-لم ترتفع أصوات من الضفة المقابلة احتجاجًا على توظيف الدين في الخطاب السياسي، والصوت الوحيد المعارض جاء من داخل القلعة الغربية، إنه صوت بابا الفاتيكان.
-إضفاء القداسة على حروب التهلكة يهدد الإنسانية بمواجهات قد تنتهي بهلاكها.
-تنامي الخطاب السياسي العنيف الذي يستند إلى تفاسير دينية مشكوك في جديتها، وإلى روايات ونبوءات قديمة مشكوك أيضًا في صدقيتها، إرهاب يهدد العالم.
-في العدوان الصهيوني الأمريكي الأخير للحرب، ذُكر اسم المسيح مرات لا تُعد، واستُحضرت صورته بأشكال متعددة.
-هل تحرر الإنسان فعلاً من سطوة القوى الخارقة والغامضة والماورائيات، وهل تخلص من سطوة المعتقدات الدينية ومن سجن الخرافات، بعد تحقيقه تقدمًا علميًا وتكنولوجيًا هائلًا؟
من المفروض أن تكون الإجابة بنعم. فقد زالت الحدود بين البشر، وتقلصت المسافات بفضل التقدم العلمي والتكنولوجي، خاصة بفضل الثورة الرقمية التي حولت العالم فعلاً إلى قرية كونية، لكن الواقع يقول شيئًا آخر. فهناك من ما زال يعتقد أنه يحمل تفويضًا إلهيًا لتطهير الكون وإعداد الطريق، ولو على جماجم البشر، من أجل تحويل الأساطير حول نهاية الكون إلى حقيقة. هناك من يؤمن، مثل ما يحدث في الكيان الصهيوني، بأن فئة من البشر ستطوع العالم وتحكمه، وإن كانت قليلة، وأنه عليها، إن لزم الأمر، تصفية الآخرين.
والعدوان الأخير الذي شنته الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران، يدخل في هذا الإطار. فهو يهدف إلى إزالة عقبة صعبة من أجل تهيئة الأرض لاستقبال أمر جلل، وهو تحقيق مشروع إسرائيل الكبرى التي تمتد على مناطق شاسعة بالشرق الأوسط، والتي يعتقد الصهاينة أنهم، بتحقيق المشروع، يجسدون نبوءة توراتية قديمة في الموضوع.
لقد استُعملت في العدوان الأخير أسلحة متطورة جدًا، وكانت هناك أيضًا حرب معلومات – الحرب السيبرانية – وهي لا تقل خطورة عن المتفجرات والقنابل. لكن لم يتوقف الأمر عند ذلك، رغم خطورته، وإنما تم استعمال أسلحة من نوع آخر، وهي توظيف المسائل الدينية والعقائدية، وتم اللجوء إلى الأساطير والخرافات والنبوءات الدينية القديمة – التي تحتاج إلى تأكيد – والمذهل أن هذه الوسائل تم استعمالها بكثافة من الطرف الذي يُفترض أنه الأقوى عسكريًا، والأكثر تطورًا وتحضرًا ومدنية.
فقد استنجدت الإدارة الأمريكية، بداية من الرئيس دونالد ترامب وصولًا إلى وزيره للدفاع، بالمعتقدات الدينية بشكل علني وصريح، من خلال استحضار شخصية المسيح والنبوءات حول عودته في آخر الزمان، كما تم اللجوء إلى أعمال شبيهة بالشعوذة، وتم تداول صور ومقاطع فيديو من مكتب الرئيس الأمريكي بالبيت الأبيض، تقوم فيه ما تسمى بالمستشارة الروحية للرئيس بتعويذات لطرد الأرواح الشريرة وصلوات من أجل نصرته في عدوانه! والمشكل ليس الوازع الديني، وإنما مسرحة كل ذلك ونشره على الملأ وترويج مشاهد تُقام فيها صلوات من أجل ماذا؟ من أجل إنجاح عمليات القتل وهدم القناطر والجسور والمدارس والجامعات؟ والغريب أنها تمارس على نطاق رسمي، وفي أعلى هرم السلطة، وبمشاركة شخصيات محسوبة على النخبة، ومن المفروض أن تكون بعيدة عن هذه الممارسات الساذجة.
ولم يتوقف الأمر عند الصلوات وطلب المباركة الإلهية التي تقودها المستشارة الروحية، التي تبين، وفق مصادر إعلامية أمريكية وغربية عمومًا، أنها تمارس دورًا رسميًا، وأنها تجمع اعتمادات ضخمة لصالح الكيان الصهيوني، في إطار الدعاية المستمرة بأن دعم الكيان واجب ديني مقدس على المؤمنين بتلازم المسارات التاريخية والدينية اليهودية والمسيحية، وإنما لقد أقنعت هذه المرأة دونالد ترامب بأنه يشبه السيد المسيح، بل لعله صورته تجسيدًا لروحه في نسخة في هذا الزمن. فسرعان ما تلقف الرئيس الأمريكي الفكرة ونشر صورة له اتخذ فيها شكل المسيح وتقمص دوره في علاج المرضى الذي اشتهر به، عبر الروايات التاريخية والدينية. وبعد أن اضطر إلى سحب الصورة تأثرًا بما أحدثته من غضب، أعاد ترامب الكرة ونشر صورة أخرى تحمل نفس المعاني، في إصرار على تغليف دوره بغطاء ديني وإضفاء القداسة على ما يقوم به من تدخلات سافرة في شؤون بلدان مستقلة.
من جانبه، أصبح وزير الدفاع الأمريكي لا يتوقف عن استدعاء المسائل الدينية في خطاباته، وهو يحرص كل الحرص على تضمين خطابه مختارات من نصوص دينية، أو ما يعتقد أنها كذلك، لأنه تبين، وفق ما نقلته عنه صحافة بلاده، أنه يحدث أن يخلط بين نص ديني وبين مقطع من عمل فني. وإذا ما أضفنا إلى ذلك ما يروجه الصهاينة من نبوءات يقولون إنها توراتية حول نهاية الزمان، وما يرافقها من أعمال شعوذة، في انتظار اكتمال المشهد بهدم ما يلزم هدمه وفق مخططهم، فإن المسألة تصبح أكثر من واضحة، وهو أننا أمام خطر كبير يهدد وجود الإنسانية. هذا الخطر هو إضفاء الشرعية الدينية على جرائم الإبادة التي يمارسها الكيان الصهيوني بدعم أمريكي، وأيضًا على الحروب الأمريكية خارج قواعدها.
فهم يقتلون باسم الرب وباسم المسيح الذي يهيئون له، وفق تصوراتهم، الأرضية للعودة للدنيا تمهيدًا لتسليم الصهاينة المشعل لحكم الأرض ومن عليها. وفي الوقت الذي يطالب فيه المزيد من أصحاب العقول بوقف الحروب الصهيونية الأمريكية التي تتسبب في هلاك الأرواح البريئة، مع ما يُسجل من دمار هائل في البنيان، يتصاعد الخطاب السياسي المرعب الذي يجمع كل بذور الإرهاب من تبرير للقتل والتطهير العرقي، ومن إضفاء شرعية على عمليات سفك الدماء، ليضع بذلك الإنسانية أمام تحد كبير، وهو مدى القدرة على وضع حد لهذا النزيف الذي يهدد وجودها.
فالخطاب السياسي العنيف الذي يستند إلى تفاسير دينية مشكوك في جديتها، وإلى روايات ونبوءات قديمة مشكوك أيضًا في صدقيتها، يتنامى، وهو يغري الطامحين إلى تصدر الأحداث في العالم، وهناك الكثيرون، مثل وزير الدفاع الأمريكي، الذي وجد في استعمال الخطاب الديني وسيلة للصعود، يتحينون فرصة، ولا نعتقد أنه من السهل مقاومته، خاصة في ظل استمرار الصمت من الجانب المقابل، ممن يُفترض أن لديهم دور في تعديل الكفة وخلق التوازن المطلوب، حتى لا يختل هذا الكون كثيرًا. والأمر مربك جدًا لأن ما يحدث في العالم اليوم، وخاصة ما يصدر من الغرب، الذي من المفروض أنه نجح منذ زمن طويل في التمييز بين ما هو ديني وما هو دنيوي، وإرساء نظام ديمقراطي يقوم على الحرية والعدالة، وقد بلغ ما يعرف بمرحلة ما بعد الحداثة، مثير للاستغراب. فالمسألة الدينية خرجت من المؤسسة الدينية وأصبحت بيد رجال السياسة يطوعونها كما شاءوا، ووفق نزواتهم وقراءاتهم الخاصة، وأغلبهم لا يفقه في الدين شيئًا، ولا يميز بين الصلاة والشعوذة، وقد أصبح الناس في ريبة من أمرهم، وهناك من يعتقد اليوم أنه هناك جماعات خفية تسير هؤلاء، وأن شخصيات تبدو في الظاهر قوية، مثل الرئيس الأمريكي وفريقه، هم في الحقيقة لعبة بأيدي مجموعات خفية، مما يجعل الإنسانية مهددة بالإيغال أكثر فأكثر في عالم من الظلام، في وقت كان من المفروض أن تتحرر أكثر من القوى الطبيعية وأن تمسك زمامها بنفسها، بعد كل ما حققته من تطور في العلوم والمعارف.
وإذ بقيت الشعوب العربية في خانة المتفرج في الحرب الأخيرة، فإنها ليست في مأمن من ممارسات أصحاب الشأن في الغرب اليوم، وهي ليست بعيدة عما يدور في رأس زعيم أكبر دولة في العالم، وهو الذي يعتبر أن ثروات هذه البلدان من حقه لأنه يملك القوة، ولأنه يملك جوازًا أخضر للتصرف بأمر إلهي، ويعتقد أن له دورًا مهمًا في ترتيب الأوضاع من أجل تحقيق المشروع الصهيوني المتمثل في إسرائيل الكبرى. وهذا الدور، كما فهمنا من خلال ما صرح به الرئيس الأمريكي للإعلام، أو من خلال ما دونه، هو مقدس، وهو يتمثل في إزالة كل العقبات من أجل تيسير مهمة الصهاينة في المنطقة، سواء بالحروب المباشرة أو من خلال فرض التطبيع وجعله الفرضية الوحيدة الممكنة للدول التي تريد النجاة.
وبما أن القوة العسكرية، وفق ما كشفته حقيقة الميدان سواء خلال العدوان المزدوج الصهيوني الأمريكي ضد إيران، أو من خلال العدوان الصهيوني على غزة، أو محاولة اكتساح جنوب لبنان، لا تكفي، إذ اصطدمت الآلة العسكرية الصهيونية الأمريكية بصلابة الرد الإيراني، وبصلابة المقاومة في لبنان وفي فلسطين، فإنه تم اللجوء إلى المناورات والتخفي بستار الدين للاستقطاب، ومن أجل توفير كل الظروف لتحويل المواجهات العسكرية المحدودة في المكان والزمان إلى حرب دينية شاملة.
ولم تعد أمريكا وحليفها الكيان الصهيوني تكترثان لما يمكن أن تثيره ممارساتهما من تناقضات، ولا يهمهما أن يقف العالم عند العديد من المفارقات العجيبة، من بينها مثلًا أن أمريكا والكيان شنا حربًا ضد نظام عقائدي في إيران، في وقت لا يترددان فيه في العودة إلى النصوص الدينية الغابرة من أجل انتقاء مفردات تشرعن لهما عدوانهما وتضفي عليه نوعًا من القداسة.
في المقابل، وكما ذكرنا، ما زال الطرف المقابل في حالة صمت مربك. لم نستمع إلى صوت يعارض أو يقارع، بل الصوت المعارض الوحيد جاء من داخل القلعة الغربية، وتحديدًا من الفاتيكان ومن البابا ليو الرابع عشر، الذي أنكر على جماعة البيت الأبيض صلاتهم ورفض شعوذتهم. وقد كلفه الموقف كثيرًا، إذ تعرض لهجوم لاذع من الرئيس ترامب ومن أنصاره، الأمر الذي لم يثن البابا، ولم يدفعه إلى تغيير موقفه، حتى بعد تهديد الرئيس الأمريكي له بشكل مباشر، والتشكيك في أدائه.
المهم، أنه يتم اليوم استدعاء المسألة في أعلى مراكز القرار بالغرب، وتحديدًا في البيت الأبيض، ولئن كان للمسألة الدينية دائمًا حضورًا في الولايات المتحدة، حتى أنه يقع التنصيص في عملتهم الرسمية على إيمانهم بالله، فإنه لم يسبق أن حدثت لخبطة مثلما يحدث اليوم في دوائر القرار في أمريكا، حيث يعتقد الرئيس الأمريكي بشكل صريح أنه بلغ مرحلة ربانية عالية، وأنه يمكنه أن يشبه نفسه بالمسيح. ويكفي هذا الاعتقاد حتى يقود العالم إلى الهاوية، لأن من يعتقد أنه شبيه المسيح، أو أنه يحمل نفس المهمة بنفس القدر من القداسة والرضا الإلهي، لا يمكن توقع إلى أي مدى يمكنه أن يذهب بعيدًا في منح نفسه شرعية التصرف بدون قيود، في مصير بلده وفي مصير بلدان العالم. إنه باسم المهمة المقدسة يأمر فيُطاع. ولولا بعض الأصوات التي ما زالت تجرؤ على التعبير عن الرفض، لما توقفت الحرب في إيران في هذه المرحلة.
ماذا ينتظر العالم إذا ما استمر هذا المنطق، منطق إضفاء القداسة على حروب تسيل فيها الدماء بغزارة، وتُقتل فيها الملايين من الأرواح البريئة في سبيل تحقيق نبوءات مفتعلة صاغتها نفوس مريضة وتُروج على أنها الحقيقة الربانية؟ ذلك السؤال الذي يُطرح اليوم وسط اعتراف بأنه ربما توقفت الحرب حاليًا في الشرق الأوسط، لكن من يضمن، في ظل وجود اعتقاد راسخ لدى فئة من أصحاب القرار في أقوى البلدان في العالم بأنها تحمل تفويضًا إلهيًا في القتل، أن الحرب لن تعود، وبلهيب أكثر تأججًا في عهد ترامب أو ما بعده؟
حياة السايب
-لم ترتفع أصوات من الضفة المقابلة احتجاجًا على توظيف الدين في الخطاب السياسي، والصوت الوحيد المعارض جاء من داخل القلعة الغربية، إنه صوت بابا الفاتيكان.
-إضفاء القداسة على حروب التهلكة يهدد الإنسانية بمواجهات قد تنتهي بهلاكها.
-تنامي الخطاب السياسي العنيف الذي يستند إلى تفاسير دينية مشكوك في جديتها، وإلى روايات ونبوءات قديمة مشكوك أيضًا في صدقيتها، إرهاب يهدد العالم.
-في العدوان الصهيوني الأمريكي الأخير للحرب، ذُكر اسم المسيح مرات لا تُعد، واستُحضرت صورته بأشكال متعددة.
-هل تحرر الإنسان فعلاً من سطوة القوى الخارقة والغامضة والماورائيات، وهل تخلص من سطوة المعتقدات الدينية ومن سجن الخرافات، بعد تحقيقه تقدمًا علميًا وتكنولوجيًا هائلًا؟
من المفروض أن تكون الإجابة بنعم. فقد زالت الحدود بين البشر، وتقلصت المسافات بفضل التقدم العلمي والتكنولوجي، خاصة بفضل الثورة الرقمية التي حولت العالم فعلاً إلى قرية كونية، لكن الواقع يقول شيئًا آخر. فهناك من ما زال يعتقد أنه يحمل تفويضًا إلهيًا لتطهير الكون وإعداد الطريق، ولو على جماجم البشر، من أجل تحويل الأساطير حول نهاية الكون إلى حقيقة. هناك من يؤمن، مثل ما يحدث في الكيان الصهيوني، بأن فئة من البشر ستطوع العالم وتحكمه، وإن كانت قليلة، وأنه عليها، إن لزم الأمر، تصفية الآخرين.
والعدوان الأخير الذي شنته الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران، يدخل في هذا الإطار. فهو يهدف إلى إزالة عقبة صعبة من أجل تهيئة الأرض لاستقبال أمر جلل، وهو تحقيق مشروع إسرائيل الكبرى التي تمتد على مناطق شاسعة بالشرق الأوسط، والتي يعتقد الصهاينة أنهم، بتحقيق المشروع، يجسدون نبوءة توراتية قديمة في الموضوع.
لقد استُعملت في العدوان الأخير أسلحة متطورة جدًا، وكانت هناك أيضًا حرب معلومات – الحرب السيبرانية – وهي لا تقل خطورة عن المتفجرات والقنابل. لكن لم يتوقف الأمر عند ذلك، رغم خطورته، وإنما تم استعمال أسلحة من نوع آخر، وهي توظيف المسائل الدينية والعقائدية، وتم اللجوء إلى الأساطير والخرافات والنبوءات الدينية القديمة – التي تحتاج إلى تأكيد – والمذهل أن هذه الوسائل تم استعمالها بكثافة من الطرف الذي يُفترض أنه الأقوى عسكريًا، والأكثر تطورًا وتحضرًا ومدنية.
فقد استنجدت الإدارة الأمريكية، بداية من الرئيس دونالد ترامب وصولًا إلى وزيره للدفاع، بالمعتقدات الدينية بشكل علني وصريح، من خلال استحضار شخصية المسيح والنبوءات حول عودته في آخر الزمان، كما تم اللجوء إلى أعمال شبيهة بالشعوذة، وتم تداول صور ومقاطع فيديو من مكتب الرئيس الأمريكي بالبيت الأبيض، تقوم فيه ما تسمى بالمستشارة الروحية للرئيس بتعويذات لطرد الأرواح الشريرة وصلوات من أجل نصرته في عدوانه! والمشكل ليس الوازع الديني، وإنما مسرحة كل ذلك ونشره على الملأ وترويج مشاهد تُقام فيها صلوات من أجل ماذا؟ من أجل إنجاح عمليات القتل وهدم القناطر والجسور والمدارس والجامعات؟ والغريب أنها تمارس على نطاق رسمي، وفي أعلى هرم السلطة، وبمشاركة شخصيات محسوبة على النخبة، ومن المفروض أن تكون بعيدة عن هذه الممارسات الساذجة.
ولم يتوقف الأمر عند الصلوات وطلب المباركة الإلهية التي تقودها المستشارة الروحية، التي تبين، وفق مصادر إعلامية أمريكية وغربية عمومًا، أنها تمارس دورًا رسميًا، وأنها تجمع اعتمادات ضخمة لصالح الكيان الصهيوني، في إطار الدعاية المستمرة بأن دعم الكيان واجب ديني مقدس على المؤمنين بتلازم المسارات التاريخية والدينية اليهودية والمسيحية، وإنما لقد أقنعت هذه المرأة دونالد ترامب بأنه يشبه السيد المسيح، بل لعله صورته تجسيدًا لروحه في نسخة في هذا الزمن. فسرعان ما تلقف الرئيس الأمريكي الفكرة ونشر صورة له اتخذ فيها شكل المسيح وتقمص دوره في علاج المرضى الذي اشتهر به، عبر الروايات التاريخية والدينية. وبعد أن اضطر إلى سحب الصورة تأثرًا بما أحدثته من غضب، أعاد ترامب الكرة ونشر صورة أخرى تحمل نفس المعاني، في إصرار على تغليف دوره بغطاء ديني وإضفاء القداسة على ما يقوم به من تدخلات سافرة في شؤون بلدان مستقلة.
من جانبه، أصبح وزير الدفاع الأمريكي لا يتوقف عن استدعاء المسائل الدينية في خطاباته، وهو يحرص كل الحرص على تضمين خطابه مختارات من نصوص دينية، أو ما يعتقد أنها كذلك، لأنه تبين، وفق ما نقلته عنه صحافة بلاده، أنه يحدث أن يخلط بين نص ديني وبين مقطع من عمل فني. وإذا ما أضفنا إلى ذلك ما يروجه الصهاينة من نبوءات يقولون إنها توراتية حول نهاية الزمان، وما يرافقها من أعمال شعوذة، في انتظار اكتمال المشهد بهدم ما يلزم هدمه وفق مخططهم، فإن المسألة تصبح أكثر من واضحة، وهو أننا أمام خطر كبير يهدد وجود الإنسانية. هذا الخطر هو إضفاء الشرعية الدينية على جرائم الإبادة التي يمارسها الكيان الصهيوني بدعم أمريكي، وأيضًا على الحروب الأمريكية خارج قواعدها.
فهم يقتلون باسم الرب وباسم المسيح الذي يهيئون له، وفق تصوراتهم، الأرضية للعودة للدنيا تمهيدًا لتسليم الصهاينة المشعل لحكم الأرض ومن عليها. وفي الوقت الذي يطالب فيه المزيد من أصحاب العقول بوقف الحروب الصهيونية الأمريكية التي تتسبب في هلاك الأرواح البريئة، مع ما يُسجل من دمار هائل في البنيان، يتصاعد الخطاب السياسي المرعب الذي يجمع كل بذور الإرهاب من تبرير للقتل والتطهير العرقي، ومن إضفاء شرعية على عمليات سفك الدماء، ليضع بذلك الإنسانية أمام تحد كبير، وهو مدى القدرة على وضع حد لهذا النزيف الذي يهدد وجودها.
فالخطاب السياسي العنيف الذي يستند إلى تفاسير دينية مشكوك في جديتها، وإلى روايات ونبوءات قديمة مشكوك أيضًا في صدقيتها، يتنامى، وهو يغري الطامحين إلى تصدر الأحداث في العالم، وهناك الكثيرون، مثل وزير الدفاع الأمريكي، الذي وجد في استعمال الخطاب الديني وسيلة للصعود، يتحينون فرصة، ولا نعتقد أنه من السهل مقاومته، خاصة في ظل استمرار الصمت من الجانب المقابل، ممن يُفترض أن لديهم دور في تعديل الكفة وخلق التوازن المطلوب، حتى لا يختل هذا الكون كثيرًا. والأمر مربك جدًا لأن ما يحدث في العالم اليوم، وخاصة ما يصدر من الغرب، الذي من المفروض أنه نجح منذ زمن طويل في التمييز بين ما هو ديني وما هو دنيوي، وإرساء نظام ديمقراطي يقوم على الحرية والعدالة، وقد بلغ ما يعرف بمرحلة ما بعد الحداثة، مثير للاستغراب. فالمسألة الدينية خرجت من المؤسسة الدينية وأصبحت بيد رجال السياسة يطوعونها كما شاءوا، ووفق نزواتهم وقراءاتهم الخاصة، وأغلبهم لا يفقه في الدين شيئًا، ولا يميز بين الصلاة والشعوذة، وقد أصبح الناس في ريبة من أمرهم، وهناك من يعتقد اليوم أنه هناك جماعات خفية تسير هؤلاء، وأن شخصيات تبدو في الظاهر قوية، مثل الرئيس الأمريكي وفريقه، هم في الحقيقة لعبة بأيدي مجموعات خفية، مما يجعل الإنسانية مهددة بالإيغال أكثر فأكثر في عالم من الظلام، في وقت كان من المفروض أن تتحرر أكثر من القوى الطبيعية وأن تمسك زمامها بنفسها، بعد كل ما حققته من تطور في العلوم والمعارف.
وإذ بقيت الشعوب العربية في خانة المتفرج في الحرب الأخيرة، فإنها ليست في مأمن من ممارسات أصحاب الشأن في الغرب اليوم، وهي ليست بعيدة عما يدور في رأس زعيم أكبر دولة في العالم، وهو الذي يعتبر أن ثروات هذه البلدان من حقه لأنه يملك القوة، ولأنه يملك جوازًا أخضر للتصرف بأمر إلهي، ويعتقد أن له دورًا مهمًا في ترتيب الأوضاع من أجل تحقيق المشروع الصهيوني المتمثل في إسرائيل الكبرى. وهذا الدور، كما فهمنا من خلال ما صرح به الرئيس الأمريكي للإعلام، أو من خلال ما دونه، هو مقدس، وهو يتمثل في إزالة كل العقبات من أجل تيسير مهمة الصهاينة في المنطقة، سواء بالحروب المباشرة أو من خلال فرض التطبيع وجعله الفرضية الوحيدة الممكنة للدول التي تريد النجاة.
وبما أن القوة العسكرية، وفق ما كشفته حقيقة الميدان سواء خلال العدوان المزدوج الصهيوني الأمريكي ضد إيران، أو من خلال العدوان الصهيوني على غزة، أو محاولة اكتساح جنوب لبنان، لا تكفي، إذ اصطدمت الآلة العسكرية الصهيونية الأمريكية بصلابة الرد الإيراني، وبصلابة المقاومة في لبنان وفي فلسطين، فإنه تم اللجوء إلى المناورات والتخفي بستار الدين للاستقطاب، ومن أجل توفير كل الظروف لتحويل المواجهات العسكرية المحدودة في المكان والزمان إلى حرب دينية شاملة.
ولم تعد أمريكا وحليفها الكيان الصهيوني تكترثان لما يمكن أن تثيره ممارساتهما من تناقضات، ولا يهمهما أن يقف العالم عند العديد من المفارقات العجيبة، من بينها مثلًا أن أمريكا والكيان شنا حربًا ضد نظام عقائدي في إيران، في وقت لا يترددان فيه في العودة إلى النصوص الدينية الغابرة من أجل انتقاء مفردات تشرعن لهما عدوانهما وتضفي عليه نوعًا من القداسة.
في المقابل، وكما ذكرنا، ما زال الطرف المقابل في حالة صمت مربك. لم نستمع إلى صوت يعارض أو يقارع، بل الصوت المعارض الوحيد جاء من داخل القلعة الغربية، وتحديدًا من الفاتيكان ومن البابا ليو الرابع عشر، الذي أنكر على جماعة البيت الأبيض صلاتهم ورفض شعوذتهم. وقد كلفه الموقف كثيرًا، إذ تعرض لهجوم لاذع من الرئيس ترامب ومن أنصاره، الأمر الذي لم يثن البابا، ولم يدفعه إلى تغيير موقفه، حتى بعد تهديد الرئيس الأمريكي له بشكل مباشر، والتشكيك في أدائه.
المهم، أنه يتم اليوم استدعاء المسألة في أعلى مراكز القرار بالغرب، وتحديدًا في البيت الأبيض، ولئن كان للمسألة الدينية دائمًا حضورًا في الولايات المتحدة، حتى أنه يقع التنصيص في عملتهم الرسمية على إيمانهم بالله، فإنه لم يسبق أن حدثت لخبطة مثلما يحدث اليوم في دوائر القرار في أمريكا، حيث يعتقد الرئيس الأمريكي بشكل صريح أنه بلغ مرحلة ربانية عالية، وأنه يمكنه أن يشبه نفسه بالمسيح. ويكفي هذا الاعتقاد حتى يقود العالم إلى الهاوية، لأن من يعتقد أنه شبيه المسيح، أو أنه يحمل نفس المهمة بنفس القدر من القداسة والرضا الإلهي، لا يمكن توقع إلى أي مدى يمكنه أن يذهب بعيدًا في منح نفسه شرعية التصرف بدون قيود، في مصير بلده وفي مصير بلدان العالم. إنه باسم المهمة المقدسة يأمر فيُطاع. ولولا بعض الأصوات التي ما زالت تجرؤ على التعبير عن الرفض، لما توقفت الحرب في إيران في هذه المرحلة.
ماذا ينتظر العالم إذا ما استمر هذا المنطق، منطق إضفاء القداسة على حروب تسيل فيها الدماء بغزارة، وتُقتل فيها الملايين من الأرواح البريئة في سبيل تحقيق نبوءات مفتعلة صاغتها نفوس مريضة وتُروج على أنها الحقيقة الربانية؟ ذلك السؤال الذي يُطرح اليوم وسط اعتراف بأنه ربما توقفت الحرب حاليًا في الشرق الأوسط، لكن من يضمن، في ظل وجود اعتقاد راسخ لدى فئة من أصحاب القرار في أقوى البلدان في العالم بأنها تحمل تفويضًا إلهيًا في القتل، أن الحرب لن تعود، وبلهيب أكثر تأججًا في عهد ترامب أو ما بعده؟