إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

اتحاد الفنانين التشكيليين يستعد لتنظيم صالون دولي.. فن الخط و«الحروفية» في تونس.. من تجارب فردية إلى مشروع ثقافي قائم بذاته

- مشروع «اقرأ»، الذي أعلن عنه رئيس الجمهورية قيس سعيد منذ 2023، ينتظر أن يكون مركزا دوليا منفتحا على فناني تونس والعالم

- المشروع يحمل بعدا رمزيا هاما، وتصميمه المعماري يفترض أن يجسد كلمة «اقرأ»، في إشارة إلى مركزية المعرفة والكتابة في الحضارة العربية الإسلامية

في خضم الاستعداد لتنظيم «الصالون الدولي للحروفية»، وجد المشهد التشكيلي في تونس نفسه أمام جدل غير متوقع، بعد أن وجّه أحد الأعضاء السابقين للهيئة المديرة لاتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين اتهامات صريحة للاتحاد بالاستيلاء على مشروع ثقافي كان قد اقترحه سابقا. ردّ الاتحاد لم يتأخر، وجاء في بيان رسمي حاسم، لم يكتفِ بنفي التهمة، بل أعاد تأطير المسألة برمتها، مؤكدا أن التظاهرات الفنية، وخاصة تلك المرتبطة بالحروفية، لا يمكن أن تُختزل في مبادرة فردية أو تُنسب إلى شخص بعينه، باعتبارها امتدادا لتقاليد فنية راسخة ومتداولة عبر تجارب متعددة في العالم.

وقد شدد الاتحاد على أن أي مشروع يُطرح داخل إطاره يخضع لآليات دراسة وتقييم، وأن تحوله إلى تظاهرة رسمية يتم فقط بعد تبنيه من قبل الهيئة المديرة وتوفير شروط إنجازه، وهو ما يجعله فعلا مؤسساتيا لا يمكن اختزاله في صاحبه الأول.

ويكتسب هذا التوتر دلالة خاصة عندما يتعلق الأمر بالحروفية، باعتبارها مجالا فنيا يقوم أساسا على إعادة تأويل الحرف وتحويله من عنصر لغوي إلى مادة تشكيلية. هذا الفن، الذي نشأ في تقاطع بين التراث والحداثة، ظل لفترة طويلة رهين تجارب فردية تسعى إلى تحرير الحرف من قواعده الصارمة وإدخاله في مغامرات بصرية جديدة. لكن، مع تزايد الاهتمام به، بدأ يشهد نوعا من التنظيم، عبر صالونات ومعارض وتظاهرات تسعى إلى تأطيره ومنحه حضورا أوسع.

في هذا الإطار، يأتي «الصالون الدولي للحروفية»، الذي يعمل اتحاد الفنانين التشكيليين على تنظيمه، كمحاولة لإعادة تثبيت هذا الفن داخل مشهد منظم ومنفتح في الآن ذاته. فحسب ما ورد في البيان، لا يتعلق الأمر بإعادة إنتاج تجربة سابقة، بل بتطويرها لتصبح منصة قادرة على استقطاب فنانين من داخل تونس وخارجها، وعلى تقديم الحروفية في صيغتها المعاصرة، بما يعزز حضورها ويمنحها بعدا دوليا. غير أن الجدل الذي رافق الإعلان عن هذه التظاهرة يكشف أن مسألة التأطير لا تزال محل شدّ وجذب، وأن الاتفاق حولها لم يُحسم بعد داخل الوسط الفني.

ومع ذلك، فإن الاكتفاء بقراءة هذا الجدل في حدوده المباشرة قد يحجب دلالته الأوسع، خاصة إذا ما تم وضعه في سياق التحولات التي يشهدها موقع فن الخط والحروفية في تونس خلال السنوات الأخيرة. ففي الوقت الذي يتواصل فيه النقاش داخل الفضاء الجمعياتي حول تنظيم التظاهرات وحدود المبادرة الفردية، تتشكل في المقابل ملامح مشروع أكبر، تقوده الدولة، ويسعى إلى إعادة تعريف هذا الفن ضمن رؤية أكثر شمولا واستدامة.

هذا المشروع هو «اقرأ»، الذي أعلن عنه رئيس الجمهورية قيس سعيد في مارس 2023، كمركز عالمي لفنون الخط يُنتظر أن يُشيّد في قلب العاصمة، بمحاذاة مدينة الثقافة. منذ لحظة الإعلان عنه، لم يُقدَّم هذا المشروع كفضاء عرض تقليدي، بل كصرح متعدد الوظائف يجمع بين المتحف والبحث والتكوين، ويهدف إلى تحويل الخط العربي إلى مجال حيوي يستقطب الفنانين والباحثين من مختلف أنحاء العالم. وقد تم التأكيد منذ البداية على البعد الرمزي للمشروع، من خلال تصميمه المعماري الذي يُفترض أن يجسد كلمة «اقرأ»، في إشارة إلى مركزية المعرفة والكتابة في الحضارة العربية الإسلامية.

بهذا المعنى، لا يندرج «اقرأ» ضمن نفس منطق التظاهرات الفنية، بل يتجاوزه نحو بناء مؤسسة دائمة، قادرة على احتضان هذا الفن وتأطيره ضمن رؤية استراتيجية طويلة المدى. فالمشروع لا يقتصر على تنظيم المعارض، بل يشمل أيضا إنشاء متحف عالمي للخط، ومختبرات لرقمنة المخطوطات، وفضاءات للتكوين والإقامة الفنية، إلى جانب قاعات مخصصة للمؤتمرات والندوات الدولية. وهو ما يعكس، في صورة إنجازه، انتقالا من منطق الحدث الثقافي إلى منطق المؤسسة، ومن المبادرة الظرفية إلى التخطيط المستدام.

ولعل التحول الأبرز الذي شهده المشروع يتمثل في انتقاله من مستوى التصور إلى مستوى الالتزام الرسمي، من خلال إدراجه ضمن مخطط التنمية الخماسي (2026-2030) كأولوية وطنية مهيكلة، وهو ما يمثل بمثابة شهادة ميلاد قانونية ومالية له. فهذا الإدراج لم يكن مجرد إجراء إداري، بل أتاح للمشروع النفاذ إلى التمويل العمومي، فتم رصد الاعتمادات الأولية للدراسات الفنية والمناظرات المعمارية ضمن ميزانية وزارة الشؤون الثقافية لسنة 2026، كما أنه يمكن أن يستفيد من تفعيل الشراكات الدولية ودعم المشاريع الثقافية.

ومنذ بداية سنة 2026، دخل المشروع مرحلة جديدة اتسمت بتكثيف اللقاءات الرسمية والتنسيق الدولي، فيما يبدو انتقالا فعليا من مستوى الفكرة إلى مستوى الإعداد التنفيذي. وكانت أولى هذه المحطات البارزة في شهر جانفي 2026، حين استقبل رئيس الجمهورية قيس سعيد المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم، «الإيسيسكو»، في قصر قرطاج، في لقاء خُصص لتثبيت الشراكة بين الطرفين، حيث تم الاتفاق على أن تكون المنظمة شريكا استراتيجيا في إحداث المركز، مع التزامها بتقديم الدعم الفني والخبرات اللازمة.

وفي الفترة ذاتها، انعقدت جلسة عمل وزارية موسعة بإشراف وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي، خُصصت لمتابعة الجوانب التنفيذية للمشروع، من خلال ضبط جدول زمني للدراسات الفنية وتحديد الحاجيات اللوجستية للموقع، إلى جانب التأكيد على البعد الوظيفي للمركز باعتباره مختبرا دوليا للبحث ورقمنة المخطوطات. وتواصل هذا المسار خلال شهر مارس 2026 عبر لقاءات أكاديمية جمعت ممثلين عن المشروع بخبراء من جامعة تونس وجامعات عربية، بهدف بحث إحداث «كرسي علمي» يُعنى بتاريخ الخطوط وربط المركز بشبكات البحث الدولية.

لكن، رغم تقدم العمل، خاصة على مستوى التصورات والشراكات الممكنة، فإنه تظل هناك مجموعة من الإشكاليات القانونية والتقنية الدقيقة التي ينبغي حلها، وخاصة منها ما يتعلق بتحديد «الشخصية القانونية» للمركز، وهي مسألة جوهرية لم تُحسم بعد، إذ لم يصدر بعد الأمر الترتيبي الذي يحدد طبيعة المؤسسة: هل ستكون مؤسسة عمومية ذات صبغة إدارية، بما يعنيه ذلك من خضوعها لإجراءات مالية وإدارية ثقيلة، أم مؤسسة ذات صبغة غير إدارية، وهو الخيار الذي يدافع عنه عدد من الخبراء لما يوفره من مرونة في استقطاب التمويلات الدولية والتعامل مع الشركاء الأجانب، خاصة في ظل الانفتاح على منظمات مثل «الإيسيسكو».

ولا تقل مسألة التصميم المعماري تعقيدا، إذ يفرض الطابع الرمزي للمشروع، القائم على تجسيد كلمة «إقرأ» في شكل معماري، تحديا خاصا فيما يتعلق بإعداد كراسات الشروط. فالقوانين المنظمة للصفقات العمومية في تونس تقوم أساسا على مبدأ الكلفة الأقل، في حين يتطلب هذا النوع من المشاريع اعتماد «مناظرة أفكار» تعطي الأولوية للإبداع والجودة الجمالية، وهو ما يستدعي إدخال استثناءات قانونية تضمن تحقيق التوازن بين المتطلبات الفنية والإجراءات الإدارية.

نشير أيضا إلى أن بطء الدراسات وغياب إطار تنسيقي واضح يمثّلان عائقا أمام تطور المشروع بنسق أكبر. فالمشاريع الكبرى من هذا الحجم عادة ما تستوجب إحداث «وحدة تصرف حسب الأهداف»، وهي آلية إدارية تُمكّن من تنسيق الجهود بين مختلف المتدخلين، من وزارة الثقافة إلى وزارة التجهيز وأملاك الدولة. وعدم إحداث هذه الوحدة بمقتضى مرسوم خاص قد ساهم في إبقاء المشروع لفترة طويلة في دائرة الدراسات النظرية، دون الانتقال إلى التنفيذ الفعلي، وهو ما كان محل انتقاد متكرر من أعلى هرم السلطة.

كما تطرح مسألة العقار بدورها تحديات إضافية، فرغم تخصيص قطعة أرض بمحاذاة مدينة الثقافة، فإن إدماج المركز ضمن هذا الفضاء يقتضي تسوية قانونية وإدارية دقيقة، تضمن في الآن ذاته استقلالية المؤسسة الجديدة في التسيير، مع استفادتها من البنية التحتية والخدمات اللوجستية المتوفرة في مدينة الثقافة. وهي معادلة معقدة تتطلب تنسيقا عاليا بين مختلف الأطراف المعنية، وتوضح أن المشروع لا يتعلق فقط ببناء معلم معماري، بل بإعادة تركيب منظومة كاملة حوله. لكن الوعي بقيمة المشروع، وخاصة من الناحية الرمزية، وأيضا دوره في تطوير فن الخط، وهو أحد أهم مجالات الفنون التشكيلية التي تلاقي اهتماما واسعا لدى الجمهور، كفيل بأن يجعل الجهود تتضاعف في كل المستويات من أجل تحويله إلى حقيقة في أقرب الآجال الممكنة.

نزار مقديش رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين لـ«الصباح» : هدفنا جعل الصالون الدولي للحروفية تظاهرة ذات إشعاع دولي

- 12 دولة تشارك في التظاهرة، وعرض أكثر من 90 لوحة فنية

أكد رئيس الهيئة المديرة الجديدة لاتحاد الفنانين التشكيليين نزار مقديش (التي تم انتخابها في 21 فيفري 2026)، أن الاتحاد بصدد وضع اللمسات الأخيرة لتنظيم «الصالون الدولي للحروفية» في دورته الأولى التأسيسية، والتي تمثل امتدادا وتطويرا لـ«صالون تونس للحروفيات» الذي انتظم سابقا في ست دورات وطنية.

وأوضح نزار مقديش، في تصريح لجريدة «الصباح»، أن الهيئة المديرة الجديدة ارتأت الارتقاء بهذا الصالون ليكون تظاهرة دولية ذات إشعاع واسع، بمشاركة فنانين من دول عربية وأجنبية. وأضاف إلى أن التوقعات تشير إلى مشاركة ما بين 10 إلى 12 دولة، منها: الجزائر، العراق، ليبيا، الأردن، قطر، المغرب، والبحرين، وهي الدول التي أكدت حضورها في الدورة التأسيسية.

ومن بين الأسماء اللامعة التي أكدت حضورها، ذكر محدثنا كلّ من عبد الحق جلاب (الجزائر)، حيدر الشيباني (العراق)، محمد الخروبي وعمر بركة (ليبيا)، محمد رفعت البوايزة (الأردن)، بالإضافة إلى نخبة من الفنانين التونسيين الذين يمثلون «نصيب الأسد» في هذه التظاهرة، باعتبار ريادتهم في هذا الفن. وكشف رئيس الاتحاد أن الافتتاح الرسمي للصالون من المقرر أن يكون يوم 2 ماي 2026 بـقصر خير الدين (متحف مدينة تونس). وستشهد هذه الدورة عرض من 90 إلى 100 لوحة فنية، بمشاركة قرابة 30 فنانا وفنانة من تونس وخارجها.

كما أشار إلى أن هذه الدورة ستتضمن تكريمات لرموز فن الحروفيات التونسيين الذين ساهموا في إثراء الساحة التشكيلية، مؤكدا حرص الاتحاد على حضور المكرّمين شخصيا لخلق فرصة للتفاعل المباشر مع الفنانين الشبان.

وقال إنّ هذه الاستعدادات تأتي تزامنا مع اختتام «الشهر الوطني للفنون التشكيلية» (الذي امتد من 28 فيفري إلى 24 أفريل 2026). هذا الشهر الذي توزع نشاطه على خمسة فضاءات كبرى، وهي: دار الفنون، قصر خير الدين، رواق الفنون ببن عروس، رواق يحيى بالمرسى، وفضاء «سانت كروا». وشدد نزار مقديش في تصريحه، على أن هذه الدورة هي «دورة تأسيسية» بصبغة دولية، يسعى الاتحاد من خلالها إلى مزيد من الانفتاح وتطوير التظاهرات الفنية ذات القيمة العالية. وأضاف أن الطموح للسنة القادمة يتجه نحو استضافة دولة كـ»ضيف شرف» لتعزيز الروابط الثقافية الدولية، مؤكدا أن الاتحاد يظل الهيكل الرائد الذي يجمع الفنانين ويحتفي بإبداعاتهم.

إيمان عبد اللطيف

اتحاد الفنانين التشكيليين يستعد لتنظيم صالون دولي.. فن الخط و«الحروفية» في تونس.. من تجارب فردية إلى مشروع ثقافي قائم بذاته

- مشروع «اقرأ»، الذي أعلن عنه رئيس الجمهورية قيس سعيد منذ 2023، ينتظر أن يكون مركزا دوليا منفتحا على فناني تونس والعالم

- المشروع يحمل بعدا رمزيا هاما، وتصميمه المعماري يفترض أن يجسد كلمة «اقرأ»، في إشارة إلى مركزية المعرفة والكتابة في الحضارة العربية الإسلامية

في خضم الاستعداد لتنظيم «الصالون الدولي للحروفية»، وجد المشهد التشكيلي في تونس نفسه أمام جدل غير متوقع، بعد أن وجّه أحد الأعضاء السابقين للهيئة المديرة لاتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين اتهامات صريحة للاتحاد بالاستيلاء على مشروع ثقافي كان قد اقترحه سابقا. ردّ الاتحاد لم يتأخر، وجاء في بيان رسمي حاسم، لم يكتفِ بنفي التهمة، بل أعاد تأطير المسألة برمتها، مؤكدا أن التظاهرات الفنية، وخاصة تلك المرتبطة بالحروفية، لا يمكن أن تُختزل في مبادرة فردية أو تُنسب إلى شخص بعينه، باعتبارها امتدادا لتقاليد فنية راسخة ومتداولة عبر تجارب متعددة في العالم.

وقد شدد الاتحاد على أن أي مشروع يُطرح داخل إطاره يخضع لآليات دراسة وتقييم، وأن تحوله إلى تظاهرة رسمية يتم فقط بعد تبنيه من قبل الهيئة المديرة وتوفير شروط إنجازه، وهو ما يجعله فعلا مؤسساتيا لا يمكن اختزاله في صاحبه الأول.

ويكتسب هذا التوتر دلالة خاصة عندما يتعلق الأمر بالحروفية، باعتبارها مجالا فنيا يقوم أساسا على إعادة تأويل الحرف وتحويله من عنصر لغوي إلى مادة تشكيلية. هذا الفن، الذي نشأ في تقاطع بين التراث والحداثة، ظل لفترة طويلة رهين تجارب فردية تسعى إلى تحرير الحرف من قواعده الصارمة وإدخاله في مغامرات بصرية جديدة. لكن، مع تزايد الاهتمام به، بدأ يشهد نوعا من التنظيم، عبر صالونات ومعارض وتظاهرات تسعى إلى تأطيره ومنحه حضورا أوسع.

في هذا الإطار، يأتي «الصالون الدولي للحروفية»، الذي يعمل اتحاد الفنانين التشكيليين على تنظيمه، كمحاولة لإعادة تثبيت هذا الفن داخل مشهد منظم ومنفتح في الآن ذاته. فحسب ما ورد في البيان، لا يتعلق الأمر بإعادة إنتاج تجربة سابقة، بل بتطويرها لتصبح منصة قادرة على استقطاب فنانين من داخل تونس وخارجها، وعلى تقديم الحروفية في صيغتها المعاصرة، بما يعزز حضورها ويمنحها بعدا دوليا. غير أن الجدل الذي رافق الإعلان عن هذه التظاهرة يكشف أن مسألة التأطير لا تزال محل شدّ وجذب، وأن الاتفاق حولها لم يُحسم بعد داخل الوسط الفني.

ومع ذلك، فإن الاكتفاء بقراءة هذا الجدل في حدوده المباشرة قد يحجب دلالته الأوسع، خاصة إذا ما تم وضعه في سياق التحولات التي يشهدها موقع فن الخط والحروفية في تونس خلال السنوات الأخيرة. ففي الوقت الذي يتواصل فيه النقاش داخل الفضاء الجمعياتي حول تنظيم التظاهرات وحدود المبادرة الفردية، تتشكل في المقابل ملامح مشروع أكبر، تقوده الدولة، ويسعى إلى إعادة تعريف هذا الفن ضمن رؤية أكثر شمولا واستدامة.

هذا المشروع هو «اقرأ»، الذي أعلن عنه رئيس الجمهورية قيس سعيد في مارس 2023، كمركز عالمي لفنون الخط يُنتظر أن يُشيّد في قلب العاصمة، بمحاذاة مدينة الثقافة. منذ لحظة الإعلان عنه، لم يُقدَّم هذا المشروع كفضاء عرض تقليدي، بل كصرح متعدد الوظائف يجمع بين المتحف والبحث والتكوين، ويهدف إلى تحويل الخط العربي إلى مجال حيوي يستقطب الفنانين والباحثين من مختلف أنحاء العالم. وقد تم التأكيد منذ البداية على البعد الرمزي للمشروع، من خلال تصميمه المعماري الذي يُفترض أن يجسد كلمة «اقرأ»، في إشارة إلى مركزية المعرفة والكتابة في الحضارة العربية الإسلامية.

بهذا المعنى، لا يندرج «اقرأ» ضمن نفس منطق التظاهرات الفنية، بل يتجاوزه نحو بناء مؤسسة دائمة، قادرة على احتضان هذا الفن وتأطيره ضمن رؤية استراتيجية طويلة المدى. فالمشروع لا يقتصر على تنظيم المعارض، بل يشمل أيضا إنشاء متحف عالمي للخط، ومختبرات لرقمنة المخطوطات، وفضاءات للتكوين والإقامة الفنية، إلى جانب قاعات مخصصة للمؤتمرات والندوات الدولية. وهو ما يعكس، في صورة إنجازه، انتقالا من منطق الحدث الثقافي إلى منطق المؤسسة، ومن المبادرة الظرفية إلى التخطيط المستدام.

ولعل التحول الأبرز الذي شهده المشروع يتمثل في انتقاله من مستوى التصور إلى مستوى الالتزام الرسمي، من خلال إدراجه ضمن مخطط التنمية الخماسي (2026-2030) كأولوية وطنية مهيكلة، وهو ما يمثل بمثابة شهادة ميلاد قانونية ومالية له. فهذا الإدراج لم يكن مجرد إجراء إداري، بل أتاح للمشروع النفاذ إلى التمويل العمومي، فتم رصد الاعتمادات الأولية للدراسات الفنية والمناظرات المعمارية ضمن ميزانية وزارة الشؤون الثقافية لسنة 2026، كما أنه يمكن أن يستفيد من تفعيل الشراكات الدولية ودعم المشاريع الثقافية.

ومنذ بداية سنة 2026، دخل المشروع مرحلة جديدة اتسمت بتكثيف اللقاءات الرسمية والتنسيق الدولي، فيما يبدو انتقالا فعليا من مستوى الفكرة إلى مستوى الإعداد التنفيذي. وكانت أولى هذه المحطات البارزة في شهر جانفي 2026، حين استقبل رئيس الجمهورية قيس سعيد المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم، «الإيسيسكو»، في قصر قرطاج، في لقاء خُصص لتثبيت الشراكة بين الطرفين، حيث تم الاتفاق على أن تكون المنظمة شريكا استراتيجيا في إحداث المركز، مع التزامها بتقديم الدعم الفني والخبرات اللازمة.

وفي الفترة ذاتها، انعقدت جلسة عمل وزارية موسعة بإشراف وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي، خُصصت لمتابعة الجوانب التنفيذية للمشروع، من خلال ضبط جدول زمني للدراسات الفنية وتحديد الحاجيات اللوجستية للموقع، إلى جانب التأكيد على البعد الوظيفي للمركز باعتباره مختبرا دوليا للبحث ورقمنة المخطوطات. وتواصل هذا المسار خلال شهر مارس 2026 عبر لقاءات أكاديمية جمعت ممثلين عن المشروع بخبراء من جامعة تونس وجامعات عربية، بهدف بحث إحداث «كرسي علمي» يُعنى بتاريخ الخطوط وربط المركز بشبكات البحث الدولية.

لكن، رغم تقدم العمل، خاصة على مستوى التصورات والشراكات الممكنة، فإنه تظل هناك مجموعة من الإشكاليات القانونية والتقنية الدقيقة التي ينبغي حلها، وخاصة منها ما يتعلق بتحديد «الشخصية القانونية» للمركز، وهي مسألة جوهرية لم تُحسم بعد، إذ لم يصدر بعد الأمر الترتيبي الذي يحدد طبيعة المؤسسة: هل ستكون مؤسسة عمومية ذات صبغة إدارية، بما يعنيه ذلك من خضوعها لإجراءات مالية وإدارية ثقيلة، أم مؤسسة ذات صبغة غير إدارية، وهو الخيار الذي يدافع عنه عدد من الخبراء لما يوفره من مرونة في استقطاب التمويلات الدولية والتعامل مع الشركاء الأجانب، خاصة في ظل الانفتاح على منظمات مثل «الإيسيسكو».

ولا تقل مسألة التصميم المعماري تعقيدا، إذ يفرض الطابع الرمزي للمشروع، القائم على تجسيد كلمة «إقرأ» في شكل معماري، تحديا خاصا فيما يتعلق بإعداد كراسات الشروط. فالقوانين المنظمة للصفقات العمومية في تونس تقوم أساسا على مبدأ الكلفة الأقل، في حين يتطلب هذا النوع من المشاريع اعتماد «مناظرة أفكار» تعطي الأولوية للإبداع والجودة الجمالية، وهو ما يستدعي إدخال استثناءات قانونية تضمن تحقيق التوازن بين المتطلبات الفنية والإجراءات الإدارية.

نشير أيضا إلى أن بطء الدراسات وغياب إطار تنسيقي واضح يمثّلان عائقا أمام تطور المشروع بنسق أكبر. فالمشاريع الكبرى من هذا الحجم عادة ما تستوجب إحداث «وحدة تصرف حسب الأهداف»، وهي آلية إدارية تُمكّن من تنسيق الجهود بين مختلف المتدخلين، من وزارة الثقافة إلى وزارة التجهيز وأملاك الدولة. وعدم إحداث هذه الوحدة بمقتضى مرسوم خاص قد ساهم في إبقاء المشروع لفترة طويلة في دائرة الدراسات النظرية، دون الانتقال إلى التنفيذ الفعلي، وهو ما كان محل انتقاد متكرر من أعلى هرم السلطة.

كما تطرح مسألة العقار بدورها تحديات إضافية، فرغم تخصيص قطعة أرض بمحاذاة مدينة الثقافة، فإن إدماج المركز ضمن هذا الفضاء يقتضي تسوية قانونية وإدارية دقيقة، تضمن في الآن ذاته استقلالية المؤسسة الجديدة في التسيير، مع استفادتها من البنية التحتية والخدمات اللوجستية المتوفرة في مدينة الثقافة. وهي معادلة معقدة تتطلب تنسيقا عاليا بين مختلف الأطراف المعنية، وتوضح أن المشروع لا يتعلق فقط ببناء معلم معماري، بل بإعادة تركيب منظومة كاملة حوله. لكن الوعي بقيمة المشروع، وخاصة من الناحية الرمزية، وأيضا دوره في تطوير فن الخط، وهو أحد أهم مجالات الفنون التشكيلية التي تلاقي اهتماما واسعا لدى الجمهور، كفيل بأن يجعل الجهود تتضاعف في كل المستويات من أجل تحويله إلى حقيقة في أقرب الآجال الممكنة.

نزار مقديش رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين لـ«الصباح» : هدفنا جعل الصالون الدولي للحروفية تظاهرة ذات إشعاع دولي

- 12 دولة تشارك في التظاهرة، وعرض أكثر من 90 لوحة فنية

أكد رئيس الهيئة المديرة الجديدة لاتحاد الفنانين التشكيليين نزار مقديش (التي تم انتخابها في 21 فيفري 2026)، أن الاتحاد بصدد وضع اللمسات الأخيرة لتنظيم «الصالون الدولي للحروفية» في دورته الأولى التأسيسية، والتي تمثل امتدادا وتطويرا لـ«صالون تونس للحروفيات» الذي انتظم سابقا في ست دورات وطنية.

وأوضح نزار مقديش، في تصريح لجريدة «الصباح»، أن الهيئة المديرة الجديدة ارتأت الارتقاء بهذا الصالون ليكون تظاهرة دولية ذات إشعاع واسع، بمشاركة فنانين من دول عربية وأجنبية. وأضاف إلى أن التوقعات تشير إلى مشاركة ما بين 10 إلى 12 دولة، منها: الجزائر، العراق، ليبيا، الأردن، قطر، المغرب، والبحرين، وهي الدول التي أكدت حضورها في الدورة التأسيسية.

ومن بين الأسماء اللامعة التي أكدت حضورها، ذكر محدثنا كلّ من عبد الحق جلاب (الجزائر)، حيدر الشيباني (العراق)، محمد الخروبي وعمر بركة (ليبيا)، محمد رفعت البوايزة (الأردن)، بالإضافة إلى نخبة من الفنانين التونسيين الذين يمثلون «نصيب الأسد» في هذه التظاهرة، باعتبار ريادتهم في هذا الفن. وكشف رئيس الاتحاد أن الافتتاح الرسمي للصالون من المقرر أن يكون يوم 2 ماي 2026 بـقصر خير الدين (متحف مدينة تونس). وستشهد هذه الدورة عرض من 90 إلى 100 لوحة فنية، بمشاركة قرابة 30 فنانا وفنانة من تونس وخارجها.

كما أشار إلى أن هذه الدورة ستتضمن تكريمات لرموز فن الحروفيات التونسيين الذين ساهموا في إثراء الساحة التشكيلية، مؤكدا حرص الاتحاد على حضور المكرّمين شخصيا لخلق فرصة للتفاعل المباشر مع الفنانين الشبان.

وقال إنّ هذه الاستعدادات تأتي تزامنا مع اختتام «الشهر الوطني للفنون التشكيلية» (الذي امتد من 28 فيفري إلى 24 أفريل 2026). هذا الشهر الذي توزع نشاطه على خمسة فضاءات كبرى، وهي: دار الفنون، قصر خير الدين، رواق الفنون ببن عروس، رواق يحيى بالمرسى، وفضاء «سانت كروا». وشدد نزار مقديش في تصريحه، على أن هذه الدورة هي «دورة تأسيسية» بصبغة دولية، يسعى الاتحاد من خلالها إلى مزيد من الانفتاح وتطوير التظاهرات الفنية ذات القيمة العالية. وأضاف أن الطموح للسنة القادمة يتجه نحو استضافة دولة كـ»ضيف شرف» لتعزيز الروابط الثقافية الدولية، مؤكدا أن الاتحاد يظل الهيكل الرائد الذي يجمع الفنانين ويحتفي بإبداعاتهم.

إيمان عبد اللطيف