إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

تونس ومالطا.. لقاء اقتصادي يفتح آفاق شراكة جديدة بين ضفتي المتوسط

في قلب الفضاء المتوسطي، حيث تتقاطع المصالح وتتشابك المسارات الاقتصادية بين ضفتي الشمال والجنوب، تبرز العلاقات التونسية المالطية كأحد النماذج الصاعدة لتعاون ذكي يتجاوز القرب الجغرافي نحو شراكة تتطلع إلى التكامل والاستشراف للمستقبل.

وقد شكّلت الزيارة التي أداها سفير جمهورية مالطا بتونس، جوزيف ماريو ساموت، إلى مقر غرفة التجارة والصناعة للوسط يوم 15 أفريل الجاري، مناسبة جديدة لتأكيد هذا التوجه، ولتعزيز مسار التعاون الثنائي الذي يشهد في الآونة الأخيرة زخمًا لافتًا تعززه إرادة سياسية مشتركة للارتقاء بواقع العلاقات الثنائية.

إرادة مشتركة

هذه الزيارة، التي تندرج ضمن ديناميكية دبلوماسية واقتصادية نشيطة، عكست إرادة مشتركة لدى الجانبين لتطوير العلاقات الاقتصادية والارتقاء بها إلى مستويات أكثر نجاعة وفعالية.

فقد مثّل اللقاء محطة للحوار البنّاء بين ممثلي القطاع الاقتصادي في تونس ونظرائهم المالطيين، بما يعزز فرص إقامة شراكات حقيقية قائمة على تبادل المصالح والخبرات.

ومن هذا المنطلق، حرص رئيس غرفة التجارة والصناعة للوسط على التأكيد على متانة العلاقات التونسية المالطية، التي تستند إلى تاريخ طويل من التفاعل والتقارب، مشددًا على ضرورة استثمار هذا الرصيد الإيجابي للمرور إلى مرحلة جديدة قوامها تكثيف المبادلات التجارية، وتطوير قطاع السياحة، وتحفيز الاستثمارات الثنائية. وهو توجه يجد صداه في التحولات الاقتصادية التي تعرفها المنطقة المتوسطية، حيث باتت الشراكات الإقليمية أحد أهم روافد النمو والاستقرار.

ولعل من أبرز ما يميز العلاقات بين تونس ومالطا هو الطابع المؤسساتي الذي اكتسبته على مرّ السنوات، من خلال الشراكات التي تربط غرفة التجارة والصناعة للوسط بنظيراتها في مالطا، على غرار غرفة تجارة مالطا ومؤسسة مالطا للمؤسسات الصغرى والمتوسطة. فمنذ سنة 2013، شهد هذا التعاون تطورًا ملحوظًا، تجسّد في تنظيم لقاءات أعمال، وتبادل وفود اقتصادية، وإرساء قنوات تواصل دائمة بين الفاعلين الاقتصاديين في البلدين، وهو ما يعكس وعيًا مشتركًا بأهمية العمل المؤسساتي في ضمان استمرارية الشراكات وتعزيز نجاعتها.

من جانب آخر، يكتسي البعد الاستراتيجي للعلاقات التونسية المالطية أهمية خاصة، بالنظر إلى الموقع الجغرافي المتميز لكلا البلدين. فبينما تمثل تونس بوابة نحو الأسواق الإفريقية الواعدة، توفر مالطا منفذًا متميزًا إلى السوق الأوروبية، بما يفتح آفاقًا واسعة لتطوير تعاون ثلاثي يربط بين إفريقيا وأوروبا عبر ضفتي المتوسط. وهذا التوجه الذي تم التأكيد عليه خلال اللقاء، يعكس تحولًا في مقاربة التعاون، من علاقات ثنائية تقليدية إلى شراكات متعددة الأبعاد تقوم على التكامل الاقتصادي.

كما تندرج الاستعدادات لتنظيم بعثة اقتصادية تونسية إلى مالطا خلال شهر جوان 2026 في إطار هذا التوجه، حيث من المنتظر أن تمثل هذه البعثة محطة فارقة في مسار العلاقات بين البلدين. فهي لا تقتصر على التعريف بفرص الاستثمار، بل تهدف أساسًا إلى خلق لقاءات مباشرة بين رجال الأعمال، بما يمكّن من تحويل النوايا إلى مشاريع ملموسة، ويعزز من حجم المبادلات التجارية والاستثمارات المشتركة.

ومن جهته، عبّر سفير جمهورية مالطا بتونس عن دعم بلاده الكامل لهذه المبادرة، مؤكدًا استعداد السفارة لمرافقة غرفة التجارة والصناعة للوسط في إنجاح هذه المهمة الاقتصادية. كما شدّد على أهمية تشجيع المستثمرين المالطيين على التوجه نحو السوق التونسية، خاصة في ظل ما توفره من مزايا تنافسية، سواء من حيث الكلفة أو الموقع أو الكفاءات البشرية.

يوم اقتصادي

وفي هذا الإطار، برزت فكرة تنظيم يوم اقتصادي تحت عنوان “Doing Business with Malta”، كآلية عملية لتعزيز التعريف بفرص التعاون والاستثمار، وتيسير التواصل بين الفاعلين الاقتصاديين في البلدين. ومن شأن مثل هذه المبادرات أن تساهم في تجاوز كل التحديات التي قد تعيق انخراط المؤسسات، خاصة الصغرى والمتوسطة، في مسار التدويل.

ولا يمكن الحديث عن العلاقات التونسية المالطية دون التطرق إلى أبرز محطات التعاون التي جمعت البلدين على مرّ السنوات، فقد شهدت هذه العلاقات تطورًا تدريجيًا منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية، حيث تم توقيع عدد من الاتفاقيات التي شملت مجالات متعددة، على غرار النقل البحري، والتعاون السياحي، والتبادل التجاري، والتكوين المهني. كما عرف التعاون في مجال التعليم والتبادل الثقافي بدوره حركية لافتة، ساهمت في تعزيز التقارب بين الشعبين.

فرص واعدة

وفي المجال الاقتصادي، رغم أن حجم المبادلات التجارية لا يزال دون الإمكانيات المتاحة، إلا أنه يشهد تطورًا تدريجيًا، مع وجود فرص واعدة في قطاعات عدة، من بينها الخدمات اللوجستية، والصناعات الغذائية، والتكنولوجيا، والطاقات المتجددة، وهو ما يستدعي مزيد العمل لتذليل الصعوبات وتحسين مناخ الأعمال بما يشجع المؤسسات على استكشاف هذه الفرص واستغلالها.

أما في المجال السياحي، فيمكن للبلدين أن يستفيدا من التقارب الثقافي والجغرافي لتطوير عروض سياحية مشتركة تستهدف أسواقًا جديدة، خاصة في أوروبا وآسيا. فالتكامل بين الوجهتين، التونسية والمالطية، من شأنه أن يعزز جاذبية المنطقة المتوسطية كوجهة سياحية متنوعة.

وفي سياق أشمل، تندرج العلاقات التونسية المالطية ضمن إطار التعاون الأورو-متوسطي، الذي يشكل فضاءً استراتيجيًا لتعزيز الاستقرار والتنمية المشتركة. ومن هذا المنطلق، يمكن للبلدين أن يلعبا دورًا محوريًا في دفع هذا التعاون، خاصة في ظل التحديات المشتركة التي تواجه المنطقة، على غرار الهجرة غير النظامية، والتغيرات المناخية، والتحولات الاقتصادية.

وبالتالي، فإن الزخم الذي تشهده العلاقات التونسية المالطية اليوم يعكس وعيًا متزايدًا لدى الجانبين بأهمية الشراكة الاستراتيجية، وضرورة استثمار كل الإمكانيات المتاحة لتعزيزها. غير أن هذا الزخم يحتاج إلى مزيد من التفعيل على أرض الواقع، من خلال تسريع وتيرة تنفيذ المشاريع، وتكثيف اللقاءات بين الفاعلين الاقتصاديين، وتطوير الإطار القانوني والمؤسساتي المنظم للتعاون.

وبالعودة إلى الزيارة التي أداها سفير جمهورية مالطا إلى غرفة التجارة والصناعة للوسط، فإنها تمثل لبنة جديدة في مسار متصاعد من التعاون الثنائي، ومساحة إضافية لتقريب وجهات النظر واستشراف آفاق المستقبل. كما أنها تمثل أيضًا محطة تؤكد أن العلاقات التونسية المالطية، بما تحمله من مقومات تاريخية وجغرافية واقتصادية، قادرة على أن تتحول إلى نموذج ناجح للتعاون المتوسطي القائم على التكامل والتضامن والمصالح المشتركة.

منال حرزي

تونس ومالطا.. لقاء اقتصادي يفتح آفاق شراكة جديدة بين ضفتي المتوسط

في قلب الفضاء المتوسطي، حيث تتقاطع المصالح وتتشابك المسارات الاقتصادية بين ضفتي الشمال والجنوب، تبرز العلاقات التونسية المالطية كأحد النماذج الصاعدة لتعاون ذكي يتجاوز القرب الجغرافي نحو شراكة تتطلع إلى التكامل والاستشراف للمستقبل.

وقد شكّلت الزيارة التي أداها سفير جمهورية مالطا بتونس، جوزيف ماريو ساموت، إلى مقر غرفة التجارة والصناعة للوسط يوم 15 أفريل الجاري، مناسبة جديدة لتأكيد هذا التوجه، ولتعزيز مسار التعاون الثنائي الذي يشهد في الآونة الأخيرة زخمًا لافتًا تعززه إرادة سياسية مشتركة للارتقاء بواقع العلاقات الثنائية.

إرادة مشتركة

هذه الزيارة، التي تندرج ضمن ديناميكية دبلوماسية واقتصادية نشيطة، عكست إرادة مشتركة لدى الجانبين لتطوير العلاقات الاقتصادية والارتقاء بها إلى مستويات أكثر نجاعة وفعالية.

فقد مثّل اللقاء محطة للحوار البنّاء بين ممثلي القطاع الاقتصادي في تونس ونظرائهم المالطيين، بما يعزز فرص إقامة شراكات حقيقية قائمة على تبادل المصالح والخبرات.

ومن هذا المنطلق، حرص رئيس غرفة التجارة والصناعة للوسط على التأكيد على متانة العلاقات التونسية المالطية، التي تستند إلى تاريخ طويل من التفاعل والتقارب، مشددًا على ضرورة استثمار هذا الرصيد الإيجابي للمرور إلى مرحلة جديدة قوامها تكثيف المبادلات التجارية، وتطوير قطاع السياحة، وتحفيز الاستثمارات الثنائية. وهو توجه يجد صداه في التحولات الاقتصادية التي تعرفها المنطقة المتوسطية، حيث باتت الشراكات الإقليمية أحد أهم روافد النمو والاستقرار.

ولعل من أبرز ما يميز العلاقات بين تونس ومالطا هو الطابع المؤسساتي الذي اكتسبته على مرّ السنوات، من خلال الشراكات التي تربط غرفة التجارة والصناعة للوسط بنظيراتها في مالطا، على غرار غرفة تجارة مالطا ومؤسسة مالطا للمؤسسات الصغرى والمتوسطة. فمنذ سنة 2013، شهد هذا التعاون تطورًا ملحوظًا، تجسّد في تنظيم لقاءات أعمال، وتبادل وفود اقتصادية، وإرساء قنوات تواصل دائمة بين الفاعلين الاقتصاديين في البلدين، وهو ما يعكس وعيًا مشتركًا بأهمية العمل المؤسساتي في ضمان استمرارية الشراكات وتعزيز نجاعتها.

من جانب آخر، يكتسي البعد الاستراتيجي للعلاقات التونسية المالطية أهمية خاصة، بالنظر إلى الموقع الجغرافي المتميز لكلا البلدين. فبينما تمثل تونس بوابة نحو الأسواق الإفريقية الواعدة، توفر مالطا منفذًا متميزًا إلى السوق الأوروبية، بما يفتح آفاقًا واسعة لتطوير تعاون ثلاثي يربط بين إفريقيا وأوروبا عبر ضفتي المتوسط. وهذا التوجه الذي تم التأكيد عليه خلال اللقاء، يعكس تحولًا في مقاربة التعاون، من علاقات ثنائية تقليدية إلى شراكات متعددة الأبعاد تقوم على التكامل الاقتصادي.

كما تندرج الاستعدادات لتنظيم بعثة اقتصادية تونسية إلى مالطا خلال شهر جوان 2026 في إطار هذا التوجه، حيث من المنتظر أن تمثل هذه البعثة محطة فارقة في مسار العلاقات بين البلدين. فهي لا تقتصر على التعريف بفرص الاستثمار، بل تهدف أساسًا إلى خلق لقاءات مباشرة بين رجال الأعمال، بما يمكّن من تحويل النوايا إلى مشاريع ملموسة، ويعزز من حجم المبادلات التجارية والاستثمارات المشتركة.

ومن جهته، عبّر سفير جمهورية مالطا بتونس عن دعم بلاده الكامل لهذه المبادرة، مؤكدًا استعداد السفارة لمرافقة غرفة التجارة والصناعة للوسط في إنجاح هذه المهمة الاقتصادية. كما شدّد على أهمية تشجيع المستثمرين المالطيين على التوجه نحو السوق التونسية، خاصة في ظل ما توفره من مزايا تنافسية، سواء من حيث الكلفة أو الموقع أو الكفاءات البشرية.

يوم اقتصادي

وفي هذا الإطار، برزت فكرة تنظيم يوم اقتصادي تحت عنوان “Doing Business with Malta”، كآلية عملية لتعزيز التعريف بفرص التعاون والاستثمار، وتيسير التواصل بين الفاعلين الاقتصاديين في البلدين. ومن شأن مثل هذه المبادرات أن تساهم في تجاوز كل التحديات التي قد تعيق انخراط المؤسسات، خاصة الصغرى والمتوسطة، في مسار التدويل.

ولا يمكن الحديث عن العلاقات التونسية المالطية دون التطرق إلى أبرز محطات التعاون التي جمعت البلدين على مرّ السنوات، فقد شهدت هذه العلاقات تطورًا تدريجيًا منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية، حيث تم توقيع عدد من الاتفاقيات التي شملت مجالات متعددة، على غرار النقل البحري، والتعاون السياحي، والتبادل التجاري، والتكوين المهني. كما عرف التعاون في مجال التعليم والتبادل الثقافي بدوره حركية لافتة، ساهمت في تعزيز التقارب بين الشعبين.

فرص واعدة

وفي المجال الاقتصادي، رغم أن حجم المبادلات التجارية لا يزال دون الإمكانيات المتاحة، إلا أنه يشهد تطورًا تدريجيًا، مع وجود فرص واعدة في قطاعات عدة، من بينها الخدمات اللوجستية، والصناعات الغذائية، والتكنولوجيا، والطاقات المتجددة، وهو ما يستدعي مزيد العمل لتذليل الصعوبات وتحسين مناخ الأعمال بما يشجع المؤسسات على استكشاف هذه الفرص واستغلالها.

أما في المجال السياحي، فيمكن للبلدين أن يستفيدا من التقارب الثقافي والجغرافي لتطوير عروض سياحية مشتركة تستهدف أسواقًا جديدة، خاصة في أوروبا وآسيا. فالتكامل بين الوجهتين، التونسية والمالطية، من شأنه أن يعزز جاذبية المنطقة المتوسطية كوجهة سياحية متنوعة.

وفي سياق أشمل، تندرج العلاقات التونسية المالطية ضمن إطار التعاون الأورو-متوسطي، الذي يشكل فضاءً استراتيجيًا لتعزيز الاستقرار والتنمية المشتركة. ومن هذا المنطلق، يمكن للبلدين أن يلعبا دورًا محوريًا في دفع هذا التعاون، خاصة في ظل التحديات المشتركة التي تواجه المنطقة، على غرار الهجرة غير النظامية، والتغيرات المناخية، والتحولات الاقتصادية.

وبالتالي، فإن الزخم الذي تشهده العلاقات التونسية المالطية اليوم يعكس وعيًا متزايدًا لدى الجانبين بأهمية الشراكة الاستراتيجية، وضرورة استثمار كل الإمكانيات المتاحة لتعزيزها. غير أن هذا الزخم يحتاج إلى مزيد من التفعيل على أرض الواقع، من خلال تسريع وتيرة تنفيذ المشاريع، وتكثيف اللقاءات بين الفاعلين الاقتصاديين، وتطوير الإطار القانوني والمؤسساتي المنظم للتعاون.

وبالعودة إلى الزيارة التي أداها سفير جمهورية مالطا إلى غرفة التجارة والصناعة للوسط، فإنها تمثل لبنة جديدة في مسار متصاعد من التعاون الثنائي، ومساحة إضافية لتقريب وجهات النظر واستشراف آفاق المستقبل. كما أنها تمثل أيضًا محطة تؤكد أن العلاقات التونسية المالطية، بما تحمله من مقومات تاريخية وجغرافية واقتصادية، قادرة على أن تتحول إلى نموذج ناجح للتعاون المتوسطي القائم على التكامل والتضامن والمصالح المشتركة.

منال حرزي