- من سيدي بوزيد إلى العاصمة.. طلبة الفنون التشكيلية يعيدون تعريف «الهامش» في معرض «Pulse des Plis» (نبض الطيات)
- أسئلة فلسفية وجمالية عميقة طُرحت خلال الندوة وتناولت علاقة الفن بالطبيعة، وأعادت طرح موقع «اللامهم»
شهدت مدينة الثقافة «الشاذلي القليبي» بالعاصمة، أمس الاثنين 13 أفريل الجاري، تنظيم ندوة علمية تحت عنوان «الفن وجماليات الهامش»، والتي لم تكن مجرد عرض فني، بل كانت بيانا نقديا يدعو إلى مراجعة تاريخ الفن وتحريره من القواعد الكلاسيكية الصارمة. وقد نظّم هذه الندوة معهد تونس للفلسفة في إطار وحدة البحث «ما الفكر في الممارسات الفنية؟»، بالاشتراك مع المعهد العالي للفنون والحرف بسيدي بوزيد، وبالتعاون مع جمعية فنون.
ارتكزت فلسفة الندوة، التي صاغتها الدكتورة شيماء زعفوري، الأستاذة المساعدة بالمعهد العالي للفنون والحرف بسيدي بوزيد، على ضرورة التخلص من الثنائية التقليدية التي تقسم الفن إلى «فن رفيع» و»فن وضيع». فبينما ركزت الجماليات الكلاسيكية على تمجيد التسامي والانسجام والكمال، جاءت هذه الندوة لتثبت أن «الهامش» ليس مجرد ملحق ثانوي، بل هو فضاء خصب لإنتاج المعنى وإعادة تعريف الجمال. فكانت فضاء للتفكير النقدي في التحولات التي يشهدها الفعل الإبداعي خارج الأطر المركزية التقليدية، لتنفتح بالتالي الجلسات منذ انطلاقتها على أسئلة فلسفية وجمالية عميقة تناولت علاقة الفن بالطبيعة، وأعادت طرح موقع “اللامهم” باعتباره قوة قادرة على إعادة تشكيل معايير الذوق والمعنى، في مقابل مركزيات طالما احتكرت تعريف الجمال.
وفي هذا الإطار، أكد الدكتور لطفي الحجلاوي عن جامعة قرطاج، في تصريح لـ»الصباح»، أن ندوة «الفن وجماليات الهامش» تمثل نشاطا علميا وفنيا متميزا يجمع بين رصانة البحث الأكاديمي وحيوية الممارسة الإبداعية، موضحا أن اختيار «الهامش» موضوعا للبحث هو محاولة جادة لتعريف هذا المفهوم إبداعيا، ليس كحالة من الإقصاء، بل كفضاء غني بالدلالات والقيم الجمالية.
وأشار المتحدث إلى أن هذه الندوة العلمية نجحت في تحويل «الهامش» إلى «مركز» جذب حقيقي، بفضل قدرة الطلبة على تقديم أعمال فنية ناضجة ترتقي لمستوى العرض الاحترافي، وتستنطق الزوايا المنسية برؤى معاصرة. ليشدد على الأهمية البالغة لاستمرارية مثل هذه الفعاليات، لما لها من دور أساسي في تعزيز حضور المؤسسات الجامعية بالجهات الداخلية وتطوير المشهد الثقافي والجامعي الوطني.
وفي هذا السياق، تقاطعت المداخلات مع مقاربات تنظر إلى الجسد واللوحة كحيزين للتفاعل الصامت مع المتلقي، بما يكشف عن «ديناميات» جديدة في إنتاج الدلالة وتلقيها. ولا ينفصل هذا البعد النظري عن التجربة الحسية التي يعززها معرض “Pulse des plis” (نبض الطيات)، في تناغم يعكس تداخلا عضويا بين الفكر والممارسة الفنية، ليخلص اللقاء في مجمله إلى أن الهامش لم يعد مجرد موقع على الأطراف، بل تحول إلى أفق خصب لإعادة بناء التصورات الجمالية وتفكيك أنساقها الراسخة.
وعن هذا المعرض، وفي تصريح لجريدة «الصباح»، كشف مدير قسم التصميم بالمعهد العالي للفنون والحرف بسيدي بوزيد، ورئيس جمعية «فنون»، كريم بالقاضي، أن معرض «Pulse des plis» (نبض الطيات) «لم يكن مجرد عرض جمالي عابر، بل هو ترجمة بصرية حية لندوة «الفن وجماليات الهامش» التي تقاطعت مع المعرض في الرؤية والأهداف».
وأكد المتحدث أن «هذا الحدث راهن على خروج الطالب من دور المتلقي السلبي ليصبح فاعلا ومنتجا حقيقيا في فضاء ثقافي حر خارج الأطر الأكاديمية التقليدية، حيث شارك في بناء هذا النبض الفني ما بين 12 إلى 15 طالبا من طلبة الفنون التشكيلية بسيدي بوزيد».
وتتمحور فلسفة المعرض، حسب تصريحه، حول «فكرة «الهامش» والبحث في «الثنايا» المنسية، في محاولة فنية جادة لإعطاء صوت لمن لا صوت لهم، ولإعادة الاعتبار للمقصي ومن خفت صوته. فمن خلال تلك الوجوه المفككة والأعمال المنحوتة التي افترشت الأرض، سعى المشاركون إلى إثبات أن «الهامش» قادر على القدوم إلى «المركز» وفرض رؤيته الفنية الخاصة، لتكون هذه «الطيات» بمثابة خزان للذاكرة والهوية التي يعاد تشكيلها بأنامل جيل جديد من المبدعين».
في ذات السياق، أكدت الدكتورة شيماء زعفوري، الأستاذة المساعدة بالمعهد العالي للفنون والحرف بسيدي بوزيد والمنسقة الفنية للمعرض، في حديثها لجريدة «الصباح»، أن اختيار عنوان «Pulse des Plis» جاء ليعبر عن «نبض الطيات» التي تمثل الهامش في عمق وجغرافية الوطن. وأوضحت أن المعرض يهدف بالأساس إلى تمكين الطلبة من الانفتاح على «المركز» في تونس العاصمة، والاحتكاك المباشر مع الفاعلين في المشهد التشكيلي من أساتذة ومنظمين وباحثين، صقلاً لشخصياتهم كفنانين وباحثين مستقبليين.
وأضافت المتحدثة أن هذا الحدث يجسد الجانب التطبيقي لندوة «الفن وجماليات الهامش»، بمشاركة جامعية واسعة من مؤسسات قرطاج والقيروان وصفاقس، سعياً لتقديم قراءات «استيتيقية» وجمالية للأعمال المعروضة. وخلصت إلى أن عرض أعمال الطلبة جنباً إلى جنب مع أساتذتهم يعكس إيماناً عميقاً بالأجيال الجديدة وقدرتها على لفت الأنظار إلى زوايا منسية لا يتم الالتفات إليها كفاية، معربة عن طموحها في تطوير هذه التجربة لتكتسي صبغة دولية في المواعيد القادمة.
ويُذكر أن الندوة العلمية أُثثت عبر جلستين علميتين تتكاملان في طرح أسئلة الفن والهامش، حيث ترأست الجلسة الصباحية الأولى الدكتورة رشيدة التركي، وتضمنت مداخلة الدكتورة سندس لهبيري من جامعة القيروان بعنوان “الطبيعة الفاعلة/ الطبيعة المفعول بها: الرؤية الرؤيوية”، تلتها مداخلة الدكتورة شيماء الزعفوري بعنوان “اللامهم في طور الفعل: حين يؤسس الهامشي مقياسه الخاص ويزيح الفن عن مركزيته”.
وتواصلت الأشغال، بعد افتتاح المعرض، في الجلسة الصباحية الثانية برئاسة الدكتور لطفي الحجلاوي من جامعة قرطاج، وأثثتها مداخلة الدكتور نزار الطرشيلي من جامعة صفاقس بعنوان “المودال، الحيّ واللوحة: حوار الفاعل الصامت مع المشهد المتحدث”، تلتها مداخلة الدكتور كريم بالقاضي من جامعة القيروان تحت عنوان «استيتيقا السلب: في تفكّر وجيعة الفن»، ثم مداخلة الدكتور صالح العامري بعنوان “فن الهامش: المثير الجمالي في تدوير الأشكال”، لتُختتم الندوة بنقاش جامع يؤكد راهنية هذه المقاربات وانفتاحها على أفق جمالي متجدد.
رئيس معهد تونس للفلسفة فتحي التريكي لـ«الصباح»:
معهد تونس للفلسفة يتبنى «الفلسفة الشريدة» وينفتح على إبداعات الهامش
في تصريح خاص أدلى به لجريدة «الصباح» على هامش الندوة العلمية، أكد الدكتور فتحي التريكي، رئيس معهد تونس للفلسفة، أن هذا الملتقى يمثل خطوة استراتيجية في مسار المعهد نحو الانفتاح على الحركية الثقافية والفكرية التي تشهدها مختلف جهات البلاد، مشدداً على أن الفلسفة لا يمكن أن تعيش بمعزل عن الفنون والواقع الإنساني.
وأوضح أن معهد تونس للفلسفة يسعى من خلال هذه المبادرات إلى كسر الصورة النمطية للفلسفة كاختصاص أكاديمي جاف يُدرس فقط في القاعات المغلقة، قائلا: «معهد تونس للفلسفة هو فضاء لا يهتم فقط بالفلسفة كما نُدرسها في المعاهد والكليات، بل بما أسميه شخصيا بـ ‹الفلسفة الشريدة› أو ‹الفلسفة الرحالة›؛ تلك التي تتصل بالناس، بالمبدعين، بالمثقفين، وبالعلماء.»
وأضاف أن الغاية هي خلق تفاعل حيوي، حيث «تقتات» الفلسفة من هذه المجالات وتغذيها في آن واحد، وهو ما تجسد في التعاون مع المعهد العالي للفنون والحرف بسيدي بوزيد، عبر خلية البحث في الجماليات التي تترأسها الدكتورة رشيدة التريكي، لإبراز التكامل بين الفكر والعمل الإبداعي.
وأشار محدثنا إلى أن الانفتاح على «الداخل» التونسي، وخاصة المؤسسات الجامعية والإبداعية في الجهات، هو أولوية قصوى لربط العاصمة بالثقافة العميقة للبلاد، مؤكداً أن طموح المعهد يتجاوز الحدود المحلية ليمتد نحو الفضاء المغاربي والعربي والعالمي، لمواكبة كافة «الأحداثيات الجديدة» في مجالات العلم والفكر.
وفي رده عن سؤال حول الهواجس التي تثيرها التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، أبدى الدكتور التريكي تفاؤلاً مشروطاً، معتبراً أن التكنولوجيا في حد ذاتها لا تشكل مصدراً للخوف ما دامت خاضعة للإرادة البشرية.
وحذر، في المقابل، من «انفلات» هذه التقنيات من ضوابط الإتيقا (الأخلاق)، معتبراً أن الخطر الحقيقي يكمن في تحول التكنولوجيا إلى قوة تدميرية للإنسان إذا ما تجردت من القيم الإنسانية التي يجب أن تحكم الوجود البشري. وشدد، في تصريحه، على أن دور الفيلسوف اليوم هو أن يظل يقظاً ومنفتحاً على هذه التحولات لضمان بقائها في خدمة الإنسانية.
إيمان عبد اللطيف
- من سيدي بوزيد إلى العاصمة.. طلبة الفنون التشكيلية يعيدون تعريف «الهامش» في معرض «Pulse des Plis» (نبض الطيات)
- أسئلة فلسفية وجمالية عميقة طُرحت خلال الندوة وتناولت علاقة الفن بالطبيعة، وأعادت طرح موقع «اللامهم»
شهدت مدينة الثقافة «الشاذلي القليبي» بالعاصمة، أمس الاثنين 13 أفريل الجاري، تنظيم ندوة علمية تحت عنوان «الفن وجماليات الهامش»، والتي لم تكن مجرد عرض فني، بل كانت بيانا نقديا يدعو إلى مراجعة تاريخ الفن وتحريره من القواعد الكلاسيكية الصارمة. وقد نظّم هذه الندوة معهد تونس للفلسفة في إطار وحدة البحث «ما الفكر في الممارسات الفنية؟»، بالاشتراك مع المعهد العالي للفنون والحرف بسيدي بوزيد، وبالتعاون مع جمعية فنون.
ارتكزت فلسفة الندوة، التي صاغتها الدكتورة شيماء زعفوري، الأستاذة المساعدة بالمعهد العالي للفنون والحرف بسيدي بوزيد، على ضرورة التخلص من الثنائية التقليدية التي تقسم الفن إلى «فن رفيع» و»فن وضيع». فبينما ركزت الجماليات الكلاسيكية على تمجيد التسامي والانسجام والكمال، جاءت هذه الندوة لتثبت أن «الهامش» ليس مجرد ملحق ثانوي، بل هو فضاء خصب لإنتاج المعنى وإعادة تعريف الجمال. فكانت فضاء للتفكير النقدي في التحولات التي يشهدها الفعل الإبداعي خارج الأطر المركزية التقليدية، لتنفتح بالتالي الجلسات منذ انطلاقتها على أسئلة فلسفية وجمالية عميقة تناولت علاقة الفن بالطبيعة، وأعادت طرح موقع “اللامهم” باعتباره قوة قادرة على إعادة تشكيل معايير الذوق والمعنى، في مقابل مركزيات طالما احتكرت تعريف الجمال.
وفي هذا الإطار، أكد الدكتور لطفي الحجلاوي عن جامعة قرطاج، في تصريح لـ»الصباح»، أن ندوة «الفن وجماليات الهامش» تمثل نشاطا علميا وفنيا متميزا يجمع بين رصانة البحث الأكاديمي وحيوية الممارسة الإبداعية، موضحا أن اختيار «الهامش» موضوعا للبحث هو محاولة جادة لتعريف هذا المفهوم إبداعيا، ليس كحالة من الإقصاء، بل كفضاء غني بالدلالات والقيم الجمالية.
وأشار المتحدث إلى أن هذه الندوة العلمية نجحت في تحويل «الهامش» إلى «مركز» جذب حقيقي، بفضل قدرة الطلبة على تقديم أعمال فنية ناضجة ترتقي لمستوى العرض الاحترافي، وتستنطق الزوايا المنسية برؤى معاصرة. ليشدد على الأهمية البالغة لاستمرارية مثل هذه الفعاليات، لما لها من دور أساسي في تعزيز حضور المؤسسات الجامعية بالجهات الداخلية وتطوير المشهد الثقافي والجامعي الوطني.
وفي هذا السياق، تقاطعت المداخلات مع مقاربات تنظر إلى الجسد واللوحة كحيزين للتفاعل الصامت مع المتلقي، بما يكشف عن «ديناميات» جديدة في إنتاج الدلالة وتلقيها. ولا ينفصل هذا البعد النظري عن التجربة الحسية التي يعززها معرض “Pulse des plis” (نبض الطيات)، في تناغم يعكس تداخلا عضويا بين الفكر والممارسة الفنية، ليخلص اللقاء في مجمله إلى أن الهامش لم يعد مجرد موقع على الأطراف، بل تحول إلى أفق خصب لإعادة بناء التصورات الجمالية وتفكيك أنساقها الراسخة.
وعن هذا المعرض، وفي تصريح لجريدة «الصباح»، كشف مدير قسم التصميم بالمعهد العالي للفنون والحرف بسيدي بوزيد، ورئيس جمعية «فنون»، كريم بالقاضي، أن معرض «Pulse des plis» (نبض الطيات) «لم يكن مجرد عرض جمالي عابر، بل هو ترجمة بصرية حية لندوة «الفن وجماليات الهامش» التي تقاطعت مع المعرض في الرؤية والأهداف».
وأكد المتحدث أن «هذا الحدث راهن على خروج الطالب من دور المتلقي السلبي ليصبح فاعلا ومنتجا حقيقيا في فضاء ثقافي حر خارج الأطر الأكاديمية التقليدية، حيث شارك في بناء هذا النبض الفني ما بين 12 إلى 15 طالبا من طلبة الفنون التشكيلية بسيدي بوزيد».
وتتمحور فلسفة المعرض، حسب تصريحه، حول «فكرة «الهامش» والبحث في «الثنايا» المنسية، في محاولة فنية جادة لإعطاء صوت لمن لا صوت لهم، ولإعادة الاعتبار للمقصي ومن خفت صوته. فمن خلال تلك الوجوه المفككة والأعمال المنحوتة التي افترشت الأرض، سعى المشاركون إلى إثبات أن «الهامش» قادر على القدوم إلى «المركز» وفرض رؤيته الفنية الخاصة، لتكون هذه «الطيات» بمثابة خزان للذاكرة والهوية التي يعاد تشكيلها بأنامل جيل جديد من المبدعين».
في ذات السياق، أكدت الدكتورة شيماء زعفوري، الأستاذة المساعدة بالمعهد العالي للفنون والحرف بسيدي بوزيد والمنسقة الفنية للمعرض، في حديثها لجريدة «الصباح»، أن اختيار عنوان «Pulse des Plis» جاء ليعبر عن «نبض الطيات» التي تمثل الهامش في عمق وجغرافية الوطن. وأوضحت أن المعرض يهدف بالأساس إلى تمكين الطلبة من الانفتاح على «المركز» في تونس العاصمة، والاحتكاك المباشر مع الفاعلين في المشهد التشكيلي من أساتذة ومنظمين وباحثين، صقلاً لشخصياتهم كفنانين وباحثين مستقبليين.
وأضافت المتحدثة أن هذا الحدث يجسد الجانب التطبيقي لندوة «الفن وجماليات الهامش»، بمشاركة جامعية واسعة من مؤسسات قرطاج والقيروان وصفاقس، سعياً لتقديم قراءات «استيتيقية» وجمالية للأعمال المعروضة. وخلصت إلى أن عرض أعمال الطلبة جنباً إلى جنب مع أساتذتهم يعكس إيماناً عميقاً بالأجيال الجديدة وقدرتها على لفت الأنظار إلى زوايا منسية لا يتم الالتفات إليها كفاية، معربة عن طموحها في تطوير هذه التجربة لتكتسي صبغة دولية في المواعيد القادمة.
ويُذكر أن الندوة العلمية أُثثت عبر جلستين علميتين تتكاملان في طرح أسئلة الفن والهامش، حيث ترأست الجلسة الصباحية الأولى الدكتورة رشيدة التركي، وتضمنت مداخلة الدكتورة سندس لهبيري من جامعة القيروان بعنوان “الطبيعة الفاعلة/ الطبيعة المفعول بها: الرؤية الرؤيوية”، تلتها مداخلة الدكتورة شيماء الزعفوري بعنوان “اللامهم في طور الفعل: حين يؤسس الهامشي مقياسه الخاص ويزيح الفن عن مركزيته”.
وتواصلت الأشغال، بعد افتتاح المعرض، في الجلسة الصباحية الثانية برئاسة الدكتور لطفي الحجلاوي من جامعة قرطاج، وأثثتها مداخلة الدكتور نزار الطرشيلي من جامعة صفاقس بعنوان “المودال، الحيّ واللوحة: حوار الفاعل الصامت مع المشهد المتحدث”، تلتها مداخلة الدكتور كريم بالقاضي من جامعة القيروان تحت عنوان «استيتيقا السلب: في تفكّر وجيعة الفن»، ثم مداخلة الدكتور صالح العامري بعنوان “فن الهامش: المثير الجمالي في تدوير الأشكال”، لتُختتم الندوة بنقاش جامع يؤكد راهنية هذه المقاربات وانفتاحها على أفق جمالي متجدد.
رئيس معهد تونس للفلسفة فتحي التريكي لـ«الصباح»:
معهد تونس للفلسفة يتبنى «الفلسفة الشريدة» وينفتح على إبداعات الهامش
في تصريح خاص أدلى به لجريدة «الصباح» على هامش الندوة العلمية، أكد الدكتور فتحي التريكي، رئيس معهد تونس للفلسفة، أن هذا الملتقى يمثل خطوة استراتيجية في مسار المعهد نحو الانفتاح على الحركية الثقافية والفكرية التي تشهدها مختلف جهات البلاد، مشدداً على أن الفلسفة لا يمكن أن تعيش بمعزل عن الفنون والواقع الإنساني.
وأوضح أن معهد تونس للفلسفة يسعى من خلال هذه المبادرات إلى كسر الصورة النمطية للفلسفة كاختصاص أكاديمي جاف يُدرس فقط في القاعات المغلقة، قائلا: «معهد تونس للفلسفة هو فضاء لا يهتم فقط بالفلسفة كما نُدرسها في المعاهد والكليات، بل بما أسميه شخصيا بـ ‹الفلسفة الشريدة› أو ‹الفلسفة الرحالة›؛ تلك التي تتصل بالناس، بالمبدعين، بالمثقفين، وبالعلماء.»
وأضاف أن الغاية هي خلق تفاعل حيوي، حيث «تقتات» الفلسفة من هذه المجالات وتغذيها في آن واحد، وهو ما تجسد في التعاون مع المعهد العالي للفنون والحرف بسيدي بوزيد، عبر خلية البحث في الجماليات التي تترأسها الدكتورة رشيدة التريكي، لإبراز التكامل بين الفكر والعمل الإبداعي.
وأشار محدثنا إلى أن الانفتاح على «الداخل» التونسي، وخاصة المؤسسات الجامعية والإبداعية في الجهات، هو أولوية قصوى لربط العاصمة بالثقافة العميقة للبلاد، مؤكداً أن طموح المعهد يتجاوز الحدود المحلية ليمتد نحو الفضاء المغاربي والعربي والعالمي، لمواكبة كافة «الأحداثيات الجديدة» في مجالات العلم والفكر.
وفي رده عن سؤال حول الهواجس التي تثيرها التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، أبدى الدكتور التريكي تفاؤلاً مشروطاً، معتبراً أن التكنولوجيا في حد ذاتها لا تشكل مصدراً للخوف ما دامت خاضعة للإرادة البشرية.
وحذر، في المقابل، من «انفلات» هذه التقنيات من ضوابط الإتيقا (الأخلاق)، معتبراً أن الخطر الحقيقي يكمن في تحول التكنولوجيا إلى قوة تدميرية للإنسان إذا ما تجردت من القيم الإنسانية التي يجب أن تحكم الوجود البشري. وشدد، في تصريحه، على أن دور الفيلسوف اليوم هو أن يظل يقظاً ومنفتحاً على هذه التحولات لضمان بقائها في خدمة الإنسانية.