مشهد يبدو وكأنه يعيد رسم خريطة التضامن الثقافي مع فلسطين بأدوات متعددة، ولغات فنية متكاملة
القضية الفلسطينية تتحول إلى جزء من النقاش الداخلي لصناعة السينما العالمية
يجمع برنامج مهرجان السينما الفلسطينية بتونس بين تجارب سينمائية مؤسسة وأعمال جديدة تعكس تحولات الخطاب البصري الفلسطيني
معرض «الأرشيف البصري الفلسطيني» هذه الصائفة في برلين، أين ستُعرض صور نادرة تعود إلى ما قبل 1948.
من تونس إلى الرباط وصولا إلى هوليوود، تتشكل ملامح حراك ثقافي عالمي يجعل من الإبداع أداة متجددة لإبقاء القضية الفلسطينية في صدارة المشهد، في سياق تتقاطع فيه المبادرات الفنية مع المواقف الأخلاقية لتؤكد أن الثقافة لم تعد مجرد فضاء للتعبير الجمالي، بل تحولت إلى مجال حيوي لإنتاج المعنى والدفاع عن الذاكرة، وهو ما تعكسه بوضوح ثلاثة أحداث متباعدة جغرافيا، لكنها متقاربة في دلالاتها، من تتويج الشعرية الفلسطينية في المغرب، إلى دعوات المقاطعة داخل أوساط السينما في هوليوود، وصولا إلى الديناميكية التي تشهدها تونس عبر احتضانها الدورة الأولى لمهرجان السينما الفلسطينية، في مشهد يبدو وكأنه يعيد رسم خريطة التضامن الثقافي مع فلسطين بأدوات متعددة، ولغات فنية متكاملة.
ففي الرباط، حيث تستعد المدينة للاحتفاء باختيارها عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026، منحت لجنة جائزة» الأركانة» العالمية للشعر تتويجها لهذه السنة إلى “الشعرية الفلسطينية” في سابقة لافتة، إذ يقع الاختيار في العادة على اسم فردي لا على تجربة جماعية تمثلها أصوات مثل غسان زقطان ويوسف عبد العزيز وطاهر رياض وزهير أبو شايب، وهو قرار يحمل في جوهره اعترافا بتعددية هذه التجربة وثرائها، حيث لا تختزل في صوت واحد، بل تتشكل من فسيفساء لغوية وجمالية تعكس تعدد المنابع واختلاف السياقات.
وقد بررت لجنة التحكيم هذا الاختيار بكون الشعرية الفلسطينية استطاعت أن تفتح أفقا كتابيا مشروعا على إمكانات اللغة، وأن تكتب من داخل “شسوع الجرح” دون أن تفقد قدرتها على الابتكار، وهو توصيف يعيد التذكير بطبيعة هذا الشعر الذي لا ينفصل عن تجربة تاريخية قاسية، لكنه في الآن ذاته ينجح في تحويل المعاناة إلى طاقة جمالية، وهو ما يجعل من هذا التتويج تتويجا لذاكرة كاملة بقدر ما هو تكريم لمنجز إبداعي متواصل، خاصة إذا ما استحضرنا أن الجائزة نفسها سبق أن منحت للشاعر الراحل محمود درويش سنة 2008، في لحظة بدت حينها احتفاء بصوت فردي تحول إلى رمز، بينما يأتي التتويج الجديد ليؤكد أن ذلك الصوت لم يكن معزولا، بل جزءا من نسيج شعري أوسع لا يزال يكتب لفلسطين بأصوات متعددة.
وفي موازاة هذا الاعتراف الشعري، تتجه الأنظار إلى هوليوود، حيث برزت خلال الفترة الأخيرة مبادرة يقودها آلاف العاملين في صناعة السينما تدعو إلى مقاطعة مؤسسات سينمائية إسرائيلية، في خطوة تعكس تحولا لافتا في طبيعة التفاعل الثقافي مع القضايا السياسية، إذ لم يعد الأمر يقتصر على إنتاج أعمال فنية تتناول الموضوع، بل امتد إلى ممارسات مهنية تسعى إلى إحداث تأثير مباشر، وقد جاء هذا التحرك بدفع من مجموعة “عمّال السينما من أجل فلسطين” التي تمكنت من جمع أكثر من أربعة آلاف توقيع، من بينهم أسماء معروفة على غرار إيما ستون، وهو ما منح المبادرة زخما إعلاميا واسعا وفتح نقاشا داخل أوساط الترفيه حول حدود التداخل بين الفن والسياسة، وبين حرية الإبداع والمسؤولية الأخلاقية، وإذا كانت الآراء قد تباينت بشأن جدوى هذه المقاطعة، فإنها في جميع الحالات كشفت عن حقيقة أساسية مفادها أن القضية الفلسطينية أصبحت جزءا من النقاش الداخلي لصناعة السينما العالمية، ولم تعد مجرد موضوع خارجي يتم تناوله من مسافة، وهو ما يعكس تحولا في وعي شريحة من الفاعلين الثقافيين الذين باتوا يرون في مواقفهم المهنية امتدادا لالتزاماتهم الإنسانية.
أما في تونس، فيتجسد هذا الحراك في شكل مبادرات ثقافية تسعى إلى إعادة الاعتبار للصورة الفلسطينية، ونذكر في هذا السياق احتضان بلادنا هذه الأيام للدورة الأولى لمهرجان السينما الفلسطينية بفضاء مسرح-سينما الريو، بالعاصمة، وهي تظاهرة تراهن أساسا على تقديم سرديات بديلة تتيح للفلسطينيين رواية قصتهم بأنفسهم، بعيدا عن الاختزال، إذ يجمع برنامجها بين استعادة تجارب سينمائية مؤسسة وتقديم أعمال جديدة تعكس تحولات الخطاب البصري الفلسطيني، مع الانفتاح على نقاشات فكرية وفنية تجعل من العروض لحظات تفكير جماعي، في تأكيد على أن السينما لا تقتصر على الفرجة، بل تتحول إلى أداة وعي، ويكتسب هذا الحدث بعدا رمزيا من خلال إهدائه لروح إسماعيل الجنيدي، وتزامنه مع ذكرى يوم الأرض، بما يعزز حضوره ضمن سياق تضامني أوسع تقوده بالأساس مبادرات المجتمع المدني.
غير أن هذا الحراك الثقافي الداعم للقضية الفلسطينية لا يتوقف عند هذه الأحداث الثلاثة، بل يتواصل في أشكال أكثر تنوعا وانتشارا، بما يكشف عن تحوّل الثقافة إلى جبهة مفتوحة تتعدد فيها أدوات الفعل بين التوثيق، والإبداع، والدعم الاقتصادي والرقمي.
ففي عمان، ينطلق خلال الفترة الممتدة من سبتمبر إلى نوفمبر 2026 المعرض المتنقل «خيوط الصمود” من فضاء “دارة الفنون” قبل أن يحط الرحال في القاهرة، حاملا معه تجربة فنية تقوم على التطريز الفلسطيني باعتباره وثيقة تاريخية حية، لا تكتفي باستعادة الذاكرة، بل تسعى أيضا إلى تمكين اللاجئات الفلسطينيات من أدوات تسويق أعمالهن عالميا، في تقاطع واضح بين البعد الثقافي والاقتصادي بوصفه شكلا من أشكال المقاومة.
وفي السياق ذاته، تتجه الأنظار إلى نسخة استثنائية من مهرجان القدس السينمائي الدولي المنتظر تنظيمها في نوفمبر 2026 بين غزة والقاهرة، حيث يتم التركيز على «أفلام الموبايل» التي صُورت داخل القطاع خلال فترات الأزمات، بما يحول الصورة الخام إلى شهادة ثقافية بديلة قادرة على كسر الوساطة الإعلامية التقليدية.
وفي امتداد لهذا المسار، تبرز مبادرات مغاربية مشتركة تعكس انخراطا متزايدا في دعم السردية الفلسطينية، على غرار حملة «إحياء المكتبات المفقودة» التي انطلقت في هذا الشهر، أي أفريل 2026، وتتواصل إلى نهاية السنة بين تونس والمغرب، بمبادرة من اتحادات الناشرين العرب، حيث تهدف إلى جمع خمسين ألف كتاب وتخصيص أركان دائمة لفلسطين داخل المكتبات العامة، في محاولة لترسيخ حضور القضية داخل الفضاء المعرفي اليومي، وتحويل القراءة إلى فعل وعي مستدام.
أما في الفضاء الأوروبي، فتأخذ هذه الديناميكية أبعادا أخرى ترتبط أساسا بتفكيك الروايات السائدة وإعادة تقديم الصوت الفلسطيني بلغات مختلفة، ففي باريس يحتضن معهد العالم العربي خلال أكتوبر 2026 مشروع «أصوات من غزة»، وهو سلسلة أمسيات أدبية تترجم نصوصا كتبها شباب فلسطينيون تحت الحصار إلى الفرنسية، بما يتيح إدماج هذه الكتابات في الدوائر الثقافية الأوروبية المستقلة، بينما تستضيف برلين بين أوت وسبتمبر 2026 معرض «الأرشيف البصري الفلسطيني» داخل فضاءات ثقافية مستقلة، أين ستُعرض صور نادرة تعود إلى ما قبل 1948، في مواجهة السرديات التي تنكر الوجود التاريخي الفلسطيني، مرفقة بندوات تناقش «الحق في الذاكرة» بوصفه امتدادا للحق في الأرض.
وفي نيويورك ولندن، تتجسد هذه المبادرات في ديسمبر 2026 عبر مشروع «مسرح من أجل فلسطين» الذي يجمع فرقا مستقلة لتقديم نسخة محدثة من «مونولوغات غزة»، حيث تتحول الخشبة إلى مساحة لسرد المعاناة اليومية، بينما تُخصص عائدات العروض لدعم الصندوق الثقافي الفلسطيني وترميم المسارح المتضررة، في تزاوج بين الفعل الفني والعمل التضامني المباشر.
وتتعزز هذه الجهود عبر مبادرات تستهدف الفضاء الرقمي مثل جائزة «فلسطين الدولية للإبداع الشبابي» المنتظر تنظيمها في نوفمبر 2026 في بروكسيل، بالتزامن مع اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، إذ سيتم تكريم أفضل المحتويات الرقمية القادرة على التأثير في الرأي العام الغربي وتغيير الصور النمطية.
وفي موازاة ذلك، يتعزز هذا الحراك عبر مبادرات عابرة للحدود تستثمر في التكنولوجيا كأداة جديدة لحماية الذاكرة، على غرار «أكاديمية فلسطين الرقمية» التي تنطلق خلال 2026 كمشروع تعليمي يهدف إلى تدريب الشباب الفلسطيني على حفظ الأرشيف الرقمي من الحذف والتهميش على منصات التواصل، بالتعاون مع خبراء من أوروبا والعالم العربي، وهو ما يعكس انتقال المعركة الثقافية إلى الفضاء الافتراضي، فتصبح حماية الصورة والرواية جزءا من صراع أوسع على الذاكرة والتمثيل.
وبذلك، تتكامل هذه المبادرات، على اختلاف أشكالها وأمكنتها، لتؤكد أن الحراك الثقافي من أجل فلسطين لم يعد مجرد ردود فعل ظرفية، بل تحول إلى منظومة متكاملة تتوزع بين الفن والمعرفة والاقتصاد الرقمي، وتتحرك عبر شبكات محلية ودولية، أين يصبح الإبداع لغة مشتركة للمقاومة، ووسيلة لإعادة تثبيت حضور القضية الفلسطينية في الوعي العالمي، بعيدا عن النسيان أو الاختزال.
إيمان عبد اللطيف
مشهد يبدو وكأنه يعيد رسم خريطة التضامن الثقافي مع فلسطين بأدوات متعددة، ولغات فنية متكاملة
القضية الفلسطينية تتحول إلى جزء من النقاش الداخلي لصناعة السينما العالمية
يجمع برنامج مهرجان السينما الفلسطينية بتونس بين تجارب سينمائية مؤسسة وأعمال جديدة تعكس تحولات الخطاب البصري الفلسطيني
معرض «الأرشيف البصري الفلسطيني» هذه الصائفة في برلين، أين ستُعرض صور نادرة تعود إلى ما قبل 1948.
من تونس إلى الرباط وصولا إلى هوليوود، تتشكل ملامح حراك ثقافي عالمي يجعل من الإبداع أداة متجددة لإبقاء القضية الفلسطينية في صدارة المشهد، في سياق تتقاطع فيه المبادرات الفنية مع المواقف الأخلاقية لتؤكد أن الثقافة لم تعد مجرد فضاء للتعبير الجمالي، بل تحولت إلى مجال حيوي لإنتاج المعنى والدفاع عن الذاكرة، وهو ما تعكسه بوضوح ثلاثة أحداث متباعدة جغرافيا، لكنها متقاربة في دلالاتها، من تتويج الشعرية الفلسطينية في المغرب، إلى دعوات المقاطعة داخل أوساط السينما في هوليوود، وصولا إلى الديناميكية التي تشهدها تونس عبر احتضانها الدورة الأولى لمهرجان السينما الفلسطينية، في مشهد يبدو وكأنه يعيد رسم خريطة التضامن الثقافي مع فلسطين بأدوات متعددة، ولغات فنية متكاملة.
ففي الرباط، حيث تستعد المدينة للاحتفاء باختيارها عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026، منحت لجنة جائزة» الأركانة» العالمية للشعر تتويجها لهذه السنة إلى “الشعرية الفلسطينية” في سابقة لافتة، إذ يقع الاختيار في العادة على اسم فردي لا على تجربة جماعية تمثلها أصوات مثل غسان زقطان ويوسف عبد العزيز وطاهر رياض وزهير أبو شايب، وهو قرار يحمل في جوهره اعترافا بتعددية هذه التجربة وثرائها، حيث لا تختزل في صوت واحد، بل تتشكل من فسيفساء لغوية وجمالية تعكس تعدد المنابع واختلاف السياقات.
وقد بررت لجنة التحكيم هذا الاختيار بكون الشعرية الفلسطينية استطاعت أن تفتح أفقا كتابيا مشروعا على إمكانات اللغة، وأن تكتب من داخل “شسوع الجرح” دون أن تفقد قدرتها على الابتكار، وهو توصيف يعيد التذكير بطبيعة هذا الشعر الذي لا ينفصل عن تجربة تاريخية قاسية، لكنه في الآن ذاته ينجح في تحويل المعاناة إلى طاقة جمالية، وهو ما يجعل من هذا التتويج تتويجا لذاكرة كاملة بقدر ما هو تكريم لمنجز إبداعي متواصل، خاصة إذا ما استحضرنا أن الجائزة نفسها سبق أن منحت للشاعر الراحل محمود درويش سنة 2008، في لحظة بدت حينها احتفاء بصوت فردي تحول إلى رمز، بينما يأتي التتويج الجديد ليؤكد أن ذلك الصوت لم يكن معزولا، بل جزءا من نسيج شعري أوسع لا يزال يكتب لفلسطين بأصوات متعددة.
وفي موازاة هذا الاعتراف الشعري، تتجه الأنظار إلى هوليوود، حيث برزت خلال الفترة الأخيرة مبادرة يقودها آلاف العاملين في صناعة السينما تدعو إلى مقاطعة مؤسسات سينمائية إسرائيلية، في خطوة تعكس تحولا لافتا في طبيعة التفاعل الثقافي مع القضايا السياسية، إذ لم يعد الأمر يقتصر على إنتاج أعمال فنية تتناول الموضوع، بل امتد إلى ممارسات مهنية تسعى إلى إحداث تأثير مباشر، وقد جاء هذا التحرك بدفع من مجموعة “عمّال السينما من أجل فلسطين” التي تمكنت من جمع أكثر من أربعة آلاف توقيع، من بينهم أسماء معروفة على غرار إيما ستون، وهو ما منح المبادرة زخما إعلاميا واسعا وفتح نقاشا داخل أوساط الترفيه حول حدود التداخل بين الفن والسياسة، وبين حرية الإبداع والمسؤولية الأخلاقية، وإذا كانت الآراء قد تباينت بشأن جدوى هذه المقاطعة، فإنها في جميع الحالات كشفت عن حقيقة أساسية مفادها أن القضية الفلسطينية أصبحت جزءا من النقاش الداخلي لصناعة السينما العالمية، ولم تعد مجرد موضوع خارجي يتم تناوله من مسافة، وهو ما يعكس تحولا في وعي شريحة من الفاعلين الثقافيين الذين باتوا يرون في مواقفهم المهنية امتدادا لالتزاماتهم الإنسانية.
أما في تونس، فيتجسد هذا الحراك في شكل مبادرات ثقافية تسعى إلى إعادة الاعتبار للصورة الفلسطينية، ونذكر في هذا السياق احتضان بلادنا هذه الأيام للدورة الأولى لمهرجان السينما الفلسطينية بفضاء مسرح-سينما الريو، بالعاصمة، وهي تظاهرة تراهن أساسا على تقديم سرديات بديلة تتيح للفلسطينيين رواية قصتهم بأنفسهم، بعيدا عن الاختزال، إذ يجمع برنامجها بين استعادة تجارب سينمائية مؤسسة وتقديم أعمال جديدة تعكس تحولات الخطاب البصري الفلسطيني، مع الانفتاح على نقاشات فكرية وفنية تجعل من العروض لحظات تفكير جماعي، في تأكيد على أن السينما لا تقتصر على الفرجة، بل تتحول إلى أداة وعي، ويكتسب هذا الحدث بعدا رمزيا من خلال إهدائه لروح إسماعيل الجنيدي، وتزامنه مع ذكرى يوم الأرض، بما يعزز حضوره ضمن سياق تضامني أوسع تقوده بالأساس مبادرات المجتمع المدني.
غير أن هذا الحراك الثقافي الداعم للقضية الفلسطينية لا يتوقف عند هذه الأحداث الثلاثة، بل يتواصل في أشكال أكثر تنوعا وانتشارا، بما يكشف عن تحوّل الثقافة إلى جبهة مفتوحة تتعدد فيها أدوات الفعل بين التوثيق، والإبداع، والدعم الاقتصادي والرقمي.
ففي عمان، ينطلق خلال الفترة الممتدة من سبتمبر إلى نوفمبر 2026 المعرض المتنقل «خيوط الصمود” من فضاء “دارة الفنون” قبل أن يحط الرحال في القاهرة، حاملا معه تجربة فنية تقوم على التطريز الفلسطيني باعتباره وثيقة تاريخية حية، لا تكتفي باستعادة الذاكرة، بل تسعى أيضا إلى تمكين اللاجئات الفلسطينيات من أدوات تسويق أعمالهن عالميا، في تقاطع واضح بين البعد الثقافي والاقتصادي بوصفه شكلا من أشكال المقاومة.
وفي السياق ذاته، تتجه الأنظار إلى نسخة استثنائية من مهرجان القدس السينمائي الدولي المنتظر تنظيمها في نوفمبر 2026 بين غزة والقاهرة، حيث يتم التركيز على «أفلام الموبايل» التي صُورت داخل القطاع خلال فترات الأزمات، بما يحول الصورة الخام إلى شهادة ثقافية بديلة قادرة على كسر الوساطة الإعلامية التقليدية.
وفي امتداد لهذا المسار، تبرز مبادرات مغاربية مشتركة تعكس انخراطا متزايدا في دعم السردية الفلسطينية، على غرار حملة «إحياء المكتبات المفقودة» التي انطلقت في هذا الشهر، أي أفريل 2026، وتتواصل إلى نهاية السنة بين تونس والمغرب، بمبادرة من اتحادات الناشرين العرب، حيث تهدف إلى جمع خمسين ألف كتاب وتخصيص أركان دائمة لفلسطين داخل المكتبات العامة، في محاولة لترسيخ حضور القضية داخل الفضاء المعرفي اليومي، وتحويل القراءة إلى فعل وعي مستدام.
أما في الفضاء الأوروبي، فتأخذ هذه الديناميكية أبعادا أخرى ترتبط أساسا بتفكيك الروايات السائدة وإعادة تقديم الصوت الفلسطيني بلغات مختلفة، ففي باريس يحتضن معهد العالم العربي خلال أكتوبر 2026 مشروع «أصوات من غزة»، وهو سلسلة أمسيات أدبية تترجم نصوصا كتبها شباب فلسطينيون تحت الحصار إلى الفرنسية، بما يتيح إدماج هذه الكتابات في الدوائر الثقافية الأوروبية المستقلة، بينما تستضيف برلين بين أوت وسبتمبر 2026 معرض «الأرشيف البصري الفلسطيني» داخل فضاءات ثقافية مستقلة، أين ستُعرض صور نادرة تعود إلى ما قبل 1948، في مواجهة السرديات التي تنكر الوجود التاريخي الفلسطيني، مرفقة بندوات تناقش «الحق في الذاكرة» بوصفه امتدادا للحق في الأرض.
وفي نيويورك ولندن، تتجسد هذه المبادرات في ديسمبر 2026 عبر مشروع «مسرح من أجل فلسطين» الذي يجمع فرقا مستقلة لتقديم نسخة محدثة من «مونولوغات غزة»، حيث تتحول الخشبة إلى مساحة لسرد المعاناة اليومية، بينما تُخصص عائدات العروض لدعم الصندوق الثقافي الفلسطيني وترميم المسارح المتضررة، في تزاوج بين الفعل الفني والعمل التضامني المباشر.
وتتعزز هذه الجهود عبر مبادرات تستهدف الفضاء الرقمي مثل جائزة «فلسطين الدولية للإبداع الشبابي» المنتظر تنظيمها في نوفمبر 2026 في بروكسيل، بالتزامن مع اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، إذ سيتم تكريم أفضل المحتويات الرقمية القادرة على التأثير في الرأي العام الغربي وتغيير الصور النمطية.
وفي موازاة ذلك، يتعزز هذا الحراك عبر مبادرات عابرة للحدود تستثمر في التكنولوجيا كأداة جديدة لحماية الذاكرة، على غرار «أكاديمية فلسطين الرقمية» التي تنطلق خلال 2026 كمشروع تعليمي يهدف إلى تدريب الشباب الفلسطيني على حفظ الأرشيف الرقمي من الحذف والتهميش على منصات التواصل، بالتعاون مع خبراء من أوروبا والعالم العربي، وهو ما يعكس انتقال المعركة الثقافية إلى الفضاء الافتراضي، فتصبح حماية الصورة والرواية جزءا من صراع أوسع على الذاكرة والتمثيل.
وبذلك، تتكامل هذه المبادرات، على اختلاف أشكالها وأمكنتها، لتؤكد أن الحراك الثقافي من أجل فلسطين لم يعد مجرد ردود فعل ظرفية، بل تحول إلى منظومة متكاملة تتوزع بين الفن والمعرفة والاقتصاد الرقمي، وتتحرك عبر شبكات محلية ودولية، أين يصبح الإبداع لغة مشتركة للمقاومة، ووسيلة لإعادة تثبيت حضور القضية الفلسطينية في الوعي العالمي، بعيدا عن النسيان أو الاختزال.