ والدين والأدب والترجمة، معروضة بالجناح الإندونيسي.
جمهور المعرض وجد نفسه أمام رحلة متكاملة ومثيرة للفضول في جناح ضيف شرف الدورة.
لا يطالعك جناح إندونيسيا، ضيف شرف الدورة الأربعين لمعرض تونس الدولي للكتاب، التي انطلقت منذ 23 أفريل الجاري، كمجرد فضاء وطني يعرّف ببلد بعيد جغرافيا، بل بدا أقرب إلى سردية ثقافية مفتوحة تتجه فيها العلاقات التاريخية بين تونس وأرخبيل جنوب شرق آسيا في عدة اتجاهات، وتفتح أبواب الذاكرة والمستقبل معا.
جناح أندونيسيا بمعرض تونس الدولي للكتاب يعيش منذ صباح الجمعة 25 أفريل، وكان، على إيقاع كثافة لافتة من الزوار، يتوقفون عند المدخل الذي تصدّرته عبارة «إندونيسيا وتونس أصحاب»، لا كشعار بروتوكولي، بل كمفتاح رمزي لقراءة مشاركة أرادت أن تجعل من الصداقة مفهوما ثقافيا وسياسيا وإنسانيا.
داخل الفضاء، توزعت طاولات الكتب في تشكيل أقرب إلى محطات اكتشاف، فيما كانت الخلفية البصرية، بصور اللقاءات التاريخية وخرائط الأرخبيل والمشاهد الموثقة من تاريخ العلاقات الثنائية، تمنح الجناح بعدا توثيقيا لا يقل حضورا عن الجانب الاحتفالي.
الجولة في الجناح تبدأ بالموسيقى. هناك، أمام جمهور متحلّق حول منصة صغيرة، فرقة شبابية إندونيسية تقدم عرضا حيا يمزج الغناء الجماعي بعزف شرقي بدا مألوفا وغريبا في آن. عود وُضع إلى جانب آلات حديثة، وإيقاعات تتنقل بين التراث والحداثة، فيما تتردد أغانٍ تحمل نبرات دافئة تجعل الزائر يشعر أن الثقافة ليست معروضة، بل تُعاش. لم تكن تلك الفقرة مجرد تنشيط فني ضمن برنامج يومي، بل كانت مدخلا حسيا لفهم بلد يقدّم نفسه عبر موسيقاه كما عبر كتبه.
وفي الجهة المقابلة، كانت الكتب تفتح بدورها سرديتها الخاصة. أكثر من ألف عنوان موزعة بين الفكر والتاريخ والدين والأدب والترجمة، كما أكد ذلك سفير أندونيسيا زهيري مصرواي في حديثه لـ»الصباح»، من بينها ترجمات إندونيسية لابن خلدون وابن عاشور، ومؤلفات حول الإسلام في الأرخبيل، وأعمال حديثة تستعيد تقاطعات التجربة الإندونيسية مع العالم العربي. الزوار يقلبون الصفحات، يتوقفون أمام العناوين العربية والإندونيسية، ويسألون عن الترجمات وعن تاريخ حضور الفكر التونسي في جاكرتا، وكأن الجناح تحوّل إلى ورشة حوار مفتوحة أكثر منه فضاء عرض.
ولم يكن برنامج الجمعة خارج هذا المعنى. فقد افتتح اليوم بعروض راقصة تقليدية، من بينها لوحة «Tari Nirmala» التي استحضرت، عبر الحركة واللباس والرمز، شيئا من الذاكرة الجمالية للأرخبيل، قبل أن تتواصل الفقرات بين موسيقى حية وجلسات فكرية، أبرزها اللقاء الذي استعاد ذكرى الرشيد إدريس بعنوان «من جاكرتا إلى قرطاج»، حيث التقت الذاكرة الوطنية بالدبلوماسية الثقافية في لحظة وفاء رمزية كثيفة الدلالة.
وسط هذا الحراك، كان حضور السفير الإندونيسي بتونس زهيري مصراوي جزءا من مشهد الجناح نفسه، لا حضورا بروتوكوليا معزولا عنه. يتحدث مع الزوار، يرافق الضيوف بين الكتب، يشرح العناوين، ويتوقف طويلا عند معنى أن تكون إندونيسيا ضيف شرف في دورة تحمل رمزية الأربعين. وفي حديثه لـ»الصباح» يرفض اختزال المشاركة في بعدها التمثيلي، ويعيدها إلى جذور أعمق: «علاقتنا مع تونس بدأت بالصداقة قبل الدبلوماسية»، يقولها وكأنه يقدّم المفتاح الحقيقي للجناح كله.
هذه الفكرة لا تظهر في كلامه فقط، بل في تفاصيل الجناح ذاتها. إذ يستعيد، وهو يتحدث، تلك العلاقة التي جمعت سوكارنو وبورقيبة، ويذكّر بأن جاكرتا احتضنت المكتب التونسي قبل الاستقلال، وأن ما يجري اليوم ليس إلا امتدادا لمسار قديم يُعاد تجديده عبر الثقافة. لذلك يبدو طبيعيا حين يقول إن الهدف من هذه المشاركة ليس عرض صورة عن إندونيسيا، بل بناء جسور فكرية للأجيال القادمة.
وفي حديثه، يراهن السفير على ما يسميه «القوة الهادئة» للثقافة. من الترجمة إلى السينما والموسيقى، ومن تبادل المثقفين إلى الطلبة — حيث يشير إلى وجود نحو 500 طالب إندونيسي في تونس — تتشكل رؤية تعتبر الثقافة مختبرا للعلاقات، لا مجرد واجهتها التجميلية. حتى عباراته التونسية التي تتسلل في حديثه، وهو يقول «برشة حاجات» و»ماذبينا»، بدت جزءا من هذا التقارب الذي يريد له أن يكون معاشا لا خطابا.
هذه الروح نفسها كانت حاضرة في الإقبال على الجناح. لم يكن الزوار يمرون مرور المتفرج العابر. كثيرون كانوا يطيلون التوقف، يتابعون العروض كاملة، يتصفحون الكتب، يلتقطون صورا مع المعروضات، ويسألون عن الرقصات واللباس والآلات الموسيقية. بعضهم جاء بدافع الفضول تجاه ضيف الشرف، وآخرون بدافع اهتمام معرفي، لكن القاسم المشترك بينهم كان الشعور بأن الجناح يقدم تجربة كاملة لا مجرد برنامج يومي.
ويبدو ذلك واضحا في طريقة تصميم الفضاء نفسه؛ الكتب إلى جوار العروض الموسيقية، الدبلوماسية الثقافية إلى جانب الفلكلور، والفكر إلى جوار الطهي والرقص وركن الطفل. كأن الجناح يريد أن يقول إن الهوية ليست شيئا واحدا، بل فسيفساء تتجاور فيها العناصر دون أن يلغي أحدها الآخر. وهي فكرة تتقاطع مع فلسفة البرنامج الثقافي الإندونيسي طيلة أيام المعرض، بما يضمه من ندوات عن «PANCASILA»، وعن الإسلام في الخصوصية الإندونيسية، وعن فكر سوكارنو، إلى جانب الرقصات اليومية والعروض الموسيقية وتقديم الكتب.
لكن هذه التجربة لا تقف عند حدود ما يراه الزائر في جولة واحدة، إذ يتواصل البرنامج الإندونيسي في الأيام القادمة بوصفه امتدادا لهذه الرؤية. فالجناح يواصل فتح نوافذه على نقاشات فكرية تتناول الدبلوماسية الثقافية الإندونيسية، ومبادئ «بانشاسيلا»، وخصوصية الإسلام في الأرخبيل، إلى جانب لقاءات تستحضر الفكر التحرري لسوكارنو والعدالة الاجتماعية بوصفها جزءا من المخيال السياسي والثقافي الإندونيسي.
وعلى الجانب الفني، تتواصل العروض الموسيقية والرقصات اليومية التي تحوّل الجناح إلى مسرح مصغّر للتنوع الإندونيسي، مع لوحات مثل Tari Piring وTari Dayak وTari Lenggang Nyai، حيث تتعاقب الإيقاعات الشعبية والأزياء التقليدية لتكشف ثراء الأرخبيل وتعدده الإثني والثقافي. كما تتواصل الوصلات الغنائية الحية التي لاقت إقبالا لافتا في حضور موسيقي بدا للكثير من الزوار أنها أحد أكثر عناصر الجناح جاذبية، لما يخلقه من حميمية بين العرض والجمهور.
ولا يقتصر البرنامج على العروض والندوات، بل يمتد إلى تقديم الإصدارات الجديدة، من كتاب «القرآن كتاب التسامح» للسفير زهيري مصراوي، إلى أعمال أدبية وفكرية معاصرة، فضلا عن ركن الطفل الذي يخصص قراءات من الفلكلور الإندونيسي للصغار، في التفاتة تجعل من الجناح فضاء للأجيال الجديدة لا للمتخصصين وحدهم. وبين الكتاب والموسيقى والرقص والذاكرة، يبدو البرنامج الإندونيسي مصمما كرحلة متكاملة أكثر منه سلسلة فقرات منفصلة.
وفي نهاية الجولة، لا يغادر الزائر جناح إندونيسيا وفي ذهنه صورة عن بلد آسيوي فقط، بل بانطباع عن تجربة جعلت من المعرض فضاء لقاء حقيقيا بين تاريخين وثقافتين. من جاكرتا إلى قرطاج، كما عنونت إحدى جلسات البرنامج، لا يبدو الأمر مجرد مسافة بين مدينتين، بل مسارا رمزيا تعبره الكتب والموسيقى والصداقة.
ولعل ما يختزل روح هذه المشاركة ليس فقط ما يقوله السفير عن محبته لتونس، بل ما يكشفه الجناح نفسه من تصور للعلاقة بين البلدين بوصفها مشروعا ثقافيا مفتوحا على المستقبل. فوسط هذا الزخم من الكتب والأنغام والحوارات، تبدو إندونيسيا وقد اختارت أن تجعل من حضورها في المعرض أكثر من مجرد مشاركة شرفية؛ بل حضورا يراهن على الثقافة كجسر دائم، وعلى الفن والفكر كأدوات لتجديد الصداقة التاريخية بين البلدين. ومع تواصل البرنامج الثقافي والموسيقي في الأيام المقبلة، يتأكد أن هذه «الصحبة» التي يعلنها الجناح ليست شعارا معلقا على المدخل، بل فكرة تتحقق يوميا عبر المعرفة، والحوار، وتبادل الخيال بين جاكرتا وقرطاج.
إيمان عبد اللطيف
سفير إندونيسيا بتونس لـ«الصباح»: تحمل المشاركة في المعرض رغبة في بناء جسور فكرية للأجيال القادمة للبلدين
الموسيقى في جناح إندونيسيا بالمعرض مدخل حسي لفهم بلد يقدّم نفسه عبر موسيقاه كما عبر كتبه.
أكثر من ألف عنوان موزعة بين الفكر والتاريخ والدين والأدب والترجمة، معروضة بالجناح الإندونيسي.
جمهور المعرض وجد نفسه أمام رحلة متكاملة ومثيرة للفضول في جناح ضيف شرف الدورة.
لا يطالعك جناح إندونيسيا، ضيف شرف الدورة الأربعين لمعرض تونس الدولي للكتاب، التي انطلقت منذ 23 أفريل الجاري، كمجرد فضاء وطني يعرّف ببلد بعيد جغرافيا، بل بدا أقرب إلى سردية ثقافية مفتوحة تتجه فيها العلاقات التاريخية بين تونس وأرخبيل جنوب شرق آسيا في عدة اتجاهات، وتفتح أبواب الذاكرة والمستقبل معا.
جناح أندونيسيا بمعرض تونس الدولي للكتاب يعيش منذ صباح الجمعة 25 أفريل، وكان، على إيقاع كثافة لافتة من الزوار، يتوقفون عند المدخل الذي تصدّرته عبارة «إندونيسيا وتونس أصحاب»، لا كشعار بروتوكولي، بل كمفتاح رمزي لقراءة مشاركة أرادت أن تجعل من الصداقة مفهوما ثقافيا وسياسيا وإنسانيا.
داخل الفضاء، توزعت طاولات الكتب في تشكيل أقرب إلى محطات اكتشاف، فيما كانت الخلفية البصرية، بصور اللقاءات التاريخية وخرائط الأرخبيل والمشاهد الموثقة من تاريخ العلاقات الثنائية، تمنح الجناح بعدا توثيقيا لا يقل حضورا عن الجانب الاحتفالي.
الجولة في الجناح تبدأ بالموسيقى. هناك، أمام جمهور متحلّق حول منصة صغيرة، فرقة شبابية إندونيسية تقدم عرضا حيا يمزج الغناء الجماعي بعزف شرقي بدا مألوفا وغريبا في آن. عود وُضع إلى جانب آلات حديثة، وإيقاعات تتنقل بين التراث والحداثة، فيما تتردد أغانٍ تحمل نبرات دافئة تجعل الزائر يشعر أن الثقافة ليست معروضة، بل تُعاش. لم تكن تلك الفقرة مجرد تنشيط فني ضمن برنامج يومي، بل كانت مدخلا حسيا لفهم بلد يقدّم نفسه عبر موسيقاه كما عبر كتبه.
وفي الجهة المقابلة، كانت الكتب تفتح بدورها سرديتها الخاصة. أكثر من ألف عنوان موزعة بين الفكر والتاريخ والدين والأدب والترجمة، كما أكد ذلك سفير أندونيسيا زهيري مصرواي في حديثه لـ»الصباح»، من بينها ترجمات إندونيسية لابن خلدون وابن عاشور، ومؤلفات حول الإسلام في الأرخبيل، وأعمال حديثة تستعيد تقاطعات التجربة الإندونيسية مع العالم العربي. الزوار يقلبون الصفحات، يتوقفون أمام العناوين العربية والإندونيسية، ويسألون عن الترجمات وعن تاريخ حضور الفكر التونسي في جاكرتا، وكأن الجناح تحوّل إلى ورشة حوار مفتوحة أكثر منه فضاء عرض.
ولم يكن برنامج الجمعة خارج هذا المعنى. فقد افتتح اليوم بعروض راقصة تقليدية، من بينها لوحة «Tari Nirmala» التي استحضرت، عبر الحركة واللباس والرمز، شيئا من الذاكرة الجمالية للأرخبيل، قبل أن تتواصل الفقرات بين موسيقى حية وجلسات فكرية، أبرزها اللقاء الذي استعاد ذكرى الرشيد إدريس بعنوان «من جاكرتا إلى قرطاج»، حيث التقت الذاكرة الوطنية بالدبلوماسية الثقافية في لحظة وفاء رمزية كثيفة الدلالة.
وسط هذا الحراك، كان حضور السفير الإندونيسي بتونس زهيري مصراوي جزءا من مشهد الجناح نفسه، لا حضورا بروتوكوليا معزولا عنه. يتحدث مع الزوار، يرافق الضيوف بين الكتب، يشرح العناوين، ويتوقف طويلا عند معنى أن تكون إندونيسيا ضيف شرف في دورة تحمل رمزية الأربعين. وفي حديثه لـ»الصباح» يرفض اختزال المشاركة في بعدها التمثيلي، ويعيدها إلى جذور أعمق: «علاقتنا مع تونس بدأت بالصداقة قبل الدبلوماسية»، يقولها وكأنه يقدّم المفتاح الحقيقي للجناح كله.
هذه الفكرة لا تظهر في كلامه فقط، بل في تفاصيل الجناح ذاتها. إذ يستعيد، وهو يتحدث، تلك العلاقة التي جمعت سوكارنو وبورقيبة، ويذكّر بأن جاكرتا احتضنت المكتب التونسي قبل الاستقلال، وأن ما يجري اليوم ليس إلا امتدادا لمسار قديم يُعاد تجديده عبر الثقافة. لذلك يبدو طبيعيا حين يقول إن الهدف من هذه المشاركة ليس عرض صورة عن إندونيسيا، بل بناء جسور فكرية للأجيال القادمة.
وفي حديثه، يراهن السفير على ما يسميه «القوة الهادئة» للثقافة. من الترجمة إلى السينما والموسيقى، ومن تبادل المثقفين إلى الطلبة — حيث يشير إلى وجود نحو 500 طالب إندونيسي في تونس — تتشكل رؤية تعتبر الثقافة مختبرا للعلاقات، لا مجرد واجهتها التجميلية. حتى عباراته التونسية التي تتسلل في حديثه، وهو يقول «برشة حاجات» و»ماذبينا»، بدت جزءا من هذا التقارب الذي يريد له أن يكون معاشا لا خطابا.
هذه الروح نفسها كانت حاضرة في الإقبال على الجناح. لم يكن الزوار يمرون مرور المتفرج العابر. كثيرون كانوا يطيلون التوقف، يتابعون العروض كاملة، يتصفحون الكتب، يلتقطون صورا مع المعروضات، ويسألون عن الرقصات واللباس والآلات الموسيقية. بعضهم جاء بدافع الفضول تجاه ضيف الشرف، وآخرون بدافع اهتمام معرفي، لكن القاسم المشترك بينهم كان الشعور بأن الجناح يقدم تجربة كاملة لا مجرد برنامج يومي.
ويبدو ذلك واضحا في طريقة تصميم الفضاء نفسه؛ الكتب إلى جوار العروض الموسيقية، الدبلوماسية الثقافية إلى جانب الفلكلور، والفكر إلى جوار الطهي والرقص وركن الطفل. كأن الجناح يريد أن يقول إن الهوية ليست شيئا واحدا، بل فسيفساء تتجاور فيها العناصر دون أن يلغي أحدها الآخر. وهي فكرة تتقاطع مع فلسفة البرنامج الثقافي الإندونيسي طيلة أيام المعرض، بما يضمه من ندوات عن «PANCASILA»، وعن الإسلام في الخصوصية الإندونيسية، وعن فكر سوكارنو، إلى جانب الرقصات اليومية والعروض الموسيقية وتقديم الكتب.
لكن هذه التجربة لا تقف عند حدود ما يراه الزائر في جولة واحدة، إذ يتواصل البرنامج الإندونيسي في الأيام القادمة بوصفه امتدادا لهذه الرؤية. فالجناح يواصل فتح نوافذه على نقاشات فكرية تتناول الدبلوماسية الثقافية الإندونيسية، ومبادئ «بانشاسيلا»، وخصوصية الإسلام في الأرخبيل، إلى جانب لقاءات تستحضر الفكر التحرري لسوكارنو والعدالة الاجتماعية بوصفها جزءا من المخيال السياسي والثقافي الإندونيسي.
وعلى الجانب الفني، تتواصل العروض الموسيقية والرقصات اليومية التي تحوّل الجناح إلى مسرح مصغّر للتنوع الإندونيسي، مع لوحات مثل Tari Piring وTari Dayak وTari Lenggang Nyai، حيث تتعاقب الإيقاعات الشعبية والأزياء التقليدية لتكشف ثراء الأرخبيل وتعدده الإثني والثقافي. كما تتواصل الوصلات الغنائية الحية التي لاقت إقبالا لافتا في حضور موسيقي بدا للكثير من الزوار أنها أحد أكثر عناصر الجناح جاذبية، لما يخلقه من حميمية بين العرض والجمهور.
ولا يقتصر البرنامج على العروض والندوات، بل يمتد إلى تقديم الإصدارات الجديدة، من كتاب «القرآن كتاب التسامح» للسفير زهيري مصراوي، إلى أعمال أدبية وفكرية معاصرة، فضلا عن ركن الطفل الذي يخصص قراءات من الفلكلور الإندونيسي للصغار، في التفاتة تجعل من الجناح فضاء للأجيال الجديدة لا للمتخصصين وحدهم. وبين الكتاب والموسيقى والرقص والذاكرة، يبدو البرنامج الإندونيسي مصمما كرحلة متكاملة أكثر منه سلسلة فقرات منفصلة.
وفي نهاية الجولة، لا يغادر الزائر جناح إندونيسيا وفي ذهنه صورة عن بلد آسيوي فقط، بل بانطباع عن تجربة جعلت من المعرض فضاء لقاء حقيقيا بين تاريخين وثقافتين. من جاكرتا إلى قرطاج، كما عنونت إحدى جلسات البرنامج، لا يبدو الأمر مجرد مسافة بين مدينتين، بل مسارا رمزيا تعبره الكتب والموسيقى والصداقة.
ولعل ما يختزل روح هذه المشاركة ليس فقط ما يقوله السفير عن محبته لتونس، بل ما يكشفه الجناح نفسه من تصور للعلاقة بين البلدين بوصفها مشروعا ثقافيا مفتوحا على المستقبل. فوسط هذا الزخم من الكتب والأنغام والحوارات، تبدو إندونيسيا وقد اختارت أن تجعل من حضورها في المعرض أكثر من مجرد مشاركة شرفية؛ بل حضورا يراهن على الثقافة كجسر دائم، وعلى الفن والفكر كأدوات لتجديد الصداقة التاريخية بين البلدين. ومع تواصل البرنامج الثقافي والموسيقي في الأيام المقبلة، يتأكد أن هذه «الصحبة» التي يعلنها الجناح ليست شعارا معلقا على المدخل، بل فكرة تتحقق يوميا عبر المعرفة، والحوار، وتبادل الخيال بين جاكرتا وقرطاج.