إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

خمسون عاما على تصوير «حرب النجوم» بتونس.. استـــــعادة رمزيــــة للحـــــظة سيـــــنمائية متوهــــــجـــة.. لكن هل تم اقتناص الفرصة جيدا واستثمارها فعليا؟

خمسون سنة مرّت على عبور كاميرات فيلم حرب النجوم، Star Wars، لفضاءات الجنوب التونسي، واختارت الجهات التونسية أن تحتفي بهذا الحدث من خلال تنظيم معرض وثائقي انطلق الأحد 22 مارس الجاري، ويتواصل إلى غاية 4 أفريل القادم، يتضمن صورًا لكواليس تصوير الفيلم وبعض مشاهده، إلى جانب عدة أنشطة وفقرات، منها رحلات سياحية للمواقع التي تمّ التصوير فيها، بالإضافة إلى سهرة تنشيطية لمحبي الفيلم من تونس والخارج، وغيرها من الفعاليات.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد متعلقًا فقط بوهج تلك اللحظة السينمائية، وتعداد السنوات على مرور هذه الذكرى، وتنظيم معارض وثائقية وفعاليات تنشيطية، بل بما تبقى منها فعليًا في المكان والذاكرة، وما إذا كانت تونس قد نجحت في تحويل هذا الإرث إلى مورد اقتصادي وثقافي مستدام، أم أنها ما تزال أسيرة استعادة رمزية لحدث مضى دون استثمار حقيقي في الحدث، من أجل استقطاب مزيد من الأعمال العالمية للتصوير في تونس، وتطوير الإنتاج السينمائي عمومًا.

فبين زمن السبعينات، حيث كانت الصحراء التونسية مجرد فضاء خام تلتقطه عدسات السينما العالمية بحثًا عن عوالم بديلة، وزمن اليوم، حيث تحوّلت السينما إلى صناعة متكاملة تحكمها حسابات السوق والتنافس الدولي، تنكشف فجوة عميقة بين ما كان ممكنًا وما تحقق فعليًا.

في سبعينات القرن الماضي، حين اختار صناع Star Wars مناطق مثل نفطة ومطماطة وتطاوين وجربة، لم يكن ذلك نتيجة استراتيجية تونسية واعية بقدر ما كان استجابة لطلب سينمائي يبحث عن جغرافيا فريدة قادرة على تجسيد عوالم خيالية، وقد وفّرت الصحراء التونسية، بتضاريسها وفضاءاتها المفتوحة، مادة بصرية نادرة ساهمت في بناء واحدة من أشهر السرديات السينمائية في التاريخ.

في تلك الفترة، لم يكن السؤال مطروحًا حول العائد الاقتصادي أو السياحي، بل كان التركيز منصبًا على إنجاز العمل الفني، ومع ذلك، تركت تلك التجربة أثرًا عميقًا في المخيال العالمي، أين أصبحت بعض المواقع التونسية جزءًا من ذاكرة جماعية عابرة للحدود.

إلا أنه -وللأسف- ما بقي ماديًا من تلك التجربة يبدو اليوم محدودًا ومهددًا بالتآكل، فالكثير من الديكورات التي شُيّدت خصيصًا للتصوير لم تصمد أمام الزمن، وبعضها اندثر بالكامل، فيما بقيت مواقع أخرى في حالة متذبذبة بين الصيانة والإهمال، وهو ما يكشف غياب رؤية واضحة للحفاظ على هذا التراث السينمائي باعتباره جزءًا من الذاكرة الثقافية الوطنية. فالزائر الذي يتنقل اليوم بين هذه المواقع قد يلمس أثر الفيلم، لكنه لا يعيش تجربة متكاملة تعيد إحياء ذلك العالم السينمائي، وهنا تحديدًا تتجلى المفارقة بين قوة الذاكرة وضعف الاستثمار، إذ في الوقت الذي ما تزال فيه صور حرب النجوم حاضرة بقوة في أذهان الجمهور العالمي، يظل حضورها في الفضاء التونسي هشًا وغير مؤطر ومناسباتيًا.

هذا التباين بين الذاكرة الجماعية والاستثمار الفعلي يطرح سؤالًا أوسع يتعلق بمفهوم السياحة السينمائية، أو ما يُعرف بـ Film Tourism، وهو نمط من السياحة يقوم على زيارة مواقع تصوير الأفلام والمسلسلات، وقد أصبح في العقود الأخيرة أحد أهم روافد الاقتصاد الثقافي في عدد من الدول، حيث يتحول العمل الفني إلى أداة ترويجية طويلة المدى، تتجاوز زمن عرضه لتؤثر في اختيارات السفر لدى الجمهور. في هذا السياق، لم تعد المواقع مجرد فضاءات جغرافية، بل أصبحت “منتجات سردية” تُبنى حولها تجارب سياحية متكاملة.

عند النظر إلى تجارب دولية ناجحة، تتضح ملامح هذا التحول بشكل جلي، ففي نيوزلندا تم تحويل مواقع تصوير ثلاثية The Lord of the Rings إلى وجهات سياحية عالمية، حيث أُعيد بناء بعض الديكورات، وتم تطوير مسارات زيارة دقيقة، تقدم للزائر تجربة غامرة داخل العالم السينمائي، وقد ساهم ذلك في جذب مئات الآلاف من السياح سنويًا، وتحقيق عائدات اقتصادية ضخمة. كما نجحت المغرب في ترسيخ موقعها كوجهة تصوير دولية من خلال الاستثمار في استوديوهات ورزازات، وربطها بمنظومة سياحية تستفيد من حضور الأفلام العالمية التي صُوّرت هناك.

وفي ذات السياق، لا يمكن إغفال نموذج كوريا الجنوبية التي نجحت في تحويل السينما والدراما إلى قوة ناعمة عابرة للحدود ضمن ما يُعرف بموجة “الهاليو” أو الـ K-Cinema، إذ لم تعد الصورة مجرد وسيلة ترفيه، بل أداة لإعادة تشكيل الذوق والسلوك اليومي لدى فئات واسعة من الشباب حول العالم. فقد ساهمت أعمال مثل Squid Game وParasite في ترسيخ حضور الثقافة الكورية عالميًا، لكن تأثيرها تجاوز الشاشة ليطال أنماط العيش نفسها، إذ انتشرت تقليعات الأزياء المستوحاة من هذه الأعمال، وبرز إقبال متزايد على المطبخ الكوري من خلال أطباق مثل Kimchi وTteokbokki، كما شهدت منتجات التجميل الكورية رواجًا لافتًا ضمن ما يُعرف بـ K-beauty، وهو ما ساهم في توسع الأسواق العالمية لهذه المنتجات، وخلق طلب استهلاكي جديد مرتبط بصورة كوريا كما تُقدَّم في أعمالها البصرية، بما يؤكد أن الاستثمار في الدراما والسينما يمكن أن يتحول إلى رافعة اقتصادية حقيقية قادرة على تصدير أنماط حياة كاملة، لا مجرد أعمال فنية معزولة. بالمقارنة مع هذه النماذج، تبدو تونس وكأنها تمتلك المادة الخام دون أن تنجح في تحويلها إلى منتج متكامل، فمواقع Star Wars موجودة، والذاكرة العالمية حاضرة، لكن الحلقة المفقودة تكمن في غياب استراتيجية واضحة تجعل من السياحة السينمائية قطاعًا قائمًا بذاته، فالمبادرات الحالية، رغم أهميتها، تظل في كثير من الأحيان مرتبطة بالمناسبات، مثل الاحتفال بمرور خمسين عامًا على التصوير، دون أن تتحول إلى مشاريع مستدامة تمتد على مدار السنة.

إن تحويل السياحة السينمائية إلى قطاع استراتيجي يقتضي تجاوز هذا الطابع الظرفي، والعمل على بناء منظومة متكاملة تشمل إعادة تأهيل المواقع، وتوفير البنية التحتية اللازمة لاستقبال الزوار، وتطوير محتوى تفسيري يربط بين المكان والعمل السينمائي، إضافة إلى إدماج هذه المسارات ضمن العروض السياحية الرسمية. كما يتطلب الأمر أيضًا تنسيقًا بين مختلف الفاعلين، من وزارات السياحة والثقافة إلى القطاع الخاص والمجتمع المحلي، لضمان استدامة هذا التوجه.

في الآن ذاته، لا يمكن فصل هذا الرهان عن مسألة استقطاب إنتاجات جديدة، إذ إن نجاح السياحة السينمائية في أي بلد يرتبط بقدرته على تجديد حضوره في المشهد السينمائي العالمي، فالأعمال الجديدة تخلق فضاءات جديدة للزيارة، وتعيد تنشيط الاهتمام بالمواقع القديمة. وفي هذا الإطار، تبدو تونس مطالبة بتحسين مناخها الاستثماري في قطاع السينما، من خلال تقديم حوافز مالية، وتبسيط الإجراءات، وتطوير البنية التحتية التقنية، حتى تستعيد قدرتها على جذب الإنتاجات الكبرى.

في هذا الأفق، تبرز زاوية إضافية لا تقل أهمية، تتمثل في قدرة تونس على تحويل أعمالها الدرامية والسينمائية المحلية إلى أدوات ترميز ثقافي للمكان، بحيث لا تظل المواقع الطبيعية مجرد خلفيات تصوير، بل تتحول إلى عناصر سردية فاعلة تُبنى حولها هوية بصرية قابلة للتسويق السياحي. فكما نجحت تركيا في جعل مدنها وقصورها وفضاءاتها التاريخية جزءًا من ذاكرة المشاهد من خلال أعمال درامية وسينمائية انتشرت عالميًا، يمكن لتونس بدورها أن تراهن على إنتاج محتوى بصري يبرز تنوعها الجغرافي وجمالياتها الطبيعية، من الشمال إلى الجنوب، وأن تربط هذه الأعمال بمسارات سياحية واضحة تجعل من المتلقي راغبًا في زيارة تلك الأمكنة، لا بوصفها مواقع حقيقية فقط، بل كامتداد لعالم تخييلي عاشه عبر الشاشة، وهو ما يفتح المجال أمام بناء سياحة ثقافية قائمة على “قوة الصورة” التي تصنعها الإنتاجات المحلية، لا فقط على إرث الأعمال الأجنبية.

في الأثناء، تكشف الذكرى الخمسون لتصوير Star Wars في تونس عن مفارقة لافتة: إرث سينمائي عالمي يقابله استثمار محدود، وذاكرة حية تقابلها مواقع في حاجة إلى إعادة إحياء. وبين ما تبقى من الحلم السينمائي في الوجدان، وما تحقق منه على أرض الواقع، تتحدد ملامح التحدي الذي يواجه تونس اليوم، وهو الانتقال من مرحلة التذكر إلى مرحلة الفعل، ومن الاحتفاء بالماضي إلى بناء مستقبل يجعل من السينما رافعة حقيقية للتنمية، لا مجرد ذكرى جميلة تُستعاد كل سنة أو كل بضع سنوات.

إيمان عبد اللطيف

خمسون عاما على تصوير «حرب النجوم» بتونس..   استـــــعادة رمزيــــة للحـــــظة سيـــــنمائية متوهــــــجـــة..   لكن هل تم اقتناص الفرصة جيدا واستثمارها فعليا؟

خمسون سنة مرّت على عبور كاميرات فيلم حرب النجوم، Star Wars، لفضاءات الجنوب التونسي، واختارت الجهات التونسية أن تحتفي بهذا الحدث من خلال تنظيم معرض وثائقي انطلق الأحد 22 مارس الجاري، ويتواصل إلى غاية 4 أفريل القادم، يتضمن صورًا لكواليس تصوير الفيلم وبعض مشاهده، إلى جانب عدة أنشطة وفقرات، منها رحلات سياحية للمواقع التي تمّ التصوير فيها، بالإضافة إلى سهرة تنشيطية لمحبي الفيلم من تونس والخارج، وغيرها من الفعاليات.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد متعلقًا فقط بوهج تلك اللحظة السينمائية، وتعداد السنوات على مرور هذه الذكرى، وتنظيم معارض وثائقية وفعاليات تنشيطية، بل بما تبقى منها فعليًا في المكان والذاكرة، وما إذا كانت تونس قد نجحت في تحويل هذا الإرث إلى مورد اقتصادي وثقافي مستدام، أم أنها ما تزال أسيرة استعادة رمزية لحدث مضى دون استثمار حقيقي في الحدث، من أجل استقطاب مزيد من الأعمال العالمية للتصوير في تونس، وتطوير الإنتاج السينمائي عمومًا.

فبين زمن السبعينات، حيث كانت الصحراء التونسية مجرد فضاء خام تلتقطه عدسات السينما العالمية بحثًا عن عوالم بديلة، وزمن اليوم، حيث تحوّلت السينما إلى صناعة متكاملة تحكمها حسابات السوق والتنافس الدولي، تنكشف فجوة عميقة بين ما كان ممكنًا وما تحقق فعليًا.

في سبعينات القرن الماضي، حين اختار صناع Star Wars مناطق مثل نفطة ومطماطة وتطاوين وجربة، لم يكن ذلك نتيجة استراتيجية تونسية واعية بقدر ما كان استجابة لطلب سينمائي يبحث عن جغرافيا فريدة قادرة على تجسيد عوالم خيالية، وقد وفّرت الصحراء التونسية، بتضاريسها وفضاءاتها المفتوحة، مادة بصرية نادرة ساهمت في بناء واحدة من أشهر السرديات السينمائية في التاريخ.

في تلك الفترة، لم يكن السؤال مطروحًا حول العائد الاقتصادي أو السياحي، بل كان التركيز منصبًا على إنجاز العمل الفني، ومع ذلك، تركت تلك التجربة أثرًا عميقًا في المخيال العالمي، أين أصبحت بعض المواقع التونسية جزءًا من ذاكرة جماعية عابرة للحدود.

إلا أنه -وللأسف- ما بقي ماديًا من تلك التجربة يبدو اليوم محدودًا ومهددًا بالتآكل، فالكثير من الديكورات التي شُيّدت خصيصًا للتصوير لم تصمد أمام الزمن، وبعضها اندثر بالكامل، فيما بقيت مواقع أخرى في حالة متذبذبة بين الصيانة والإهمال، وهو ما يكشف غياب رؤية واضحة للحفاظ على هذا التراث السينمائي باعتباره جزءًا من الذاكرة الثقافية الوطنية. فالزائر الذي يتنقل اليوم بين هذه المواقع قد يلمس أثر الفيلم، لكنه لا يعيش تجربة متكاملة تعيد إحياء ذلك العالم السينمائي، وهنا تحديدًا تتجلى المفارقة بين قوة الذاكرة وضعف الاستثمار، إذ في الوقت الذي ما تزال فيه صور حرب النجوم حاضرة بقوة في أذهان الجمهور العالمي، يظل حضورها في الفضاء التونسي هشًا وغير مؤطر ومناسباتيًا.

هذا التباين بين الذاكرة الجماعية والاستثمار الفعلي يطرح سؤالًا أوسع يتعلق بمفهوم السياحة السينمائية، أو ما يُعرف بـ Film Tourism، وهو نمط من السياحة يقوم على زيارة مواقع تصوير الأفلام والمسلسلات، وقد أصبح في العقود الأخيرة أحد أهم روافد الاقتصاد الثقافي في عدد من الدول، حيث يتحول العمل الفني إلى أداة ترويجية طويلة المدى، تتجاوز زمن عرضه لتؤثر في اختيارات السفر لدى الجمهور. في هذا السياق، لم تعد المواقع مجرد فضاءات جغرافية، بل أصبحت “منتجات سردية” تُبنى حولها تجارب سياحية متكاملة.

عند النظر إلى تجارب دولية ناجحة، تتضح ملامح هذا التحول بشكل جلي، ففي نيوزلندا تم تحويل مواقع تصوير ثلاثية The Lord of the Rings إلى وجهات سياحية عالمية، حيث أُعيد بناء بعض الديكورات، وتم تطوير مسارات زيارة دقيقة، تقدم للزائر تجربة غامرة داخل العالم السينمائي، وقد ساهم ذلك في جذب مئات الآلاف من السياح سنويًا، وتحقيق عائدات اقتصادية ضخمة. كما نجحت المغرب في ترسيخ موقعها كوجهة تصوير دولية من خلال الاستثمار في استوديوهات ورزازات، وربطها بمنظومة سياحية تستفيد من حضور الأفلام العالمية التي صُوّرت هناك.

وفي ذات السياق، لا يمكن إغفال نموذج كوريا الجنوبية التي نجحت في تحويل السينما والدراما إلى قوة ناعمة عابرة للحدود ضمن ما يُعرف بموجة “الهاليو” أو الـ K-Cinema، إذ لم تعد الصورة مجرد وسيلة ترفيه، بل أداة لإعادة تشكيل الذوق والسلوك اليومي لدى فئات واسعة من الشباب حول العالم. فقد ساهمت أعمال مثل Squid Game وParasite في ترسيخ حضور الثقافة الكورية عالميًا، لكن تأثيرها تجاوز الشاشة ليطال أنماط العيش نفسها، إذ انتشرت تقليعات الأزياء المستوحاة من هذه الأعمال، وبرز إقبال متزايد على المطبخ الكوري من خلال أطباق مثل Kimchi وTteokbokki، كما شهدت منتجات التجميل الكورية رواجًا لافتًا ضمن ما يُعرف بـ K-beauty، وهو ما ساهم في توسع الأسواق العالمية لهذه المنتجات، وخلق طلب استهلاكي جديد مرتبط بصورة كوريا كما تُقدَّم في أعمالها البصرية، بما يؤكد أن الاستثمار في الدراما والسينما يمكن أن يتحول إلى رافعة اقتصادية حقيقية قادرة على تصدير أنماط حياة كاملة، لا مجرد أعمال فنية معزولة. بالمقارنة مع هذه النماذج، تبدو تونس وكأنها تمتلك المادة الخام دون أن تنجح في تحويلها إلى منتج متكامل، فمواقع Star Wars موجودة، والذاكرة العالمية حاضرة، لكن الحلقة المفقودة تكمن في غياب استراتيجية واضحة تجعل من السياحة السينمائية قطاعًا قائمًا بذاته، فالمبادرات الحالية، رغم أهميتها، تظل في كثير من الأحيان مرتبطة بالمناسبات، مثل الاحتفال بمرور خمسين عامًا على التصوير، دون أن تتحول إلى مشاريع مستدامة تمتد على مدار السنة.

إن تحويل السياحة السينمائية إلى قطاع استراتيجي يقتضي تجاوز هذا الطابع الظرفي، والعمل على بناء منظومة متكاملة تشمل إعادة تأهيل المواقع، وتوفير البنية التحتية اللازمة لاستقبال الزوار، وتطوير محتوى تفسيري يربط بين المكان والعمل السينمائي، إضافة إلى إدماج هذه المسارات ضمن العروض السياحية الرسمية. كما يتطلب الأمر أيضًا تنسيقًا بين مختلف الفاعلين، من وزارات السياحة والثقافة إلى القطاع الخاص والمجتمع المحلي، لضمان استدامة هذا التوجه.

في الآن ذاته، لا يمكن فصل هذا الرهان عن مسألة استقطاب إنتاجات جديدة، إذ إن نجاح السياحة السينمائية في أي بلد يرتبط بقدرته على تجديد حضوره في المشهد السينمائي العالمي، فالأعمال الجديدة تخلق فضاءات جديدة للزيارة، وتعيد تنشيط الاهتمام بالمواقع القديمة. وفي هذا الإطار، تبدو تونس مطالبة بتحسين مناخها الاستثماري في قطاع السينما، من خلال تقديم حوافز مالية، وتبسيط الإجراءات، وتطوير البنية التحتية التقنية، حتى تستعيد قدرتها على جذب الإنتاجات الكبرى.

في هذا الأفق، تبرز زاوية إضافية لا تقل أهمية، تتمثل في قدرة تونس على تحويل أعمالها الدرامية والسينمائية المحلية إلى أدوات ترميز ثقافي للمكان، بحيث لا تظل المواقع الطبيعية مجرد خلفيات تصوير، بل تتحول إلى عناصر سردية فاعلة تُبنى حولها هوية بصرية قابلة للتسويق السياحي. فكما نجحت تركيا في جعل مدنها وقصورها وفضاءاتها التاريخية جزءًا من ذاكرة المشاهد من خلال أعمال درامية وسينمائية انتشرت عالميًا، يمكن لتونس بدورها أن تراهن على إنتاج محتوى بصري يبرز تنوعها الجغرافي وجمالياتها الطبيعية، من الشمال إلى الجنوب، وأن تربط هذه الأعمال بمسارات سياحية واضحة تجعل من المتلقي راغبًا في زيارة تلك الأمكنة، لا بوصفها مواقع حقيقية فقط، بل كامتداد لعالم تخييلي عاشه عبر الشاشة، وهو ما يفتح المجال أمام بناء سياحة ثقافية قائمة على “قوة الصورة” التي تصنعها الإنتاجات المحلية، لا فقط على إرث الأعمال الأجنبية.

في الأثناء، تكشف الذكرى الخمسون لتصوير Star Wars في تونس عن مفارقة لافتة: إرث سينمائي عالمي يقابله استثمار محدود، وذاكرة حية تقابلها مواقع في حاجة إلى إعادة إحياء. وبين ما تبقى من الحلم السينمائي في الوجدان، وما تحقق منه على أرض الواقع، تتحدد ملامح التحدي الذي يواجه تونس اليوم، وهو الانتقال من مرحلة التذكر إلى مرحلة الفعل، ومن الاحتفاء بالماضي إلى بناء مستقبل يجعل من السينما رافعة حقيقية للتنمية، لا مجرد ذكرى جميلة تُستعاد كل سنة أو كل بضع سنوات.

إيمان عبد اللطيف