إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

نحو تكريس النجاعة والشفافية والتصرف في الموارد المائية.. وزارة الفلاحة تطلق منصّة للتصرف في الملك العمومي للمياه وتسريع إسناد رخص حفر الآبار

تعيش تونس منذ سنوات على وقع تحولات عميقة وتحديات متزايدة في مجال التصرف في الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها الموارد المائية التي أصبحت تمثل ركيزة أساسية لتحقيق التوازنات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وقد دخلت البلاد مرحلة الإجهاد المائي، حيث تراجع نصيب الفرد من المياه إلى مستويات دون المعدلات العالمية، في ظل تزايد الطلب على المياه، خاصة في القطاع الفلاحي الذي يُعد المستهلك الأول لها.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق هذه الأزمة بعد تواتر فترات الجفاف وعدم انتظام الأمطار خلال السنوات الماضية، مما زاد من الضغط على الموارد الجوفية باعتبارها البديل الأكثر اعتمادًا لتأمين الحاجيات المائية.

وفي هذا السياق، برزت إشكالية حفر الآبار، وخاصة الآبار العشوائية، كأحد أبرز مظاهر الخلل في منظومة التصرف في المياه. فقد شهدت تونس خلال العقود الأخيرة توسعًا ملحوظًا في عدد الآبار غير المرخصة، نتيجة تعقيد الإجراءات الإدارية، وطول مسار إسناد التراخيص، وغياب النجاعة في المتابعة والمراقبة.

وقد أدى ذلك إلى استنزاف مفرط للموائد المائية، وانخفاض مستويات المياه الجوفية، وتدهور نوعيتها في بعض المناطق، إضافة إلى بروز اختلالات على مستوى العدالة في توزيع هذه الموارد بين مختلف الفاعلين، وهو ما يهدد استدامتها ويقوّض أسس التنمية الفلاحية المستدامة.

وأمام هذه التحديات، أصبح من الضروري إرساء إصلاحات هيكلية عميقة في طريقة إدارة هذا القطاع، تعتمد على تبسيط الإجراءات، وتعزيز الشفافية، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة في تحسين جودة الخدمات الإدارية.

وفي هذا الإطار، تندرج مبادرة إطلاق منصة رقمية لإسناد رخص حفر الآبار كأحد الحلول المبتكرة التي تسعى من خلالها الدولة التونسية إلى تحديث الإدارة وتكريس مبادئ الحوكمة الرشيدة. إذ تمثل هذه المنصة نقلة نوعية من المنظومة الورقية التقليدية إلى منظومة رقمية متكاملة، تتيح لمختلف المتدخلين، من مواطنين وفلاحين ومستثمرين، تقديم مطالبهم ومتابعتها عن بعد، دون الحاجة إلى التنقل المتكرر أو التعامل المباشر مع الهياكل الإدارية.

وفي هذا السياق، أعلن وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عزّ الدين بن الشيخ عن إطلاق «منصة التصرّف في الملك العمومي للمياه وإسناد رخص حفر الآبار»، معتبرًا أنّ هذه المنصّة تعد خطوة نوعية في مسار تحديث الإدارة وتكريس النجاعة والشفافية والتصرف في الموارد المائية، والتي تهدف إلى تبسيط الإجراءات الإدارية المتعلقة بإسناد تراخيص البحث والتنقيب عن المياه الجوفية واستغلالها، وتسريع معالجة الملفات، وضمان المتابعة الإلكترونية لكافة مراحل الطلبات، بما يدعم ثقة المواطن ويكرّس مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص.

وتهدف هذه المنصة إلى إرساء مسار واضح وشفاف لإسناد الرخص، يقوم على معايير موضوعية ومحددة مسبقًا، مع تقليص الآجال الإدارية والحد من التعقيدات التي كانت تشكل عائقًا أمام طالبي الخدمة.

كما تساهم في تعزيز الثقة بين الإدارة والمواطن، من خلال تمكين هذا الأخير من النفاذ إلى المعلومة وتتبع مآل ملفه في مختلف مراحله.

ومن جهة أخرى، توفر المنصة للإدارة أدوات حديثة لمعالجة الملفات بكفاءة أعلى، من خلال الرقمنة، والتبادل الإلكتروني للمعطيات، والتنسيق بين مختلف الهياكل المتدخلة.

ولا تقتصر أهمية هذه المبادرة على الجانب الإداري، بل تمتد لتشمل أبعادًا استراتيجية تتعلق بحماية الموارد المائية وضمان استدامتها، إذ تُمكّن المنصة من إنشاء قاعدة بيانات وطنية دقيقة ومحيّنة حول الآبار المرخصة، تشمل مواقعها الجغرافية، وعمقها، وكميات المياه المستغلة، وهو ما يتيح للسلط المختصة مراقبة الاستغلال الفعلي للموارد المائية، واتخاذ قرارات مبنية على معطيات علمية دقيقة.

كما تساهم في تحديد المناطق التي تعاني من ضغط مائي، وتلك التي يمكن فيها الترخيص بحفر آبار جديدة، بما يضمن التوازن بين متطلبات التنمية والحفاظ على الموارد الطبيعية.

وفي سياق متصل، كانت مديرة مكتب التقييم والبحوث المائية بوزارة الفلاحة، نادية عجالة، قد أعلنت في تصريح إعلامي بأن المشروع يهم التنقيب عن المياه الجوفية، والأثر المتوقع يتمثل في ترشيد استهلاك الموارد الباطنية وتحقيق استدامتها للأجيال القادمة، موضحة بأن النواة الأولى لهذه المنظومة شملت 4 ولايات نموذجية في مرحلة أولى في إطار مشروع دعم الإصلاحات في قطاع المياه بتونس بالتعاون مع وكالة التعاون الألماني، على أن يتم تعميمها على بقية ولايات الجمهورية.

ومن هذا المنطلق، تمثل منصة إسناد رخص حفر الآبار نموذجًا عمليًا لتوظيف التكنولوجيا في خدمة التنمية المستدامة.

كما تكتسي هذه المنصة أهمية خاصة في معالجة وضعية الآبار العشوائية، التي تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الدولة في هذا المجال. إذ يُنتظر أن تساهم في إدماج هذه الآبار ضمن المنظومة القانونية، من خلال تمكين أصحابها من تقديم مطالب تسوية بطريقة مبسطة وشفافة، بما يضمن إخضاعها للمراقبة واحترامها للمعايير الفنية والبيئية، وهو ما من شأنه أن يحد من الاستغلال المفرط وغير المنظم للموارد المائية، ويعزز من قدرة الدولة على التحكم في هذا القطاع.

كما يعد إطلاق منصة رقمية لإسناد رخص حفر الآبار في تونس خطوة إصلاحية هامة تندرج ضمن رؤية شاملة لتحديث الإدارة وتحسين حوكمة الموارد المائية.

وتعكس هذه المبادرة وعيًا متزايدًا بأهمية التحول الرقمي كرافعة أساسية للإصلاح، وكوسيلة فعالة لمواجهة التحديات المعقدة التي تفرضها المرحلة الراهنة.

أميرة الدريدي

نحو تكريس النجاعة والشفافية والتصرف في الموارد المائية..   وزارة الفلاحة تطلق منصّة للتصرف في الملك العمومي للمياه وتسريع إسناد رخص حفر الآبار

تعيش تونس منذ سنوات على وقع تحولات عميقة وتحديات متزايدة في مجال التصرف في الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها الموارد المائية التي أصبحت تمثل ركيزة أساسية لتحقيق التوازنات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وقد دخلت البلاد مرحلة الإجهاد المائي، حيث تراجع نصيب الفرد من المياه إلى مستويات دون المعدلات العالمية، في ظل تزايد الطلب على المياه، خاصة في القطاع الفلاحي الذي يُعد المستهلك الأول لها.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق هذه الأزمة بعد تواتر فترات الجفاف وعدم انتظام الأمطار خلال السنوات الماضية، مما زاد من الضغط على الموارد الجوفية باعتبارها البديل الأكثر اعتمادًا لتأمين الحاجيات المائية.

وفي هذا السياق، برزت إشكالية حفر الآبار، وخاصة الآبار العشوائية، كأحد أبرز مظاهر الخلل في منظومة التصرف في المياه. فقد شهدت تونس خلال العقود الأخيرة توسعًا ملحوظًا في عدد الآبار غير المرخصة، نتيجة تعقيد الإجراءات الإدارية، وطول مسار إسناد التراخيص، وغياب النجاعة في المتابعة والمراقبة.

وقد أدى ذلك إلى استنزاف مفرط للموائد المائية، وانخفاض مستويات المياه الجوفية، وتدهور نوعيتها في بعض المناطق، إضافة إلى بروز اختلالات على مستوى العدالة في توزيع هذه الموارد بين مختلف الفاعلين، وهو ما يهدد استدامتها ويقوّض أسس التنمية الفلاحية المستدامة.

وأمام هذه التحديات، أصبح من الضروري إرساء إصلاحات هيكلية عميقة في طريقة إدارة هذا القطاع، تعتمد على تبسيط الإجراءات، وتعزيز الشفافية، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة في تحسين جودة الخدمات الإدارية.

وفي هذا الإطار، تندرج مبادرة إطلاق منصة رقمية لإسناد رخص حفر الآبار كأحد الحلول المبتكرة التي تسعى من خلالها الدولة التونسية إلى تحديث الإدارة وتكريس مبادئ الحوكمة الرشيدة. إذ تمثل هذه المنصة نقلة نوعية من المنظومة الورقية التقليدية إلى منظومة رقمية متكاملة، تتيح لمختلف المتدخلين، من مواطنين وفلاحين ومستثمرين، تقديم مطالبهم ومتابعتها عن بعد، دون الحاجة إلى التنقل المتكرر أو التعامل المباشر مع الهياكل الإدارية.

وفي هذا السياق، أعلن وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عزّ الدين بن الشيخ عن إطلاق «منصة التصرّف في الملك العمومي للمياه وإسناد رخص حفر الآبار»، معتبرًا أنّ هذه المنصّة تعد خطوة نوعية في مسار تحديث الإدارة وتكريس النجاعة والشفافية والتصرف في الموارد المائية، والتي تهدف إلى تبسيط الإجراءات الإدارية المتعلقة بإسناد تراخيص البحث والتنقيب عن المياه الجوفية واستغلالها، وتسريع معالجة الملفات، وضمان المتابعة الإلكترونية لكافة مراحل الطلبات، بما يدعم ثقة المواطن ويكرّس مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص.

وتهدف هذه المنصة إلى إرساء مسار واضح وشفاف لإسناد الرخص، يقوم على معايير موضوعية ومحددة مسبقًا، مع تقليص الآجال الإدارية والحد من التعقيدات التي كانت تشكل عائقًا أمام طالبي الخدمة.

كما تساهم في تعزيز الثقة بين الإدارة والمواطن، من خلال تمكين هذا الأخير من النفاذ إلى المعلومة وتتبع مآل ملفه في مختلف مراحله.

ومن جهة أخرى، توفر المنصة للإدارة أدوات حديثة لمعالجة الملفات بكفاءة أعلى، من خلال الرقمنة، والتبادل الإلكتروني للمعطيات، والتنسيق بين مختلف الهياكل المتدخلة.

ولا تقتصر أهمية هذه المبادرة على الجانب الإداري، بل تمتد لتشمل أبعادًا استراتيجية تتعلق بحماية الموارد المائية وضمان استدامتها، إذ تُمكّن المنصة من إنشاء قاعدة بيانات وطنية دقيقة ومحيّنة حول الآبار المرخصة، تشمل مواقعها الجغرافية، وعمقها، وكميات المياه المستغلة، وهو ما يتيح للسلط المختصة مراقبة الاستغلال الفعلي للموارد المائية، واتخاذ قرارات مبنية على معطيات علمية دقيقة.

كما تساهم في تحديد المناطق التي تعاني من ضغط مائي، وتلك التي يمكن فيها الترخيص بحفر آبار جديدة، بما يضمن التوازن بين متطلبات التنمية والحفاظ على الموارد الطبيعية.

وفي سياق متصل، كانت مديرة مكتب التقييم والبحوث المائية بوزارة الفلاحة، نادية عجالة، قد أعلنت في تصريح إعلامي بأن المشروع يهم التنقيب عن المياه الجوفية، والأثر المتوقع يتمثل في ترشيد استهلاك الموارد الباطنية وتحقيق استدامتها للأجيال القادمة، موضحة بأن النواة الأولى لهذه المنظومة شملت 4 ولايات نموذجية في مرحلة أولى في إطار مشروع دعم الإصلاحات في قطاع المياه بتونس بالتعاون مع وكالة التعاون الألماني، على أن يتم تعميمها على بقية ولايات الجمهورية.

ومن هذا المنطلق، تمثل منصة إسناد رخص حفر الآبار نموذجًا عمليًا لتوظيف التكنولوجيا في خدمة التنمية المستدامة.

كما تكتسي هذه المنصة أهمية خاصة في معالجة وضعية الآبار العشوائية، التي تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الدولة في هذا المجال. إذ يُنتظر أن تساهم في إدماج هذه الآبار ضمن المنظومة القانونية، من خلال تمكين أصحابها من تقديم مطالب تسوية بطريقة مبسطة وشفافة، بما يضمن إخضاعها للمراقبة واحترامها للمعايير الفنية والبيئية، وهو ما من شأنه أن يحد من الاستغلال المفرط وغير المنظم للموارد المائية، ويعزز من قدرة الدولة على التحكم في هذا القطاع.

كما يعد إطلاق منصة رقمية لإسناد رخص حفر الآبار في تونس خطوة إصلاحية هامة تندرج ضمن رؤية شاملة لتحديث الإدارة وتحسين حوكمة الموارد المائية.

وتعكس هذه المبادرة وعيًا متزايدًا بأهمية التحول الرقمي كرافعة أساسية للإصلاح، وكوسيلة فعالة لمواجهة التحديات المعقدة التي تفرضها المرحلة الراهنة.

أميرة الدريدي