إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الاحتفال بالذكرى الثامنة والثمانين لعيد الشهداء.. تجديد الوفاء للأبطال الذين قدّموا أرواحهم في سبيل الحرية والانعتاق من الاستعمار

❞المؤرخ عبد اللطيف الحناشي لـ«الصباح»: رمزية أحداث عيد الشهداء مرحلة مفصلية في تاريخ النضال الوطني ❝

أحيت تونس أمس الذكرى الثامنة والثمانين لعيد الشهداء، وهي مناسبة وطنية متجددة تعكس وفاء البلاد لتضحيات أبنائها الذين قدّموا أرواحهم في سبيل الحرية والانعتاق من الاستعمار. وتمثل هذه الذكرى محطة بارزة في الذاكرة الجماعية للتونسيين، حيث يستحضرون صفحات مضيئة من تاريخ الكفاح الوطني، ويسترجعون قيم الصمود والتضحية التي أسهمت في بناء الدولة الحديثة. ولا يقتصر إحياء هذه المناسبة على استذكار الماضي فقط، بل يتجاوز ذلك ليكون فرصة للتأمل في دلالات تلك المرحلة التاريخية وما تحمله من دروس وعبر للأجيال الحاضرة. كما تفتح هذه الذكرى المجال أمام قراءة معمّقة للأحداث من خلال تحليلات وشهادات المؤرخين والباحثين، بما يثري النقاش ويعمّق فهم مختلف أبعاد النضال الوطني.

وفي هذا السياق، يكتسي عيد الشهداء أهمية خاصة باعتباره لحظة جامعة، تُجدّد فيها تونس التزامها بالحفاظ على ذاكرتها الوطنية، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء، بما يجعل من هذه المناسبة أكثر من مجرد إحياء لذكرى، بل تأكيدا مستمرا على أن تضحيات الأمس تظل أساسا لبناء الحاضر واستشراف المستقبل.

وفي هذا الإطار، قال المؤرخ والمحلل السياسي عبد اللطيف الحناشي في تصريح لـ«الصباح» إن من المهم التطرق أيضا إلى أحداث 8 أفريل، باعتبارها المرحلة التي مهّدت لما جرى يوم 9 أفريل.

وبيّن أن جذور هذه الأحداث تعود إلى عدة عوامل، منها الدولية والإقليمية، حيث شهدت أوروبا منذ أواسط الثلاثينات تصاعد الفاشية والنازية، وهو ما أدى إلى حالة من التوتر انعكست على تونس باعتبارها منطقة محتلة من قبل فرنسا، التي تأثرت بدورها بهذه الوضعية. كما كانت هناك جالية إيطالية كبيرة في تونس، قُدّر عددها بحوالي 91 ألف شخص، متعاطفة مع الحركة الفاشية الإيطالية، وكانت تشكل تهديدا لتوجهات الوجود الفرنسي في البلاد.

وعلى الصعيد الوطني، أوضح الحناشي أنه خلال الثلاثينات برز الحزب الحر الدستوري، والديوان السياسي المنشق عن الحزب الدستوري اللجنة التنفيذية، حيث عملت القيادة الجديدة على توسيع النضالات الوطنية اعتمادا على القاعدة الشعبية العريضة في مختلف أنحاء البلاد. وكان إبعاد القيادات الوطنية (الدستوريون والشيوعيون) اختبارا للروح الوطنية للتونسيين، الذين تظاهروا في مناطق متفرقة تضامنا مع المبعدين وتنديدا بالإبعاد والمطالبة بإطلاق سراحهم.

وأشار إلى أن سنة 1936 تُعد محطة هامة مع اعتلاء الجبهة الشعبية الحكم في فرنسا، التي اتخذت طابعا مناهضا للفاشية والنازية، وأصدرت جملة من الإجراءات لصالح الوضع في تونس، منها تغيير المقيم العام وإطلاق سراح المعتقلين، وهو ما خلّف ارتياحا كبيرا لدى الحزب الحر الدستوري. كما تم إرسال وفد إلى فرنسا بقيادة الحبيب بورقيبة وسليمان بن سليمان، حيث استقبله كاتب الدولة للشؤون الخارجية المكلف بشؤون تونس والمغرب، وأبدى تفهّما للمطالب الوطنية التونسية، ولم يتردد في زيارة تونس واتخاذ بعض القرارات التي طالب بها الحزب.

غير أن سلطات الإقامة الفرنسية كان لها رأي مغاير، مما أدى إلى اعتقال عدد كبير من المناضلين. وفي 12 و13 ماي 1937، عقد الحزب الحر الدستوري مؤتمره الثاني وقرر تصعيد النضال لتحقيق مطالبه، كما عبّر عن تضامنه مع الشعب الجزائري الذي كان يتعرض للقمع. وتم اتخاذ قرار بتنظيم إضراب يوم 20 نوفمبر 1937، إلى جانب إرسال قيادات الحزب إلى مختلف جهات البلاد لتوضيح الموقف والدعوة لمزيد النضال، وحتى الدعوة للعصيان، الأمر الذي دفع السلطات الأمنية إلى اعتقال وسجن عدد من القيادات الدستورية الجهوية والمركزية.

وأضاف الحناشي أنه تم لاحقا اتخاذ قرار بإضراب عام يوم 8 أفريل، إلى جانب تحركات يوم 10 أفريل، حيث نُظّم تجمع كبير شارك فيه عدد كبير من التونسيين بالعاصمة وضواحيها، وتوجهوا إلى مقر الإقامة العامة، وهناك ألقى علي بلهوان خطابا شديد اللهجة ساهم في ترسيخ الخطاب الوطني، خاصة مع رفع شعارات جديدة من بينها المطالبة ببرلمان تونسي، إلى جانب مشاركة لافتة للمرأة التونسية التي قُدّر عددها بين 50 و60 امرأة.

وتابع أنه يوم 9 أفريل، توجه عضوان من الديوان السياسي إلى القصبة للتباحث حول بعض المسائل، وكانت هناك مجموعة من المساندين لهم. بالتوازي، علمت الجماهير بتقديم علي بلهوان إلى المحكمة، فهبّت للتضامن معه، وكانت هبة شعبية شارك فيها حوالي 1500 شخص، لتتدخل قوات الأمن وتقوم بقمعهم، مما أسفر عن استشهاد ما بين 20 و22 تونسيا، وإصابة أكثر من 150 آخرين.

وأوضح الحناشي أن رمزية هذه الأحداث تتمثل في كونها مرحلة مفصلية في تاريخ النضال الوطني، إذ انتقل إلى مستوى أكثر تنظيما ووضوحا، وتجذّر الخطاب الوطني، إلى جانب اتساع مشاركة التونسيين في النضال. كما أشار إلى أن النضال الوطني لم يبدأ في تلك الفترة فقط، بل امتد إلى مراحل سابقة، حيث عرف عدة محطات من بينها انتفاضات وتحركات شعبية واجهت الغزو الفرنسي للبلاد بوسائل بسيطة، وتواصل لاحقا بأشكال سلمية رغم بعض الأحداث الاستثنائية.

وفي ختام تصريحه، أكد الحناشي على ضرورة الاهتمام بتاريخ تونس، وعلى الدولة التونسية الدفع بهذا الاتجاه، وتكثيف البرامج التعليمية بالاعتماد على الوسائل الحديثة، كما شدد على دور الإعلام في هذه المهمة الوطنية، من خلال تقديم برامج خاصة بتاريخ البلاد، وإبراز دور الشعب والقيادات التي ساهمت فكريا وثقافيا وسياسيا في النضال ضد الاستعمار، وعلى الإعلام المرئي العناية بهذا التاريخ من خلال إنتاج المسلسلات والأفلام التاريخية ذات البعد الوطني، باعتبارها من أهم الوسائل لنشر الوعي التاريخي والحفاظ على الذاكرة الوطنية، بما يسهم في اعتزاز التونسيين بتاريخهم الوطني.

أميرة الدريدي

الاحتفال بالذكرى الثامنة والثمانين لعيد الشهداء..   تجديد الوفاء للأبطال الذين قدّموا أرواحهم في سبيل الحرية والانعتاق من الاستعمار

❞المؤرخ عبد اللطيف الحناشي لـ«الصباح»: رمزية أحداث عيد الشهداء مرحلة مفصلية في تاريخ النضال الوطني ❝

أحيت تونس أمس الذكرى الثامنة والثمانين لعيد الشهداء، وهي مناسبة وطنية متجددة تعكس وفاء البلاد لتضحيات أبنائها الذين قدّموا أرواحهم في سبيل الحرية والانعتاق من الاستعمار. وتمثل هذه الذكرى محطة بارزة في الذاكرة الجماعية للتونسيين، حيث يستحضرون صفحات مضيئة من تاريخ الكفاح الوطني، ويسترجعون قيم الصمود والتضحية التي أسهمت في بناء الدولة الحديثة. ولا يقتصر إحياء هذه المناسبة على استذكار الماضي فقط، بل يتجاوز ذلك ليكون فرصة للتأمل في دلالات تلك المرحلة التاريخية وما تحمله من دروس وعبر للأجيال الحاضرة. كما تفتح هذه الذكرى المجال أمام قراءة معمّقة للأحداث من خلال تحليلات وشهادات المؤرخين والباحثين، بما يثري النقاش ويعمّق فهم مختلف أبعاد النضال الوطني.

وفي هذا السياق، يكتسي عيد الشهداء أهمية خاصة باعتباره لحظة جامعة، تُجدّد فيها تونس التزامها بالحفاظ على ذاكرتها الوطنية، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء، بما يجعل من هذه المناسبة أكثر من مجرد إحياء لذكرى، بل تأكيدا مستمرا على أن تضحيات الأمس تظل أساسا لبناء الحاضر واستشراف المستقبل.

وفي هذا الإطار، قال المؤرخ والمحلل السياسي عبد اللطيف الحناشي في تصريح لـ«الصباح» إن من المهم التطرق أيضا إلى أحداث 8 أفريل، باعتبارها المرحلة التي مهّدت لما جرى يوم 9 أفريل.

وبيّن أن جذور هذه الأحداث تعود إلى عدة عوامل، منها الدولية والإقليمية، حيث شهدت أوروبا منذ أواسط الثلاثينات تصاعد الفاشية والنازية، وهو ما أدى إلى حالة من التوتر انعكست على تونس باعتبارها منطقة محتلة من قبل فرنسا، التي تأثرت بدورها بهذه الوضعية. كما كانت هناك جالية إيطالية كبيرة في تونس، قُدّر عددها بحوالي 91 ألف شخص، متعاطفة مع الحركة الفاشية الإيطالية، وكانت تشكل تهديدا لتوجهات الوجود الفرنسي في البلاد.

وعلى الصعيد الوطني، أوضح الحناشي أنه خلال الثلاثينات برز الحزب الحر الدستوري، والديوان السياسي المنشق عن الحزب الدستوري اللجنة التنفيذية، حيث عملت القيادة الجديدة على توسيع النضالات الوطنية اعتمادا على القاعدة الشعبية العريضة في مختلف أنحاء البلاد. وكان إبعاد القيادات الوطنية (الدستوريون والشيوعيون) اختبارا للروح الوطنية للتونسيين، الذين تظاهروا في مناطق متفرقة تضامنا مع المبعدين وتنديدا بالإبعاد والمطالبة بإطلاق سراحهم.

وأشار إلى أن سنة 1936 تُعد محطة هامة مع اعتلاء الجبهة الشعبية الحكم في فرنسا، التي اتخذت طابعا مناهضا للفاشية والنازية، وأصدرت جملة من الإجراءات لصالح الوضع في تونس، منها تغيير المقيم العام وإطلاق سراح المعتقلين، وهو ما خلّف ارتياحا كبيرا لدى الحزب الحر الدستوري. كما تم إرسال وفد إلى فرنسا بقيادة الحبيب بورقيبة وسليمان بن سليمان، حيث استقبله كاتب الدولة للشؤون الخارجية المكلف بشؤون تونس والمغرب، وأبدى تفهّما للمطالب الوطنية التونسية، ولم يتردد في زيارة تونس واتخاذ بعض القرارات التي طالب بها الحزب.

غير أن سلطات الإقامة الفرنسية كان لها رأي مغاير، مما أدى إلى اعتقال عدد كبير من المناضلين. وفي 12 و13 ماي 1937، عقد الحزب الحر الدستوري مؤتمره الثاني وقرر تصعيد النضال لتحقيق مطالبه، كما عبّر عن تضامنه مع الشعب الجزائري الذي كان يتعرض للقمع. وتم اتخاذ قرار بتنظيم إضراب يوم 20 نوفمبر 1937، إلى جانب إرسال قيادات الحزب إلى مختلف جهات البلاد لتوضيح الموقف والدعوة لمزيد النضال، وحتى الدعوة للعصيان، الأمر الذي دفع السلطات الأمنية إلى اعتقال وسجن عدد من القيادات الدستورية الجهوية والمركزية.

وأضاف الحناشي أنه تم لاحقا اتخاذ قرار بإضراب عام يوم 8 أفريل، إلى جانب تحركات يوم 10 أفريل، حيث نُظّم تجمع كبير شارك فيه عدد كبير من التونسيين بالعاصمة وضواحيها، وتوجهوا إلى مقر الإقامة العامة، وهناك ألقى علي بلهوان خطابا شديد اللهجة ساهم في ترسيخ الخطاب الوطني، خاصة مع رفع شعارات جديدة من بينها المطالبة ببرلمان تونسي، إلى جانب مشاركة لافتة للمرأة التونسية التي قُدّر عددها بين 50 و60 امرأة.

وتابع أنه يوم 9 أفريل، توجه عضوان من الديوان السياسي إلى القصبة للتباحث حول بعض المسائل، وكانت هناك مجموعة من المساندين لهم. بالتوازي، علمت الجماهير بتقديم علي بلهوان إلى المحكمة، فهبّت للتضامن معه، وكانت هبة شعبية شارك فيها حوالي 1500 شخص، لتتدخل قوات الأمن وتقوم بقمعهم، مما أسفر عن استشهاد ما بين 20 و22 تونسيا، وإصابة أكثر من 150 آخرين.

وأوضح الحناشي أن رمزية هذه الأحداث تتمثل في كونها مرحلة مفصلية في تاريخ النضال الوطني، إذ انتقل إلى مستوى أكثر تنظيما ووضوحا، وتجذّر الخطاب الوطني، إلى جانب اتساع مشاركة التونسيين في النضال. كما أشار إلى أن النضال الوطني لم يبدأ في تلك الفترة فقط، بل امتد إلى مراحل سابقة، حيث عرف عدة محطات من بينها انتفاضات وتحركات شعبية واجهت الغزو الفرنسي للبلاد بوسائل بسيطة، وتواصل لاحقا بأشكال سلمية رغم بعض الأحداث الاستثنائية.

وفي ختام تصريحه، أكد الحناشي على ضرورة الاهتمام بتاريخ تونس، وعلى الدولة التونسية الدفع بهذا الاتجاه، وتكثيف البرامج التعليمية بالاعتماد على الوسائل الحديثة، كما شدد على دور الإعلام في هذه المهمة الوطنية، من خلال تقديم برامج خاصة بتاريخ البلاد، وإبراز دور الشعب والقيادات التي ساهمت فكريا وثقافيا وسياسيا في النضال ضد الاستعمار، وعلى الإعلام المرئي العناية بهذا التاريخ من خلال إنتاج المسلسلات والأفلام التاريخية ذات البعد الوطني، باعتبارها من أهم الوسائل لنشر الوعي التاريخي والحفاظ على الذاكرة الوطنية، بما يسهم في اعتزاز التونسيين بتاريخهم الوطني.

أميرة الدريدي