«الحفاظ على الاستقلال لا يقل أهمية عن الحصول عليه، كما أن التحرير ليس التحرر من الهيمنة الخارجية فحسب، بل هو عمل متواصل لا يجوز أن يتوقف أو يتعثر أو ينقطع»..
من هذا المنطلق، جدّد رئيس الدولة قيس سعيّد في خطابه بمناسبة عيدي الفطر والاستقلال التأكيد على أن معركة الاستقلال ما تزال مفتوحة إزاء رهانات وتحديات جديدة تفرضها طبيعة المتغيرات الدولية المتسارعة، على اعتبار أن هذه المحطة النضالية الهامة في تاريخ البلاد هي بمثابة معركة مستمرة تتطلب وعيًا دائمًا بطبيعة التحديات التي قد تنال من جوهره.
فالمسألة، وكما أشار إليها رئيس الدولة قيس سعيّد، لا تتعلق فقط باستحضار ذكرى مجيدة، وإنما بمدى القدرة على المحافظة على هذا المكسب الوطني وتحصينه من كل أشكال التبعية والاختراق، في ظل تحولات وتغيرات لافتة، على اعتبار أنه يمثل مسارًا ديناميكيًا متواصلاً يتطلب يقظة دائمة وإرادة وطنية صلبة.
معركة التحرر وأبعادها المتعددة
وفي هذا السياق، يندرج خطاب رئيس الدولة قيس سعيّد ضمن رؤية أشمل تجعل من السيادة مفهومًا متعدد الأبعاد لا يقتصر على البعد الخارجي فحسب، بل يمتدّ ليشمل مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهو ما يعكس إدراكًا بأن معركة التحرر، في تجلياتها وتمظهراتها الجديدة، لم تنتهِ، وإنما أعادت تشكيل نفسها في رهانات وتحديات جديدة تفرض على الدولة يقظة دائمة وإرادة صلبة ومتواصلة للحفاظ على استقلالية قرارها الوطني وتعزيز مناعته أمام مختلف التحولات الجيوسياسية.
وفي هذا الاتجاه، شدد رئيس الدولة قيس سعيّد على استمرارية معركة الاستقلال ضمن رؤية أشمل تقوم على الربط بين السيادة الداخلية والخارجية، وتفرض بإلحاح مسألة بناء دولة قوية من الداخل، قادرة على ترجمة إرادة شعبها الحرة إلى خيارات مستقلة، بما يضمن لتونس موقعًا فاعلًا ومتوازنًا في محيطها الإقليمي والدولي.
نجاعة القرار الوطني الحر
من جانب آخر، جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيّد، وعلى هامش خطابه، قد انتقل بمفهوم الاستقلال من مفهومه الكلاسيكي المرتبط بمقاومة الاستعمار إلى دلالة أكثر عمقًا تتعلق بالقدرة على اتخاذ القرار الوطني الحر. فحين يشدد على أن «الحفاظ على الاستقلال لا يقل أهمية عن تحقيقه»، فإنه يفتح الباب أمام طرح جديد يعتبر أن الاستقلال ليس مجرد محطة تاريخية خالدة، وإنما هو مسار متواصل يتطلب يقظة دائمة وإرادة سياسية متجددة. وهنا، يتجاوز الاستقلال كونه مجرد ذكرى سنوية يُحتفى بها ليصبح مسؤولية يومية.
ومن هذا المنطلق، يتعزز الطرح بأن معركة التحرير لم تنتهِ، بل تغيّرت أدواتها وسياقاتها. فالتحرر اليوم لم يعد من الهيمنة العسكرية أو السياسية المباشرة، بل من أشكال أكثر تعقيدًا على غرار التبعية الاقتصادية، والضغوط المالية، والتأثيرات غير المباشرة على سيادة واستقلالية القرار الوطني. لذلك، فإن تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيّد بأن «التحرير مسار متواصل لا يجوز أن يتعثر أو ينقطع»، تعكس إدراكًا بأن التحديات الراهنة تفرض إعادة تعريف أدوات الدفاع عن السيادة.
وفي نفس الإطار، يعكس خطاب رئيس الدولة قيس سعيّد ارتباطًا وثيقًا بين السيادة الخارجية والسيادة الداخلية، حيث اعتبر في معرض تصريحاته أن «سيادة الدولة في الخارج تظل رهينة سيادة الشعب في الداخل». وهذه العبارة تختزل تصورًا سياسيًا متكاملًا يقوم على أن قوة الدولة ونجاعتها في محيطها الدولي والإقليمي لا تنفصل عن مدى تماسك جبهتها الداخلية.
وضمن هذه المقاربة، تتخذ السيادة أبعادًا مختلفة لتكون اجتماعية واقتصادية وسياسية. فمفهوم السيادة الفعلي، كما يشير إليه خطاب رئيس الدولة قيس سعيّد، يتجسد أيضًا في قدرة الدولة على ضمان العدالة الاجتماعية وتحقيق التنمية وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسساته. ومن هنا، فإن التطرق إلى إرادة شعبية «لا يشوبها نقص أو خلل» يفتح النقاش حول ضرورة إصلاح المنظومة الداخلية بما يضمن ترجمة السياسات العمومية على أرض الواقع.
فتعزيز السيادة في بعدها الداخلي يمرّ حتمًا عبر بناء مؤسسات ناجعة وشفافة قادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين ولتحديات المرحلة، وقادرة أيضًا على تعزيز الثقة بينها وبين المجتمع. كما يقتضي ذلك تطوير آليات الحوكمة وتكريس مبادئ المساءلة بما يجعل من الإرادة الشعبية قوة فاعلة ومؤثرة.
من جانب آخر، يستحضر خطاب رئيس الدولة قيس سعيّد رمزية «طريق الفداء» التي سلكها الشعب التونسي لتحقيق استقلاله، في محاولة لإعادة ربط الحاضر بالأمجاد النضالية. وهو استحضار يتخذ بعدًا رمزيًا كونه يدعو إلى استلهام تلك الروح لمواجهة تحديات المرحلة الراهنة. فالتضحيات التي قُدمت من أجل التحرر من براثن الاستعمار، يُراد لها اليوم أن تتحول إلى دافع حقيقي لبناء استقلال فعلي في مختلف المجالات، بما يفضي إلى تجسيم مبدأ العدالة الاجتماعية على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، فإن تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على ضرورة أن «تظل تونس حرة مستقلة يسود فيها العدل وتزدهر فيها الحرية» يُعدّ إشارة إلى أن الاستقلال لا يكتمل دون تحقيق منظومة قيمية متكاملة. فالحرية والعدل ليسا مجرد شعارات مرافقة للاستقلال، وإنما هما من الشروط الجوهرية لاستمراره. وبالتالي، فإن أي إخلال بهذين البعدين قد يفرغ الاستقلال من محتواه ومعناه الحقيقي.
وفي المقابل، فإنه لا يمكن قراءة مضامين الخطاب بمعزل عن السياق الدولي الراهن، حيث تتصاعد التوترات وتزداد التحديات المرتبطة بالسيادة الوطنية في ظل العولمة وتعدد مراكز النفوذ. ففي عالم يحتكم إلى المصالح الضيقة، تصبح قدرة الدول على الحفاظ على استقلالية قرارها الذاتي رهينة مدى قدرتها على بناء تحالفات متوازنة دون الوقوع في منطق التبعية.
وضمن هذا التمشي، يكرّس خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيّد تموقعًا مستقلاً لتونس في علاقاتها الخارجية يقوم على تنويع الشراكات والتوازن في الخيارات، بما يخدم المصالح الوطنية دون ارتهان أو انخراط في سياسة المحاور، وهو توجه يعكس إرادة لترسيخ دبلوماسية سيادية قادرة على التفاعل الإيجابي مع مختلف الفاعلين الدوليين، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني. كما يستند هذا التموقع إلى ثوابت تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، مقابل التمسك بحق تونس في الدفاع عن خياراتها بكل حرية، بما يعزز حضورها كطرف فاعل ومتوازن في محيطها الإقليمي والدولي.
القضية الفلسطينية.. مسار ثابت
وفي امتداد لهذا التموقع، يأتي التطرق إلى القضية الفلسطينية كجزء من ثوابت السياسة الخارجية التونسية، وكترجمة لمفهوم السيادة في بعدها القيمي والإنساني، فالدعاء لنصرة الشعب الفلسطيني والتأكيد على حقه في إقامة دولته المستقلة لا يندرج فقط ضمن التضامن التقليدي المتعارف عليه، بل يعكس في جوهره تمسكًا متجددًا بمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها. وهو ما ينسجم مع الرؤية التي تربط بين السيادة الوطنية والدفاع عن القضايا العادلة على المستوى الدولي.
وعلى هذا الأساس، يكشف خطاب رئيس الدولة قيس سعيّد عن مقاربة شاملة للسيادة تتداخل فيها الأبعاد الداخلية والخارجية مع الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فالدفاع عن السيادة تجاوز حماية الحدود وتحصينها ليطال حماية القرار الوطني من كل أشكال التبعية وضمان استقلالية الخيارات التنموية.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الوعي الجماعي كعنصر حاسم في صيانة الاستقلال والمحافظة عليه. فالدولة، مهما بلغت درجة قوة وفاعلية مؤسساتها، تبقى في حاجة إلى مواطن واعٍ بدوره، يعرف حدود حقوقه وواجباته، ويعي أن حماية السيادة لا تقتصر على مؤسسات الدولة فحسب، وإنما هي مسؤولية مشتركة تتقاسمها مختلف مكونات المجتمع، بما من شأنه أن يعزز مناعة الدولة في مواجهة مختلف التحديات الداخلية والخارجية.
وبالتالي، كشف خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيّد بمناسبة عيدي الفطر والاستقلال عن رؤية وتوجه سياسي يعتبر أن الاستقلال محطة مستمرة، وأن السيادة مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جميع الجهود على مختلف المستويات.
وبذلك، يتحول الاحتفاء بعيد الاستقلال من مجرد مناسبة رمزية نستحضر من خلالها الماضي التليد إلى لحظة تأمل في واقع الدولة واستشراف لمستقبلها، ليظل الرهان الأساسي في مدى القدرة على ترجمة هذه الرؤية إلى سياسات عملية تعزز استقلال القرار الوطني وتكرّس سيادة الشعب في الداخل والخارج على حد سواء.
منال حرزي
«الحفاظ على الاستقلال لا يقل أهمية عن الحصول عليه، كما أن التحرير ليس التحرر من الهيمنة الخارجية فحسب، بل هو عمل متواصل لا يجوز أن يتوقف أو يتعثر أو ينقطع»..
من هذا المنطلق، جدّد رئيس الدولة قيس سعيّد في خطابه بمناسبة عيدي الفطر والاستقلال التأكيد على أن معركة الاستقلال ما تزال مفتوحة إزاء رهانات وتحديات جديدة تفرضها طبيعة المتغيرات الدولية المتسارعة، على اعتبار أن هذه المحطة النضالية الهامة في تاريخ البلاد هي بمثابة معركة مستمرة تتطلب وعيًا دائمًا بطبيعة التحديات التي قد تنال من جوهره.
فالمسألة، وكما أشار إليها رئيس الدولة قيس سعيّد، لا تتعلق فقط باستحضار ذكرى مجيدة، وإنما بمدى القدرة على المحافظة على هذا المكسب الوطني وتحصينه من كل أشكال التبعية والاختراق، في ظل تحولات وتغيرات لافتة، على اعتبار أنه يمثل مسارًا ديناميكيًا متواصلاً يتطلب يقظة دائمة وإرادة وطنية صلبة.
معركة التحرر وأبعادها المتعددة
وفي هذا السياق، يندرج خطاب رئيس الدولة قيس سعيّد ضمن رؤية أشمل تجعل من السيادة مفهومًا متعدد الأبعاد لا يقتصر على البعد الخارجي فحسب، بل يمتدّ ليشمل مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهو ما يعكس إدراكًا بأن معركة التحرر، في تجلياتها وتمظهراتها الجديدة، لم تنتهِ، وإنما أعادت تشكيل نفسها في رهانات وتحديات جديدة تفرض على الدولة يقظة دائمة وإرادة صلبة ومتواصلة للحفاظ على استقلالية قرارها الوطني وتعزيز مناعته أمام مختلف التحولات الجيوسياسية.
وفي هذا الاتجاه، شدد رئيس الدولة قيس سعيّد على استمرارية معركة الاستقلال ضمن رؤية أشمل تقوم على الربط بين السيادة الداخلية والخارجية، وتفرض بإلحاح مسألة بناء دولة قوية من الداخل، قادرة على ترجمة إرادة شعبها الحرة إلى خيارات مستقلة، بما يضمن لتونس موقعًا فاعلًا ومتوازنًا في محيطها الإقليمي والدولي.
نجاعة القرار الوطني الحر
من جانب آخر، جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيّد، وعلى هامش خطابه، قد انتقل بمفهوم الاستقلال من مفهومه الكلاسيكي المرتبط بمقاومة الاستعمار إلى دلالة أكثر عمقًا تتعلق بالقدرة على اتخاذ القرار الوطني الحر. فحين يشدد على أن «الحفاظ على الاستقلال لا يقل أهمية عن تحقيقه»، فإنه يفتح الباب أمام طرح جديد يعتبر أن الاستقلال ليس مجرد محطة تاريخية خالدة، وإنما هو مسار متواصل يتطلب يقظة دائمة وإرادة سياسية متجددة. وهنا، يتجاوز الاستقلال كونه مجرد ذكرى سنوية يُحتفى بها ليصبح مسؤولية يومية.
ومن هذا المنطلق، يتعزز الطرح بأن معركة التحرير لم تنتهِ، بل تغيّرت أدواتها وسياقاتها. فالتحرر اليوم لم يعد من الهيمنة العسكرية أو السياسية المباشرة، بل من أشكال أكثر تعقيدًا على غرار التبعية الاقتصادية، والضغوط المالية، والتأثيرات غير المباشرة على سيادة واستقلالية القرار الوطني. لذلك، فإن تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيّد بأن «التحرير مسار متواصل لا يجوز أن يتعثر أو ينقطع»، تعكس إدراكًا بأن التحديات الراهنة تفرض إعادة تعريف أدوات الدفاع عن السيادة.
وفي نفس الإطار، يعكس خطاب رئيس الدولة قيس سعيّد ارتباطًا وثيقًا بين السيادة الخارجية والسيادة الداخلية، حيث اعتبر في معرض تصريحاته أن «سيادة الدولة في الخارج تظل رهينة سيادة الشعب في الداخل». وهذه العبارة تختزل تصورًا سياسيًا متكاملًا يقوم على أن قوة الدولة ونجاعتها في محيطها الدولي والإقليمي لا تنفصل عن مدى تماسك جبهتها الداخلية.
وضمن هذه المقاربة، تتخذ السيادة أبعادًا مختلفة لتكون اجتماعية واقتصادية وسياسية. فمفهوم السيادة الفعلي، كما يشير إليه خطاب رئيس الدولة قيس سعيّد، يتجسد أيضًا في قدرة الدولة على ضمان العدالة الاجتماعية وتحقيق التنمية وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسساته. ومن هنا، فإن التطرق إلى إرادة شعبية «لا يشوبها نقص أو خلل» يفتح النقاش حول ضرورة إصلاح المنظومة الداخلية بما يضمن ترجمة السياسات العمومية على أرض الواقع.
فتعزيز السيادة في بعدها الداخلي يمرّ حتمًا عبر بناء مؤسسات ناجعة وشفافة قادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين ولتحديات المرحلة، وقادرة أيضًا على تعزيز الثقة بينها وبين المجتمع. كما يقتضي ذلك تطوير آليات الحوكمة وتكريس مبادئ المساءلة بما يجعل من الإرادة الشعبية قوة فاعلة ومؤثرة.
من جانب آخر، يستحضر خطاب رئيس الدولة قيس سعيّد رمزية «طريق الفداء» التي سلكها الشعب التونسي لتحقيق استقلاله، في محاولة لإعادة ربط الحاضر بالأمجاد النضالية. وهو استحضار يتخذ بعدًا رمزيًا كونه يدعو إلى استلهام تلك الروح لمواجهة تحديات المرحلة الراهنة. فالتضحيات التي قُدمت من أجل التحرر من براثن الاستعمار، يُراد لها اليوم أن تتحول إلى دافع حقيقي لبناء استقلال فعلي في مختلف المجالات، بما يفضي إلى تجسيم مبدأ العدالة الاجتماعية على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، فإن تأكيد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على ضرورة أن «تظل تونس حرة مستقلة يسود فيها العدل وتزدهر فيها الحرية» يُعدّ إشارة إلى أن الاستقلال لا يكتمل دون تحقيق منظومة قيمية متكاملة. فالحرية والعدل ليسا مجرد شعارات مرافقة للاستقلال، وإنما هما من الشروط الجوهرية لاستمراره. وبالتالي، فإن أي إخلال بهذين البعدين قد يفرغ الاستقلال من محتواه ومعناه الحقيقي.
وفي المقابل، فإنه لا يمكن قراءة مضامين الخطاب بمعزل عن السياق الدولي الراهن، حيث تتصاعد التوترات وتزداد التحديات المرتبطة بالسيادة الوطنية في ظل العولمة وتعدد مراكز النفوذ. ففي عالم يحتكم إلى المصالح الضيقة، تصبح قدرة الدول على الحفاظ على استقلالية قرارها الذاتي رهينة مدى قدرتها على بناء تحالفات متوازنة دون الوقوع في منطق التبعية.
وضمن هذا التمشي، يكرّس خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيّد تموقعًا مستقلاً لتونس في علاقاتها الخارجية يقوم على تنويع الشراكات والتوازن في الخيارات، بما يخدم المصالح الوطنية دون ارتهان أو انخراط في سياسة المحاور، وهو توجه يعكس إرادة لترسيخ دبلوماسية سيادية قادرة على التفاعل الإيجابي مع مختلف الفاعلين الدوليين، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني. كما يستند هذا التموقع إلى ثوابت تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، مقابل التمسك بحق تونس في الدفاع عن خياراتها بكل حرية، بما يعزز حضورها كطرف فاعل ومتوازن في محيطها الإقليمي والدولي.
القضية الفلسطينية.. مسار ثابت
وفي امتداد لهذا التموقع، يأتي التطرق إلى القضية الفلسطينية كجزء من ثوابت السياسة الخارجية التونسية، وكترجمة لمفهوم السيادة في بعدها القيمي والإنساني، فالدعاء لنصرة الشعب الفلسطيني والتأكيد على حقه في إقامة دولته المستقلة لا يندرج فقط ضمن التضامن التقليدي المتعارف عليه، بل يعكس في جوهره تمسكًا متجددًا بمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها. وهو ما ينسجم مع الرؤية التي تربط بين السيادة الوطنية والدفاع عن القضايا العادلة على المستوى الدولي.
وعلى هذا الأساس، يكشف خطاب رئيس الدولة قيس سعيّد عن مقاربة شاملة للسيادة تتداخل فيها الأبعاد الداخلية والخارجية مع الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فالدفاع عن السيادة تجاوز حماية الحدود وتحصينها ليطال حماية القرار الوطني من كل أشكال التبعية وضمان استقلالية الخيارات التنموية.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الوعي الجماعي كعنصر حاسم في صيانة الاستقلال والمحافظة عليه. فالدولة، مهما بلغت درجة قوة وفاعلية مؤسساتها، تبقى في حاجة إلى مواطن واعٍ بدوره، يعرف حدود حقوقه وواجباته، ويعي أن حماية السيادة لا تقتصر على مؤسسات الدولة فحسب، وإنما هي مسؤولية مشتركة تتقاسمها مختلف مكونات المجتمع، بما من شأنه أن يعزز مناعة الدولة في مواجهة مختلف التحديات الداخلية والخارجية.
وبالتالي، كشف خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيّد بمناسبة عيدي الفطر والاستقلال عن رؤية وتوجه سياسي يعتبر أن الاستقلال محطة مستمرة، وأن السيادة مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جميع الجهود على مختلف المستويات.
وبذلك، يتحول الاحتفاء بعيد الاستقلال من مجرد مناسبة رمزية نستحضر من خلالها الماضي التليد إلى لحظة تأمل في واقع الدولة واستشراف لمستقبلها، ليظل الرهان الأساسي في مدى القدرة على ترجمة هذه الرؤية إلى سياسات عملية تعزز استقلال القرار الوطني وتكرّس سيادة الشعب في الداخل والخارج على حد سواء.