يطرح ملف العائدين من بؤر التوتّر وخاصة من سوريا، عدة مخاوف وإشكاليات في دول كثيرة عانت سابقا من التحاق مواطنيها للقتال في صفوف التنظيمات الإرهابية سواء «داعش» أو جبهات النصرة أو غيرها من الفصائل الإرهابية المقاتلة التي توزّعت في الدول التي شهدت نزاعات مسلحة مثل سوريا وليبيا والعراق.
وتونس ليست بمنأى عن هذا الملف الخطير، حيث التحق المئات من الشباب التونسي بهذه التنظيمات الإرهابية بعد الثورة وكما كان ملف تسفير المقاتلين من الملفات الحارقة على المستوى الوطني وشهد جدالا مجتمعيا كبيرا وما زال يلقي بتداعياته على المشهد رغم تكفّل القضاء به، فإن ملف العائدين من بؤر الصراع والتوتّر يطرح اليوم ذات الإشكاليات بما قد تشكّله العودة من مخاطر على المجتمع وعلى السلم الأهلي.. ومنذ يومين نشرت وزارة الداخلية توضيحا أكّدت فيه أن الوحدات الأمنية تعمل على تنفيذ مناشير التفتيش الصادرة في حق العناصر الإرهابية سواء العائدة من بؤر التوتر أو حتى تلك التي لم تعد بعد بهدف اتخاذ إجراءات حدودية وقائية وتحسّبا لأي عودة محتملة خاصة من الأراضي السورية بعد استقرار الأوضاع السياسية نسبيا خاصة وأن ملف المقاتلين الأجانب بات مطروحا اليوم على المستوى السوري .
وملف المقاتلين الأجانب بسوريا لا يُطرح فقط في علاقة بمقاتلي التنظيمات الإرهابية ولكن أيضا في علاقة بالنساء والأطفال من جنسيات مختلفة ومنها الجنسية التونسية والذين يتواجدون في المخيمات قوات سوريا الديمقراطية/ «قسد» والتي هي بصدد تصفية نفسها والانصهار في الجيش النظامي السوري.
في إجابة وزارة الداخلية على سؤال كتابي كانت توجهت به عضو مجلس نواب الشعب فاطمة المسدي، حول وضعية العناصر الإرهابية العائدة من بؤر التوتر وكيفية التعامل معها، أكّدت أنها اتخذت جملة من الإجراءات لضمان عدم تسلل العناصر الإرهابية أو إعادة إدخالهم إلى التراب الوطني عبر المنافذ الحدودية أو مسالك الهجرة غير الشرعية، وفق نصّ الإجابة. حيث أكدّت وزارة الداخلية على تعزيز منظومة حماية المنافذ الحدودية وتأمين المسالك الصحراوية بتسيير دوريات متنقلة ومشتركة بين وحدات الجيش والحرس الوطنيين بالإضافة إلى تعزيز الحدود بأجهزة الكترونية متطورة.
مقاربة وزارة الداخلية بشأن العائدين من بؤر التوتّر
وقالت وزارة الداخلية بأنها تعتمد مقاربة شاملة في التعامل مع العناصر الإرهابية العائدة من بؤر التوتر، وهي ترتكز على أربعة محاور رئيسية تتمثل في الإطار القانوني وإجراءات الاستلام والمسار القضائي والإجراءات السجنية والتأهيل، حيث تعتمد الوزارة في التعامل على إطار تشريعي يشمل الدستور والقانون الأساسي المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، والمجلة الجزائية، إلى جانب المعاهدات الدولية والإقليمية والثنائية المصادق عليها في مجال حقوق الإنسان وحماية اللاجئين والقانون الدولي الإنساني.
وبالنسبة لإجراءات الاستلام فإنها تتم من خلال تنسيق دبلوماسي وقضائي مسبق مع الدول المعنية بتسلم الملفات والأدلة، كإعداد قائمات اسمية مسبقة مرفقة بالبيانات البيومترية والتصنيف الأولى للمخاطر وتأمين عملية نقل عبر وحدات مختصة في مكافحة الإرهاب، و إعلام النيابة العمومية فور وصول العنصر العائد من بؤر التوتر وفتح بحث عدلي في شأنه.
وقد سبق للدولة من خلال وزارة الداخلية أن تسلّمت عناصر مصنّفة إرهابية من عدة دول وكانت مطلوبة للعدالة في تونس، منها عملية تسلم لإرهابيين من الخارج قامت بها السلطات التونسية بداية العام 2019 عندما استلمت أربعة عناصر إرهابية كانت تنشط في سوريا وصادرة بحقها بطاقات جلب من القضاء.
وبخصوص المسار القضائي،أكّدت وزارة الداخلية بأنه يتم فتح أبحاث تحقيقية وإحالة الملفات على الدوائر الجنائية بعد استكمال التحقيق استنادا إلى الأفعال المرتكبة على غرار جرائم «الانضمام إلى تنظيم إرهابي، وتلقي تدريبات، والمشاركة في أعمال قتالية..»، وتفعيل الإنابات القضائية الدولية لاستكمال الأدلة الرقمية والشهادات، إلى جانب إصدار بطاقات إيداع بالسجن عند توفر شبهة قوية في الإدانة أو اعتماد تدابير احترازية عند الاقتضاء على غرار المراقبة الإدارية.
وهذا المسار القضائي يحتاج إلى مجهودات كبيرة خاصة في توفير أدلة الإدانة خاصة وأن بعض العناصر غادرت تونس خلسة وعادت إليها خلسة دون أن تتوفّر قاعدة بيانات بشأن نشاطاتها الإرهابية في بؤر الصراع .
وبالنسبة للإجراءات السجنية والتأهيل، قالت الوزارة أنه يتم إيواء العناصر المصنفة عالية الخطورة في أجنحة مخصصة لتفادي الاستقطاب داخل الوحدات السجنية، فضلا عن إخضاعهم لتقييم دوري لمستوى الخطورة، ومراقبة الاتصالات والزيارات وفق ضوابط قانونية، وذلك من خلال التنسيق الدائم بين إدارة السجون والمصالح الأمنية المختصة، كما يتم إدراج المعنيين ضمن برامج تفكيك التطرف مع دعم نفسي واجتماعي للإحاطة ولمعالجة أثار النزاع المسلح مع إعداد خطة متابعة بعد الإفراج.
وهذه المرحلة الأخيرة تعد الأصعب لأنها تتطلّب الاشتغال على إعداد خطط للإدماج وإعادة التأهيل المجتمعي بعد انقضاء مدد العقوبات حيث أن مرحلة التحفيز على المراجعات من أصعب المراحل وقد حاولت دول كثيرة إعادة بناء مسارات العائدين من بؤر التوتر ومساعدتهم على الاندماج وترك الأفكار التكفيرية وخصصت لذلك اعتمادات ضخمة من خلال برامج موجهة ولكن تلك البرامج ما زالت نتائجها دون المأمول .
المخيمات السورية
في المخيمات السورية وأبرزها مخيّم الهول، المخيّم الغامض الذي يشبّهه البعض بالقنبلة الموقوتة التي يمكن أن تنفجر في وجوه دول كثيرة حول العالم، يوجد نساء وأطفال تونسيون وحتى مقاتلين تونسيون التحقوا في سنوات سابقة بالتنظيمات الإرهابية وقد أكّدت وجودهم بالمخيم اعترافات من قيادات بقوات سوريا الديمقراطية «قسد» كما أكدت وجودهم تقارير حقوقية موثوقة وتحقيقات صحفية أنجزها صحفيون استطاعوا الدخول إلى المخيّم ..
ولعلّ أكبر المآسي التي نبّهت إليها منظمة الأمم المتحدة في تقارير رسمية هو ترعرع جيل من الأطفال، بينهم تونسيون في ذلك المخيّم..، جيل كامل وُلد وتربى في بيئة غير صحية نفسيا وجسديا وفكريا واليوم لن يقبل النظام السوري لوحده تحمّل مسؤوليته خاصة وأن الموقف الأممي واضح في هذا الملف وتم التعبير عليه في تقارير رسمية حيث تدعو الدول الأم أن تستعيد هؤلاء وتتحمّل مسؤوليتها، وتونس من الدول المعنية بهذا الملف باعتبار أن هناك عشرات المقاتلين وعدد هام من النساء وحتى الأطفال التحقوا بالتنظيمات الإرهابية في سوريا وبعضهم اليوم إما في السجون أو في المخيمات، حيث أشارت تقارير أممية وحقوقية واشتغل خبراء أمميون في المخيم ليجدوا عشرات الأطفال والنساء من الجنسية التونسية، وهم في الغالب من أرامل وأطفال مقاتلي تنظيم ‹داعش›. كانوا في الرقة وبعد هزيمة التنظيم والقبض عليهم تم إيداعهم في مخيمات مثل مخيّم «الروج» و«عين عيسى» و«الهول».
وليست تونس وحدها معنية، بل دول كثيرة معنية بهذا الملف، وخاصة دول المنطقة المغاربية التي تحوّل بعضها بعد الثورات العربية إلى مصدّر لهذه العناصر المتطرّفة، والتي قد تستعيد حريتها اليوم بسبب إخلاء المخيمات وتعود خلسة. ولعلّ ذلك ما دعا وزارة الداخلية إلى التأكيد على أنها رفعت مستوى اليقظة على المعابر والمنافذ الحدودية لتصدّي العودة العكسية عبر الهجرة غير الشرعية.
.تونسيات وأطفال في مخيّم «الهول»
بعد أن سمحت القوات السورية بدخول الصحافيين والنشطاء إلى مخيّم الهول، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بمقاطع مصوّرة لمقابلات مع محتجزين هناك، قالوا إن قوات سوريا الديمقراطية احتجزتهم قسرًا لاستخدامهم كورقة ضغط وابتزاز للحصول على الدعم والمساعدات من المنظمات الدولية، وإجبار دولهم على التعاطي مع قوات الكيان الكردي في حال رغبتها في استعادة رعاياها، كما أظهرت تسجيلات أخرى بعض النساء وهن يبررن فكر تنظيم الدولة في «فيديوهات» بدت صادمة وأعادت إلى الأذهان الجرائم التي ارتكبها هذا التنظيم.
ويقع مخيم الهول قرب الحدود السورية العراقية، ويضم آلاف النازحين السوريين والعراقيين وآخرين من جنسيات مختلفة بعد أن تحوّل إلى ملجأ لعشرات الآلاف من عائلات مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية وكان المخيم تحت سيطرة ما يسمّى بقوات سوريا الديمقراطية بالتنسيق مع هيئات أممية ومنظمات إنسانية غير حكومية، قبل أن تنتقل السيطرة عليه مؤخرا إلى الحكومة السورية.
وفي وقت سابق، أعلنت وزيرة المرأة السابقة، آمال بالحاج موسى، عن عودة 51 طفلًا من مناطق النزاع، وقالت الوزيرة إنه تم إدماجهم في عائلاتهم الموسّعة بمقتضى تدابير صادرة عن قضاة الأسرة وبالتنسيق مع مندوبي حماية الطفولة، وأنها تعمل على تقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وتوفير الخدمات الصحية والنفسية اللازمة لهؤلاء الأطفال.
ورغم أن الوزارة لم توضّح الوجهات التي أتى منها هؤلاء الأطفال إلا أن بعض المصادر تشير إلى تسلّم بعضهم من المخيمات السورية، كما أكدت وزارة المرأة أن مصالحها سجلت مطالب عودة واردة بالأساس من الأجداد لأم أو أب الأطفال المقيمين بمختلف ولايات الجمهورية لقرابة 120 طفلا موجودين في بؤر التوتّر ومنهم المخيمات السورية.
ويعيش أطفال المخيمات السورية التي تضم عوائل تنظيم «داعش الإرهابي» من أطفال ونساء والذين تم القبض عليهم او فروّا من الرقة في ظروف غير إنسانية، بالإضافة إلى الوصم الذي يلاحقهم والأفكار المتطرفة التي ما زالت تسيطر على هذه المخيمات ويمكن أن تحولهم إلى متطرفين وتبرمجهم على أفكار دموية ويصعب إصلاح الأمر كلما تقدم بهم العمر..
وإذا كانت الدولة التونسية أكدت، في السابق، رفضها إعادة الأطفال العالقين في مخيمات شمال شرق سوريا، بأنها لا تتفاوض مع التنظيمات الانفصالية أو الميليشيات المسلحة، كقوات سوريا الديمقراطية التي تشرف على المخيمات، إلا أن الوضع اختلف اليوم بعد الاتفاق الذي حصل بين الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع وقائد الأكراد في الشمال السوري عبدي مظلوم بما يعني أن تلك المخيمات التي كانت تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية أصبحت اليوم من الملفات التي تتبع النظام السوري الجديد، خاصة وانه في السنوات الأخيرة تم تفعيل العلاقات الدبلوماسية بين تونس ودمشق .
ملف محرج
رغم ما تطرحه المخيمات السورية التي تستقبل نساء وأطفال تنظيم «داعش» من مخاطر وما يعيشه الأطفال هناك من فظاعات هم في الأصل غير مسؤولين عنها، إلا أنه والى اليوم لم يتوصل المجتمع الدولي إلى اتفاق واضح حول طريقة الإحاطة والتعامل مع متساكني هذه المخيمات من أطفال ونساء، خاصة في مخيمات سيئة السمعة والصيت مثل مخيم «الهول» التي قالت عنه منظمة(Save the Children)- أنقذوا الأطفال - أنه يقيم فيه الآن حوالي 7300 طفل في المخيم وبحسب المنظمة، فإن هؤلاء الأطفال لم يرتكبوا أي خطأ ويحتاجون إلى الحماية. وقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في وقت سابق كلّ الدول المعنية إلى استعادة رعاياها من مخيّم «الهول»..
وقد عملت الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية على إقناع الدول بالسماح بعودة مواطنيها من نساء وخاصة الأطفال وإنقاذهم من مخاطر شتى أولها الإرهاب والتطرف، ومع التسويات الجديدة في الملف على مستوى العملية السياسية الداخلية في سورية فانه من المتوقّع أن يطالب النظام السوري الدول التي ينتمي لها نساء وأطفال المخيّم إلى تحمّل مسؤوليتها .
وفي تصريح سابق لـ«الصباح» قال عضو لجنة الشؤون الخارجية بمجلس نواب الشعب عبد الرزاق عويدات إن الملف يحتاج إلى دراسة متأنية وحالة بحالة وأنه بالنسبة للأطفال يجب أن يتم التعامل معهم وفق برنامج للإصلاح وإعادة الإدماج، أما بالنسبة للتونسيين الذين التحقوا بالجماعات الإرهابية في سوريا كمقاتلين وتورطوا في جرائم بشعة ووحشية، فيجب معاملتهم وفق ما يضبطه القانون التونسي.
منية العرفاوي
يطرح ملف العائدين من بؤر التوتّر وخاصة من سوريا، عدة مخاوف وإشكاليات في دول كثيرة عانت سابقا من التحاق مواطنيها للقتال في صفوف التنظيمات الإرهابية سواء «داعش» أو جبهات النصرة أو غيرها من الفصائل الإرهابية المقاتلة التي توزّعت في الدول التي شهدت نزاعات مسلحة مثل سوريا وليبيا والعراق.
وتونس ليست بمنأى عن هذا الملف الخطير، حيث التحق المئات من الشباب التونسي بهذه التنظيمات الإرهابية بعد الثورة وكما كان ملف تسفير المقاتلين من الملفات الحارقة على المستوى الوطني وشهد جدالا مجتمعيا كبيرا وما زال يلقي بتداعياته على المشهد رغم تكفّل القضاء به، فإن ملف العائدين من بؤر الصراع والتوتّر يطرح اليوم ذات الإشكاليات بما قد تشكّله العودة من مخاطر على المجتمع وعلى السلم الأهلي.. ومنذ يومين نشرت وزارة الداخلية توضيحا أكّدت فيه أن الوحدات الأمنية تعمل على تنفيذ مناشير التفتيش الصادرة في حق العناصر الإرهابية سواء العائدة من بؤر التوتر أو حتى تلك التي لم تعد بعد بهدف اتخاذ إجراءات حدودية وقائية وتحسّبا لأي عودة محتملة خاصة من الأراضي السورية بعد استقرار الأوضاع السياسية نسبيا خاصة وأن ملف المقاتلين الأجانب بات مطروحا اليوم على المستوى السوري .
وملف المقاتلين الأجانب بسوريا لا يُطرح فقط في علاقة بمقاتلي التنظيمات الإرهابية ولكن أيضا في علاقة بالنساء والأطفال من جنسيات مختلفة ومنها الجنسية التونسية والذين يتواجدون في المخيمات قوات سوريا الديمقراطية/ «قسد» والتي هي بصدد تصفية نفسها والانصهار في الجيش النظامي السوري.
في إجابة وزارة الداخلية على سؤال كتابي كانت توجهت به عضو مجلس نواب الشعب فاطمة المسدي، حول وضعية العناصر الإرهابية العائدة من بؤر التوتر وكيفية التعامل معها، أكّدت أنها اتخذت جملة من الإجراءات لضمان عدم تسلل العناصر الإرهابية أو إعادة إدخالهم إلى التراب الوطني عبر المنافذ الحدودية أو مسالك الهجرة غير الشرعية، وفق نصّ الإجابة. حيث أكدّت وزارة الداخلية على تعزيز منظومة حماية المنافذ الحدودية وتأمين المسالك الصحراوية بتسيير دوريات متنقلة ومشتركة بين وحدات الجيش والحرس الوطنيين بالإضافة إلى تعزيز الحدود بأجهزة الكترونية متطورة.
مقاربة وزارة الداخلية بشأن العائدين من بؤر التوتّر
وقالت وزارة الداخلية بأنها تعتمد مقاربة شاملة في التعامل مع العناصر الإرهابية العائدة من بؤر التوتر، وهي ترتكز على أربعة محاور رئيسية تتمثل في الإطار القانوني وإجراءات الاستلام والمسار القضائي والإجراءات السجنية والتأهيل، حيث تعتمد الوزارة في التعامل على إطار تشريعي يشمل الدستور والقانون الأساسي المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، والمجلة الجزائية، إلى جانب المعاهدات الدولية والإقليمية والثنائية المصادق عليها في مجال حقوق الإنسان وحماية اللاجئين والقانون الدولي الإنساني.
وبالنسبة لإجراءات الاستلام فإنها تتم من خلال تنسيق دبلوماسي وقضائي مسبق مع الدول المعنية بتسلم الملفات والأدلة، كإعداد قائمات اسمية مسبقة مرفقة بالبيانات البيومترية والتصنيف الأولى للمخاطر وتأمين عملية نقل عبر وحدات مختصة في مكافحة الإرهاب، و إعلام النيابة العمومية فور وصول العنصر العائد من بؤر التوتر وفتح بحث عدلي في شأنه.
وقد سبق للدولة من خلال وزارة الداخلية أن تسلّمت عناصر مصنّفة إرهابية من عدة دول وكانت مطلوبة للعدالة في تونس، منها عملية تسلم لإرهابيين من الخارج قامت بها السلطات التونسية بداية العام 2019 عندما استلمت أربعة عناصر إرهابية كانت تنشط في سوريا وصادرة بحقها بطاقات جلب من القضاء.
وبخصوص المسار القضائي،أكّدت وزارة الداخلية بأنه يتم فتح أبحاث تحقيقية وإحالة الملفات على الدوائر الجنائية بعد استكمال التحقيق استنادا إلى الأفعال المرتكبة على غرار جرائم «الانضمام إلى تنظيم إرهابي، وتلقي تدريبات، والمشاركة في أعمال قتالية..»، وتفعيل الإنابات القضائية الدولية لاستكمال الأدلة الرقمية والشهادات، إلى جانب إصدار بطاقات إيداع بالسجن عند توفر شبهة قوية في الإدانة أو اعتماد تدابير احترازية عند الاقتضاء على غرار المراقبة الإدارية.
وهذا المسار القضائي يحتاج إلى مجهودات كبيرة خاصة في توفير أدلة الإدانة خاصة وأن بعض العناصر غادرت تونس خلسة وعادت إليها خلسة دون أن تتوفّر قاعدة بيانات بشأن نشاطاتها الإرهابية في بؤر الصراع .
وبالنسبة للإجراءات السجنية والتأهيل، قالت الوزارة أنه يتم إيواء العناصر المصنفة عالية الخطورة في أجنحة مخصصة لتفادي الاستقطاب داخل الوحدات السجنية، فضلا عن إخضاعهم لتقييم دوري لمستوى الخطورة، ومراقبة الاتصالات والزيارات وفق ضوابط قانونية، وذلك من خلال التنسيق الدائم بين إدارة السجون والمصالح الأمنية المختصة، كما يتم إدراج المعنيين ضمن برامج تفكيك التطرف مع دعم نفسي واجتماعي للإحاطة ولمعالجة أثار النزاع المسلح مع إعداد خطة متابعة بعد الإفراج.
وهذه المرحلة الأخيرة تعد الأصعب لأنها تتطلّب الاشتغال على إعداد خطط للإدماج وإعادة التأهيل المجتمعي بعد انقضاء مدد العقوبات حيث أن مرحلة التحفيز على المراجعات من أصعب المراحل وقد حاولت دول كثيرة إعادة بناء مسارات العائدين من بؤر التوتر ومساعدتهم على الاندماج وترك الأفكار التكفيرية وخصصت لذلك اعتمادات ضخمة من خلال برامج موجهة ولكن تلك البرامج ما زالت نتائجها دون المأمول .
المخيمات السورية
في المخيمات السورية وأبرزها مخيّم الهول، المخيّم الغامض الذي يشبّهه البعض بالقنبلة الموقوتة التي يمكن أن تنفجر في وجوه دول كثيرة حول العالم، يوجد نساء وأطفال تونسيون وحتى مقاتلين تونسيون التحقوا في سنوات سابقة بالتنظيمات الإرهابية وقد أكّدت وجودهم بالمخيم اعترافات من قيادات بقوات سوريا الديمقراطية «قسد» كما أكدت وجودهم تقارير حقوقية موثوقة وتحقيقات صحفية أنجزها صحفيون استطاعوا الدخول إلى المخيّم ..
ولعلّ أكبر المآسي التي نبّهت إليها منظمة الأمم المتحدة في تقارير رسمية هو ترعرع جيل من الأطفال، بينهم تونسيون في ذلك المخيّم..، جيل كامل وُلد وتربى في بيئة غير صحية نفسيا وجسديا وفكريا واليوم لن يقبل النظام السوري لوحده تحمّل مسؤوليته خاصة وأن الموقف الأممي واضح في هذا الملف وتم التعبير عليه في تقارير رسمية حيث تدعو الدول الأم أن تستعيد هؤلاء وتتحمّل مسؤوليتها، وتونس من الدول المعنية بهذا الملف باعتبار أن هناك عشرات المقاتلين وعدد هام من النساء وحتى الأطفال التحقوا بالتنظيمات الإرهابية في سوريا وبعضهم اليوم إما في السجون أو في المخيمات، حيث أشارت تقارير أممية وحقوقية واشتغل خبراء أمميون في المخيم ليجدوا عشرات الأطفال والنساء من الجنسية التونسية، وهم في الغالب من أرامل وأطفال مقاتلي تنظيم ‹داعش›. كانوا في الرقة وبعد هزيمة التنظيم والقبض عليهم تم إيداعهم في مخيمات مثل مخيّم «الروج» و«عين عيسى» و«الهول».
وليست تونس وحدها معنية، بل دول كثيرة معنية بهذا الملف، وخاصة دول المنطقة المغاربية التي تحوّل بعضها بعد الثورات العربية إلى مصدّر لهذه العناصر المتطرّفة، والتي قد تستعيد حريتها اليوم بسبب إخلاء المخيمات وتعود خلسة. ولعلّ ذلك ما دعا وزارة الداخلية إلى التأكيد على أنها رفعت مستوى اليقظة على المعابر والمنافذ الحدودية لتصدّي العودة العكسية عبر الهجرة غير الشرعية.
.تونسيات وأطفال في مخيّم «الهول»
بعد أن سمحت القوات السورية بدخول الصحافيين والنشطاء إلى مخيّم الهول، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بمقاطع مصوّرة لمقابلات مع محتجزين هناك، قالوا إن قوات سوريا الديمقراطية احتجزتهم قسرًا لاستخدامهم كورقة ضغط وابتزاز للحصول على الدعم والمساعدات من المنظمات الدولية، وإجبار دولهم على التعاطي مع قوات الكيان الكردي في حال رغبتها في استعادة رعاياها، كما أظهرت تسجيلات أخرى بعض النساء وهن يبررن فكر تنظيم الدولة في «فيديوهات» بدت صادمة وأعادت إلى الأذهان الجرائم التي ارتكبها هذا التنظيم.
ويقع مخيم الهول قرب الحدود السورية العراقية، ويضم آلاف النازحين السوريين والعراقيين وآخرين من جنسيات مختلفة بعد أن تحوّل إلى ملجأ لعشرات الآلاف من عائلات مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية وكان المخيم تحت سيطرة ما يسمّى بقوات سوريا الديمقراطية بالتنسيق مع هيئات أممية ومنظمات إنسانية غير حكومية، قبل أن تنتقل السيطرة عليه مؤخرا إلى الحكومة السورية.
وفي وقت سابق، أعلنت وزيرة المرأة السابقة، آمال بالحاج موسى، عن عودة 51 طفلًا من مناطق النزاع، وقالت الوزيرة إنه تم إدماجهم في عائلاتهم الموسّعة بمقتضى تدابير صادرة عن قضاة الأسرة وبالتنسيق مع مندوبي حماية الطفولة، وأنها تعمل على تقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وتوفير الخدمات الصحية والنفسية اللازمة لهؤلاء الأطفال.
ورغم أن الوزارة لم توضّح الوجهات التي أتى منها هؤلاء الأطفال إلا أن بعض المصادر تشير إلى تسلّم بعضهم من المخيمات السورية، كما أكدت وزارة المرأة أن مصالحها سجلت مطالب عودة واردة بالأساس من الأجداد لأم أو أب الأطفال المقيمين بمختلف ولايات الجمهورية لقرابة 120 طفلا موجودين في بؤر التوتّر ومنهم المخيمات السورية.
ويعيش أطفال المخيمات السورية التي تضم عوائل تنظيم «داعش الإرهابي» من أطفال ونساء والذين تم القبض عليهم او فروّا من الرقة في ظروف غير إنسانية، بالإضافة إلى الوصم الذي يلاحقهم والأفكار المتطرفة التي ما زالت تسيطر على هذه المخيمات ويمكن أن تحولهم إلى متطرفين وتبرمجهم على أفكار دموية ويصعب إصلاح الأمر كلما تقدم بهم العمر..
وإذا كانت الدولة التونسية أكدت، في السابق، رفضها إعادة الأطفال العالقين في مخيمات شمال شرق سوريا، بأنها لا تتفاوض مع التنظيمات الانفصالية أو الميليشيات المسلحة، كقوات سوريا الديمقراطية التي تشرف على المخيمات، إلا أن الوضع اختلف اليوم بعد الاتفاق الذي حصل بين الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع وقائد الأكراد في الشمال السوري عبدي مظلوم بما يعني أن تلك المخيمات التي كانت تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية أصبحت اليوم من الملفات التي تتبع النظام السوري الجديد، خاصة وانه في السنوات الأخيرة تم تفعيل العلاقات الدبلوماسية بين تونس ودمشق .
ملف محرج
رغم ما تطرحه المخيمات السورية التي تستقبل نساء وأطفال تنظيم «داعش» من مخاطر وما يعيشه الأطفال هناك من فظاعات هم في الأصل غير مسؤولين عنها، إلا أنه والى اليوم لم يتوصل المجتمع الدولي إلى اتفاق واضح حول طريقة الإحاطة والتعامل مع متساكني هذه المخيمات من أطفال ونساء، خاصة في مخيمات سيئة السمعة والصيت مثل مخيم «الهول» التي قالت عنه منظمة(Save the Children)- أنقذوا الأطفال - أنه يقيم فيه الآن حوالي 7300 طفل في المخيم وبحسب المنظمة، فإن هؤلاء الأطفال لم يرتكبوا أي خطأ ويحتاجون إلى الحماية. وقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في وقت سابق كلّ الدول المعنية إلى استعادة رعاياها من مخيّم «الهول»..
وقد عملت الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية على إقناع الدول بالسماح بعودة مواطنيها من نساء وخاصة الأطفال وإنقاذهم من مخاطر شتى أولها الإرهاب والتطرف، ومع التسويات الجديدة في الملف على مستوى العملية السياسية الداخلية في سورية فانه من المتوقّع أن يطالب النظام السوري الدول التي ينتمي لها نساء وأطفال المخيّم إلى تحمّل مسؤوليتها .
وفي تصريح سابق لـ«الصباح» قال عضو لجنة الشؤون الخارجية بمجلس نواب الشعب عبد الرزاق عويدات إن الملف يحتاج إلى دراسة متأنية وحالة بحالة وأنه بالنسبة للأطفال يجب أن يتم التعامل معهم وفق برنامج للإصلاح وإعادة الإدماج، أما بالنسبة للتونسيين الذين التحقوا بالجماعات الإرهابية في سوريا كمقاتلين وتورطوا في جرائم بشعة ووحشية، فيجب معاملتهم وفق ما يضبطه القانون التونسي.