إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الزيارات الميدانية لرئيس الجمهورية.. موعد للاطلاع على مشاغل المواطنين والتزام بتحقيق العدالة الاجتماعية

جاءت التصريحات التي أدلى بها رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال لقائه مؤخرا بعدد من المواطنين في حي هلال لتتجاوز بعدها الجغرافي الضيق، معلنة عن جملة من الثوابت، وفي مقدمتها الالتزام بتحقيق المطالب المشروعة في مختلف جهات البلاد، رغم الإرث الثقيل من مظاهر الفساد والتخريب الذي يثقل كاهل الدولة. وتجاوزت الزيارة بعدها الرمزي لتتحول إلى محطة سياسية عكست في جوهرها الرهانات الوطنية الكبرى، على غرار معركة استعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة وهياكلها، والسعي إلى تكريس العدالة الاجتماعية، إلى جانب الدفع نحو تحقيق تنمية متوازنة تشمل مختلف الجهات دون استثناء.

فحي هلال، بما يحمله من رمزية اجتماعية، ليس مجرد حي شعبي في العاصمة، وإنما هو مرآة تعكس جانبا من واقع التفاوت التنموي الذي تعيشه البلاد منذ عقود. ومن هنا، فإن اختيار رئيس الجمهورية هذا الفضاء للقاء المواطنين لم يكن اعتباطيا، بل يحمل رسالة واضحة مفادها أن الدولة بصدد إعادة توجيه بوصلتها نحو الفئات التي ظلت على مدار سنوات على هامش السياسات العمومية.

في مواجهة أزمة الثقة

أكد رئيس الجمهورية قيس سعيد إثر هذه الزيارة أن “العهد هو العهد والوعد هو الوعد”، وهي عبارة تختزل بعدا سياسيا هاما، خاصة في ظل السياق الوطني الذي شهد خلال السنوات الماضية تراجعا ملحوظا في منسوب الثقة بين المواطن والطبقة السياسية، وحتى الدولة ومؤسساتها وهياكلها.

ويأتي هذا التأكيد على الالتزام في إطار محاولة إعادة بناء المصداقية السياسية التي اهتزت جراء تراكم الوعود غير المنجزة والتجاذبات الحزبية التي عطلت دواليب الدولة. وعلى الرغم من أهمية هذا الخطاب، فإنه يضع السلطة أمام اختبار حقيقي يتمثل في مدى قدرتها على تحويل هذه الوعود إلى إنجازات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

فالمرحلة الراهنة تتسم بتحديات تنموية واجتماعية أساسا، ترتبط بتوفير مواطن الشغل، وتحسين الخدمات الأساسية، والارتقاء بالبنية التحتية، خاصة في المناطق التي عانت من التهميش. ومن هنا أكد رئيس الدولة قيس سعيد أن جميع أجهزة الدولة مطالبة ببلورة الخطط والاستراتيجيات والبرامج لتتحول إلى نتائج ملموسة يلحظها المواطن في حياته اليومية.

تحقيق المطالب المشروعة

أوضح رئيس الجمهورية أن العمل مستمر في كل أنحاء الجمهورية لتحقيق المطالب المشروعة في كافة المجالات، وهو تصريح يعكس توجها نحو تبني مقاربة شاملة في التعاطي مع القضايا التنموية.

فالمطالب الاجتماعية في تونس متشعبة ومتراكمة، وتشمل مجالات متعددة مثل التشغيل، والصحة، والتعليم، والنقل، والبنية التحتية. ومن هنا، فإن الاستجابة لها تتطلب إرادة سياسية واضحة، إضافة إلى تخطيط استراتيجي دقيق يقوم على ترتيب الأولويات وتوجيه الموارد نحو المشاريع ذات الأثر الملموس.

كما أن تحقيق هذه المطالب في “كافة الجهات” يفرض اعتماد مقاربة تنموية جديدة تقوم على العدالة وتكسر السياسات السابقة التي كرست التفاوت بين مختلف جهات الجمهورية. وفي هذا الإطار، اعتمدت الدولة، بتوجيهات مباشرة من رئيس الجمهورية، مجموعة من المقاربات والخطط الرامية إلى الحد من التفاوت التنموي بين المركز والداخل، من خلال تحسين جودة الحياة في الجهات.

ومن بين هذه الإجراءات تعزيز أسطول النقل العمومي في عدد من ولايات الداخل، على غرار ولاية الكاف التي استفادت مؤخرا من دفعة جديدة من الحافلات، بما يساهم في فك العزلة وتيسير تنقل المواطنين. كما شملت المقاربة دعم البنية التحتية الصحية عبر بناء وحدات جديدة وإحداث أقسام متخصصة داخل المستشفيات الجهوية، لتعزيز وتقريب الخدمات الصحية من المواطنين وتخفيف الضغط على المؤسسات الاستشفائية في المدن الكبرى.

وتندرج هذه الجهود ضمن رؤية أشمل تقوم على تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، من خلال توجيه الاستثمارات العمومية نحو المناطق التي عانت طويلا من التهميش، بما يمهد لإرساء تنمية متوازنة ومستدامة في مختلف جهات البلاد.

إرث الفساد والتخريب

ولا يمكن الحديث عن آفاق التنمية دون التوقف عند ما وصفه رئيس الجمهورية بـ«الإرث الثقيل من التخريب والفساد»، وهو توصيف يعكس حجم الإخلالات التي تراكمت على مدى سنوات طويلة. هذا الإرث لا يقتصر على الجانب المالي فحسب، بل يمتد ليشمل ضعف الحوكمة، وتعقيد الإجراءات، وانتشار البيروقراطية، وهي عوامل ساهمت في تعطيل المشاريع وإهدار الموارد.

وبالتالي، فإن محاربة أخطبوط الفساد تقتضي منظومة متكاملة تشمل الإصلاح التشريعي، وتعزيز دور الهيئات الرقابية، وتكريس الشفافية في التصرف في المال العام. كما أن إصلاح الإدارة يبقى شرطا أساسيا لنجاح أي سياسة تنموية، وجميع هذه المجالات اليوم تشكل ورشات إصلاح مفتوحة تؤكد أن الدولة في أعلى هرمها ماضية في تفكيك منظومات الفساد تدريجيًا، وتحديث أساليب الحوكمة، وإرساء إدارة ناجعة تكون في خدمة المواطن.

وضمن هذا التمشي، تبرز الحكومة كفاعل محوري في ترجمة التوجهات السياسية إلى واقع ملموس. فقد شدد رئيس الجمهورية على ضرورة تحركها في كل الاتجاهات لتنفيذ المشاريع المبرمجة وتحسين الأوضاع في الجهات، وهو ما يعكس إدراكا بأن المرحلة الحالية تتطلب أداء حكوميا مواكبا للتطلعات.

الحكومة اليوم مطالبة بتسريع نسق الإنجاز، وتجاوز منطق الانتظار، وتعزيز التنسيق بين مختلف الوزارات والهياكل لضمان تنفيذ المشاريع في آجالها وتفادي التعطيلات التي لطالما أثارت استياء المواطنين. وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري اعتماد آليات متابعة دقيقة تقوم على تقييم الأداء بشكل دوري وربط المسؤولية بالمحاسبة، لضمان تحقيق النتائج المرجوة.

نحو حوكمة تشاركية

لم يغب عن خطاب رئيس الدولة التأكيد على ضرورة انخراط البرلمان والمجلس الوطني للجهات والأقاليم والمجالس المحلية في مسار التنمية، وهو ما يعكس توجها نحو تكريس حوكمة تشاركية تقوم على توزيع الأدوار بين مختلف مؤسسات الدولة.

فالبرلمان، إلى جانب دوره التشريعي، مطالب بممارسة رقابة فعالة على عمل الحكومة، بما يضمن حسن تنفيذ السياسات العمومية. أما المجالس المحلية، فهي تمثل حلقة الوصل بين المواطن والدولة، ويمكن أن تلعب دورا محوريا في تحديد الأولويات التنموية على المستوى الجهوي. وفي هذا السياق، لا يمكن تحقيق التنمية في مختلف الجهات بمعزل عن تضافر جهود كل الأطراف المتداخلة، بما في ذلك القطاع الخاص والمجتمع المدني. فالدولة، رغم دورها المركزي، لا يمكنها تلبية كل الحاجيات والانتظارات بشكل أحادي، خاصة في ظل محدودية الموارد.

ومن هنا، تبرز أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص كآلية لتمويل وتنفيذ المشاريع الكبرى، إلى جانب دور المجتمع المدني في متابعة السياسات العمومية والمساهمة في نشر ثقافة المشاركة والمساءلة.

كما أن تحقيق التنمية يتطلب توفير مناخ استثماري ملائم يقوم على تبسيط الإجراءات، وتحفيز المبادرة، وضمان الاستقرار، وهي عناصر ضرورية لجذب الاستثمارات وخلق فرص الشغل.

ويبقى الرهان الأكبر الذي يطرحه خطاب رئيس الجمهورية هو تحقيق العدالة التنموية بين مختلف جهات البلاد. فهذا الهدف، رغم طابعه الطموح، يمثل شرطا أساسيا لتحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي. فالعدالة التنموية لا تعني فقط توزيع المشاريع، بل تشمل أيضا ضمان تكافؤ الفرص، وتحسين جودة الخدمات، وتمكين المواطنين من المشاركة في صنع القرار، مع الاعتراف بخصوصيات كل جهة وتكييف السياسات العمومية وفق احتياجاتها.

وفي هذا السياق، فإن تحقيق المطالب المشروعة للمواطنين في كافة الجهات لن يكون مجرد إنجاز تنموي، بل سيكون خطوة نحو إعادة بناء العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع.

زيارة رئيس الجمهورية إلى حي هلال وما رافقها من تصريحات تعكس إرادة سياسية واضحة للمضي قدما في مسار الإصلاح، وتحقيق تطلعات المواطنين عبر مقاربة تقوم على القرب من مشاغلهم والاستماع إلى تطلعاتهم الحقيقية. وهي إرادة تهدف إلى ترجمة السياسات إلى برامج قابلة للتنفيذ، خاصة فيما يتعلق بدفع التنمية في الجهات وتحسين جودة الحياة.

وإذا ما تواصل هذا النسق القائم على الجمع بين وضوح الرؤية وتسريع الإنجاز، فإن المرحلة القادمة قد تحمل مؤشرات إيجابية على طريق تقليص الفوارق الجهوية واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة. إذ أصبح تحقيق المطالب المشروعة للمواطنين في مختلف مناطق البلاد خيارا استراتيجيا يحدد ملامح تونس القادمة.. تونس أكثر توازنا وعدلا، يكون فيها المواطن في صلب السياسات العمومية، وتكون فيها التنمية حقا مكفولا لكل الجهات دون استثناء.

منال حرزي

الزيارات الميدانية لرئيس الجمهورية..   موعد للاطلاع على مشاغل المواطنين والتزام بتحقيق العدالة الاجتماعية

جاءت التصريحات التي أدلى بها رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال لقائه مؤخرا بعدد من المواطنين في حي هلال لتتجاوز بعدها الجغرافي الضيق، معلنة عن جملة من الثوابت، وفي مقدمتها الالتزام بتحقيق المطالب المشروعة في مختلف جهات البلاد، رغم الإرث الثقيل من مظاهر الفساد والتخريب الذي يثقل كاهل الدولة. وتجاوزت الزيارة بعدها الرمزي لتتحول إلى محطة سياسية عكست في جوهرها الرهانات الوطنية الكبرى، على غرار معركة استعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة وهياكلها، والسعي إلى تكريس العدالة الاجتماعية، إلى جانب الدفع نحو تحقيق تنمية متوازنة تشمل مختلف الجهات دون استثناء.

فحي هلال، بما يحمله من رمزية اجتماعية، ليس مجرد حي شعبي في العاصمة، وإنما هو مرآة تعكس جانبا من واقع التفاوت التنموي الذي تعيشه البلاد منذ عقود. ومن هنا، فإن اختيار رئيس الجمهورية هذا الفضاء للقاء المواطنين لم يكن اعتباطيا، بل يحمل رسالة واضحة مفادها أن الدولة بصدد إعادة توجيه بوصلتها نحو الفئات التي ظلت على مدار سنوات على هامش السياسات العمومية.

في مواجهة أزمة الثقة

أكد رئيس الجمهورية قيس سعيد إثر هذه الزيارة أن “العهد هو العهد والوعد هو الوعد”، وهي عبارة تختزل بعدا سياسيا هاما، خاصة في ظل السياق الوطني الذي شهد خلال السنوات الماضية تراجعا ملحوظا في منسوب الثقة بين المواطن والطبقة السياسية، وحتى الدولة ومؤسساتها وهياكلها.

ويأتي هذا التأكيد على الالتزام في إطار محاولة إعادة بناء المصداقية السياسية التي اهتزت جراء تراكم الوعود غير المنجزة والتجاذبات الحزبية التي عطلت دواليب الدولة. وعلى الرغم من أهمية هذا الخطاب، فإنه يضع السلطة أمام اختبار حقيقي يتمثل في مدى قدرتها على تحويل هذه الوعود إلى إنجازات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

فالمرحلة الراهنة تتسم بتحديات تنموية واجتماعية أساسا، ترتبط بتوفير مواطن الشغل، وتحسين الخدمات الأساسية، والارتقاء بالبنية التحتية، خاصة في المناطق التي عانت من التهميش. ومن هنا أكد رئيس الدولة قيس سعيد أن جميع أجهزة الدولة مطالبة ببلورة الخطط والاستراتيجيات والبرامج لتتحول إلى نتائج ملموسة يلحظها المواطن في حياته اليومية.

تحقيق المطالب المشروعة

أوضح رئيس الجمهورية أن العمل مستمر في كل أنحاء الجمهورية لتحقيق المطالب المشروعة في كافة المجالات، وهو تصريح يعكس توجها نحو تبني مقاربة شاملة في التعاطي مع القضايا التنموية.

فالمطالب الاجتماعية في تونس متشعبة ومتراكمة، وتشمل مجالات متعددة مثل التشغيل، والصحة، والتعليم، والنقل، والبنية التحتية. ومن هنا، فإن الاستجابة لها تتطلب إرادة سياسية واضحة، إضافة إلى تخطيط استراتيجي دقيق يقوم على ترتيب الأولويات وتوجيه الموارد نحو المشاريع ذات الأثر الملموس.

كما أن تحقيق هذه المطالب في “كافة الجهات” يفرض اعتماد مقاربة تنموية جديدة تقوم على العدالة وتكسر السياسات السابقة التي كرست التفاوت بين مختلف جهات الجمهورية. وفي هذا الإطار، اعتمدت الدولة، بتوجيهات مباشرة من رئيس الجمهورية، مجموعة من المقاربات والخطط الرامية إلى الحد من التفاوت التنموي بين المركز والداخل، من خلال تحسين جودة الحياة في الجهات.

ومن بين هذه الإجراءات تعزيز أسطول النقل العمومي في عدد من ولايات الداخل، على غرار ولاية الكاف التي استفادت مؤخرا من دفعة جديدة من الحافلات، بما يساهم في فك العزلة وتيسير تنقل المواطنين. كما شملت المقاربة دعم البنية التحتية الصحية عبر بناء وحدات جديدة وإحداث أقسام متخصصة داخل المستشفيات الجهوية، لتعزيز وتقريب الخدمات الصحية من المواطنين وتخفيف الضغط على المؤسسات الاستشفائية في المدن الكبرى.

وتندرج هذه الجهود ضمن رؤية أشمل تقوم على تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، من خلال توجيه الاستثمارات العمومية نحو المناطق التي عانت طويلا من التهميش، بما يمهد لإرساء تنمية متوازنة ومستدامة في مختلف جهات البلاد.

إرث الفساد والتخريب

ولا يمكن الحديث عن آفاق التنمية دون التوقف عند ما وصفه رئيس الجمهورية بـ«الإرث الثقيل من التخريب والفساد»، وهو توصيف يعكس حجم الإخلالات التي تراكمت على مدى سنوات طويلة. هذا الإرث لا يقتصر على الجانب المالي فحسب، بل يمتد ليشمل ضعف الحوكمة، وتعقيد الإجراءات، وانتشار البيروقراطية، وهي عوامل ساهمت في تعطيل المشاريع وإهدار الموارد.

وبالتالي، فإن محاربة أخطبوط الفساد تقتضي منظومة متكاملة تشمل الإصلاح التشريعي، وتعزيز دور الهيئات الرقابية، وتكريس الشفافية في التصرف في المال العام. كما أن إصلاح الإدارة يبقى شرطا أساسيا لنجاح أي سياسة تنموية، وجميع هذه المجالات اليوم تشكل ورشات إصلاح مفتوحة تؤكد أن الدولة في أعلى هرمها ماضية في تفكيك منظومات الفساد تدريجيًا، وتحديث أساليب الحوكمة، وإرساء إدارة ناجعة تكون في خدمة المواطن.

وضمن هذا التمشي، تبرز الحكومة كفاعل محوري في ترجمة التوجهات السياسية إلى واقع ملموس. فقد شدد رئيس الجمهورية على ضرورة تحركها في كل الاتجاهات لتنفيذ المشاريع المبرمجة وتحسين الأوضاع في الجهات، وهو ما يعكس إدراكا بأن المرحلة الحالية تتطلب أداء حكوميا مواكبا للتطلعات.

الحكومة اليوم مطالبة بتسريع نسق الإنجاز، وتجاوز منطق الانتظار، وتعزيز التنسيق بين مختلف الوزارات والهياكل لضمان تنفيذ المشاريع في آجالها وتفادي التعطيلات التي لطالما أثارت استياء المواطنين. وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري اعتماد آليات متابعة دقيقة تقوم على تقييم الأداء بشكل دوري وربط المسؤولية بالمحاسبة، لضمان تحقيق النتائج المرجوة.

نحو حوكمة تشاركية

لم يغب عن خطاب رئيس الدولة التأكيد على ضرورة انخراط البرلمان والمجلس الوطني للجهات والأقاليم والمجالس المحلية في مسار التنمية، وهو ما يعكس توجها نحو تكريس حوكمة تشاركية تقوم على توزيع الأدوار بين مختلف مؤسسات الدولة.

فالبرلمان، إلى جانب دوره التشريعي، مطالب بممارسة رقابة فعالة على عمل الحكومة، بما يضمن حسن تنفيذ السياسات العمومية. أما المجالس المحلية، فهي تمثل حلقة الوصل بين المواطن والدولة، ويمكن أن تلعب دورا محوريا في تحديد الأولويات التنموية على المستوى الجهوي. وفي هذا السياق، لا يمكن تحقيق التنمية في مختلف الجهات بمعزل عن تضافر جهود كل الأطراف المتداخلة، بما في ذلك القطاع الخاص والمجتمع المدني. فالدولة، رغم دورها المركزي، لا يمكنها تلبية كل الحاجيات والانتظارات بشكل أحادي، خاصة في ظل محدودية الموارد.

ومن هنا، تبرز أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص كآلية لتمويل وتنفيذ المشاريع الكبرى، إلى جانب دور المجتمع المدني في متابعة السياسات العمومية والمساهمة في نشر ثقافة المشاركة والمساءلة.

كما أن تحقيق التنمية يتطلب توفير مناخ استثماري ملائم يقوم على تبسيط الإجراءات، وتحفيز المبادرة، وضمان الاستقرار، وهي عناصر ضرورية لجذب الاستثمارات وخلق فرص الشغل.

ويبقى الرهان الأكبر الذي يطرحه خطاب رئيس الجمهورية هو تحقيق العدالة التنموية بين مختلف جهات البلاد. فهذا الهدف، رغم طابعه الطموح، يمثل شرطا أساسيا لتحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي. فالعدالة التنموية لا تعني فقط توزيع المشاريع، بل تشمل أيضا ضمان تكافؤ الفرص، وتحسين جودة الخدمات، وتمكين المواطنين من المشاركة في صنع القرار، مع الاعتراف بخصوصيات كل جهة وتكييف السياسات العمومية وفق احتياجاتها.

وفي هذا السياق، فإن تحقيق المطالب المشروعة للمواطنين في كافة الجهات لن يكون مجرد إنجاز تنموي، بل سيكون خطوة نحو إعادة بناء العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع.

زيارة رئيس الجمهورية إلى حي هلال وما رافقها من تصريحات تعكس إرادة سياسية واضحة للمضي قدما في مسار الإصلاح، وتحقيق تطلعات المواطنين عبر مقاربة تقوم على القرب من مشاغلهم والاستماع إلى تطلعاتهم الحقيقية. وهي إرادة تهدف إلى ترجمة السياسات إلى برامج قابلة للتنفيذ، خاصة فيما يتعلق بدفع التنمية في الجهات وتحسين جودة الحياة.

وإذا ما تواصل هذا النسق القائم على الجمع بين وضوح الرؤية وتسريع الإنجاز، فإن المرحلة القادمة قد تحمل مؤشرات إيجابية على طريق تقليص الفوارق الجهوية واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة. إذ أصبح تحقيق المطالب المشروعة للمواطنين في مختلف مناطق البلاد خيارا استراتيجيا يحدد ملامح تونس القادمة.. تونس أكثر توازنا وعدلا، يكون فيها المواطن في صلب السياسات العمومية، وتكون فيها التنمية حقا مكفولا لكل الجهات دون استثناء.

منال حرزي