يحبس الجميع أنفاسه في انتظار ما ستؤول إليه الحرب على إيران، وبالأخص المفاوضات المتعلقة بمضيق هرمز، في ظل التداعيات الخطيرة على المنحى التصاعدي لأسعار الطاقة عالميًا، مع توقع الأسوأ إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سريع. ويتابع التونسيون تطورات الحرب على إيران وسط مخاوف وتساؤلات حول مدى تأثيرها على تونس، لا سيما على مستوى أسعار النفط، وما إذا كانت الدولة ستلجأ قريبًا إلى إقرار زيادة في أسعار المحروقات لمواجهة الضغوط على التوازنات العامة للميزانية، إلى جانب التساؤل عن إمكانية اعتماد سياسة تقشفية في الأيام القادمة على غرار ما فعلته عدة دول، مثل مصر.
مبدئيًا، وفيما يتعلق بالزيادة في أسعار المحروقات، قال أمس مقرر لجنة الصناعة والتجارة والثروات الطبيعية والطاقة والبيئة بمجلس نواب الشعب، محمد علي فنيرة، إن «الترفيع في أسعار المحروقات في تونس غير مطروح في الوقت الراهن، مع انتظار تطورات الوضع خلال الأيام المقبلة، خاصة بعد إعلان هدنة مؤقتة لمدة خمسة أيام».
وأضاف في تصريح إعلامي أن «ارتفاع أسعار الطاقة انعكس بشكل مباشر على كلفة الإنتاج وأسعار المواد في مختلف القطاعات، في ظل تداعيات الحرب الأمريكية على إيران. وقد برمجت اللجنة سلسلة من الاجتماعات المرتقبة مع وزير الصناعة والطاقة، إلى جانب مختلف الفاعلين الاقتصاديين، للنظر في التحديات التي يواجهها قطاع الطاقة في تونس».
كما أكد فنيرة أن «الارتفاع المتواصل في أسعار النفط عالميًا قد يدفع الدولة إلى إعداد قانون مالية تكميلي لمواكبة التداعيات المالية والاقتصادية لهذه التطورات».
ضغوط على الميزانية
من جهته، يؤكد الخبير في الاقتصاد والأسواق المالية، معز حديدان، أن «تواصل هذه التداعيات قد يجعل الدولة التونسية مجبرة على الترفيع في نفقات الدعم أو تعديل أسعار المحروقات على المدى القصير».
وأضاف في تصريح إعلامي أن «ميزانية الدولة بنيت على فرضية أن سعر برميل النفط سيكون في حدود 63 دولارًا، ولكن منذ بداية 2026 بلغ السعر 75 دولارًا، وهو ما أدى إلى خسارة بنحو 2 مليار دينار في ميزانية الدولة. والوضع العالمي قد يؤثر أيضًا وبصفة غير مباشرة على التضخم وأسعار بعض المواد الفلاحية والصناعية والغذائية».
وتشير التقديرات إلى أن كل ارتفاع بمقدار دولار واحد في أسعار النفط العالمية عن ما هو متوقع ضمن فرضيات قانون المالية في تونس يخلّف عجزًا بنحو 180 مليون دينار في الميزانية. كما أنّ تجاوز الأسعار عتبة 100 دولار للبرميل عالميًا يزيد من نسب التضخم المدفوع بالتكاليف، ويؤدي إلى تباطؤ في النمو، إلى جانب اتساع عجز الحساب الجاري، وارتفاع تكاليف الدعم الطاقي، وضغوط على العملات المحلية. ويؤكد المختصون أن تواصل تجاوز سعر برميل النفط عتبة 100 دولار سيفرض على تونس مواجهة زيادة في فاتورة الطاقة بما يقارب 4 مليارات دينار، مع ارتفاع التضخم بما يتراوح بين 0.75 و1 نقطة مئوية، فضلًا عن توسع عجز الميزان التجاري.
وتوقع الخبير ووزير التجارة الأسبق، محمد المسليني، أنه إذا لجأت تونس إلى الزيادة في أسعار المحروقات، فإن الزيادة المرتقبة قد تصل إلى 10% أو أكثر، مشيرًا إلى وجود آلية تقنية تعتمدها وزارة الطاقة تقضي بمراجعة الأسعار كل ثلاثة أشهر، حيث يتم رفع السعر أو خفضه بناءً على استقرار السوق العالمية خلال تلك الفترة.
وحذّر المسليني من أن «مخصصات ميزانية التنمية قد تذهب لتغطية العجز المالي الناتج عن غلاء فاتورة الطاقة، مما سينعكس سلبًا على قدرة الدولة في تأمين احتياجات السوق المحلية».
التقليص من استهلاك الطاقة
يذكر أن أزمة الحرب على إيران قد تعمّق مشكلة العجز الطاقي، الذي بلغ سنة 2025 حوالي 6.3 مليون طن مكافئ نفط، أي ما يمثل نحو 65 % من الحاجيات الوطنية.
وهذا ما دفع الدولة إلى إقرار جملة من الإجراءات لتعزيز السيادة الطاقية والتحكم في استهلاك الطاقة. وقد تدفع الحرب الراهنة تونس إلى إقرار المزيد من الإجراءات التقشفية مستقبلاً، إذا لم يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار أو تسوية تحافظ على استقرار أسعار النفط.
وتتمثل خطة الدولة المعلنة سابقًا في الاستثمار المكثف في الطاقات المتجددة. كما تسعى تونس، في مواجهة العجز الطاقي المقدر بنسبة 60 %، إلى استعادة السيطرة على مستقبلها الطاقي من خلال رسم خارطة طريق طموحة ترتكز على تقليص استهلاك الطاقة بنسبة 30 % بحلول 2030، ورفع نسبة الطاقات المتجددة إلى 35 % في المزيج الكهربائي.
وكانت اللجنة العليا للإنتاج الخاص للكهرباء قد أقرت مؤخرًا، خلال اجتماع بإشراف رئيسة الحكومة، سارة الزعفراني الزنزري، جملة من المشاريع لإنتاج الكهرباء من طاقة الرياح والغاز الطبيعي والطاقة الشمسية.
وأكدت رئيسة الحكومة بالمناسبة أن تونس «اختارت فتح المجال أمام مختلف الآليات التي يضمنها التشريع الوطني، ومن بينها نظام اللزمات، لبلوغ أهدافها الاستراتيجية في مجال الطاقات المتجددة وتحقيق سيادتها الطاقية. كما ستواصل الدولة العمل على تنفيذ خارطة الطريق للاستراتيجية الوطنية للطاقة، حيث تم إطلاق عدد من المشاريع، من أبرزها مشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا، الذي سيجعل من تونس مركزًا إقليميًا للطاقة النظيفة».
◗ م.ي
يحبس الجميع أنفاسه في انتظار ما ستؤول إليه الحرب على إيران، وبالأخص المفاوضات المتعلقة بمضيق هرمز، في ظل التداعيات الخطيرة على المنحى التصاعدي لأسعار الطاقة عالميًا، مع توقع الأسوأ إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سريع. ويتابع التونسيون تطورات الحرب على إيران وسط مخاوف وتساؤلات حول مدى تأثيرها على تونس، لا سيما على مستوى أسعار النفط، وما إذا كانت الدولة ستلجأ قريبًا إلى إقرار زيادة في أسعار المحروقات لمواجهة الضغوط على التوازنات العامة للميزانية، إلى جانب التساؤل عن إمكانية اعتماد سياسة تقشفية في الأيام القادمة على غرار ما فعلته عدة دول، مثل مصر.
مبدئيًا، وفيما يتعلق بالزيادة في أسعار المحروقات، قال أمس مقرر لجنة الصناعة والتجارة والثروات الطبيعية والطاقة والبيئة بمجلس نواب الشعب، محمد علي فنيرة، إن «الترفيع في أسعار المحروقات في تونس غير مطروح في الوقت الراهن، مع انتظار تطورات الوضع خلال الأيام المقبلة، خاصة بعد إعلان هدنة مؤقتة لمدة خمسة أيام».
وأضاف في تصريح إعلامي أن «ارتفاع أسعار الطاقة انعكس بشكل مباشر على كلفة الإنتاج وأسعار المواد في مختلف القطاعات، في ظل تداعيات الحرب الأمريكية على إيران. وقد برمجت اللجنة سلسلة من الاجتماعات المرتقبة مع وزير الصناعة والطاقة، إلى جانب مختلف الفاعلين الاقتصاديين، للنظر في التحديات التي يواجهها قطاع الطاقة في تونس».
كما أكد فنيرة أن «الارتفاع المتواصل في أسعار النفط عالميًا قد يدفع الدولة إلى إعداد قانون مالية تكميلي لمواكبة التداعيات المالية والاقتصادية لهذه التطورات».
ضغوط على الميزانية
من جهته، يؤكد الخبير في الاقتصاد والأسواق المالية، معز حديدان، أن «تواصل هذه التداعيات قد يجعل الدولة التونسية مجبرة على الترفيع في نفقات الدعم أو تعديل أسعار المحروقات على المدى القصير».
وأضاف في تصريح إعلامي أن «ميزانية الدولة بنيت على فرضية أن سعر برميل النفط سيكون في حدود 63 دولارًا، ولكن منذ بداية 2026 بلغ السعر 75 دولارًا، وهو ما أدى إلى خسارة بنحو 2 مليار دينار في ميزانية الدولة. والوضع العالمي قد يؤثر أيضًا وبصفة غير مباشرة على التضخم وأسعار بعض المواد الفلاحية والصناعية والغذائية».
وتشير التقديرات إلى أن كل ارتفاع بمقدار دولار واحد في أسعار النفط العالمية عن ما هو متوقع ضمن فرضيات قانون المالية في تونس يخلّف عجزًا بنحو 180 مليون دينار في الميزانية. كما أنّ تجاوز الأسعار عتبة 100 دولار للبرميل عالميًا يزيد من نسب التضخم المدفوع بالتكاليف، ويؤدي إلى تباطؤ في النمو، إلى جانب اتساع عجز الحساب الجاري، وارتفاع تكاليف الدعم الطاقي، وضغوط على العملات المحلية. ويؤكد المختصون أن تواصل تجاوز سعر برميل النفط عتبة 100 دولار سيفرض على تونس مواجهة زيادة في فاتورة الطاقة بما يقارب 4 مليارات دينار، مع ارتفاع التضخم بما يتراوح بين 0.75 و1 نقطة مئوية، فضلًا عن توسع عجز الميزان التجاري.
وتوقع الخبير ووزير التجارة الأسبق، محمد المسليني، أنه إذا لجأت تونس إلى الزيادة في أسعار المحروقات، فإن الزيادة المرتقبة قد تصل إلى 10% أو أكثر، مشيرًا إلى وجود آلية تقنية تعتمدها وزارة الطاقة تقضي بمراجعة الأسعار كل ثلاثة أشهر، حيث يتم رفع السعر أو خفضه بناءً على استقرار السوق العالمية خلال تلك الفترة.
وحذّر المسليني من أن «مخصصات ميزانية التنمية قد تذهب لتغطية العجز المالي الناتج عن غلاء فاتورة الطاقة، مما سينعكس سلبًا على قدرة الدولة في تأمين احتياجات السوق المحلية».
التقليص من استهلاك الطاقة
يذكر أن أزمة الحرب على إيران قد تعمّق مشكلة العجز الطاقي، الذي بلغ سنة 2025 حوالي 6.3 مليون طن مكافئ نفط، أي ما يمثل نحو 65 % من الحاجيات الوطنية.
وهذا ما دفع الدولة إلى إقرار جملة من الإجراءات لتعزيز السيادة الطاقية والتحكم في استهلاك الطاقة. وقد تدفع الحرب الراهنة تونس إلى إقرار المزيد من الإجراءات التقشفية مستقبلاً، إذا لم يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار أو تسوية تحافظ على استقرار أسعار النفط.
وتتمثل خطة الدولة المعلنة سابقًا في الاستثمار المكثف في الطاقات المتجددة. كما تسعى تونس، في مواجهة العجز الطاقي المقدر بنسبة 60 %، إلى استعادة السيطرة على مستقبلها الطاقي من خلال رسم خارطة طريق طموحة ترتكز على تقليص استهلاك الطاقة بنسبة 30 % بحلول 2030، ورفع نسبة الطاقات المتجددة إلى 35 % في المزيج الكهربائي.
وكانت اللجنة العليا للإنتاج الخاص للكهرباء قد أقرت مؤخرًا، خلال اجتماع بإشراف رئيسة الحكومة، سارة الزعفراني الزنزري، جملة من المشاريع لإنتاج الكهرباء من طاقة الرياح والغاز الطبيعي والطاقة الشمسية.
وأكدت رئيسة الحكومة بالمناسبة أن تونس «اختارت فتح المجال أمام مختلف الآليات التي يضمنها التشريع الوطني، ومن بينها نظام اللزمات، لبلوغ أهدافها الاستراتيجية في مجال الطاقات المتجددة وتحقيق سيادتها الطاقية. كما ستواصل الدولة العمل على تنفيذ خارطة الطريق للاستراتيجية الوطنية للطاقة، حيث تم إطلاق عدد من المشاريع، من أبرزها مشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا، الذي سيجعل من تونس مركزًا إقليميًا للطاقة النظيفة».