إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

لإصلاح المنظومة النقدية والمالية.. هل يمضي البرلمان في تنقيح قانون البنك المركزي؟

أكد النائب عن «كتلة الخط الوطني السيادي» عضو لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب مسعود قريرة، أن اللجنة قطعت شوطا متقدما في دراسة مقترحات تنقيح القانون عدد 35 لسنة 2016 المؤرخ في 25 أفريل 2016 المتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي وإتمامه، وقال إن القرار الأخير بقبول هذه المقترحات أو رفضها يبقى من مشمولات الجلسة العامة للمجلس فهي سيدة نفسها.

 وأضاف في تصريح لـ «الصباح»  أنه بعد نقاش المبادرة التشريعية  التي تقدمت بها «كتلة الخط الوطني السيادي» منذ سنة 2023 لتعديل قانون البنك المركزي وكذلك المبادرة التشريعية التي تم تقديمها سنة 2024 من قبل نواب «كتلة صوت الجمهورية» بمعية نواب من مختلف الكتل ومن غير المنتمين إلى كتل لتنقيح نفس القانون، استقر الرأي صلب اللجنة على دعوة جهتي المبادرة لإعداد صيغة موحدة لمقترحي القانونين وهو ما حصل وتم التداول فيها الأسبوع الماضي بشكل مستفيض وتم توجيه مراسلة رسمية إلى البنك المركزي التونسي لدعوته إلى إبداء الرأي فيها.

وقال قريرة إن الهدف الأساسي من هذه الصيغة الموحدة هو تحقيق التوازن المنشود بين استقرار الأسعار وبين دعم الاقتصاد، فمن خلالها لا يقع السماح للدولة باللجوء المباشر للبنوك للاقتراض منها لتمويل الميزانية وبهذه الكيفية تعود البنوك لسالف نشاطها في إقراض المؤسسات الاقتصادية والأفراد، ولكن يتم تمكينها من الاقتراض المباشر من البنك المركزي لكن بشروط صارمة وذكر أنه تم الاتفاق على أن لا تفوق قيمة القرض 25 بالمائة من مداخيل الدولة الجبائية خلال ثلاثي واحد، وفسر أن المداخيل الجبائية في تونس خلال ثلاثية واحدة تقدر بنحو 45 ألف مليون دينار وهو ما يعني أن قيمة القرض الذي يمكن أن تحصل عليه الدولة من البنك المركزي بصفة مباشرة يجب ألا يتجاوز 11 ألف مليار، وأضاف أن تسديد الدين يتم في نفس العام لتلافي تفاقم الديون وتكون هذه القروض بفوائض  ولا يتم إنفاق القرض إلا في المشاريع الاستثمارية وبالتالي هي ليست قروضا موجهة إلى الاستهلاك.

ولاحظ  عضو مجلس نواب الشعب وممثل جهة المبادرة بمقترح القانون الأول المتعلق بتنقيح قانون البنك المركزي وإتمامه أنه في صورة موافقة الجلسة العامة للمجلس على مقترح القانون في صيغته الموحدة الجديدة فسيتم تحقيق غرضين أساسين، فمن ناحية يتم تمكين الحكومة من الحصول على موارد مالية من السوق الداخلية وتخفيف اللجوء إلى التداين الخارجي ومن ناحية ثانية يتم التخفيف عليها من أعباء الفوائض المشطة التي كانت تدفعها عند الاقتراض من البنوك الخاصة.

وأضاف قريرة أن الصيغة الموحدة للمبادتين التشريعيتين المتعلقتين بتنقيح قانون البنك المركزي لسنة 2016 وإتمامه تضمنت بعض المقترحات الأخرى التي تمسكت بها كتلة الجمهورية ومازال هناك مجال لنقاشها خلال الجلسة العامة، وذكر أن اللجنة حاليا بصدد انتظار رد البنك المركزي على طلب إبداء الرأي في الصيغة الموحدة  ومن المنتظر أن يتم عقد اجتماع آخر للإطلاع على رأي البنك ليتم المرور إلى التصويت عليها  وإحالتها في مرحلة لاحقة إلى الجلسة العامة للحسم فيها.

الاستقلالية مضمونة

وعبرت رئيسة «كتلة صوت الجمهورية» والنائبة بلجنة المالية والميزانية وممثلة جهة المبادرة بمقترح القانون الثاني المتعلق بتنقيح قانون البنك المركزي آمال المؤدب، عن أملها في أن تحظى الصيغة الموحدة للمبادرتين التشريعيتين المتعلقين بتنقيح هذا القانون بموافقة مجلس نواب الشعب.

وأضافت في تصريح لـ «الصباح» أنه لا بد من التذكير بمسار نقاش مقترحي القانونين المتعلقين بتنقيح القانون عدد 35 لسنة 2016 سالف الذكر، وبينت أنه في صائفة 2023 تقدم نواب كتلة الخط  الوطني السيادي بمبادرة تشريعية للغرض وهي تقتصر على إدخال تعديلات طفيفة منها بالخصوص السماح للبنك المركزي بتقديم تمويلات مباشرة لميزانية الدولة، وذكرت أنه بعد الإطلاع على هذه المبادرة تم التفكير صلب كتلة صوت الجمهورية بمعية مجموعة من النواب من مختلف الكتل ومن غير المنتمين إلى كتل في ضرورة في إعداد مقترح قانون آخر فيه رؤية متكاملة حول دور البنك المركزي التونسي، لأنهم يعتبرون أن دور البنك المركزي لا يجب أن يقتصر على مراقبة التضخم أو حتى على منح تسهيلات ظرفية استثنائية للدولة في شكل قروض لتمويل الميزانية ولكي تتمكن من خلاص قروض قديمة، بل عليه أن يلعب دورا اقتصاديا ويساهم في التنمية والتشغيل خاصة في هذه المرحلة التي رفعت فيها تونس شعار التعويل على الذات وهي مرحلة دقيقة بالنظر إلى الضغوط المسلطة على المالية العمومية وارتفاع كلفة الاقتراض الخارجي وتواصل اختلال ميزان المدفوعات.

وترى رئيسة «كتلة صوت الجمهورية» أن قانون البنك المركزي يجب أن يضمن بصفة فعلية التنسيق المحكم بين السياسة النقدية والسياسة الاقتصادية العامة للدولة، وفسرت أن هذا التنسيق ليس فيه أي مساس باستقلالية البنك المركزي وذكرت أنه لم يقع تعديل أي فصل من الفصول الأربعة التي تتعلق باستقلالية البنك المركزي فالبنك سيبقى مستقلًا عن وزارة المالية التي من دورها إعداد مشاريع الميزانية لكنه في نفس الوقت لا ينفصل عن السياسة الاقتصادية للدولة. وأوضحت المؤدب أن التصور الإصلاحي الذي تمت بلورته في الصيغة الموحدة التي تم عرضها على لجنة المالية والميزانية هو في نهاية المطاف من أجل أن يستعيد البنك المركزي التونسي دوره الريادي في المنظومة الاقتصادية الوطنية، فإلى جانب دوره في المحافظة على استقرار سعر الصرف واستقرار الأسعار تم توسيع مهامه لتشمل دعم السياسة الاقتصادية العامة للدولة وتحقيق النمو الذي سيمكن من دعم التشغيل وذلك في إطار الحرص على ضمان التناسق والتناغم بين السياسة النقدية والسياسة المالية، وسيؤدي هذا الإصلاح حسب وصفها على المدى البعيد إلى التخلص من مشكل المديونية.

وأكدت عضوة مجلس نواب الشعب آمال المؤدب أن التصور الذي تم تضمينه في الصيغة الموحدة سيساهم في تقليص كلفة تمويل الميزانية والحد من تفاقم المديونية وبينت أنه تم اقتراح إرساء آلية جديدة لتوفير السيولة عبر السندات الحكومية أي أنه يتم اعتماد السندات الحكومية كأداة أساسية لإعادة تمويل البنوك وتحسين انتقال السياسة النقدية، وتمكين الدولة من تمويل بأقل كلفة وفي إطار مضبوط ومنظم، وذكرت أن البنوك كانت عندما تحتاج إلى تمويل، تتوجه إلى البنك المركزي الذي يمنحها سيولة مقابل وضع سندات مالية كضمان وهو غالبا ديون عمومية وبالتالي تجني البنوك فوائد على هذه الديون العمومية يمكن أن تصل إلى عشرة بالمائة لكنها تدفع نسبة فائدة حسب سعر الفائدة الرئيسي الذي هو في الوقت الراهن في حدود سبعة بالمائة ومن خلال مقترح القانون في صيغته المعدلة سيتم تمكين البنك المركزي من شراء السندات التي يضعها البنك الخاص كضمانات عند رغبته في الحصول على تمويل جديد.. وذكرت أن المقترح يسمح باستبدال الديون العمومية الموضوعة سابقًا كضمان لدى البنك المركزي مقابل إسقاط البنك المركزي للديون المستحقة له على البنوك التجارية وأضافت أن هذه الإجراءات ستمكن على مدى بعيد من الحد من المديونية وسيجعل الدولة تربح قرابة أربعة آلاف مليار في غضون سبع سنوات كانت ستقوم بخلاصها في شكل فوائض للبنوك وسيؤدي رويدا رويدا إلى تصفية الديون القديمة، وذكرت أنه في السابق كانت الدولة تفتح سندات وبهذه الكيفية أصبحت للبنوك قوة امتلاك السندات وتم من خلال المقترح المعروض على لجنة المالية والميزانية تمكين البنك المركزي التونسي من الحصول على سندات من البنوك مقابل تمكينها من السيولة وبهذه الكيفية يكون سندا للاقتصاد ويتم تحقيق التكامل الفعلي بين السياسة النقدية والسياسة المالية ويقع الحد من اللجوء المتكرر للتداين من أجل خلاص ديون سابقة.

ضمانات عديدة

وأشارت النائبة آمال المؤدب إلى أن الصيغة الموحدة للمبادرتين التشريعيتين المتعلقتين بتنقيح قانون البنك المركزي فيها جملة من الضمانات القانونية والرقابية من بينها تحديد أسقف واضحة لتدخلات البنك المركزي وذكرت أن هناك من يتساءل هل ستتم طباعة الأموال وهي تطمئنهم بأن مقترحهم وضع أسقفا واضحة وآجالا مضبوطة لكل تدخل كما تم ربط بعض التدخلات بمستوى احتياطي العملة الأجنبية حماية للتوازنات النقدية وإضافة إلى ذلك تم تعزيز الشفافية والمساءلة من خلال إقرار آلية الرقابة البرلمانية على القرارات المالية الكبرى حتى لا تقوم العملية تقنية فقط بل يتم إخضاعها للمساءلة من قبل ممثلي الشعب التونسي.

وأكدت المؤدب أن أصحاب المبادرة ليس ضد الاقتراض لكنهم يريدون توجيه القروض التي تحصل عليها الدولة للاستثمار وليس للاستهلاك. وخلصت إلى أن الصيغة الموحدة للمبادرتين التشريعيتين المتعلقتين بتنقيح قانون البنك المركزي وإتمامه المعروضة حاليا على لجنة المالية والميزانية تهدف إلى دعم مهام البنك المركزي بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة الاقتصادية الحالية وذلك عبر إدراج دعم السياسة الاقتصادية للدولة والنمو والتشغيل ضمن مهامه إلى جانب مهمة المحافظة على استقرار الأسعار، وعبر التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية بما يساهم في تقليص كلفة تمويل الميزانية والحد من تفاقم المديونية العمومية. أي أن يكون هناك بنك مركزي قوي ومستقل لكن في أن واحد مندمج في مشروع اقتصادي وطني يوازن بين الاستقرار النقدي والتنمية الاقتصادية. كما يهدف حسب قولها إلى تطوير آليات تدخل البنك المركزي لتمكينه من الاستجابة لاحتياجات السيولة وتمويل الاقتصاد في الظروف الاستثنائية، إضافة إلى تعزيز السيادة المالية والنقدية عبر تقليص الاعتماد المفرط على التمويل الخارجي مرتفع الكلفة فالغاية من إدراج التمويل المباشر وغير المباشر للخزينة هي التخفيض من كلفة تمويل الدولة والتقليص من اللجوء إلى التمويل الخارجي بنسب فائدة مرتفعة وكل ذلك ضمن إطار قانوني واضح لا يضر بالاستقرار النقدي، وتوجيه السياسة النقدية نحو دعم الاستقرار الاقتصادي ككل بما يشمل استقرار سعر الصرف ويضمن استدامة الاحتياطي من العملة الأجنبية. ويهدف المقترح كذلك إلى إرساء آليات رقابة برلمانية على القرارات الكبرى المتعلقة بالاقتراض والضمانات المالية.

لا لصك على بياض

وكانت مسألة الترخيص للدولة في الاقتراض المباشر من البنك المركزي من أكثر المواضيع التي أثارت جدلا تحت قبة البرلمان بمناسبة نقاش مشروع قانون المالية لسنة 2026 في إطار الجلسات المشتركة بين مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم. وباستفساره عن رأيه في مضامين الصيغة الموحدة لمقترحي القانونين المتعلقين بتنقيح قانون البنك المركزي وإتمامه أجاب علاء غزواني النائب بلجنة المالية والميزانية بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم في تصريح لـ «الصباح» أنه اطلع بكل انتباه على المذكرة التفسيرية للتعديلات التي تضمنتها الصيغة الموحدة التي تم عرضها مؤخرا على أنظار لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب، وهو ليس مع الرفض المطلق لمقترحات تنقيح القانون عدد 35 لسنة 2016 المؤرخ في 25 أفريل 2016 المتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي وإتمامه، ولكنه في نفس الوقت لا يوافق عليها بشكل مطلق، وفسر أنه مع أي مبادرة تضمن تنقيحا مدروسا ومسؤولا لقانون البنك المركزي، لأن الوضع الاقتصادي الراهن  في البلاد لم يعد يحتمل الجمود التشريعي.

ولاحظ النائب أن القانون عدد 35 لسنة 2016 لئن ساهم حقا في تعزيز استقلالية البنك المركزي فإن التجربة أثبتت منذ الشروع في تطبيقه حدوث فجوة بين السياسة النقدية والسياسة الاقتصادية للدولة وهو ما انعكس بصفة سلبية على كلفة التمويل وعلى النمو.

ويرى غزواني أنه لا يمكن في المقابل الاتجاه نحو توسيع مجال تدخل البنك المركزي دون أن تكون هناك ضوابط، لأن ذلك قد يهدد على المدى المتوسط استقرار الأسعار وقيمة الدينار. وذكر أنه مع فتح المجال للبنك المركزي لكي يلعب دورا أكثر فاعلية في تمويل الاقتصاد شريطه أن يكون ذلك في إطار قانوني واضح ومحدد يضمن التوازن بين دعم الدولة من ناحية ومن ناحية أخرى الحفاظ على الاستقرار النقدي. ويتمثل الشرط الأول حسب رأيه في تحديد أسقف واضحة للتمويل فأي تمويل مباشر أو غير مباشر للدولة يجب أن يكون بأسقف محددة كنسبة من الناتج الداخلي الخام، حتى لا يتحول إلى تمويل مفتوح.

ويتمثل الشرط الثاني حسب قول النائب بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم في إقرار رقابة برلمانية فعلية على هذا التمويل، وذكر أن دور المجلس النيابي يجب أن يكون فاعلا وحقيقيا في مراقبة اللجوء إلى هذه الآليات. وبين غزواني أن الشرط الثالث يتمثل في توجيه التمويل المباشر وغير المباشر الذي تحصل عليه الدولة من البنك المركزي التونسي نحو الاستثمار وليس الاستهلاك، ويجب أن يذهب التمويل لتنفيذ مشاريع البنية التحتية وللمؤسسات، وأن يوظف لخلق الثروة ودفع النمو وليس لخلاص الأجور ودعم المحروقات وتغطية النفقات الجارية .

وإجابة عن سؤال آخر حول ما إذا كانت المقترحات التي تضمنتها الصيغة الموحدة تمس من استقلالية البنك المركزي قال النائب إن الاستقلالية يجب أن تكون استقلالية مسؤولة ومنفتحة على أولويات الدولة فلا إفراط في الاستقلالية ولا تفريط فيها وذكر أنه مع تحديث قانون البنك المركزي وتوسيع مهام هذا البنك لكن لا بد أن يكون ذلك في إطار حوكمة صارمة تضمن السيادة المالية دون التفريط في الاستقرار النقدي، وبين أن تونس تحتاج إلى حلول غير تقليدية وفي نفس الوقت يجب الحذر ويرى أنه لا بد من القيام بتقييم دوري لآثار أي تدخل يقوم به البنك المركزي لتمويل الدولة سواء على نسبة التضخم أو على قيمة الدينار أو على الاحتياطي من العملة الصعبة، وذكر أنه على أصحاب المبادرة التنصيص بوضوح على إخضاع أي إجراء من هذا القبيل للتقييم الدوري لتلافي المنزلقات والمخاطر، وخلص إلى أنه مع تنقيح قانون البنك المركزي لكنه لا يوافق على إعطاء صك على بياض للحكومة لكي تلجأ إلى الاقتراض من البنك المركزي متى تريد بل لا بد من توفر شروط  واضحة  للتمويل وهي ضبط سقف التمويل، والرقابة البرلمانية الحقيقية، وتوجيه التمويل نحو الاستثمار وليس للحلول الترقيعية وأن يكون الهدف الأساسي منه هو تحقيق توازن بين دعم الاقتصاد والحفاظ على استقرار الدينار.

محطة مفصلية

وكانت لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب قد خصصت جلستها المنعقدة يوم الأربعاء الماضي  8 أفريل 2026 للاستماع إلى أصحاب جهتي المبادرة التشريعية بخصوص الصيغة المعدلة لمقترحي القانونين عدد 6 لسنة 2023 وعدد 70 لسنة 2024 المتعلقين بتنقيح وإتمام القانون عدد 35 لسنة 2016 المؤرخ في 25 أفريل 2016 المتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي.

 وإثر الاستماع إلى تفاصيل الصيغة المعدلة تم فتح باب النقاش وقد جاء في بلاغ صادر عن اللجنة أنه  «دار نقاش ثري ومعمّق عكس وعيا جماعيا من طرف النواب بدقة المرحلة وحساسية التوازنات الاقتصادية، وتمحورت تدخلاتهم حول جملة من الإشكاليات التي تمسّ جوهر الإصلاح المقترح وحدوده. وأكد عدد منهم على أن الإشكال المطروح يتجاوز الجانب الفني المرتبط بآليات التمويل، ليعكس أزمة هيكلية في نموذج التنمية وفي مردودية السياسات العمومية، معتبرين أن تواصل الاعتماد المكثف على التداين، سواء الداخلي أو الخارجي، هو نتيجة مباشرة لضعف النمو وغياب تنويع فعلي لمصادر تمويل الاقتصاد. وعبّر النواب بوضوح عن مخاوفهم من إمكانية أن يؤدي توسيع تدخل البنك المركزي إلى تحول تدريجي نحو تمويل غير مباشر لعجز الميزانية، بما قد يفضي على المدى المتوسط إلى ضغوط تضخمية ويؤثر على استقرار الأسعار، خاصة في حال غياب ضوابط صارمة وآليات رقابة فعالة. كما تم طرح أسئلة دقيقة حول مدى قدرة المقترحات المقدمة على الحفاظ على التوازن بين دعم المالية العمومية وضمان الاستقرار النقدي، وخاصة التحكم في انعكاسات شراء الدين العمومي على الكتلة النقدية، وحماية سعر صرف الدينار ومستوى الاحتياطي من العملة الأجنبية، وتجنب مزاحمة الدولة للقطاع الخاص في النفاذ إلى التمويل. وأكد عدد من النواب أن استقلالية البنك المركزي تمثل مكسبا مؤسساتيا يجب الحفاظ عليه، ودعوا إلى ضرورة تجنب أي تأويل قد يفضي إلى إضعاف هذه الاستقلالية أو إخضاعها لاعتبارات ظرفية، لما لذلك من تأثير مباشر على مصداقية السياسة النقدية وثقة الفاعلين الاقتصاديين. كما تمحورت مداخلات النواب حول معالجة إشكالية المديونية التي لا يمكن أن تكون نقدية فقط، بل تقتضي رؤية إصلاحية متكاملة تشمل إصلاح المؤسسات العمومية وتحسين حوكمتها وتطوير مناخ الاستثمار وتنويع الموارد غير الجبائية ورفع نجاعة الإنفاق العمومي، كما دعا النواب إلى توجيه تدخل البنك المركزي نحو دعم الاستثمار والبنية التحتية، بما يساهم في خلق الثروة وتحقيق النمو،  وشددوا على ضرورة تلافي توظيف الآليات المقترحة صلب المبادرة  لتمويل النفقات الجارية وذلك حفاظًا على التوازنات الاقتصادية الكلية وتطرق عدد منهم إلى مشكل تصاعد كلفة الدين الداخلي ولاحظوا أن اللجوء المكثف إلى السوق المالية المحلية أدى إلى استنزاف السيولة وارتفاع نسب الفائدة، وهو ما انعكس سلبيا على الاستثمار الخاص، ويستوجب الأمر حسب رأيهم معالجة هيكلية لهذه المسألة ضمن أي إصلاح مقترح».

كما جاء في نفس البلاغ أنه في ختام الجلسة أكدت لجنة المالية والميزانية أن مقترح القانون في صيغته المعدلة يمثل «محطة مفصلية في مسار إصلاح المنظومة النقدية والمالية، وفرصة لإرساء نموذج اقتصادي أكثر توازنا ونجاعة، قائم على التكامل بين السياسات العمومية وتعزيز السيادة الاقتصادية الوطنية». وبعد التداول قررت اللجنة مراسلة البنك المركزي التونسي لطلب إبداء رأيه حول هذا المقترح.

سعيدة بوهلال

لإصلاح المنظومة النقدية والمالية..   هل يمضي البرلمان في تنقيح قانون البنك المركزي؟

أكد النائب عن «كتلة الخط الوطني السيادي» عضو لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب مسعود قريرة، أن اللجنة قطعت شوطا متقدما في دراسة مقترحات تنقيح القانون عدد 35 لسنة 2016 المؤرخ في 25 أفريل 2016 المتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي وإتمامه، وقال إن القرار الأخير بقبول هذه المقترحات أو رفضها يبقى من مشمولات الجلسة العامة للمجلس فهي سيدة نفسها.

 وأضاف في تصريح لـ «الصباح»  أنه بعد نقاش المبادرة التشريعية  التي تقدمت بها «كتلة الخط الوطني السيادي» منذ سنة 2023 لتعديل قانون البنك المركزي وكذلك المبادرة التشريعية التي تم تقديمها سنة 2024 من قبل نواب «كتلة صوت الجمهورية» بمعية نواب من مختلف الكتل ومن غير المنتمين إلى كتل لتنقيح نفس القانون، استقر الرأي صلب اللجنة على دعوة جهتي المبادرة لإعداد صيغة موحدة لمقترحي القانونين وهو ما حصل وتم التداول فيها الأسبوع الماضي بشكل مستفيض وتم توجيه مراسلة رسمية إلى البنك المركزي التونسي لدعوته إلى إبداء الرأي فيها.

وقال قريرة إن الهدف الأساسي من هذه الصيغة الموحدة هو تحقيق التوازن المنشود بين استقرار الأسعار وبين دعم الاقتصاد، فمن خلالها لا يقع السماح للدولة باللجوء المباشر للبنوك للاقتراض منها لتمويل الميزانية وبهذه الكيفية تعود البنوك لسالف نشاطها في إقراض المؤسسات الاقتصادية والأفراد، ولكن يتم تمكينها من الاقتراض المباشر من البنك المركزي لكن بشروط صارمة وذكر أنه تم الاتفاق على أن لا تفوق قيمة القرض 25 بالمائة من مداخيل الدولة الجبائية خلال ثلاثي واحد، وفسر أن المداخيل الجبائية في تونس خلال ثلاثية واحدة تقدر بنحو 45 ألف مليون دينار وهو ما يعني أن قيمة القرض الذي يمكن أن تحصل عليه الدولة من البنك المركزي بصفة مباشرة يجب ألا يتجاوز 11 ألف مليار، وأضاف أن تسديد الدين يتم في نفس العام لتلافي تفاقم الديون وتكون هذه القروض بفوائض  ولا يتم إنفاق القرض إلا في المشاريع الاستثمارية وبالتالي هي ليست قروضا موجهة إلى الاستهلاك.

ولاحظ  عضو مجلس نواب الشعب وممثل جهة المبادرة بمقترح القانون الأول المتعلق بتنقيح قانون البنك المركزي وإتمامه أنه في صورة موافقة الجلسة العامة للمجلس على مقترح القانون في صيغته الموحدة الجديدة فسيتم تحقيق غرضين أساسين، فمن ناحية يتم تمكين الحكومة من الحصول على موارد مالية من السوق الداخلية وتخفيف اللجوء إلى التداين الخارجي ومن ناحية ثانية يتم التخفيف عليها من أعباء الفوائض المشطة التي كانت تدفعها عند الاقتراض من البنوك الخاصة.

وأضاف قريرة أن الصيغة الموحدة للمبادتين التشريعيتين المتعلقتين بتنقيح قانون البنك المركزي لسنة 2016 وإتمامه تضمنت بعض المقترحات الأخرى التي تمسكت بها كتلة الجمهورية ومازال هناك مجال لنقاشها خلال الجلسة العامة، وذكر أن اللجنة حاليا بصدد انتظار رد البنك المركزي على طلب إبداء الرأي في الصيغة الموحدة  ومن المنتظر أن يتم عقد اجتماع آخر للإطلاع على رأي البنك ليتم المرور إلى التصويت عليها  وإحالتها في مرحلة لاحقة إلى الجلسة العامة للحسم فيها.

الاستقلالية مضمونة

وعبرت رئيسة «كتلة صوت الجمهورية» والنائبة بلجنة المالية والميزانية وممثلة جهة المبادرة بمقترح القانون الثاني المتعلق بتنقيح قانون البنك المركزي آمال المؤدب، عن أملها في أن تحظى الصيغة الموحدة للمبادرتين التشريعيتين المتعلقين بتنقيح هذا القانون بموافقة مجلس نواب الشعب.

وأضافت في تصريح لـ «الصباح» أنه لا بد من التذكير بمسار نقاش مقترحي القانونين المتعلقين بتنقيح القانون عدد 35 لسنة 2016 سالف الذكر، وبينت أنه في صائفة 2023 تقدم نواب كتلة الخط  الوطني السيادي بمبادرة تشريعية للغرض وهي تقتصر على إدخال تعديلات طفيفة منها بالخصوص السماح للبنك المركزي بتقديم تمويلات مباشرة لميزانية الدولة، وذكرت أنه بعد الإطلاع على هذه المبادرة تم التفكير صلب كتلة صوت الجمهورية بمعية مجموعة من النواب من مختلف الكتل ومن غير المنتمين إلى كتل في ضرورة في إعداد مقترح قانون آخر فيه رؤية متكاملة حول دور البنك المركزي التونسي، لأنهم يعتبرون أن دور البنك المركزي لا يجب أن يقتصر على مراقبة التضخم أو حتى على منح تسهيلات ظرفية استثنائية للدولة في شكل قروض لتمويل الميزانية ولكي تتمكن من خلاص قروض قديمة، بل عليه أن يلعب دورا اقتصاديا ويساهم في التنمية والتشغيل خاصة في هذه المرحلة التي رفعت فيها تونس شعار التعويل على الذات وهي مرحلة دقيقة بالنظر إلى الضغوط المسلطة على المالية العمومية وارتفاع كلفة الاقتراض الخارجي وتواصل اختلال ميزان المدفوعات.

وترى رئيسة «كتلة صوت الجمهورية» أن قانون البنك المركزي يجب أن يضمن بصفة فعلية التنسيق المحكم بين السياسة النقدية والسياسة الاقتصادية العامة للدولة، وفسرت أن هذا التنسيق ليس فيه أي مساس باستقلالية البنك المركزي وذكرت أنه لم يقع تعديل أي فصل من الفصول الأربعة التي تتعلق باستقلالية البنك المركزي فالبنك سيبقى مستقلًا عن وزارة المالية التي من دورها إعداد مشاريع الميزانية لكنه في نفس الوقت لا ينفصل عن السياسة الاقتصادية للدولة. وأوضحت المؤدب أن التصور الإصلاحي الذي تمت بلورته في الصيغة الموحدة التي تم عرضها على لجنة المالية والميزانية هو في نهاية المطاف من أجل أن يستعيد البنك المركزي التونسي دوره الريادي في المنظومة الاقتصادية الوطنية، فإلى جانب دوره في المحافظة على استقرار سعر الصرف واستقرار الأسعار تم توسيع مهامه لتشمل دعم السياسة الاقتصادية العامة للدولة وتحقيق النمو الذي سيمكن من دعم التشغيل وذلك في إطار الحرص على ضمان التناسق والتناغم بين السياسة النقدية والسياسة المالية، وسيؤدي هذا الإصلاح حسب وصفها على المدى البعيد إلى التخلص من مشكل المديونية.

وأكدت عضوة مجلس نواب الشعب آمال المؤدب أن التصور الذي تم تضمينه في الصيغة الموحدة سيساهم في تقليص كلفة تمويل الميزانية والحد من تفاقم المديونية وبينت أنه تم اقتراح إرساء آلية جديدة لتوفير السيولة عبر السندات الحكومية أي أنه يتم اعتماد السندات الحكومية كأداة أساسية لإعادة تمويل البنوك وتحسين انتقال السياسة النقدية، وتمكين الدولة من تمويل بأقل كلفة وفي إطار مضبوط ومنظم، وذكرت أن البنوك كانت عندما تحتاج إلى تمويل، تتوجه إلى البنك المركزي الذي يمنحها سيولة مقابل وضع سندات مالية كضمان وهو غالبا ديون عمومية وبالتالي تجني البنوك فوائد على هذه الديون العمومية يمكن أن تصل إلى عشرة بالمائة لكنها تدفع نسبة فائدة حسب سعر الفائدة الرئيسي الذي هو في الوقت الراهن في حدود سبعة بالمائة ومن خلال مقترح القانون في صيغته المعدلة سيتم تمكين البنك المركزي من شراء السندات التي يضعها البنك الخاص كضمانات عند رغبته في الحصول على تمويل جديد.. وذكرت أن المقترح يسمح باستبدال الديون العمومية الموضوعة سابقًا كضمان لدى البنك المركزي مقابل إسقاط البنك المركزي للديون المستحقة له على البنوك التجارية وأضافت أن هذه الإجراءات ستمكن على مدى بعيد من الحد من المديونية وسيجعل الدولة تربح قرابة أربعة آلاف مليار في غضون سبع سنوات كانت ستقوم بخلاصها في شكل فوائض للبنوك وسيؤدي رويدا رويدا إلى تصفية الديون القديمة، وذكرت أنه في السابق كانت الدولة تفتح سندات وبهذه الكيفية أصبحت للبنوك قوة امتلاك السندات وتم من خلال المقترح المعروض على لجنة المالية والميزانية تمكين البنك المركزي التونسي من الحصول على سندات من البنوك مقابل تمكينها من السيولة وبهذه الكيفية يكون سندا للاقتصاد ويتم تحقيق التكامل الفعلي بين السياسة النقدية والسياسة المالية ويقع الحد من اللجوء المتكرر للتداين من أجل خلاص ديون سابقة.

ضمانات عديدة

وأشارت النائبة آمال المؤدب إلى أن الصيغة الموحدة للمبادرتين التشريعيتين المتعلقتين بتنقيح قانون البنك المركزي فيها جملة من الضمانات القانونية والرقابية من بينها تحديد أسقف واضحة لتدخلات البنك المركزي وذكرت أن هناك من يتساءل هل ستتم طباعة الأموال وهي تطمئنهم بأن مقترحهم وضع أسقفا واضحة وآجالا مضبوطة لكل تدخل كما تم ربط بعض التدخلات بمستوى احتياطي العملة الأجنبية حماية للتوازنات النقدية وإضافة إلى ذلك تم تعزيز الشفافية والمساءلة من خلال إقرار آلية الرقابة البرلمانية على القرارات المالية الكبرى حتى لا تقوم العملية تقنية فقط بل يتم إخضاعها للمساءلة من قبل ممثلي الشعب التونسي.

وأكدت المؤدب أن أصحاب المبادرة ليس ضد الاقتراض لكنهم يريدون توجيه القروض التي تحصل عليها الدولة للاستثمار وليس للاستهلاك. وخلصت إلى أن الصيغة الموحدة للمبادرتين التشريعيتين المتعلقتين بتنقيح قانون البنك المركزي وإتمامه المعروضة حاليا على لجنة المالية والميزانية تهدف إلى دعم مهام البنك المركزي بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة الاقتصادية الحالية وذلك عبر إدراج دعم السياسة الاقتصادية للدولة والنمو والتشغيل ضمن مهامه إلى جانب مهمة المحافظة على استقرار الأسعار، وعبر التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية بما يساهم في تقليص كلفة تمويل الميزانية والحد من تفاقم المديونية العمومية. أي أن يكون هناك بنك مركزي قوي ومستقل لكن في أن واحد مندمج في مشروع اقتصادي وطني يوازن بين الاستقرار النقدي والتنمية الاقتصادية. كما يهدف حسب قولها إلى تطوير آليات تدخل البنك المركزي لتمكينه من الاستجابة لاحتياجات السيولة وتمويل الاقتصاد في الظروف الاستثنائية، إضافة إلى تعزيز السيادة المالية والنقدية عبر تقليص الاعتماد المفرط على التمويل الخارجي مرتفع الكلفة فالغاية من إدراج التمويل المباشر وغير المباشر للخزينة هي التخفيض من كلفة تمويل الدولة والتقليص من اللجوء إلى التمويل الخارجي بنسب فائدة مرتفعة وكل ذلك ضمن إطار قانوني واضح لا يضر بالاستقرار النقدي، وتوجيه السياسة النقدية نحو دعم الاستقرار الاقتصادي ككل بما يشمل استقرار سعر الصرف ويضمن استدامة الاحتياطي من العملة الأجنبية. ويهدف المقترح كذلك إلى إرساء آليات رقابة برلمانية على القرارات الكبرى المتعلقة بالاقتراض والضمانات المالية.

لا لصك على بياض

وكانت مسألة الترخيص للدولة في الاقتراض المباشر من البنك المركزي من أكثر المواضيع التي أثارت جدلا تحت قبة البرلمان بمناسبة نقاش مشروع قانون المالية لسنة 2026 في إطار الجلسات المشتركة بين مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم. وباستفساره عن رأيه في مضامين الصيغة الموحدة لمقترحي القانونين المتعلقين بتنقيح قانون البنك المركزي وإتمامه أجاب علاء غزواني النائب بلجنة المالية والميزانية بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم في تصريح لـ «الصباح» أنه اطلع بكل انتباه على المذكرة التفسيرية للتعديلات التي تضمنتها الصيغة الموحدة التي تم عرضها مؤخرا على أنظار لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب، وهو ليس مع الرفض المطلق لمقترحات تنقيح القانون عدد 35 لسنة 2016 المؤرخ في 25 أفريل 2016 المتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي وإتمامه، ولكنه في نفس الوقت لا يوافق عليها بشكل مطلق، وفسر أنه مع أي مبادرة تضمن تنقيحا مدروسا ومسؤولا لقانون البنك المركزي، لأن الوضع الاقتصادي الراهن  في البلاد لم يعد يحتمل الجمود التشريعي.

ولاحظ النائب أن القانون عدد 35 لسنة 2016 لئن ساهم حقا في تعزيز استقلالية البنك المركزي فإن التجربة أثبتت منذ الشروع في تطبيقه حدوث فجوة بين السياسة النقدية والسياسة الاقتصادية للدولة وهو ما انعكس بصفة سلبية على كلفة التمويل وعلى النمو.

ويرى غزواني أنه لا يمكن في المقابل الاتجاه نحو توسيع مجال تدخل البنك المركزي دون أن تكون هناك ضوابط، لأن ذلك قد يهدد على المدى المتوسط استقرار الأسعار وقيمة الدينار. وذكر أنه مع فتح المجال للبنك المركزي لكي يلعب دورا أكثر فاعلية في تمويل الاقتصاد شريطه أن يكون ذلك في إطار قانوني واضح ومحدد يضمن التوازن بين دعم الدولة من ناحية ومن ناحية أخرى الحفاظ على الاستقرار النقدي. ويتمثل الشرط الأول حسب رأيه في تحديد أسقف واضحة للتمويل فأي تمويل مباشر أو غير مباشر للدولة يجب أن يكون بأسقف محددة كنسبة من الناتج الداخلي الخام، حتى لا يتحول إلى تمويل مفتوح.

ويتمثل الشرط الثاني حسب قول النائب بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم في إقرار رقابة برلمانية فعلية على هذا التمويل، وذكر أن دور المجلس النيابي يجب أن يكون فاعلا وحقيقيا في مراقبة اللجوء إلى هذه الآليات. وبين غزواني أن الشرط الثالث يتمثل في توجيه التمويل المباشر وغير المباشر الذي تحصل عليه الدولة من البنك المركزي التونسي نحو الاستثمار وليس الاستهلاك، ويجب أن يذهب التمويل لتنفيذ مشاريع البنية التحتية وللمؤسسات، وأن يوظف لخلق الثروة ودفع النمو وليس لخلاص الأجور ودعم المحروقات وتغطية النفقات الجارية .

وإجابة عن سؤال آخر حول ما إذا كانت المقترحات التي تضمنتها الصيغة الموحدة تمس من استقلالية البنك المركزي قال النائب إن الاستقلالية يجب أن تكون استقلالية مسؤولة ومنفتحة على أولويات الدولة فلا إفراط في الاستقلالية ولا تفريط فيها وذكر أنه مع تحديث قانون البنك المركزي وتوسيع مهام هذا البنك لكن لا بد أن يكون ذلك في إطار حوكمة صارمة تضمن السيادة المالية دون التفريط في الاستقرار النقدي، وبين أن تونس تحتاج إلى حلول غير تقليدية وفي نفس الوقت يجب الحذر ويرى أنه لا بد من القيام بتقييم دوري لآثار أي تدخل يقوم به البنك المركزي لتمويل الدولة سواء على نسبة التضخم أو على قيمة الدينار أو على الاحتياطي من العملة الصعبة، وذكر أنه على أصحاب المبادرة التنصيص بوضوح على إخضاع أي إجراء من هذا القبيل للتقييم الدوري لتلافي المنزلقات والمخاطر، وخلص إلى أنه مع تنقيح قانون البنك المركزي لكنه لا يوافق على إعطاء صك على بياض للحكومة لكي تلجأ إلى الاقتراض من البنك المركزي متى تريد بل لا بد من توفر شروط  واضحة  للتمويل وهي ضبط سقف التمويل، والرقابة البرلمانية الحقيقية، وتوجيه التمويل نحو الاستثمار وليس للحلول الترقيعية وأن يكون الهدف الأساسي منه هو تحقيق توازن بين دعم الاقتصاد والحفاظ على استقرار الدينار.

محطة مفصلية

وكانت لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب قد خصصت جلستها المنعقدة يوم الأربعاء الماضي  8 أفريل 2026 للاستماع إلى أصحاب جهتي المبادرة التشريعية بخصوص الصيغة المعدلة لمقترحي القانونين عدد 6 لسنة 2023 وعدد 70 لسنة 2024 المتعلقين بتنقيح وإتمام القانون عدد 35 لسنة 2016 المؤرخ في 25 أفريل 2016 المتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي.

 وإثر الاستماع إلى تفاصيل الصيغة المعدلة تم فتح باب النقاش وقد جاء في بلاغ صادر عن اللجنة أنه  «دار نقاش ثري ومعمّق عكس وعيا جماعيا من طرف النواب بدقة المرحلة وحساسية التوازنات الاقتصادية، وتمحورت تدخلاتهم حول جملة من الإشكاليات التي تمسّ جوهر الإصلاح المقترح وحدوده. وأكد عدد منهم على أن الإشكال المطروح يتجاوز الجانب الفني المرتبط بآليات التمويل، ليعكس أزمة هيكلية في نموذج التنمية وفي مردودية السياسات العمومية، معتبرين أن تواصل الاعتماد المكثف على التداين، سواء الداخلي أو الخارجي، هو نتيجة مباشرة لضعف النمو وغياب تنويع فعلي لمصادر تمويل الاقتصاد. وعبّر النواب بوضوح عن مخاوفهم من إمكانية أن يؤدي توسيع تدخل البنك المركزي إلى تحول تدريجي نحو تمويل غير مباشر لعجز الميزانية، بما قد يفضي على المدى المتوسط إلى ضغوط تضخمية ويؤثر على استقرار الأسعار، خاصة في حال غياب ضوابط صارمة وآليات رقابة فعالة. كما تم طرح أسئلة دقيقة حول مدى قدرة المقترحات المقدمة على الحفاظ على التوازن بين دعم المالية العمومية وضمان الاستقرار النقدي، وخاصة التحكم في انعكاسات شراء الدين العمومي على الكتلة النقدية، وحماية سعر صرف الدينار ومستوى الاحتياطي من العملة الأجنبية، وتجنب مزاحمة الدولة للقطاع الخاص في النفاذ إلى التمويل. وأكد عدد من النواب أن استقلالية البنك المركزي تمثل مكسبا مؤسساتيا يجب الحفاظ عليه، ودعوا إلى ضرورة تجنب أي تأويل قد يفضي إلى إضعاف هذه الاستقلالية أو إخضاعها لاعتبارات ظرفية، لما لذلك من تأثير مباشر على مصداقية السياسة النقدية وثقة الفاعلين الاقتصاديين. كما تمحورت مداخلات النواب حول معالجة إشكالية المديونية التي لا يمكن أن تكون نقدية فقط، بل تقتضي رؤية إصلاحية متكاملة تشمل إصلاح المؤسسات العمومية وتحسين حوكمتها وتطوير مناخ الاستثمار وتنويع الموارد غير الجبائية ورفع نجاعة الإنفاق العمومي، كما دعا النواب إلى توجيه تدخل البنك المركزي نحو دعم الاستثمار والبنية التحتية، بما يساهم في خلق الثروة وتحقيق النمو،  وشددوا على ضرورة تلافي توظيف الآليات المقترحة صلب المبادرة  لتمويل النفقات الجارية وذلك حفاظًا على التوازنات الاقتصادية الكلية وتطرق عدد منهم إلى مشكل تصاعد كلفة الدين الداخلي ولاحظوا أن اللجوء المكثف إلى السوق المالية المحلية أدى إلى استنزاف السيولة وارتفاع نسب الفائدة، وهو ما انعكس سلبيا على الاستثمار الخاص، ويستوجب الأمر حسب رأيهم معالجة هيكلية لهذه المسألة ضمن أي إصلاح مقترح».

كما جاء في نفس البلاغ أنه في ختام الجلسة أكدت لجنة المالية والميزانية أن مقترح القانون في صيغته المعدلة يمثل «محطة مفصلية في مسار إصلاح المنظومة النقدية والمالية، وفرصة لإرساء نموذج اقتصادي أكثر توازنا ونجاعة، قائم على التكامل بين السياسات العمومية وتعزيز السيادة الاقتصادية الوطنية». وبعد التداول قررت اللجنة مراسلة البنك المركزي التونسي لطلب إبداء رأيه حول هذا المقترح.

سعيدة بوهلال