إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في جولة فنية عالمية جديدة.. الفنان أنور ابراهم يرسم ملاحم العود في رحلة عابرة للحدود والجغرافيا

 

  • أنور براهم يفتتح مهرجان «سيكا جاز» بالكاف ويعود بعد غياب
  • الرحلة تشمل كذلك ساو باولو البرازيلية وروما وروتردام وبراتيسلافا، وصولا إلى محطات الخريف في فرنسا ولندن.
  • هو الفنان الذي برع في تطويع العود ليحاور البيانو الغربي أو الكلارينيت أو التشيلو بأسلوب سردي وحكائي ملفت.

يبرز اسم الموسيقار التونسي العالمي أنور ابراهم كعنوان عريض لرحلة فنية استثنائية تجوب القارات، معلنة عن جولة عالمية كبرى تعيد صياغة العلاقة بين الآلات الشرقية والمسارح الدولية. تبدأ هذه الرحلة من سويسرا في منتصف أفريل، وتحديدا من مهرجان «كولي جاز»، لتكون بمثابة فاتحة لمسار نغمي طويل يمر بمدن جنيف وزيورخ، قبل أن يحط الرحال الموسيقي في محطة وجدانية شديدة الخصوصية في تونس.

ففي الثلاثين من أفريل الجاري، سيكون جمهور مدينة الكاف العريقة على موعد مع افتتاح مهرجان «سيكا جاز»، حيث يعود أنور ابراهم بعد غياب دام أكثر من عقد من الزمان، في عرض يتزامن مع اليوم العالمي للجاز، ليمتزج صدى عوده بعبق التاريخ في فضاء القصبة الأثري. هذه الجولة لا تتوقف عند حدود المغرب العربي وأوروبا، بل تمتد لتشمل المنطقة اللاتينية عبر مدينة ساو باولو البرازيلية في شهر ماي القادم، ثم تعود لتطوف في قلب الصيف الأوروبي بين روما وروتردام وبراتيسلافا، وصولا إلى محطات الخريف في فرنسا ولندن.

إنها رحلة يغوص فيها أنور ابراهم، بأحدث أعماله «After the Last Sky»، وتعاوناته الممتدة مع أسماء مثل عازفة التشيلو أنيا ليشنر، كقائد لفرقة كونية لا تعترف بالحدود الجغرافية، بل تنصهر جميعها في بوتقة النغم الخالص الذي يقدمه بمزيج من الحداثة والأصالة.

من الحلفاوين إلى منصات العالمية

هذه العالمية التي نراها اليوم في جولة 2026، لم تكن وليدة الصدفة، بل هي نتاج مسيرة بدأت جذورها في 20 أكتوبر 1957، في قلب حي «الحلفاوين» العتيق بمدينة تونس. في ذلك الحي الذي يضج بالهوية والذاكرة، وبدفع من والده الذي كان يمتهن الطباعة ويحمل شغفا كبيرا بالموسيقى، بدأ أنور ابراهم رحلته مع آلة العود، وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره. انخرط في المعهد الوطني للموسيقى، وهناك بدأت تتشكل ملامح شخصيته الفنية تحت رعاية الشيخ علي السريتي، الذي لم يكن مجرد معلم، بل كان منارة لقنه أسرار المقامات العميقة وفنون الارتجال والتقاسيم، في علاقة تقليدية متينة بين الشيخ ومريده.

لكن أنور ابراهم، ورغم تشبعه بهذا الموروث، كان يحمل في داخله بذور ما يمكن أن نسميه بثورة فنية، فقد كان يرفض أن يظل العود آلة ثانوية تكتفي بمرافقة المطربين، بل كان يحلم بجعلها آلة قادرة على قيادة الأوركسترا والوقوف بمفردها على خشبة المسرح ككيان مستقل يحاور الوجدان.

هذا التمرد الفني والإبداعي قاده في مطلع الثمانينيات إلى باريس، حيث قضى أربع سنوات كانت بمثابة نافذة انفتحت على تجارب فنية مغايرة، من بينها تعاونه مع مصمم الرقصات الشهير موريس بيجار، قبل أن يأتي اللقاء الحاسم في عام 1989 مع المنتج الألماني مانفريد أيشر، مؤسس شركة التسجيلات العريقة «إي سي أم». هذا اللقاء كان بمثابة الولادة الثانية لانور براهم على الصعيد العالمي، حيث بدأت سلسلة إصداراته التي أحدثت دويا في عالم الموسيقى المعاصرة، مثل ألبوم «برزخ» و»خطوات القط الأسود» و»عيون ريتا المذهلة»، وصولا إلى «بلو مقام»، الذي رسخ مكانته كواحد من أكثر الملحنين ابتكارا في القرن الحادي والعشرين.

فلسفة الصمت وحوار الثقافات خلف أوتار العود

إن ما يميز تجربة أنور ابراهم ليس فقط براعته التقنية في العزف، بل تلك الفلسفة التي يتبناها ويصفها النقاد بـ»المينيماليزم»، أو التعبير البسيط والعميق. في عالم يزداد ضجيجا، اختار الفنان أن يجعل من «الصمت» نوتة موسيقية بحد ذاتها، حيث يرى النقاد في مجلة ECM Reviews أن موسيقاه ليست مجرد ألحان، بل هي «ملاحم روحية» تستكشف أعماق المشاعر البشرية بأقل قدر من التكلف، وكأن الصمت في مقطوعاته هو ذلك البياض الضروري على لوحة الرسم الذي يمنح المستمع مساحة لخلق خياله الخاص.

هذه القدرة الفريدة على تطويع العود ليحاور البيانو الغربي أو الكلارينيت أو التشيلو بأسلوب سردي وحكائي، هي التي جعلت منه مؤلفا بارعا للموسيقى التصويرية، حيث ارتبطت نغماته بذاكرة السينما التونسية في أفلام أيقونية مثل «عصفور السطح» و»صمت القصور». وبفضل هذا المزيج الفريد بين المقامات الشرقية ونهج الجاز الهارموني، استحق لقب «مهرب الثقافات»، وهو اللقب الذي يختصر قدرته على نقل المستمع من زوايا الحلفاوين الضيقة إلى أفق المسارح العالمية، محققا توازنا نادرا بين الأصالة التونسية والعالمية الإنسانية.

هذا التميز لم يمر مرور الكرام في الأوساط النقدية والرسمية العالمية، إذ تحظى موسيقى أنور ابراهم بتقدير منقطع النظير. فقد وصفته السفارة الألمانية بتونس، بمناسبة نيله «الجائزة الشرفية لنقاد الأسطوانات الألمان» عام 2025، بأنه المبدع الذي نجح في خلق «جسر ثقافي متين» بين الشرق وأوروبا، وأنه الملحن الذي أثبت أن العود يمكنه قيادة ارتجالات الجاز المفتوحة ببراعة لا تضاهى، كما أكدت إحدى المنصات

ورغم هذا الاحتفاء العالمي، يبقى أنور ابراهم وفيا لبداياته، متذكرا بتواضع كيف كان زملاؤه الموسيقيون في تونس يعتبرونه «مجنونا» في بداياته، وكيف كانوا يشككون في قدرة عرض يقتصر على العود فقط على استقطاب الجمهور. لكنه، وبمرور الوقت، تحول إلى ملاذ آمن للمستمعين الذين يبحثون عن تجربة صوفية تتجاوز مجرد الاستماع للموسيقى، لتصبح حالة من التأمل العميق. إن الثناء المستمر على «أناقة الصياغة» في أعماله، وحساسيته المفرطة للصمت بين النوتات، جعلت من ألبوماته وجولاته لحظات تاريخية يسعى فيها الجمهور لاستعادة إنسانيته المفقودة في زحام الحياة.

استشراف المستقبل وأثر «الرباعي» في الموسيقى المعاصرة

في السنوات الأخيرة، وتحديدا بين عامي 2024 و2026، شهد مسار أنور ابراهم تكثيفا لحضوره المسرحي، حيث كانت عودته لمهرجان دقة الدولي في شهر جوان 2024 بمثابة مصالحة رمزية مع الجمهور التونسي بعد جولات دولية مضنية. وهو يواصل هذا المسار مع «رباعية» (Quartet) المكون من ديف هولاند وجانغو بيتس، حيث يقدمون رؤية بصرية ونغمية تجسد مفهوم «الأرض غير المحدودة للتجريب».

وفي كل عرض يقدمه، يؤكد أنور ابراهم أن الهوية الموسيقية ليست قالبا جامدا، بل هي حوار دائم بين الماضي والحاضر، وبين الهياكل المقامية القديمة والنهج الحديث. إن جولة 2026، التي ستبلغ ذروتها في مركز «باربيكان» بلندن في نوفمبر القادم، ليست مجرد سلسلة من العروض التجارية، بل هي بيان فني يؤكد أن الموسيقى قادرة على أن تكون «عملا إنسانيا تضامنيا» كما يصفها النقاد.

فمن خلال كل رنة وتر، وكل مساحة صمت يتركها أنور ابراهم، ندرك أننا أمام فنان لم يتنازل يوما عن صدقه الفني من أجل النجاح السهل، بل نحت صخرة العالمية بأصابع تونسية وقلب يتسع لكل نغمات العالم.

إيمان عبداللطيف

في جولة فنية عالمية جديدة..   الفنان أنور ابراهم يرسم ملاحم العود في رحلة عابرة للحدود والجغرافيا

 

  • أنور براهم يفتتح مهرجان «سيكا جاز» بالكاف ويعود بعد غياب
  • الرحلة تشمل كذلك ساو باولو البرازيلية وروما وروتردام وبراتيسلافا، وصولا إلى محطات الخريف في فرنسا ولندن.
  • هو الفنان الذي برع في تطويع العود ليحاور البيانو الغربي أو الكلارينيت أو التشيلو بأسلوب سردي وحكائي ملفت.

يبرز اسم الموسيقار التونسي العالمي أنور ابراهم كعنوان عريض لرحلة فنية استثنائية تجوب القارات، معلنة عن جولة عالمية كبرى تعيد صياغة العلاقة بين الآلات الشرقية والمسارح الدولية. تبدأ هذه الرحلة من سويسرا في منتصف أفريل، وتحديدا من مهرجان «كولي جاز»، لتكون بمثابة فاتحة لمسار نغمي طويل يمر بمدن جنيف وزيورخ، قبل أن يحط الرحال الموسيقي في محطة وجدانية شديدة الخصوصية في تونس.

ففي الثلاثين من أفريل الجاري، سيكون جمهور مدينة الكاف العريقة على موعد مع افتتاح مهرجان «سيكا جاز»، حيث يعود أنور ابراهم بعد غياب دام أكثر من عقد من الزمان، في عرض يتزامن مع اليوم العالمي للجاز، ليمتزج صدى عوده بعبق التاريخ في فضاء القصبة الأثري. هذه الجولة لا تتوقف عند حدود المغرب العربي وأوروبا، بل تمتد لتشمل المنطقة اللاتينية عبر مدينة ساو باولو البرازيلية في شهر ماي القادم، ثم تعود لتطوف في قلب الصيف الأوروبي بين روما وروتردام وبراتيسلافا، وصولا إلى محطات الخريف في فرنسا ولندن.

إنها رحلة يغوص فيها أنور ابراهم، بأحدث أعماله «After the Last Sky»، وتعاوناته الممتدة مع أسماء مثل عازفة التشيلو أنيا ليشنر، كقائد لفرقة كونية لا تعترف بالحدود الجغرافية، بل تنصهر جميعها في بوتقة النغم الخالص الذي يقدمه بمزيج من الحداثة والأصالة.

من الحلفاوين إلى منصات العالمية

هذه العالمية التي نراها اليوم في جولة 2026، لم تكن وليدة الصدفة، بل هي نتاج مسيرة بدأت جذورها في 20 أكتوبر 1957، في قلب حي «الحلفاوين» العتيق بمدينة تونس. في ذلك الحي الذي يضج بالهوية والذاكرة، وبدفع من والده الذي كان يمتهن الطباعة ويحمل شغفا كبيرا بالموسيقى، بدأ أنور ابراهم رحلته مع آلة العود، وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره. انخرط في المعهد الوطني للموسيقى، وهناك بدأت تتشكل ملامح شخصيته الفنية تحت رعاية الشيخ علي السريتي، الذي لم يكن مجرد معلم، بل كان منارة لقنه أسرار المقامات العميقة وفنون الارتجال والتقاسيم، في علاقة تقليدية متينة بين الشيخ ومريده.

لكن أنور ابراهم، ورغم تشبعه بهذا الموروث، كان يحمل في داخله بذور ما يمكن أن نسميه بثورة فنية، فقد كان يرفض أن يظل العود آلة ثانوية تكتفي بمرافقة المطربين، بل كان يحلم بجعلها آلة قادرة على قيادة الأوركسترا والوقوف بمفردها على خشبة المسرح ككيان مستقل يحاور الوجدان.

هذا التمرد الفني والإبداعي قاده في مطلع الثمانينيات إلى باريس، حيث قضى أربع سنوات كانت بمثابة نافذة انفتحت على تجارب فنية مغايرة، من بينها تعاونه مع مصمم الرقصات الشهير موريس بيجار، قبل أن يأتي اللقاء الحاسم في عام 1989 مع المنتج الألماني مانفريد أيشر، مؤسس شركة التسجيلات العريقة «إي سي أم». هذا اللقاء كان بمثابة الولادة الثانية لانور براهم على الصعيد العالمي، حيث بدأت سلسلة إصداراته التي أحدثت دويا في عالم الموسيقى المعاصرة، مثل ألبوم «برزخ» و»خطوات القط الأسود» و»عيون ريتا المذهلة»، وصولا إلى «بلو مقام»، الذي رسخ مكانته كواحد من أكثر الملحنين ابتكارا في القرن الحادي والعشرين.

فلسفة الصمت وحوار الثقافات خلف أوتار العود

إن ما يميز تجربة أنور ابراهم ليس فقط براعته التقنية في العزف، بل تلك الفلسفة التي يتبناها ويصفها النقاد بـ»المينيماليزم»، أو التعبير البسيط والعميق. في عالم يزداد ضجيجا، اختار الفنان أن يجعل من «الصمت» نوتة موسيقية بحد ذاتها، حيث يرى النقاد في مجلة ECM Reviews أن موسيقاه ليست مجرد ألحان، بل هي «ملاحم روحية» تستكشف أعماق المشاعر البشرية بأقل قدر من التكلف، وكأن الصمت في مقطوعاته هو ذلك البياض الضروري على لوحة الرسم الذي يمنح المستمع مساحة لخلق خياله الخاص.

هذه القدرة الفريدة على تطويع العود ليحاور البيانو الغربي أو الكلارينيت أو التشيلو بأسلوب سردي وحكائي، هي التي جعلت منه مؤلفا بارعا للموسيقى التصويرية، حيث ارتبطت نغماته بذاكرة السينما التونسية في أفلام أيقونية مثل «عصفور السطح» و»صمت القصور». وبفضل هذا المزيج الفريد بين المقامات الشرقية ونهج الجاز الهارموني، استحق لقب «مهرب الثقافات»، وهو اللقب الذي يختصر قدرته على نقل المستمع من زوايا الحلفاوين الضيقة إلى أفق المسارح العالمية، محققا توازنا نادرا بين الأصالة التونسية والعالمية الإنسانية.

هذا التميز لم يمر مرور الكرام في الأوساط النقدية والرسمية العالمية، إذ تحظى موسيقى أنور ابراهم بتقدير منقطع النظير. فقد وصفته السفارة الألمانية بتونس، بمناسبة نيله «الجائزة الشرفية لنقاد الأسطوانات الألمان» عام 2025، بأنه المبدع الذي نجح في خلق «جسر ثقافي متين» بين الشرق وأوروبا، وأنه الملحن الذي أثبت أن العود يمكنه قيادة ارتجالات الجاز المفتوحة ببراعة لا تضاهى، كما أكدت إحدى المنصات

ورغم هذا الاحتفاء العالمي، يبقى أنور ابراهم وفيا لبداياته، متذكرا بتواضع كيف كان زملاؤه الموسيقيون في تونس يعتبرونه «مجنونا» في بداياته، وكيف كانوا يشككون في قدرة عرض يقتصر على العود فقط على استقطاب الجمهور. لكنه، وبمرور الوقت، تحول إلى ملاذ آمن للمستمعين الذين يبحثون عن تجربة صوفية تتجاوز مجرد الاستماع للموسيقى، لتصبح حالة من التأمل العميق. إن الثناء المستمر على «أناقة الصياغة» في أعماله، وحساسيته المفرطة للصمت بين النوتات، جعلت من ألبوماته وجولاته لحظات تاريخية يسعى فيها الجمهور لاستعادة إنسانيته المفقودة في زحام الحياة.

استشراف المستقبل وأثر «الرباعي» في الموسيقى المعاصرة

في السنوات الأخيرة، وتحديدا بين عامي 2024 و2026، شهد مسار أنور ابراهم تكثيفا لحضوره المسرحي، حيث كانت عودته لمهرجان دقة الدولي في شهر جوان 2024 بمثابة مصالحة رمزية مع الجمهور التونسي بعد جولات دولية مضنية. وهو يواصل هذا المسار مع «رباعية» (Quartet) المكون من ديف هولاند وجانغو بيتس، حيث يقدمون رؤية بصرية ونغمية تجسد مفهوم «الأرض غير المحدودة للتجريب».

وفي كل عرض يقدمه، يؤكد أنور ابراهم أن الهوية الموسيقية ليست قالبا جامدا، بل هي حوار دائم بين الماضي والحاضر، وبين الهياكل المقامية القديمة والنهج الحديث. إن جولة 2026، التي ستبلغ ذروتها في مركز «باربيكان» بلندن في نوفمبر القادم، ليست مجرد سلسلة من العروض التجارية، بل هي بيان فني يؤكد أن الموسيقى قادرة على أن تكون «عملا إنسانيا تضامنيا» كما يصفها النقاد.

فمن خلال كل رنة وتر، وكل مساحة صمت يتركها أنور ابراهم، ندرك أننا أمام فنان لم يتنازل يوما عن صدقه الفني من أجل النجاح السهل، بل نحت صخرة العالمية بأصابع تونسية وقلب يتسع لكل نغمات العالم.

إيمان عبداللطيف