إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

مراجعات وتحميل للمسؤوليات.. خيار الدولة في تحقيق الاستقرار

مرة أخرى تؤكّد الدولة في أعلى هرمها أنّ المسؤولية تكليف وليست تشريفًا، وأنّ المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل أنصاف الحلول أو التردد في اتخاذ القرار، بل تفرض وضوحًا في الرؤية، وصرامة في التقييم والمتابعة، وخاصة جرأة في اتخاذ التدابير اللازمة بما ينسجم وخصوصية المرحلة.

وفي هذا السياق، جاء اللقاء الأخير الذي جمع بقصر قرطاج رئيس الجمهورية قيس سعيّد برئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، ليحمل جملة من الرسائل السياسية التي تؤسس في جوهرها لمرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب الأولويات، وخاصة إعادة تعريف لمفهوم المسؤولية صلب الدولة ومختلف هياكلها.

مراجعات ضرورية

أعلن بوضوح رئيس الجمهورية قيس سعيّد إثر هذا اللقاء عن «ضرورة إجراء العديد من المراجعات»، وهذه العبارة تتجاوز كونها مجرد توصيف عابر للشأن العام لتتجلى كإعلان ضمني عن بداية مرحلة تقييم شاملة للأداء الحكومي والإداري. فالمراجعة هنا لا تعني فقط إصلاح بعض الإخلالات الظرفية، وإنما تمتد إلى مساءلة عميقة للسياسات والخيارات التي تنتهجها بعض الوزارات أو المنشآت العمومية، وربما حتى للأشخاص الذين أُنيطت في عهدتهم مسؤوليات ولم يكونوا في مستوى تطلعات المرحلة.

وهذا التمشي يعكس إدراكًا لدى رئيس الدولة قيس سعيّد بأنّ الأزمة التي تمر بها البلاد ليست أزمة موارد فحسب، وإنما هي أيضًا أزمة حوكمة وأداء. وبالتالي تصبح المراجعات ضرورة حتمية لإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، خاصة في ظل تزايد الشعور بعدم الرضا عن أداء عدد من الهياكل.

وهذا الطرح يعكس توجهًا لدى الدولة في أعلى هرمها مفاده أن المراجعات هي بمثابة آلية تقييم مستمرة، بما يفتح المجال أمام ترسيخ ثقافة التقييم والمساءلة داخل الإدارة، بعيدًا عن سياسة الاستمرارية دون جدوى التي أفضت في غالب الأحيان إلى إعادة إنتاج نفس الإخفاقات.

ضرورة تحمّل المسؤولية

أحد أبرز الرسائل التي حملها هذا اللقاء هي استغراب رئيس الجمهورية قيس سعيّد من اضطراره للتدخل في معالجة قضايا وصف الكثير منها بـ»المفتعل»، والتي كان من البديهي أن تُحل على مستوى الهياكل المعنية.

وهذا التصريح يكشف عن خلل واضح في توزيع الأدوار داخل الدولة، حيث يبدو أن بعض المسؤولين لم يستوعبوا بعد طبيعة المهام الموكولة إليهم، أو لم يمتلكوا الجرأة الكافية لاتخاذ القرارات اللازمة، وهو ما يدفع برئيس الدولة قيس سعيّد إلى التدخل في تفاصيل يُفترض أن تبقى خارج نطاق اهتمامه المباشر. وهذا الوضع، من وجهة نظر رئيس الجمهورية، لا يمكن أن يستمر، لأنه يرهق مؤسسات الدولة ويعطل سيرها الطبيعي، خاصة وأن الدولة الحديثة التي يُراد بلوغها تقوم على مبدأ تفويض الصلاحيات وتحمل كل مسؤول لمسؤولياته كاملة دون انتظار التعليمات من أعلى هرم السلطة.

ومن هنا، فإن رسالة لقاء قرطاج واضحة: لم يعد مقبولًا أن يظل بعض المسؤولين في مواقعهم دون أن يكون لهم أثر فعلي في حل مشاكل المواطنين وتجاوز مختلف الإشكاليات العالقة، لا سيما وأنها ليست المرة التي تعرض فيها رئيس الدولة قيس سعيّد في مختلف لقاءاته الرسمية مع أعضاء الحكومة إلى أهمية الدور الموكول لصناع القرار في بلورة السياسات والتوجهات العامة إلى رؤى ملموسة، مشددًا في كل مناسبة على أن المسؤولية ليست موقعًا، وإنما هي فعل يومي يتجسد في القدرة على الإنجاز واتخاذ القرار.

بين الالتزام والمحاسبة

وضمن هذه المقاربة، فإنه حين أشار رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى أنه تم اختيار عدد من المسؤولين بناءً على تعهداتهم، فإنه بذلك يضع معيارًا واضحًا لتقييم الأداء: الالتزام بما تم التعهد به. وهذا الطرح يعيد الاعتبار لفكرة العقد الأخلاقي بين الدولة ومسؤوليها، حيث لا يكفي أن يتولى الشخص المنصب، بل يجب أن يكون قادرًا على الوفاء بالتزاماته وتعهداته تجاه الدولة والشعب.

وفي المقابل، فإن من أخل بهذه التعهدات لا مكان له في منظومة تسيير الدولة ودواليبها. وهنا تتجلى بوضوح إرادة سياسية في القطع مع ثقافة الإفلات من المحاسبة التي لطالما كانت أحد أبرز أسباب تدهور الأداء الإداري في تونس على مدار عقود خلت.

وبالتالي، فإن ربط المسؤولية بالمحاسبة يمثل خطوة أساسية نحو بناء دولة قوية وعادلة، بما أنها تؤشر إلى أن يدرك كل مسؤول أن بقاءه في منصبه مرتبط بمدى التزامه ونجاعته وأدائه لواجبه على النحو المطلوب.

نحو ضخ دماء جديدة

في تأكيده على أن هناك «وطنيين ووطنيات أحرار وحرائر سيحلّون مكان» من أخلّوا بواجبهم، يبعث رئيس الجمهورية قيس سعيّد برسالة مزدوجة: الأولى تحذيرية للمقصرين، والثانية تحفيزية للكفاءات الوطنية التي تعمل بجد ومثابرة، معتمدة على الكفاءة وروح المبادرة والمسؤولية بعيدًا عن سياسة الولاءات الضيقة والمحسوبية.

كما أن هذه العبارة تعكس إيمانًا بوجود طاقات قادرة على تحمل المسؤولية، تنتظر فقط الفرصة لإثبات جدارتها، كما تعكس رغبة في تجديد النخب عبر ضخ دماء جديدة إلى مفاصل الدولة، بما يساهم في إضفاء حيوية جديدة في العمل والأداء الحكومي.

ولا يمكن في هذا السياق التغافل عن الرهان الدائم لرئيس الجمهورية قيس سعيّد على فئة الشباب، التي طالما اعتبرها المحرك الأساسي ووقود التغيير المنشود. فهذه الفئة، بما تملكه من طاقة خلاقة ومتجددة وطموحات ورؤى وتوجهات مختلفة، تمثل أحد أهم الموارد التي يمكن التعويل عليها لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

ومن هذا المنطلق، فإن فتح المجال أمام الشباب لتولي المسؤوليات من الضروري أن يُترجم إلى سياسات فعلية تضمن مبدأ تكافؤ الفرص، وتكسر الحواجز التي حالت دون بروز كفاءات شابة في مواقع القرار، لا سيما وأن رئيس الدولة قيس سعيّد اعتبر في مناسبات عديدة أن الشباب، بما له من قدرة على الخلق والابتكار، قادر على إحداث الفارق متى سنحت له الفرصة وفتح له المجال.

الاستقرار الاجتماعي

من جهة أخرى، من بين أبرز النقاط التي شدد عليها رئيس الدولة قيس سعيّد اعتبار الاستقرار الاجتماعي المقدمة الأساسية للاستقرار السياسي. وهذه المقاربة تعكس وعيًا بطبيعة التحديات التي تواجهها تونس، حيث لم يعد بالإمكان الفصل بين البعدين الاجتماعي والسياسي.

فالتحديات الاجتماعية، سواء كانت ناتجة عن البطالة أو تردي الخدمات العمومية أو ضعف التنمية الجهوية، تظل العامل الأكثر تأثيرًا في المشهد السياسي. ومن هنا، فإن أي مشروع للإصلاح لن يُكتب له النجاح ما لم يُرفق بسياسات اجتماعية فعالة تستجيب لانتظارات المواطنين، بما يفضي إلى تجسيم مبدأ العدالة الاجتماعية.

وفي هذا الإطار، يروم رئيس الدولة قيس سعيّد عبر هذا الطرح التأكيد على أن معالجة الملفات الاجتماعية تحولت اليوم إلى أولوية قصوى لا تقبل التأجيل أو التسويف.

ومن هذا المنطلق، يعكس لقاء قرطاج، من خلال المضامين التي بعث بها، توجهًا نحو إعادة تعريف دور الدولة كفاعل مركزي في تحقيق التوازن بين مختلف مكونات المجتمع. فالدولة، وفقًا لهذا التصور، مطالبة بأن تكون حاضرة بقوة في معالجة مختلف القضايا الأساسية، دون أن تنزلق إلى إدارة التفاصيل اليومية التي يجب أن تبقى من مشمولات الهياكل المختصة ومن هم في خطوط التنفيذ الأولى. وهي أيضًا مطالبة بأن تفرض الانضباط داخل مؤسساتها، وأن تضمن حسن توزيع المسؤوليات.

فاللقاء عكس صورة عن إدارة الشأن العام تتسم بوضوح في الخطاب وصرامة في التوجهات، حيث لم يعد هناك مجال للغموض أو التردد. فالمراجعات المطلوبة، والمحاسبة المنتظرة، وضخ الدماء الجديدة، كلها رهانات كبرى ستحدد ملامح المرحلة القادمة، لا سيما وأن رئيس الدولة قيس سعيّد يدرك جيدًا أنه مهما كانت الخطوط العريضة والتوجهات العامة دقيقة وواضحة، فإنها تبقى مجرد حبر على ورق ما لم تُترجم إلى واقع فعلي عبر وجود مسؤولين أكفاء قادرين على التنفيذ وتحمل المسؤولية كاملة دون تردد أو تقاعس.

ومن هنا، فإن جوهر المرحلة لا يكمن فقط في صياغة السياسات، بل في اختيار من يتولى تجسيدها على أرض الواقع، بما يضمن بلوغ الأهداف المرجوة. وبالتالي تصبح المسؤولية امتحانًا يوميًا للجدارة والالتزام، لا مكان فيها لمن يضع مصالحه الضيقة فوق المصلحة الوطنية.

منال حرزي

مراجعات وتحميل للمسؤوليات..   خيار الدولة في تحقيق الاستقرار

مرة أخرى تؤكّد الدولة في أعلى هرمها أنّ المسؤولية تكليف وليست تشريفًا، وأنّ المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل أنصاف الحلول أو التردد في اتخاذ القرار، بل تفرض وضوحًا في الرؤية، وصرامة في التقييم والمتابعة، وخاصة جرأة في اتخاذ التدابير اللازمة بما ينسجم وخصوصية المرحلة.

وفي هذا السياق، جاء اللقاء الأخير الذي جمع بقصر قرطاج رئيس الجمهورية قيس سعيّد برئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، ليحمل جملة من الرسائل السياسية التي تؤسس في جوهرها لمرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب الأولويات، وخاصة إعادة تعريف لمفهوم المسؤولية صلب الدولة ومختلف هياكلها.

مراجعات ضرورية

أعلن بوضوح رئيس الجمهورية قيس سعيّد إثر هذا اللقاء عن «ضرورة إجراء العديد من المراجعات»، وهذه العبارة تتجاوز كونها مجرد توصيف عابر للشأن العام لتتجلى كإعلان ضمني عن بداية مرحلة تقييم شاملة للأداء الحكومي والإداري. فالمراجعة هنا لا تعني فقط إصلاح بعض الإخلالات الظرفية، وإنما تمتد إلى مساءلة عميقة للسياسات والخيارات التي تنتهجها بعض الوزارات أو المنشآت العمومية، وربما حتى للأشخاص الذين أُنيطت في عهدتهم مسؤوليات ولم يكونوا في مستوى تطلعات المرحلة.

وهذا التمشي يعكس إدراكًا لدى رئيس الدولة قيس سعيّد بأنّ الأزمة التي تمر بها البلاد ليست أزمة موارد فحسب، وإنما هي أيضًا أزمة حوكمة وأداء. وبالتالي تصبح المراجعات ضرورة حتمية لإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، خاصة في ظل تزايد الشعور بعدم الرضا عن أداء عدد من الهياكل.

وهذا الطرح يعكس توجهًا لدى الدولة في أعلى هرمها مفاده أن المراجعات هي بمثابة آلية تقييم مستمرة، بما يفتح المجال أمام ترسيخ ثقافة التقييم والمساءلة داخل الإدارة، بعيدًا عن سياسة الاستمرارية دون جدوى التي أفضت في غالب الأحيان إلى إعادة إنتاج نفس الإخفاقات.

ضرورة تحمّل المسؤولية

أحد أبرز الرسائل التي حملها هذا اللقاء هي استغراب رئيس الجمهورية قيس سعيّد من اضطراره للتدخل في معالجة قضايا وصف الكثير منها بـ»المفتعل»، والتي كان من البديهي أن تُحل على مستوى الهياكل المعنية.

وهذا التصريح يكشف عن خلل واضح في توزيع الأدوار داخل الدولة، حيث يبدو أن بعض المسؤولين لم يستوعبوا بعد طبيعة المهام الموكولة إليهم، أو لم يمتلكوا الجرأة الكافية لاتخاذ القرارات اللازمة، وهو ما يدفع برئيس الدولة قيس سعيّد إلى التدخل في تفاصيل يُفترض أن تبقى خارج نطاق اهتمامه المباشر. وهذا الوضع، من وجهة نظر رئيس الجمهورية، لا يمكن أن يستمر، لأنه يرهق مؤسسات الدولة ويعطل سيرها الطبيعي، خاصة وأن الدولة الحديثة التي يُراد بلوغها تقوم على مبدأ تفويض الصلاحيات وتحمل كل مسؤول لمسؤولياته كاملة دون انتظار التعليمات من أعلى هرم السلطة.

ومن هنا، فإن رسالة لقاء قرطاج واضحة: لم يعد مقبولًا أن يظل بعض المسؤولين في مواقعهم دون أن يكون لهم أثر فعلي في حل مشاكل المواطنين وتجاوز مختلف الإشكاليات العالقة، لا سيما وأنها ليست المرة التي تعرض فيها رئيس الدولة قيس سعيّد في مختلف لقاءاته الرسمية مع أعضاء الحكومة إلى أهمية الدور الموكول لصناع القرار في بلورة السياسات والتوجهات العامة إلى رؤى ملموسة، مشددًا في كل مناسبة على أن المسؤولية ليست موقعًا، وإنما هي فعل يومي يتجسد في القدرة على الإنجاز واتخاذ القرار.

بين الالتزام والمحاسبة

وضمن هذه المقاربة، فإنه حين أشار رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى أنه تم اختيار عدد من المسؤولين بناءً على تعهداتهم، فإنه بذلك يضع معيارًا واضحًا لتقييم الأداء: الالتزام بما تم التعهد به. وهذا الطرح يعيد الاعتبار لفكرة العقد الأخلاقي بين الدولة ومسؤوليها، حيث لا يكفي أن يتولى الشخص المنصب، بل يجب أن يكون قادرًا على الوفاء بالتزاماته وتعهداته تجاه الدولة والشعب.

وفي المقابل، فإن من أخل بهذه التعهدات لا مكان له في منظومة تسيير الدولة ودواليبها. وهنا تتجلى بوضوح إرادة سياسية في القطع مع ثقافة الإفلات من المحاسبة التي لطالما كانت أحد أبرز أسباب تدهور الأداء الإداري في تونس على مدار عقود خلت.

وبالتالي، فإن ربط المسؤولية بالمحاسبة يمثل خطوة أساسية نحو بناء دولة قوية وعادلة، بما أنها تؤشر إلى أن يدرك كل مسؤول أن بقاءه في منصبه مرتبط بمدى التزامه ونجاعته وأدائه لواجبه على النحو المطلوب.

نحو ضخ دماء جديدة

في تأكيده على أن هناك «وطنيين ووطنيات أحرار وحرائر سيحلّون مكان» من أخلّوا بواجبهم، يبعث رئيس الجمهورية قيس سعيّد برسالة مزدوجة: الأولى تحذيرية للمقصرين، والثانية تحفيزية للكفاءات الوطنية التي تعمل بجد ومثابرة، معتمدة على الكفاءة وروح المبادرة والمسؤولية بعيدًا عن سياسة الولاءات الضيقة والمحسوبية.

كما أن هذه العبارة تعكس إيمانًا بوجود طاقات قادرة على تحمل المسؤولية، تنتظر فقط الفرصة لإثبات جدارتها، كما تعكس رغبة في تجديد النخب عبر ضخ دماء جديدة إلى مفاصل الدولة، بما يساهم في إضفاء حيوية جديدة في العمل والأداء الحكومي.

ولا يمكن في هذا السياق التغافل عن الرهان الدائم لرئيس الجمهورية قيس سعيّد على فئة الشباب، التي طالما اعتبرها المحرك الأساسي ووقود التغيير المنشود. فهذه الفئة، بما تملكه من طاقة خلاقة ومتجددة وطموحات ورؤى وتوجهات مختلفة، تمثل أحد أهم الموارد التي يمكن التعويل عليها لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

ومن هذا المنطلق، فإن فتح المجال أمام الشباب لتولي المسؤوليات من الضروري أن يُترجم إلى سياسات فعلية تضمن مبدأ تكافؤ الفرص، وتكسر الحواجز التي حالت دون بروز كفاءات شابة في مواقع القرار، لا سيما وأن رئيس الدولة قيس سعيّد اعتبر في مناسبات عديدة أن الشباب، بما له من قدرة على الخلق والابتكار، قادر على إحداث الفارق متى سنحت له الفرصة وفتح له المجال.

الاستقرار الاجتماعي

من جهة أخرى، من بين أبرز النقاط التي شدد عليها رئيس الدولة قيس سعيّد اعتبار الاستقرار الاجتماعي المقدمة الأساسية للاستقرار السياسي. وهذه المقاربة تعكس وعيًا بطبيعة التحديات التي تواجهها تونس، حيث لم يعد بالإمكان الفصل بين البعدين الاجتماعي والسياسي.

فالتحديات الاجتماعية، سواء كانت ناتجة عن البطالة أو تردي الخدمات العمومية أو ضعف التنمية الجهوية، تظل العامل الأكثر تأثيرًا في المشهد السياسي. ومن هنا، فإن أي مشروع للإصلاح لن يُكتب له النجاح ما لم يُرفق بسياسات اجتماعية فعالة تستجيب لانتظارات المواطنين، بما يفضي إلى تجسيم مبدأ العدالة الاجتماعية.

وفي هذا الإطار، يروم رئيس الدولة قيس سعيّد عبر هذا الطرح التأكيد على أن معالجة الملفات الاجتماعية تحولت اليوم إلى أولوية قصوى لا تقبل التأجيل أو التسويف.

ومن هذا المنطلق، يعكس لقاء قرطاج، من خلال المضامين التي بعث بها، توجهًا نحو إعادة تعريف دور الدولة كفاعل مركزي في تحقيق التوازن بين مختلف مكونات المجتمع. فالدولة، وفقًا لهذا التصور، مطالبة بأن تكون حاضرة بقوة في معالجة مختلف القضايا الأساسية، دون أن تنزلق إلى إدارة التفاصيل اليومية التي يجب أن تبقى من مشمولات الهياكل المختصة ومن هم في خطوط التنفيذ الأولى. وهي أيضًا مطالبة بأن تفرض الانضباط داخل مؤسساتها، وأن تضمن حسن توزيع المسؤوليات.

فاللقاء عكس صورة عن إدارة الشأن العام تتسم بوضوح في الخطاب وصرامة في التوجهات، حيث لم يعد هناك مجال للغموض أو التردد. فالمراجعات المطلوبة، والمحاسبة المنتظرة، وضخ الدماء الجديدة، كلها رهانات كبرى ستحدد ملامح المرحلة القادمة، لا سيما وأن رئيس الدولة قيس سعيّد يدرك جيدًا أنه مهما كانت الخطوط العريضة والتوجهات العامة دقيقة وواضحة، فإنها تبقى مجرد حبر على ورق ما لم تُترجم إلى واقع فعلي عبر وجود مسؤولين أكفاء قادرين على التنفيذ وتحمل المسؤولية كاملة دون تردد أو تقاعس.

ومن هنا، فإن جوهر المرحلة لا يكمن فقط في صياغة السياسات، بل في اختيار من يتولى تجسيدها على أرض الواقع، بما يضمن بلوغ الأهداف المرجوة. وبالتالي تصبح المسؤولية امتحانًا يوميًا للجدارة والالتزام، لا مكان فيها لمن يضع مصالحه الضيقة فوق المصلحة الوطنية.

منال حرزي