ضمن سياق تقييمي لمسار العلاقات التونسية الأوروبية، جاءت المكالمة التي جمعت مؤخرا وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، بالمفوضة الأوروبية من أجل المتوسط، دوبرافكا سويشا، لتعكس حركية متجددة في مسار هذه العلاقات. وتكتسي هذه المحادثة أهمية بالغة، إذ تتزامن مع جملة من التحديات المشتركة، لاسيما في مجالات الهجرة والأمن والتنمية.
ويأتي ذلك بالتوازي مع محطة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في مرور أكثر من ثلاثين سنة على إبرام اتفاقية الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي، وهو ما يطرح بإلحاح مسألة مراجعتها وتحيينها بما يستجيب لمقتضيات المرحلة الراهنة، ويؤشر لشراكة أكثر توازنا ونجاعة بين الجانبين.
سياق دولي يفرض المراجعة
في هذا الإطار، وبما أن الوضع الدولي الراهن يتسم بإعادة تشكّل موازين القوى، وتنامي التحديات العابرة للحدود، على غرار معضلة الهجرة غير النظامية، وحدة الأزمات الاقتصادية، والتحديات التي تفرضها التغيرات المناخية، فضلا عن التحولات التكنولوجية المتسارعة، فإن المسألة تستدعي إعادة تقييم الأطر التقليدية التي طبعت العلاقات التونسية الأوروبية منذ تسعينيات القرن الماضي، بما يضمن نجاعتها في المرحلة القادمة.
فالاتفاقيات التي صيغت في سياق العولمة لم تعد تستجيب بالكامل لأولويات المرحلة الراهنة، وهو ما يفسر تأكيد الدولة، في أعلى هرمها، على ضرورة مراجعة اتفاقية الشراكة، بما يجعلها أكثر توازنا وعدلا وإنصافا.
وفي هذا السياق، جدير بالذكر أن من بين أهم الرسائل السياسية التي حملتها المكالمة هو تأكيد تونس على مبدأ الندية في التعامل مع شركائها، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي. فهذا التوجه يعكس تحوّلًا في المقاربة الدبلوماسية التونسية نحو تعزيز السيادة الوطنية في صياغة الخيارات الاستراتيجية. فالحديث عن شراكة قائمة على «الاحترام المتبادل والتضامن والمسؤولية المشتركة» هو تعبير عن إرادة سياسية لإعادة التوازن إلى علاقة لطالما طغى عليها البعد غير المتكافئ، خاصة في المجالات التجارية والاقتصادية.
مراجعة اتفاقية الشراكة
وبعد أكثر من ثلاثين سنة على توقيع اتفاقية الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي، تبرز الحاجة اليوم إلى تقييم شامل لمخرجاتها، خاصة على مستوى الميزان التجاري، حيث تميل الكفة لفائدة الاتحاد الأوروبي. ومن الضروري التأكيد أن المراجعة المنشودة لا تعني مطلقًا القطيعة، وإنما إعادة صياغة بنود الاتفاق بما يضمن مصالح الطرفين بشكل أكثر إنصافا وعدلا وتوازنا.
وفي هذا السياق، يرى كثيرون أنه من الضروري أن تشمل المراجعة إدماج أبعاد جديدة في التعاون، على غرار نقل التكنولوجيا، ودعم الاقتصاد الأخضر، وتعزيز الاستثمارات ذات القيمة المضافة، فضلاً عن تمكين المؤسسات التونسية من النفاذ الأفضل إلى الأسواق الأوروبية.
ملف الهجرة
ومن بين الملفات الجوهرية التي تطرق إليها وزير الخارجية مع المفوضة الأوروبية من أجل المتوسط، ملف الهجرة، حيث جدّدت تونس تمسكها بمقاربة شاملة تقوم على معالجة الأسباب العميقة لهذه الظاهرة، دون الاقتصار على المعالجة الأمنية الضيقة. وفي هذا السياق، يكتسي تأكيد تونس على رفضها أن تكون بلد عبور أو توطين دلالة سياسية واضحة، تعكس حرصها على حماية سيادتها وتجنب تحمّل أعباء لا تتناسب مع حدود إمكانياتها. كما أن الدعوة إلى دعم برامج العودة الطوعية تندرج ضمن رؤية إنسانية تحترم كرامة المهاجرين وتبحث عن حلول مستدامة.
التنقل رافعة للتنمية
وفي سياق التعاطي الحازم مع ظاهرة الهجرة غير النظامية، تطرح تونس رؤية متوازنة تقوم على تعزيز تنقل الأشخاص بصفة منظمة، باعتباره رافعة للتنمية المشتركة. وهذا الطرح يعكس وعيا متزايدا بأهمية إرساء شراكة قائمة على تبادل المنافع، حيث لا تقتصر العلاقة على ضبط الحدود، بل تشمل أيضا فتح آفاق جديدة للتعاون في مجالات التعليم والتكوين والتشغيل.
ومن جهتها، أكدت المفوضة الأوروبية الأهمية التي يوليها الاتحاد الأوروبي لمجالات تعاونه مع تونس، بما يعكس إدراكا أوروبيا لمكانة تونس كشريك محوري في جنوب المتوسط. كما أن الإعداد لمجلس الشراكة المقبل ببروكسيل يمثل فرصة عملية لترجمة هذه الإرادة السياسية إلى خطوات ملموسة، خاصة فيما يتعلق بتحديث أطر التعاون وتحديد أولويات المرحلة القادمة.
تحديات وفرص
في هذا الخضم، يعتبر متابعون للشأن العام أن الوضع الراهن يتسم بتشابك التحديات والفرص على حد سواء. فبينما تفرض الأزمات الاقتصادية والضغوطات الاجتماعية واقعا معقدا مفعما بالتحديات، تمثل هذه المرحلة، في المقابل، محطة لإعادة صياغة الشراكات على أسس أكثر توازنا وفعالية. ومن هذا المنطلق، تبدو تونس مطالبة بالاستفادة الاستراتيجية من موقعها الجغرافي وعمقها الإقليمي لتعزيز قدرتها التفاوضية، في حين يبقى الاتحاد الأوروبي مدعوا إلى اعتماد مقاربة أكثر مرونة تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات شركائه وتطلعاتهم التنموية.
وبالعودة إلى المكالمة الهاتفية التي جمعت وزير الخارجية بالمفوضة الأوروبية من أجل المتوسط، فإنها تعكس، في جوهرها، توجها نحو إعادة تعريف الشراكة بما يستجيب لتحديات الحاضر ورهانات المستقبل. وبين منطق المصالح المتبادلة والندية في التعامل، تتشكل ملامح مرحلة جديدة من شأنها إعادة رسم طبيعة العلاقة بين تونس والاتحاد الأوروبي على أسس أكثر توازنا وعدلا وإنصافا.
منال الحرزي
ضمن سياق تقييمي لمسار العلاقات التونسية الأوروبية، جاءت المكالمة التي جمعت مؤخرا وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، بالمفوضة الأوروبية من أجل المتوسط، دوبرافكا سويشا، لتعكس حركية متجددة في مسار هذه العلاقات. وتكتسي هذه المحادثة أهمية بالغة، إذ تتزامن مع جملة من التحديات المشتركة، لاسيما في مجالات الهجرة والأمن والتنمية.
ويأتي ذلك بالتوازي مع محطة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في مرور أكثر من ثلاثين سنة على إبرام اتفاقية الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي، وهو ما يطرح بإلحاح مسألة مراجعتها وتحيينها بما يستجيب لمقتضيات المرحلة الراهنة، ويؤشر لشراكة أكثر توازنا ونجاعة بين الجانبين.
سياق دولي يفرض المراجعة
في هذا الإطار، وبما أن الوضع الدولي الراهن يتسم بإعادة تشكّل موازين القوى، وتنامي التحديات العابرة للحدود، على غرار معضلة الهجرة غير النظامية، وحدة الأزمات الاقتصادية، والتحديات التي تفرضها التغيرات المناخية، فضلا عن التحولات التكنولوجية المتسارعة، فإن المسألة تستدعي إعادة تقييم الأطر التقليدية التي طبعت العلاقات التونسية الأوروبية منذ تسعينيات القرن الماضي، بما يضمن نجاعتها في المرحلة القادمة.
فالاتفاقيات التي صيغت في سياق العولمة لم تعد تستجيب بالكامل لأولويات المرحلة الراهنة، وهو ما يفسر تأكيد الدولة، في أعلى هرمها، على ضرورة مراجعة اتفاقية الشراكة، بما يجعلها أكثر توازنا وعدلا وإنصافا.
وفي هذا السياق، جدير بالذكر أن من بين أهم الرسائل السياسية التي حملتها المكالمة هو تأكيد تونس على مبدأ الندية في التعامل مع شركائها، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي. فهذا التوجه يعكس تحوّلًا في المقاربة الدبلوماسية التونسية نحو تعزيز السيادة الوطنية في صياغة الخيارات الاستراتيجية. فالحديث عن شراكة قائمة على «الاحترام المتبادل والتضامن والمسؤولية المشتركة» هو تعبير عن إرادة سياسية لإعادة التوازن إلى علاقة لطالما طغى عليها البعد غير المتكافئ، خاصة في المجالات التجارية والاقتصادية.
مراجعة اتفاقية الشراكة
وبعد أكثر من ثلاثين سنة على توقيع اتفاقية الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي، تبرز الحاجة اليوم إلى تقييم شامل لمخرجاتها، خاصة على مستوى الميزان التجاري، حيث تميل الكفة لفائدة الاتحاد الأوروبي. ومن الضروري التأكيد أن المراجعة المنشودة لا تعني مطلقًا القطيعة، وإنما إعادة صياغة بنود الاتفاق بما يضمن مصالح الطرفين بشكل أكثر إنصافا وعدلا وتوازنا.
وفي هذا السياق، يرى كثيرون أنه من الضروري أن تشمل المراجعة إدماج أبعاد جديدة في التعاون، على غرار نقل التكنولوجيا، ودعم الاقتصاد الأخضر، وتعزيز الاستثمارات ذات القيمة المضافة، فضلاً عن تمكين المؤسسات التونسية من النفاذ الأفضل إلى الأسواق الأوروبية.
ملف الهجرة
ومن بين الملفات الجوهرية التي تطرق إليها وزير الخارجية مع المفوضة الأوروبية من أجل المتوسط، ملف الهجرة، حيث جدّدت تونس تمسكها بمقاربة شاملة تقوم على معالجة الأسباب العميقة لهذه الظاهرة، دون الاقتصار على المعالجة الأمنية الضيقة. وفي هذا السياق، يكتسي تأكيد تونس على رفضها أن تكون بلد عبور أو توطين دلالة سياسية واضحة، تعكس حرصها على حماية سيادتها وتجنب تحمّل أعباء لا تتناسب مع حدود إمكانياتها. كما أن الدعوة إلى دعم برامج العودة الطوعية تندرج ضمن رؤية إنسانية تحترم كرامة المهاجرين وتبحث عن حلول مستدامة.
التنقل رافعة للتنمية
وفي سياق التعاطي الحازم مع ظاهرة الهجرة غير النظامية، تطرح تونس رؤية متوازنة تقوم على تعزيز تنقل الأشخاص بصفة منظمة، باعتباره رافعة للتنمية المشتركة. وهذا الطرح يعكس وعيا متزايدا بأهمية إرساء شراكة قائمة على تبادل المنافع، حيث لا تقتصر العلاقة على ضبط الحدود، بل تشمل أيضا فتح آفاق جديدة للتعاون في مجالات التعليم والتكوين والتشغيل.
ومن جهتها، أكدت المفوضة الأوروبية الأهمية التي يوليها الاتحاد الأوروبي لمجالات تعاونه مع تونس، بما يعكس إدراكا أوروبيا لمكانة تونس كشريك محوري في جنوب المتوسط. كما أن الإعداد لمجلس الشراكة المقبل ببروكسيل يمثل فرصة عملية لترجمة هذه الإرادة السياسية إلى خطوات ملموسة، خاصة فيما يتعلق بتحديث أطر التعاون وتحديد أولويات المرحلة القادمة.
تحديات وفرص
في هذا الخضم، يعتبر متابعون للشأن العام أن الوضع الراهن يتسم بتشابك التحديات والفرص على حد سواء. فبينما تفرض الأزمات الاقتصادية والضغوطات الاجتماعية واقعا معقدا مفعما بالتحديات، تمثل هذه المرحلة، في المقابل، محطة لإعادة صياغة الشراكات على أسس أكثر توازنا وفعالية. ومن هذا المنطلق، تبدو تونس مطالبة بالاستفادة الاستراتيجية من موقعها الجغرافي وعمقها الإقليمي لتعزيز قدرتها التفاوضية، في حين يبقى الاتحاد الأوروبي مدعوا إلى اعتماد مقاربة أكثر مرونة تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات شركائه وتطلعاتهم التنموية.
وبالعودة إلى المكالمة الهاتفية التي جمعت وزير الخارجية بالمفوضة الأوروبية من أجل المتوسط، فإنها تعكس، في جوهرها، توجها نحو إعادة تعريف الشراكة بما يستجيب لتحديات الحاضر ورهانات المستقبل. وبين منطق المصالح المتبادلة والندية في التعامل، تتشكل ملامح مرحلة جديدة من شأنها إعادة رسم طبيعة العلاقة بين تونس والاتحاد الأوروبي على أسس أكثر توازنا وعدلا وإنصافا.