إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رغم تعدد التظاهرات والمبادرات وتنوعها.. محاولات التحفيز على المطالعة.. في عصر الرقمنة أمام تحديات تواجه الفعل القرائي ذاته

 

  • إلى أي مدى تعتبر السياسات الثقافية التي ما زالت تراهن، في جزء كبير منها، على استعادة نموذج القراءة التقليدي منسجمة مع تحولات العصر؟
  • كي لا تكون القراءة واحدة من بين الخيارات المطروحة أمام الطفل، الأقل جاذبية من حيث الشكل والإيقاع
  • البطولة الوطنية للمطالعة إحدى المحاولات لإعادة «تسويق» القراءة عبر آلية التنافس
  • الاستثمار في الكتاب الرقمي، اليوم، ضرورة، ونجاعته تكمن في التعامل معه كإمكانية لا بوصفه تهديداً

لا تأتي تظاهرات المطالعة، في تونس، كموعد معزول يبدأ في منتصف أفريل، بل تتشكل كمسار ممتد يتوزع على كامل السنة، إذ انطلقت أولى محطاته منذ جانفي 2026 مع مبادرة «تحدي أجنحة المطالعة» ضمن البرنامج الوطني، لتتواصل الديناميكية لاحقاً مع الإعلان عن سنة 2026 «سنة المطالعة»، وما رافقها من مشاريع داخل المؤسسات التربوية، قبل أن تبلغ ذروتها مع افتتاح الدورة الرابعة والثلاثين من الأيام الوطنية للمطالعة والمعلومات، التي ستنتظم من 15 أفريل إلى 15 ماي تحت شعار «المكتبات العمومية: عدالة ثقافية ومجتمع يقرأ»، وهو شهر كامل تتحول خلاله المكتبات إلى فضاءات نابضة بالأنشطة، من ورشات ومعارض ولقاءات أدبية في مختلف الجهات.

وتمتد هذه الجهود إلى فصل الصيف عبر خيام المطالعة التي تنتصب خلال جويلية وأوت على الشواطئ، في محاولة لنقل الكتاب إلى الفضاءات المفتوحة، كما تتخلل هذه الرزنامة البطولة الوطنية للمطالعة التي تستقطب مئات المشاركين في مختلف مراحلها، لتتشكل بذلك خارطة زمنية كثيفة توحي بأن تونس تراهن بوضوح على إعادة الاعتبار للقراءة من خلال تعدد المبادرات وتكاملها.

إلا أنّ هذا الحضور المكثف للكتاب في الروزنامة الثقافية يفتح، منذ البداية، على مفارقة لا يمكن تجاهلها: فكلما تكاثرت تظاهرات المطالعة، بدا أن الفعل القرائي نفسه يواجه تحدياً متصاعداً في الحياة اليومية، إذ لم يعد الكتاب الوسيط الأول للمعرفة، بل أصبح واحداً من بين وسائط عديدة تنافسه داخل فضاء رقمي لا يعترف بالمواسم ولا بالمواعيد.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة هذا الزخم من المبادرات خارج التحول العميق الذي يشهده العالم منذ سنوات، أين أعادت الشاشات تشكيل علاقة الإنسان بالنص، لا فقط من حيث الوسيط، بل من حيث طبيعة التلقي ذاته، فالقارئ الذي كان يمنح الكتاب زمناً طويلاً للانغماس، أصبح اليوم متصفحاً يتنقل بسرعة بين محتويات متعددة، يستهلك النصوص كما يستهلك الصور والفيديوهات، ضمن تدفق لا يتوقف، وهو ما يطرح إشكالاً حقيقياً أمام السياسات الثقافية التي لا تزال تراهن، في جزء كبير منها، على استعادة نموذج القراءة التقليدي، القائم على الكتاب الورقي والفضاء الهادئ والزمن الطويل، في حين أن الواقع يشير إلى أن هذا النموذج لم يعد مهيمناً كما كان، بل أصبح جزءاً من منظومة أوسع وأكثر تعقيداً.

ومن هنا تتكشف أولى مفارقات المشهد التونسي: فبينما تتجه الدولة إلى تكثيف حضور الكتاب عبر التظاهرات والبرامج، يتجه المجتمع، وخاصة فئاته الشابة، نحو أنماط استهلاك ثقافي مختلفة، تقوم على السرعة والتفاعلية والتعدد، وهو ما يجعلنا نتساءل: هل هناك مؤشرات تؤكد مثلاً أنه حين يتم تنظيم شهر كامل للمطالعة من 15 أفريل إلى 15 ماي، يكون هناك استعداد اجتماعي للتفاعل مع هذا الحدث؟

إن ملاحظة الوضع تؤكد ما يمكن أن نسميه بوجود تصادم مع واقع يومي تهيمن عليه الشاشات، إذ يتم استهلاك المحتوى بشكل مستمر دون حاجة إلى إطار زمني أو فضاء محدد، وهذا يطرح أيضاً سؤالاً جوهرياً حول مدى قدرة هذه التظاهرات على تجاوز طابعها المناسباتي لتصبح جزءاً من ممارسة يومية.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية هذه المبادرات، بل على العكس، فهي تعكس وعياً متزايداً بخطورة تراجع القراءة، كما أن بعض المشاريع، مثل «حقيبة القسم»، تكشف عن محاولة لإعادة بناء العلاقة مع الكتاب انطلاقاً من المدرسة والعائلة، وهو خيار له وجاهته، خاصة إذا ما تم تعزيزه بمتابعة بيداغوجية فعلية. كما أن الاستثمار في المكتبات المدرسية، خاصة في المناطق الريفية، يمثل خطوة ضرورية لتحقيق قدر من العدالة في النفاذ إلى المعرفة.

غير أن الإشكال لا يكمن في هذه المشاريع بقدر ما يكمن في البيئة التي تُزرع فيها، فالتلميذ الذي يُطلب منه اليوم أن يقرأ، يعيش في عالم موازٍ تفرضه التطبيقات والمنصات الرقمية، فتصبح القراءة واحدة من بين خيارات عديدة، وغالباً ما تكون الأقل جاذبية من حيث الشكل والإيقاع.

وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى البطولة الوطنية للمطالعة كمحاولة لإعادة «تسويق» القراءة عبر آلية التنافس، وهي فكرة تعكس إدراكاً بأن الفعل القرائي لم يعد بديهياً، بل يحتاج إلى محفزات، وهذا التوجه في حدّ ذاته يطرح تساؤلات عميقة: هل يمكن تحويل القراءة إلى نشاط تنافسي دون أن تفقد بعدها التأملي؟ وهل يخلق هذا النموذج قراءً حقيقيين أم مشاركين ظرفيين؟ ثم إلى أي حد يمكن لهذا النوع من المبادرات أن يصمد أمام ثقافة رقمية تقوم أصلاً على التحديات السريعة والمكافآت الفورية؟

أما خيام المطالعة الصيفية، التي تنتصب خلال جويلية وأوت على الشواطئ، فهي تمثل محاولة للخروج بالكتاب من فضائه التقليدي وملاقاة القارئ في أماكن تواجده، وهي فكرة تحمل بعداً ديمقراطياً مهماً، غير أنها تظل رهينة طابعها الموسمي، إذ تنتهي بانتهاء الصيف، دون أن تضمن استمرارية العلاقة مع القراءة، وهو ما يعيدنا إلى الإشكال المركزي: هل يمكن بناء عادة القراءة عبر مبادرات متقطعة، أم أن الأمر يتطلب تحولات أعمق تمس أنماط العيش والتلقي؟

في المقابل، يظل الغائب الأكبر في هذه السياسات هو الاستثمار الحقيقي في الرقمي، لا بوصفه تهديداً، بل كإمكانية، فبدل وضع الكتاب في مواجهة الشاشة، يمكن التفكير في كيفية إدماجه داخل هذا الفضاء الجديد، عبر دعم الكتب الإلكترونية، وتطوير منصات قراءة، وإنتاج محتوى تفاعلي يجمع بين النص والصورة والصوت، بما يجعل القراءة أكثر انسجاماً مع تحولات العصر. وهذا التحول، في حقيقة الأمر، يتطلب تجاوز ثنائية الدفاع عن الكتاب أو الاستسلام للشاشة، نحو مقاربة أكثر مرونة تعيد تعريف القراءة نفسها.

وهنا تحديداً تتجلى جدلية المشهد: تونس تكثف تظاهراتها على مدار السنة، من جانفي إلى أفريل ثم إلى الصيف، إلى آخر السنة، في محاولة لفرض حضور الكتاب داخل الزمن الاجتماعي، في حين تفرض الشاشات حضورها بشكل دائم، دون حاجة إلى تظاهرات أو مواسم، وهو ما يجعل من المعركة، إن صح توصيفها، غير متكافئة من حيث شروطها، فبينما تحتاج القراءة إلى زمن مخصص وتركيز وانفصال نسبي عن الضجيج، تقدم الوسائط الرقمية تجربة فورية وسهلة الولوج، وهو ما يفسر جزئياً تحول الكثير من القراء إلى مستهلكين للمحتوى بدل أن يكونوا قراءً بالمعنى التقليدي.

وعموماً، لا يبدو السؤال المطروح اليوم هو: من سينتصر، الكتاب أم الشاشة؟ بقدر ما يتعلق بكيفية التعايش بينهما داخل حياة القارئ التونسي، فتكثيف التظاهرات والمبادرات يظل خطوة مهمة لإبقاء القراءة حاضرة، لكنه لا يكفي وحده لصناعة عادة يومية في ظل عالم رقمي سريع ومتغير. لذلك يبقى التحدي الحقيقي أبسط وأعمق في الآن نفسه: كيف يمكن أن تصبح القراءة جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، لا مجرد موعد ثقافي عابر، وكيف يمكن للكتاب أن يجد مكانه داخل هذا الفضاء الجديد الذي تفرضه الشاشات دون أن يفقد قيمته ومكانته.

إيمان عبد اللطيف

رغم تعدد التظاهرات والمبادرات وتنوعها..   محاولات التحفيز على المطالعة.. في عصر الرقمنة أمام تحديات تواجه الفعل القرائي ذاته

 

  • إلى أي مدى تعتبر السياسات الثقافية التي ما زالت تراهن، في جزء كبير منها، على استعادة نموذج القراءة التقليدي منسجمة مع تحولات العصر؟
  • كي لا تكون القراءة واحدة من بين الخيارات المطروحة أمام الطفل، الأقل جاذبية من حيث الشكل والإيقاع
  • البطولة الوطنية للمطالعة إحدى المحاولات لإعادة «تسويق» القراءة عبر آلية التنافس
  • الاستثمار في الكتاب الرقمي، اليوم، ضرورة، ونجاعته تكمن في التعامل معه كإمكانية لا بوصفه تهديداً

لا تأتي تظاهرات المطالعة، في تونس، كموعد معزول يبدأ في منتصف أفريل، بل تتشكل كمسار ممتد يتوزع على كامل السنة، إذ انطلقت أولى محطاته منذ جانفي 2026 مع مبادرة «تحدي أجنحة المطالعة» ضمن البرنامج الوطني، لتتواصل الديناميكية لاحقاً مع الإعلان عن سنة 2026 «سنة المطالعة»، وما رافقها من مشاريع داخل المؤسسات التربوية، قبل أن تبلغ ذروتها مع افتتاح الدورة الرابعة والثلاثين من الأيام الوطنية للمطالعة والمعلومات، التي ستنتظم من 15 أفريل إلى 15 ماي تحت شعار «المكتبات العمومية: عدالة ثقافية ومجتمع يقرأ»، وهو شهر كامل تتحول خلاله المكتبات إلى فضاءات نابضة بالأنشطة، من ورشات ومعارض ولقاءات أدبية في مختلف الجهات.

وتمتد هذه الجهود إلى فصل الصيف عبر خيام المطالعة التي تنتصب خلال جويلية وأوت على الشواطئ، في محاولة لنقل الكتاب إلى الفضاءات المفتوحة، كما تتخلل هذه الرزنامة البطولة الوطنية للمطالعة التي تستقطب مئات المشاركين في مختلف مراحلها، لتتشكل بذلك خارطة زمنية كثيفة توحي بأن تونس تراهن بوضوح على إعادة الاعتبار للقراءة من خلال تعدد المبادرات وتكاملها.

إلا أنّ هذا الحضور المكثف للكتاب في الروزنامة الثقافية يفتح، منذ البداية، على مفارقة لا يمكن تجاهلها: فكلما تكاثرت تظاهرات المطالعة، بدا أن الفعل القرائي نفسه يواجه تحدياً متصاعداً في الحياة اليومية، إذ لم يعد الكتاب الوسيط الأول للمعرفة، بل أصبح واحداً من بين وسائط عديدة تنافسه داخل فضاء رقمي لا يعترف بالمواسم ولا بالمواعيد.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة هذا الزخم من المبادرات خارج التحول العميق الذي يشهده العالم منذ سنوات، أين أعادت الشاشات تشكيل علاقة الإنسان بالنص، لا فقط من حيث الوسيط، بل من حيث طبيعة التلقي ذاته، فالقارئ الذي كان يمنح الكتاب زمناً طويلاً للانغماس، أصبح اليوم متصفحاً يتنقل بسرعة بين محتويات متعددة، يستهلك النصوص كما يستهلك الصور والفيديوهات، ضمن تدفق لا يتوقف، وهو ما يطرح إشكالاً حقيقياً أمام السياسات الثقافية التي لا تزال تراهن، في جزء كبير منها، على استعادة نموذج القراءة التقليدي، القائم على الكتاب الورقي والفضاء الهادئ والزمن الطويل، في حين أن الواقع يشير إلى أن هذا النموذج لم يعد مهيمناً كما كان، بل أصبح جزءاً من منظومة أوسع وأكثر تعقيداً.

ومن هنا تتكشف أولى مفارقات المشهد التونسي: فبينما تتجه الدولة إلى تكثيف حضور الكتاب عبر التظاهرات والبرامج، يتجه المجتمع، وخاصة فئاته الشابة، نحو أنماط استهلاك ثقافي مختلفة، تقوم على السرعة والتفاعلية والتعدد، وهو ما يجعلنا نتساءل: هل هناك مؤشرات تؤكد مثلاً أنه حين يتم تنظيم شهر كامل للمطالعة من 15 أفريل إلى 15 ماي، يكون هناك استعداد اجتماعي للتفاعل مع هذا الحدث؟

إن ملاحظة الوضع تؤكد ما يمكن أن نسميه بوجود تصادم مع واقع يومي تهيمن عليه الشاشات، إذ يتم استهلاك المحتوى بشكل مستمر دون حاجة إلى إطار زمني أو فضاء محدد، وهذا يطرح أيضاً سؤالاً جوهرياً حول مدى قدرة هذه التظاهرات على تجاوز طابعها المناسباتي لتصبح جزءاً من ممارسة يومية.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية هذه المبادرات، بل على العكس، فهي تعكس وعياً متزايداً بخطورة تراجع القراءة، كما أن بعض المشاريع، مثل «حقيبة القسم»، تكشف عن محاولة لإعادة بناء العلاقة مع الكتاب انطلاقاً من المدرسة والعائلة، وهو خيار له وجاهته، خاصة إذا ما تم تعزيزه بمتابعة بيداغوجية فعلية. كما أن الاستثمار في المكتبات المدرسية، خاصة في المناطق الريفية، يمثل خطوة ضرورية لتحقيق قدر من العدالة في النفاذ إلى المعرفة.

غير أن الإشكال لا يكمن في هذه المشاريع بقدر ما يكمن في البيئة التي تُزرع فيها، فالتلميذ الذي يُطلب منه اليوم أن يقرأ، يعيش في عالم موازٍ تفرضه التطبيقات والمنصات الرقمية، فتصبح القراءة واحدة من بين خيارات عديدة، وغالباً ما تكون الأقل جاذبية من حيث الشكل والإيقاع.

وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى البطولة الوطنية للمطالعة كمحاولة لإعادة «تسويق» القراءة عبر آلية التنافس، وهي فكرة تعكس إدراكاً بأن الفعل القرائي لم يعد بديهياً، بل يحتاج إلى محفزات، وهذا التوجه في حدّ ذاته يطرح تساؤلات عميقة: هل يمكن تحويل القراءة إلى نشاط تنافسي دون أن تفقد بعدها التأملي؟ وهل يخلق هذا النموذج قراءً حقيقيين أم مشاركين ظرفيين؟ ثم إلى أي حد يمكن لهذا النوع من المبادرات أن يصمد أمام ثقافة رقمية تقوم أصلاً على التحديات السريعة والمكافآت الفورية؟

أما خيام المطالعة الصيفية، التي تنتصب خلال جويلية وأوت على الشواطئ، فهي تمثل محاولة للخروج بالكتاب من فضائه التقليدي وملاقاة القارئ في أماكن تواجده، وهي فكرة تحمل بعداً ديمقراطياً مهماً، غير أنها تظل رهينة طابعها الموسمي، إذ تنتهي بانتهاء الصيف، دون أن تضمن استمرارية العلاقة مع القراءة، وهو ما يعيدنا إلى الإشكال المركزي: هل يمكن بناء عادة القراءة عبر مبادرات متقطعة، أم أن الأمر يتطلب تحولات أعمق تمس أنماط العيش والتلقي؟

في المقابل، يظل الغائب الأكبر في هذه السياسات هو الاستثمار الحقيقي في الرقمي، لا بوصفه تهديداً، بل كإمكانية، فبدل وضع الكتاب في مواجهة الشاشة، يمكن التفكير في كيفية إدماجه داخل هذا الفضاء الجديد، عبر دعم الكتب الإلكترونية، وتطوير منصات قراءة، وإنتاج محتوى تفاعلي يجمع بين النص والصورة والصوت، بما يجعل القراءة أكثر انسجاماً مع تحولات العصر. وهذا التحول، في حقيقة الأمر، يتطلب تجاوز ثنائية الدفاع عن الكتاب أو الاستسلام للشاشة، نحو مقاربة أكثر مرونة تعيد تعريف القراءة نفسها.

وهنا تحديداً تتجلى جدلية المشهد: تونس تكثف تظاهراتها على مدار السنة، من جانفي إلى أفريل ثم إلى الصيف، إلى آخر السنة، في محاولة لفرض حضور الكتاب داخل الزمن الاجتماعي، في حين تفرض الشاشات حضورها بشكل دائم، دون حاجة إلى تظاهرات أو مواسم، وهو ما يجعل من المعركة، إن صح توصيفها، غير متكافئة من حيث شروطها، فبينما تحتاج القراءة إلى زمن مخصص وتركيز وانفصال نسبي عن الضجيج، تقدم الوسائط الرقمية تجربة فورية وسهلة الولوج، وهو ما يفسر جزئياً تحول الكثير من القراء إلى مستهلكين للمحتوى بدل أن يكونوا قراءً بالمعنى التقليدي.

وعموماً، لا يبدو السؤال المطروح اليوم هو: من سينتصر، الكتاب أم الشاشة؟ بقدر ما يتعلق بكيفية التعايش بينهما داخل حياة القارئ التونسي، فتكثيف التظاهرات والمبادرات يظل خطوة مهمة لإبقاء القراءة حاضرة، لكنه لا يكفي وحده لصناعة عادة يومية في ظل عالم رقمي سريع ومتغير. لذلك يبقى التحدي الحقيقي أبسط وأعمق في الآن نفسه: كيف يمكن أن تصبح القراءة جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، لا مجرد موعد ثقافي عابر، وكيف يمكن للكتاب أن يجد مكانه داخل هذا الفضاء الجديد الذي تفرضه الشاشات دون أن يفقد قيمته ومكانته.

إيمان عبد اللطيف