إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

نواب يطالبون بـ«تجريم» الظاهرة.. إلقاء الفضلات في الأماكن العامة.. تجاوزات لا يمكن مجابهتها إلا بقوة القانون

- باحث في علم الاجتماع لـ«الصباح» : سلوك يعكس علاقة مختلة بين الفرد ومحيطه.. والرهان الحقيقي يكمن في بناء إنسان جديد يرى في الفضاء العمومي امتدادًا لذاته

مشاهد يومية متكررة حتى باتت مألوفة يقف من ورائها مواطنون يتخلصون من القمامة في الشوارع والطرقات وحتى الأماكن العامة، تاركين نفاياتهم المنزلية في غير الأماكن المخصصة لها دون مبالاة.. يمضون في طريقهم الى عملهم غير عابئين بما تركوه خلفهم وما سينجر عنه من أضرار للبيئة والمجتمع.. حتى بات المشهد مألوفا وأصبح قبول أكياس القمامة المتناثرة هنا وهناك قدر محتوم وواقع يجب القبول به والتعايش معه..

ولكن وككل سلوك مارق يجب محاربته بالردع.. والردع لا يكون إلا بقوة القانون..

مجموعة من النواب بالبرلمان انتبهوا الى أن «محاربة» ذلك السلوك لا يمكن التصدي له الا بالقانون فتقدموا إلى لجنة الصناعة والتجارة والثروات الطبيعية والطاقة والبيئة بمقترح قانون عدد 87 لسنة 2025 متعلّق بمنع إلقاء الفضلات في الأماكن العامة وتجريمها.

 ويتركز المقترح على إلزام الدولة بتوفير الحاويات والإمكانيات الضرورية، وإلزام المواطن عبر التوعية وتسليط العقوبات المالية على المخالفين، وإطلاق حملات تحسيسية دائمة خاصة في المدارس والفضاءات العامة، إلى جانب تطوير البنية التحتية لوضع الحاويات وتسهيل التخلص القانوني من الفضلات وإشراك الشباب والمجتمع المدني في الرقابة والتوعية. كما ينص المقترح على إطلاق حملات تحسيسية دائمة خاصة في المدارس والفضاءات العامة وتطوير البنية التحتية لوضع الحاويات وتسهيل التخلص القانوني من الفضلات. وأكد ممثلو جهة المبادرة، خلال جلسة استماع، انعقدت الإثنين الماضي، من قبل اللجنة، ضرورة تحيين المجلة الجزائية بقانون خاص أكثر تحديدا وصرامة إلى حين إصدار مجلة بيئية شاملة.

الفضاء العمومي بين التسيّب والمسؤولية..

يرى الباخث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين أن مسألة تراكم الفضلات في الفضاءات العامة في تونس ليس مجرد مشكل بيئي أو خلل تقني في منظومة النظافة، بل تحوّلت إلى ظاهرة اجتماعية مركبة تعكس اختلالات عميقة في علاقة الفرد بالمجتمع، والمواطن بالدولة، والقيم بالممارسة اليومية. فالفضاء العمومي الذي يُفترض أن يكون مرآة لتحضر المجتمع وتنظيمه، أصبح في عديد المناطق عنوانًا للفوضى، ومؤشرًا على أزمة ممتدة تمس البنية الثقافية والرمزية للمجتمع التونسي. وفي هذا السياق، يندرج مقترح القانون عدد 87 لسنة 2025 المتعلق بمنع إلقاء الفضلات في الأماكن العامة وتجريمها، كمحاولة لإعادة تنظيم هذه العلاقة المختلة، عبر الجمع بين الردع القانوني والتوعية وتطوير البنية التحتية. غير أن هذا المقترح، رغم وجاهته، يفتح الباب أمام تساؤلات سوسيولوجية أعمق تتعلق بطبيعة الظاهرة، وجذورها، وإمكانيات معالجتها.

ويضيف محدثنا أن التشخيص الدقيق لهذه الظاهرة يقتضي تجاوز القراءة السطحية التي تختزلها في «سلوكيات فردية غير حضارية»، نحو فهمها كنتاج لسيرورة اجتماعية وثقافية طويلة. . فالفضلات المنتشرة في الشوارع، وعلى الأرصفة، وفي الأحياء، وحتى في الفضاءات الطبيعية، ليست مجرد بقايا مادية، بل هي تعبير عن تمثل معين للفضاء العمومي، وعن علاقة مختلة بين الفرد ومحيطه.

 لقد أصبح رمي الفضلات في الأماكن العامة سلوكًا شبه عادي، لا يثير الاستهجان بالقدر الكافي، بل يُمارس في كثير من الأحيان دون إحساس بالذنب أو المسؤولية. وهذا التحول من السلوك المنحرف إلى السلوك المُطبّع هو في حد ذاته مؤشر خطير على تآكل الضوابط الاجتماعية.

ولفهم هذا التحول، لا بد من التعمق في التمثلات التي يحملها الأفراد حول الفضاء العمومي. ففي الوعي الجماعي لجزء واسع من التونسيين، ما يزال الفضاء العام يُنظر إليه باعتباره «فضاء الدولة» أو «فضاء لا يخص أحدًا»، وهو ما يضعف الإحساس بالملكية الجماعية والمسؤولية المشتركة. في المقابل، نجد حرصًا كبيرًا على نظافة الفضاء الخاص، وخاصة المنزل، بما يعكس انفصالًا واضحًا بين «الخاص النظيف» و»العام المهمل». هذا الانفصال ليس بريئًا، بل يعكس بنية ذهنية تشكّلت تاريخيًا في ظل علاقة عمودية بالدولة، حيث يُنظر إلى هذه الأخيرة باعتبارها الجهة الوحيدة المسؤولة عن إدارة الشأن العام، في مقابل مواطن سلبي أو منسحب من الفعل العمومي.

ولا يمكن فصل هذه التمثلات عن السياقات الاجتماعية والاقتصادية التي تؤطرها. . فضعف الخدمات البلدية في بعض المناطق، وعدم انتظام رفع الفضلات، ونقص الحاويات، كلها عوامل تغذي سلوك اللامبالاة، وتبرر، في نظر البعض، رمي الفضلات في الفضاء العام.

 كما أن التفاوت الجهوي في مستوى البنية التحتية البيئية يعمّق الإحساس بالغبن، ويعزز منطق «الدولة لم تقم بدورها، فلماذا ألتزم أنا؟»..في هذا السياق، يتحول السلوك الفردي إلى رد فعل على خلل بنيوي، وتصبح الفوضى نتيجة لتفاعل معقد بين تقصير الدولة ولا مسؤولية المواطن.

غير أن الاقتصار على تفسير الظاهرة من زاوية البنية التحتية أو الأداء البلدي يبقى غير كافٍ، إذ لا بد من استحضار البعد الثقافي والقيمي. فالمجتمع التونسي، شأنه شأن العديد من المجتمعات التي شهدت تحولات سريعة، يعيش حالة من التوتر بين قيم تقليدية وقيم حديثة، دون أن يتمكن من بلورة منظومة قيمية متماسكة. في هذا السياق، تراجعت قيم المواطنة والمسؤولية الجماعية، لصالح نزعات فردانية استهلاكية لا تقرن الحرية بالمسؤولية. كما أن التربية البيئية ما تزال ضعيفة، سواء في المدرسة أو في الفضاء العام، وهو ما يحدّ من تشكل وعي بيئي مستديم.

عقلية «البيليك»..

ومن بين المفاهيم التفسيرية التي تساعد على فهم هذه الظاهرة، تبرز عقلية «البيليك» كإطار سوسيولوجي دال. فهذه العقلية، التي تختزل الفضاء العمومي في كونه «ملكًا للدولة وليس للأفراد»، تبرر ضمنيًا التعامل اللامسؤول مع الممتلكات العامة. فحين يُنظر إلى الشارع أو الحديقة أو الشاطئ باعتبارها «ليست لي»، يصبح من السهل رمي الفضلات فيها دون إحساس بالانتماء أو الذنب. هذه العقلية ليست مجرد سلوك فردي، بل هي نتاج تاريخي لعلاقة اتسمت بالتباعد بين الدولة والمجتمع، حيث لم تتأسس المواطنة على المشاركة، بل على الامتثال أو الانسحاب. وفي هذا السياق، تصبح الفضلات علامة على أزمة أعمق، هي أزمة العلاقة بالعام، وأزمة الاندماج في الفضاء المشترك.

الرهان والتحارب المقارنة..

وإذا كان مقترح القانون عدد 87 لسنة 2025 يسعى إلى معالجة هذه الظاهرة عبر آليات ردعية وتحسيسية، فإن الرهان الحقيقي يكمن في مدى قدرته على إحداث تحول في السلوك والتمثلات. .

فالتجارب المقارنة تُظهر أن المقاربة الأمنية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون كافية بمفردها. فالعقوبات المالية، مهما كانت صارمة، تظل محدودة التأثير إذا لم تُدعم بوعي مجتمعي، وببنية تحتية ملائمة، وبثقافة عامة تُعلي من قيمة الفضاء العمومي. كما أن الرقابة لا يمكن أن تكون شاملة ودائمة، وهو ما يجعل التعويل المفرط على الردع خيارًا غير مستديم.

إن الاقتصار على الردع قد يؤدي إلى امتثال ظرفي، يخضع لوجود الرقيب، لكنه لا يضمن تحولًا دائمًا في السلوك. . بل قد يولد، في بعض الحالات، أشكالًا من التحايل أو الرفض، خاصة إذا  يُنظر إلى القانون باعتباره إكراها خارجيا. لذلك، فإن نجاح هذا المقترح التشريعي يظل رهينًا بقدرته على الاندماج في مقاربة شاملة، تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد التربوية والثقافية والاجتماعية.

ولا يمكن إغفال التداعيات الخطيرة لاستمرار هذه الظاهرة. فمن الناحية البيئية، تؤدي الفضلات إلى تلوث الهواء والمياه، وتدهور النظم البيئية، وتهديد الصحة العامة. ومن الناحية الاجتماعية، تساهم في تدهور جودة الحياة، وتغذية الإحساس بالفوضى وانعدام النظام. أما من الناحية الرمزية، فإن انتشار الفضلات في الفضاء العام يسيء إلى صورة المدن، ويضعف الشعور بالانتماء، ويقوض الثقة في المؤسسات. وعلى المستوى النفسي، يؤدي تطبيع الفوضى إلى خفض سقف التوقعات، وإلى قبول تدريجي بما كان يُعتبر في السابق مرفوضًا.

خلص محدثنا الى أنه أمام هذا الوضع، تبرز الحاجة إلى مقاربة متعددة الأبعاد، تتجاوز الحلول التقنية الظرفية نحو معالجة الجذور العميقة للظاهرة. فعلى المستوى البنيوي، لا بد من تحسين البنية التحتية، عبر توفير الحاويات بشكل كافٍ وعادل، وضمان انتظام خدمات رفع الفضلات، وتطوير منظومة التصرف فيها. وعلى المستوى التربوي، يتعين إدماج التربية البيئية في المناهج الدراسية، وتنظيم حملات تحسيسية مستمرة، لا تقتصر على المناسبات، بل تستهدف تغيير السلوك على المدى الطويل.

كما أن إشراك المجتمع المدني والشباب في جهود التوعية والرقابة يمكن أن يعزز من فعالية هذه المقاربة، عبر خلق نوع من الرقابة الاجتماعية التي تكمل الرقابة القانونية. ومن المهم أيضًا العمل على تغيير الخطاب السائد، من خطاب يُحمّل الدولة كامل المسؤولية، إلى خطاب يؤكد على المسؤولية المشتركة، ويعيد تعريف الفضاء العمومي باعتباره ملكًا جماعيًا يستوجب الحماية.

وفي هذا السياق، يكتسي البعد الرمزي أهمية خاصة، إذ لا يكفي تغيير السلوك دون تغيير المعنى.. فحين يُربط الحفاظ على النظافة بالكرامة، وبالانتماء، وبصورة المجتمع عن نفسه، يصبح السلوك النظيف تعبيرًا عن هوية، لا مجرد امتثال لقانون. وهذا التحول في المعنى هو ما يمكن أن يؤسس لثقافة جديدة، تتجاوز عقلية «البايليك» نحو مواطنة فاعلة ومسؤولة.

إن مقترح القانون عدد 87 لسنة 2025 يمثل خطوة مهمة في اتجاه تنظيم الفضاء العمومي والحد من الفوضى، لكنه يظل، في حد ذاته، غير كافٍ ما لم يُدرج ضمن رؤية مجتمعية شاملة تعيد بناء العلاقة بين المواطن والدولة، وتؤسس لثقافة جديدة تقوم على المسؤولية المشتركة. فالفضلات، في نهاية المطاف، ليست مجرد مشكلة نظافة، بل هي مرآة تعكس مستوى التحضر، وعمق الانتماء، وطبيعة العلاقة بالفضاء المشترك.

وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إزالة الفضلات من الشوارع، بل في إزالة الأسباب التي تنتجها، وفي بناء إنسان جديد يرى في الفضاء العمومي امتدادًا لذاته، لا فضاءً غريبًا عنه. حينها فقط يمكن أن تتحول النظافة من عبء على الدولة، إلى قيمة مجتمعية راسخة، ومن واجب مفروض، إلى سلوك تلقائي يعكس وعيًا جماعيًا متقدمًا.

مفيدة القيزاني

نواب يطالبون بـ«تجريم»  الظاهرة..   إلقاء الفضلات في الأماكن العامة.. تجاوزات لا يمكن مجابهتها إلا بقوة القانون

- باحث في علم الاجتماع لـ«الصباح» : سلوك يعكس علاقة مختلة بين الفرد ومحيطه.. والرهان الحقيقي يكمن في بناء إنسان جديد يرى في الفضاء العمومي امتدادًا لذاته

مشاهد يومية متكررة حتى باتت مألوفة يقف من ورائها مواطنون يتخلصون من القمامة في الشوارع والطرقات وحتى الأماكن العامة، تاركين نفاياتهم المنزلية في غير الأماكن المخصصة لها دون مبالاة.. يمضون في طريقهم الى عملهم غير عابئين بما تركوه خلفهم وما سينجر عنه من أضرار للبيئة والمجتمع.. حتى بات المشهد مألوفا وأصبح قبول أكياس القمامة المتناثرة هنا وهناك قدر محتوم وواقع يجب القبول به والتعايش معه..

ولكن وككل سلوك مارق يجب محاربته بالردع.. والردع لا يكون إلا بقوة القانون..

مجموعة من النواب بالبرلمان انتبهوا الى أن «محاربة» ذلك السلوك لا يمكن التصدي له الا بالقانون فتقدموا إلى لجنة الصناعة والتجارة والثروات الطبيعية والطاقة والبيئة بمقترح قانون عدد 87 لسنة 2025 متعلّق بمنع إلقاء الفضلات في الأماكن العامة وتجريمها.

 ويتركز المقترح على إلزام الدولة بتوفير الحاويات والإمكانيات الضرورية، وإلزام المواطن عبر التوعية وتسليط العقوبات المالية على المخالفين، وإطلاق حملات تحسيسية دائمة خاصة في المدارس والفضاءات العامة، إلى جانب تطوير البنية التحتية لوضع الحاويات وتسهيل التخلص القانوني من الفضلات وإشراك الشباب والمجتمع المدني في الرقابة والتوعية. كما ينص المقترح على إطلاق حملات تحسيسية دائمة خاصة في المدارس والفضاءات العامة وتطوير البنية التحتية لوضع الحاويات وتسهيل التخلص القانوني من الفضلات. وأكد ممثلو جهة المبادرة، خلال جلسة استماع، انعقدت الإثنين الماضي، من قبل اللجنة، ضرورة تحيين المجلة الجزائية بقانون خاص أكثر تحديدا وصرامة إلى حين إصدار مجلة بيئية شاملة.

الفضاء العمومي بين التسيّب والمسؤولية..

يرى الباخث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين أن مسألة تراكم الفضلات في الفضاءات العامة في تونس ليس مجرد مشكل بيئي أو خلل تقني في منظومة النظافة، بل تحوّلت إلى ظاهرة اجتماعية مركبة تعكس اختلالات عميقة في علاقة الفرد بالمجتمع، والمواطن بالدولة، والقيم بالممارسة اليومية. فالفضاء العمومي الذي يُفترض أن يكون مرآة لتحضر المجتمع وتنظيمه، أصبح في عديد المناطق عنوانًا للفوضى، ومؤشرًا على أزمة ممتدة تمس البنية الثقافية والرمزية للمجتمع التونسي. وفي هذا السياق، يندرج مقترح القانون عدد 87 لسنة 2025 المتعلق بمنع إلقاء الفضلات في الأماكن العامة وتجريمها، كمحاولة لإعادة تنظيم هذه العلاقة المختلة، عبر الجمع بين الردع القانوني والتوعية وتطوير البنية التحتية. غير أن هذا المقترح، رغم وجاهته، يفتح الباب أمام تساؤلات سوسيولوجية أعمق تتعلق بطبيعة الظاهرة، وجذورها، وإمكانيات معالجتها.

ويضيف محدثنا أن التشخيص الدقيق لهذه الظاهرة يقتضي تجاوز القراءة السطحية التي تختزلها في «سلوكيات فردية غير حضارية»، نحو فهمها كنتاج لسيرورة اجتماعية وثقافية طويلة. . فالفضلات المنتشرة في الشوارع، وعلى الأرصفة، وفي الأحياء، وحتى في الفضاءات الطبيعية، ليست مجرد بقايا مادية، بل هي تعبير عن تمثل معين للفضاء العمومي، وعن علاقة مختلة بين الفرد ومحيطه.

 لقد أصبح رمي الفضلات في الأماكن العامة سلوكًا شبه عادي، لا يثير الاستهجان بالقدر الكافي، بل يُمارس في كثير من الأحيان دون إحساس بالذنب أو المسؤولية. وهذا التحول من السلوك المنحرف إلى السلوك المُطبّع هو في حد ذاته مؤشر خطير على تآكل الضوابط الاجتماعية.

ولفهم هذا التحول، لا بد من التعمق في التمثلات التي يحملها الأفراد حول الفضاء العمومي. ففي الوعي الجماعي لجزء واسع من التونسيين، ما يزال الفضاء العام يُنظر إليه باعتباره «فضاء الدولة» أو «فضاء لا يخص أحدًا»، وهو ما يضعف الإحساس بالملكية الجماعية والمسؤولية المشتركة. في المقابل، نجد حرصًا كبيرًا على نظافة الفضاء الخاص، وخاصة المنزل، بما يعكس انفصالًا واضحًا بين «الخاص النظيف» و»العام المهمل». هذا الانفصال ليس بريئًا، بل يعكس بنية ذهنية تشكّلت تاريخيًا في ظل علاقة عمودية بالدولة، حيث يُنظر إلى هذه الأخيرة باعتبارها الجهة الوحيدة المسؤولة عن إدارة الشأن العام، في مقابل مواطن سلبي أو منسحب من الفعل العمومي.

ولا يمكن فصل هذه التمثلات عن السياقات الاجتماعية والاقتصادية التي تؤطرها. . فضعف الخدمات البلدية في بعض المناطق، وعدم انتظام رفع الفضلات، ونقص الحاويات، كلها عوامل تغذي سلوك اللامبالاة، وتبرر، في نظر البعض، رمي الفضلات في الفضاء العام.

 كما أن التفاوت الجهوي في مستوى البنية التحتية البيئية يعمّق الإحساس بالغبن، ويعزز منطق «الدولة لم تقم بدورها، فلماذا ألتزم أنا؟»..في هذا السياق، يتحول السلوك الفردي إلى رد فعل على خلل بنيوي، وتصبح الفوضى نتيجة لتفاعل معقد بين تقصير الدولة ولا مسؤولية المواطن.

غير أن الاقتصار على تفسير الظاهرة من زاوية البنية التحتية أو الأداء البلدي يبقى غير كافٍ، إذ لا بد من استحضار البعد الثقافي والقيمي. فالمجتمع التونسي، شأنه شأن العديد من المجتمعات التي شهدت تحولات سريعة، يعيش حالة من التوتر بين قيم تقليدية وقيم حديثة، دون أن يتمكن من بلورة منظومة قيمية متماسكة. في هذا السياق، تراجعت قيم المواطنة والمسؤولية الجماعية، لصالح نزعات فردانية استهلاكية لا تقرن الحرية بالمسؤولية. كما أن التربية البيئية ما تزال ضعيفة، سواء في المدرسة أو في الفضاء العام، وهو ما يحدّ من تشكل وعي بيئي مستديم.

عقلية «البيليك»..

ومن بين المفاهيم التفسيرية التي تساعد على فهم هذه الظاهرة، تبرز عقلية «البيليك» كإطار سوسيولوجي دال. فهذه العقلية، التي تختزل الفضاء العمومي في كونه «ملكًا للدولة وليس للأفراد»، تبرر ضمنيًا التعامل اللامسؤول مع الممتلكات العامة. فحين يُنظر إلى الشارع أو الحديقة أو الشاطئ باعتبارها «ليست لي»، يصبح من السهل رمي الفضلات فيها دون إحساس بالانتماء أو الذنب. هذه العقلية ليست مجرد سلوك فردي، بل هي نتاج تاريخي لعلاقة اتسمت بالتباعد بين الدولة والمجتمع، حيث لم تتأسس المواطنة على المشاركة، بل على الامتثال أو الانسحاب. وفي هذا السياق، تصبح الفضلات علامة على أزمة أعمق، هي أزمة العلاقة بالعام، وأزمة الاندماج في الفضاء المشترك.

الرهان والتحارب المقارنة..

وإذا كان مقترح القانون عدد 87 لسنة 2025 يسعى إلى معالجة هذه الظاهرة عبر آليات ردعية وتحسيسية، فإن الرهان الحقيقي يكمن في مدى قدرته على إحداث تحول في السلوك والتمثلات. .

فالتجارب المقارنة تُظهر أن المقاربة الأمنية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون كافية بمفردها. فالعقوبات المالية، مهما كانت صارمة، تظل محدودة التأثير إذا لم تُدعم بوعي مجتمعي، وببنية تحتية ملائمة، وبثقافة عامة تُعلي من قيمة الفضاء العمومي. كما أن الرقابة لا يمكن أن تكون شاملة ودائمة، وهو ما يجعل التعويل المفرط على الردع خيارًا غير مستديم.

إن الاقتصار على الردع قد يؤدي إلى امتثال ظرفي، يخضع لوجود الرقيب، لكنه لا يضمن تحولًا دائمًا في السلوك. . بل قد يولد، في بعض الحالات، أشكالًا من التحايل أو الرفض، خاصة إذا  يُنظر إلى القانون باعتباره إكراها خارجيا. لذلك، فإن نجاح هذا المقترح التشريعي يظل رهينًا بقدرته على الاندماج في مقاربة شاملة، تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد التربوية والثقافية والاجتماعية.

ولا يمكن إغفال التداعيات الخطيرة لاستمرار هذه الظاهرة. فمن الناحية البيئية، تؤدي الفضلات إلى تلوث الهواء والمياه، وتدهور النظم البيئية، وتهديد الصحة العامة. ومن الناحية الاجتماعية، تساهم في تدهور جودة الحياة، وتغذية الإحساس بالفوضى وانعدام النظام. أما من الناحية الرمزية، فإن انتشار الفضلات في الفضاء العام يسيء إلى صورة المدن، ويضعف الشعور بالانتماء، ويقوض الثقة في المؤسسات. وعلى المستوى النفسي، يؤدي تطبيع الفوضى إلى خفض سقف التوقعات، وإلى قبول تدريجي بما كان يُعتبر في السابق مرفوضًا.

خلص محدثنا الى أنه أمام هذا الوضع، تبرز الحاجة إلى مقاربة متعددة الأبعاد، تتجاوز الحلول التقنية الظرفية نحو معالجة الجذور العميقة للظاهرة. فعلى المستوى البنيوي، لا بد من تحسين البنية التحتية، عبر توفير الحاويات بشكل كافٍ وعادل، وضمان انتظام خدمات رفع الفضلات، وتطوير منظومة التصرف فيها. وعلى المستوى التربوي، يتعين إدماج التربية البيئية في المناهج الدراسية، وتنظيم حملات تحسيسية مستمرة، لا تقتصر على المناسبات، بل تستهدف تغيير السلوك على المدى الطويل.

كما أن إشراك المجتمع المدني والشباب في جهود التوعية والرقابة يمكن أن يعزز من فعالية هذه المقاربة، عبر خلق نوع من الرقابة الاجتماعية التي تكمل الرقابة القانونية. ومن المهم أيضًا العمل على تغيير الخطاب السائد، من خطاب يُحمّل الدولة كامل المسؤولية، إلى خطاب يؤكد على المسؤولية المشتركة، ويعيد تعريف الفضاء العمومي باعتباره ملكًا جماعيًا يستوجب الحماية.

وفي هذا السياق، يكتسي البعد الرمزي أهمية خاصة، إذ لا يكفي تغيير السلوك دون تغيير المعنى.. فحين يُربط الحفاظ على النظافة بالكرامة، وبالانتماء، وبصورة المجتمع عن نفسه، يصبح السلوك النظيف تعبيرًا عن هوية، لا مجرد امتثال لقانون. وهذا التحول في المعنى هو ما يمكن أن يؤسس لثقافة جديدة، تتجاوز عقلية «البايليك» نحو مواطنة فاعلة ومسؤولة.

إن مقترح القانون عدد 87 لسنة 2025 يمثل خطوة مهمة في اتجاه تنظيم الفضاء العمومي والحد من الفوضى، لكنه يظل، في حد ذاته، غير كافٍ ما لم يُدرج ضمن رؤية مجتمعية شاملة تعيد بناء العلاقة بين المواطن والدولة، وتؤسس لثقافة جديدة تقوم على المسؤولية المشتركة. فالفضلات، في نهاية المطاف، ليست مجرد مشكلة نظافة، بل هي مرآة تعكس مستوى التحضر، وعمق الانتماء، وطبيعة العلاقة بالفضاء المشترك.

وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إزالة الفضلات من الشوارع، بل في إزالة الأسباب التي تنتجها، وفي بناء إنسان جديد يرى في الفضاء العمومي امتدادًا لذاته، لا فضاءً غريبًا عنه. حينها فقط يمكن أن تتحول النظافة من عبء على الدولة، إلى قيمة مجتمعية راسخة، ومن واجب مفروض، إلى سلوك تلقائي يعكس وعيًا جماعيًا متقدمًا.

مفيدة القيزاني