إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

معارض دولية ألغيت وأخرى تعثرت نتيجة التوترات في العالم .. معرض تونس الدولي للكتاب في موعده.. والدورة الأربعون في اختبار الواقع الدولي الجديد

 

  • خسائر تناهز 60 مليون دولار في قطاع النشر العربي نتيجة الاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط
  • ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب مسارات النقل البحري والجوي أديا إلى تضخم غير مسبوق في كلفة نقل الكتب

في واقع ثقافي مرتبك، لم تعد المعارض الدولية للكتاب مجرد مواعيد سنوية للاحتفاء بالنشر، بل تحولت إلى مرايا حساسة تعكس نبض العالم  والعالم يشهد هذه الأيام  اضطرابات شديدة في عدة بقاع خاصة في منطقة الشرق الأوسط، مما يؤثر بشكل مباشر على التظاهرات الثقافية وخاصة الدولية منها.  وقد بدأت ملامح الأزمة تتجلى منذ الإعلان عن إلغاء أو تأجيل عدد من أبرز التظاهرات، من بينها  معرض أربيل الدولي للكتاب الذي اضطر إلى تأجيل دورته رغم استقطابه في نسخ سابقة أكثر من 500 ناشر وقد تعثرت  مواعيد معارض كبرى للكتاب مثل معرض أبو ظبي الدولي للكتاب الذي يمثل منصة حيوية يتجاوز إشعاعها 1000 ناشر ومئات آلاف الزوار، وصولا إلى اضطرابات طالت أيضا مواعيد معرض مسقط الدولي للكتاب، في سياق إقليمي مضطرب فرضته الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، خاصة في مناطق مثل إيران ولبنان والخليج، وبعضها يعتبر قلب  صناعة النشر العربية.

ولم يكن هذا التراجع في روزنامة المعارض مجرد حدث ظرفي، بل كشف عن هشاشة بنيوية في منظومة تعتمد بشكل شبه كلي على الاستقرار الجيوسياسي، إذ أن إلغاء هذه المعارض لم يحرم الناشرين فقط من فضاءات العرض، بل قطع أيضا شرايين التوزيع والترويج التي تقوم عليها اقتصاديات الكتاب العربي، حيث تشير التقديرات المتداولة في تقارير إعلامية عربية إلى خسائر تناهز 60 مليون دولار في قطاع النشر العربي نتيجة هذه الاضطرابات. وهو رقم لا يعكس فقط خسائر مالية مباشرة بل أيضا تآكل شبكات العلاقات المهنية وفرص التوسع في الأسواق.

ولعل ما عمّق من هذه الأزمة هو التحول الموازي في كلفة الشحن والخدمات اللوجستية، إذ لم تعد الحرب مجرد خلفية سياسية بل أصبحت عاملا مباشرا في إعادة تشكيل اقتصاديات الكتاب، إذ أدى ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب مسارات النقل البحري والجوي إلى تضخم غير مسبوق في كلفة نقل الكتب، خاصة القادمة من دور النشر في بيروت أو طهران أو دول الخليج، وهي مراكز أساسية للإنتاج المعرفي، ومع تزايد المخاطر الأمنية ارتفعت أيضا كلفة التأمين على الشحنات، مما جعل مشاركة الناشرين في المعارض الدولية مغامرة مالية محفوفة بالمخاطر، وهو ما دفع العديد منهم إلى إعادة النظر في جدوى الحضور، أو تقليص حجم مشاركاتهم، في وقت تتآكل فيه أصلا القدرة الشرائية للجمهور بفعل التضخم، لتصبح الحلقة كاملة: ناشر متردد، كتاب مرتفع الثمن، وقارئ محدود الإمكانيات، وهي معادلة تهدد جوهر الفعل الثقافي نفسه.

في هذا السياق، تتجه الأنظار إلى معرض تونس الدولي للكتاب في دورته الأربعين، المقرر تنظيمها من 23 أفريل إلى 3 ماي 2026 بقصر المعارض بالكرم، حيث تتواصل التحضيرات لهذا الموعد الثقافي الذي يعد الأبرز على الساحة الوطنية، وقد تم الإعلان عن تمديد استثنائي في آجال تسجيل الناشرين والعارضين إلى غاية 17 جانفي 2026، في خطوة تعكس من جهة إصرار الجهة المنظمة على الحفاظ على نسق المشاركة، ومن جهة أخرى ما يطرحه السياق الإقليمي من صعوبات أمام دور النشر، كما يواصل المعرض تقاليده في تخصيص جوائز أدبية ومهنية من بينها جائزة عبد القادر بن الشيخ لأدب الأطفال واليافعين وجائزة نور الدين بن خذر لأفضل ناشر تونسي، على أن يتم الإعلان عن الفائزين يوم 30 أفريل 2026.

غير أن هذه المعطيات التنظيمية قد تتقاطع مع جملة من الإشكاليات التي يطرحها الوضع الراهن، خاصة في ما يتعلق بقدرة الناشرين العرب على تأمين حضورهم، في ظل ما يواجهه عدد منهم من صعوبات مالية ولوجستية، وما يطرحه أيضا تداخل المواعيد مع معارض أخرى من تحديات إضافية.

وتبرز في هذا الإطار مسألة سلاسل الإمداد باعتبارها أحد أبرز العوامل المؤثرة، حيث أدت الاضطرابات العسكرية إلى تعطيل مسارات الشحن، وهو ما قد ينعكس على وصول الإصدارات في الآجال المحددة، خاصة بالنسبة للناشرين القادمين من مناطق تشهد توترا، كما تطرح مسألة كلفة المشاركة نفسها بإلحاح، في ظل ارتفاع أسعار الشحن والتأمين، وما يمكن أن يترتب عن ذلك من انعكاسات على أسعار الكتب داخل المعرض، في وقت تشير فيه المعطيات إلى تراجع نسبي في القدرة الشرائية، وهي عناصر مجتمعة تجعل من الدورة الحالية رهينة توازنات دقيقة بين الرغبة في الحفاظ على الطابع الدولي للمعرض وبين الإكراهات المفروضة خارجيا. وقد حاولت جريدة “الصباح” في هذا السياق الاتصال برياض بن عبد الرزاق، رئيس اتحاد الناشرين، للوقوف على هذه النقاط، إلا أن هذه الاتصالات لم تلق أي رد، بما يترك المجال مفتوحا أمام القراءات والتقديرات.

ولا تقف تداعيات هذه الأزمة عند حدود الجوانب التنظيمية والاقتصادية، بل تمتد أيضا إلى طبيعة المضامين المعروضة، بتطور الاقبال والاهتمام بالعناوين المرتبطة بالقضايا السياسية والجيوسياسية، في انعكاس مباشر لحالة التوتر التي تعيشها المنطقة، وهو ما قد يعيد تشكيل خارطة العرض داخل المعرض، ويمنح حضورا أكبر لهذا النوع من الإصدارات إلى جانب مجالات وأنواع أخرى، في سياق يعكس تفاعل الفعل الثقافي مع محيطه العام.

وفي مستوى أوسع، تطرح هذه التطورات جملة من الفرضيات حول مستقبل المعارض الدولية للكتاب في المنطقة، إذ يبدو أن استمرار الأزمات الجيوسياسية قد يدفع نحو إعادة التفكير في نماذج التنظيم التقليدية، وربما نحو صيغ أكثر مرونة تجمع بين الحضور الفيزيائي والافتراضي، أو تعتمد على آليات بديلة في التوزيع والإنتاج، كما يطرح احتمال تنامي دور الطباعة المحلية أو الطباعة عند الطلب كخيار يفرض نفسه في ظل صعوبات الشحن، في مقابل إمكانية بروز مراكز نشر جديدة تعيد توزيع الثقل الثقافي داخل المنطقة، وهي كلها مسارات تبقى رهينة تطورات السياق الدولي، وبقدرة الفاعلين في قطاع النشر على التكيف مع واقع متغير.

وبين هذه المعطيات، يظل معرض تونس الدولي للكتاب لسنة 2026 موعدا ثقافيا قائما في ظرف استثنائي، تحيط به رهانات تتجاوز حدوده الجغرافية، حيث يبدو وكأنه يتحرك داخل هامش ضيق بين الحفاظ على استمرارية تقليد ثقافي راسخ وبين التفاعل مع تحولات عالمية متسارعة، في مشهد يعكس بدوره وضعا أوسع تعيشه صناعة الكتاب اليوم، بين ضغط الأزمات وإكراهات الواقع، وبين البحث عن صيغ جديدة تضمن البقاء.

إيمان عبد اللطيف

معارض دولية ألغيت وأخرى تعثرت نتيجة التوترات في العالم ..     معرض تونس الدولي للكتاب في موعده.. والدورة الأربعون في اختبار الواقع الدولي الجديد

 

  • خسائر تناهز 60 مليون دولار في قطاع النشر العربي نتيجة الاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط
  • ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب مسارات النقل البحري والجوي أديا إلى تضخم غير مسبوق في كلفة نقل الكتب

في واقع ثقافي مرتبك، لم تعد المعارض الدولية للكتاب مجرد مواعيد سنوية للاحتفاء بالنشر، بل تحولت إلى مرايا حساسة تعكس نبض العالم  والعالم يشهد هذه الأيام  اضطرابات شديدة في عدة بقاع خاصة في منطقة الشرق الأوسط، مما يؤثر بشكل مباشر على التظاهرات الثقافية وخاصة الدولية منها.  وقد بدأت ملامح الأزمة تتجلى منذ الإعلان عن إلغاء أو تأجيل عدد من أبرز التظاهرات، من بينها  معرض أربيل الدولي للكتاب الذي اضطر إلى تأجيل دورته رغم استقطابه في نسخ سابقة أكثر من 500 ناشر وقد تعثرت  مواعيد معارض كبرى للكتاب مثل معرض أبو ظبي الدولي للكتاب الذي يمثل منصة حيوية يتجاوز إشعاعها 1000 ناشر ومئات آلاف الزوار، وصولا إلى اضطرابات طالت أيضا مواعيد معرض مسقط الدولي للكتاب، في سياق إقليمي مضطرب فرضته الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، خاصة في مناطق مثل إيران ولبنان والخليج، وبعضها يعتبر قلب  صناعة النشر العربية.

ولم يكن هذا التراجع في روزنامة المعارض مجرد حدث ظرفي، بل كشف عن هشاشة بنيوية في منظومة تعتمد بشكل شبه كلي على الاستقرار الجيوسياسي، إذ أن إلغاء هذه المعارض لم يحرم الناشرين فقط من فضاءات العرض، بل قطع أيضا شرايين التوزيع والترويج التي تقوم عليها اقتصاديات الكتاب العربي، حيث تشير التقديرات المتداولة في تقارير إعلامية عربية إلى خسائر تناهز 60 مليون دولار في قطاع النشر العربي نتيجة هذه الاضطرابات. وهو رقم لا يعكس فقط خسائر مالية مباشرة بل أيضا تآكل شبكات العلاقات المهنية وفرص التوسع في الأسواق.

ولعل ما عمّق من هذه الأزمة هو التحول الموازي في كلفة الشحن والخدمات اللوجستية، إذ لم تعد الحرب مجرد خلفية سياسية بل أصبحت عاملا مباشرا في إعادة تشكيل اقتصاديات الكتاب، إذ أدى ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب مسارات النقل البحري والجوي إلى تضخم غير مسبوق في كلفة نقل الكتب، خاصة القادمة من دور النشر في بيروت أو طهران أو دول الخليج، وهي مراكز أساسية للإنتاج المعرفي، ومع تزايد المخاطر الأمنية ارتفعت أيضا كلفة التأمين على الشحنات، مما جعل مشاركة الناشرين في المعارض الدولية مغامرة مالية محفوفة بالمخاطر، وهو ما دفع العديد منهم إلى إعادة النظر في جدوى الحضور، أو تقليص حجم مشاركاتهم، في وقت تتآكل فيه أصلا القدرة الشرائية للجمهور بفعل التضخم، لتصبح الحلقة كاملة: ناشر متردد، كتاب مرتفع الثمن، وقارئ محدود الإمكانيات، وهي معادلة تهدد جوهر الفعل الثقافي نفسه.

في هذا السياق، تتجه الأنظار إلى معرض تونس الدولي للكتاب في دورته الأربعين، المقرر تنظيمها من 23 أفريل إلى 3 ماي 2026 بقصر المعارض بالكرم، حيث تتواصل التحضيرات لهذا الموعد الثقافي الذي يعد الأبرز على الساحة الوطنية، وقد تم الإعلان عن تمديد استثنائي في آجال تسجيل الناشرين والعارضين إلى غاية 17 جانفي 2026، في خطوة تعكس من جهة إصرار الجهة المنظمة على الحفاظ على نسق المشاركة، ومن جهة أخرى ما يطرحه السياق الإقليمي من صعوبات أمام دور النشر، كما يواصل المعرض تقاليده في تخصيص جوائز أدبية ومهنية من بينها جائزة عبد القادر بن الشيخ لأدب الأطفال واليافعين وجائزة نور الدين بن خذر لأفضل ناشر تونسي، على أن يتم الإعلان عن الفائزين يوم 30 أفريل 2026.

غير أن هذه المعطيات التنظيمية قد تتقاطع مع جملة من الإشكاليات التي يطرحها الوضع الراهن، خاصة في ما يتعلق بقدرة الناشرين العرب على تأمين حضورهم، في ظل ما يواجهه عدد منهم من صعوبات مالية ولوجستية، وما يطرحه أيضا تداخل المواعيد مع معارض أخرى من تحديات إضافية.

وتبرز في هذا الإطار مسألة سلاسل الإمداد باعتبارها أحد أبرز العوامل المؤثرة، حيث أدت الاضطرابات العسكرية إلى تعطيل مسارات الشحن، وهو ما قد ينعكس على وصول الإصدارات في الآجال المحددة، خاصة بالنسبة للناشرين القادمين من مناطق تشهد توترا، كما تطرح مسألة كلفة المشاركة نفسها بإلحاح، في ظل ارتفاع أسعار الشحن والتأمين، وما يمكن أن يترتب عن ذلك من انعكاسات على أسعار الكتب داخل المعرض، في وقت تشير فيه المعطيات إلى تراجع نسبي في القدرة الشرائية، وهي عناصر مجتمعة تجعل من الدورة الحالية رهينة توازنات دقيقة بين الرغبة في الحفاظ على الطابع الدولي للمعرض وبين الإكراهات المفروضة خارجيا. وقد حاولت جريدة “الصباح” في هذا السياق الاتصال برياض بن عبد الرزاق، رئيس اتحاد الناشرين، للوقوف على هذه النقاط، إلا أن هذه الاتصالات لم تلق أي رد، بما يترك المجال مفتوحا أمام القراءات والتقديرات.

ولا تقف تداعيات هذه الأزمة عند حدود الجوانب التنظيمية والاقتصادية، بل تمتد أيضا إلى طبيعة المضامين المعروضة، بتطور الاقبال والاهتمام بالعناوين المرتبطة بالقضايا السياسية والجيوسياسية، في انعكاس مباشر لحالة التوتر التي تعيشها المنطقة، وهو ما قد يعيد تشكيل خارطة العرض داخل المعرض، ويمنح حضورا أكبر لهذا النوع من الإصدارات إلى جانب مجالات وأنواع أخرى، في سياق يعكس تفاعل الفعل الثقافي مع محيطه العام.

وفي مستوى أوسع، تطرح هذه التطورات جملة من الفرضيات حول مستقبل المعارض الدولية للكتاب في المنطقة، إذ يبدو أن استمرار الأزمات الجيوسياسية قد يدفع نحو إعادة التفكير في نماذج التنظيم التقليدية، وربما نحو صيغ أكثر مرونة تجمع بين الحضور الفيزيائي والافتراضي، أو تعتمد على آليات بديلة في التوزيع والإنتاج، كما يطرح احتمال تنامي دور الطباعة المحلية أو الطباعة عند الطلب كخيار يفرض نفسه في ظل صعوبات الشحن، في مقابل إمكانية بروز مراكز نشر جديدة تعيد توزيع الثقل الثقافي داخل المنطقة، وهي كلها مسارات تبقى رهينة تطورات السياق الدولي، وبقدرة الفاعلين في قطاع النشر على التكيف مع واقع متغير.

وبين هذه المعطيات، يظل معرض تونس الدولي للكتاب لسنة 2026 موعدا ثقافيا قائما في ظرف استثنائي، تحيط به رهانات تتجاوز حدوده الجغرافية، حيث يبدو وكأنه يتحرك داخل هامش ضيق بين الحفاظ على استمرارية تقليد ثقافي راسخ وبين التفاعل مع تحولات عالمية متسارعة، في مشهد يعكس بدوره وضعا أوسع تعيشه صناعة الكتاب اليوم، بين ضغط الأزمات وإكراهات الواقع، وبين البحث عن صيغ جديدة تضمن البقاء.

إيمان عبد اللطيف