-هل يعكس تقلص مسابقة الأداء عزوفا من المطربين المعروفين عن خوض غمار التنافس.. أم أنه خيار من المنظمين؟
-غياب «نجوم الأغنية» عن المنافسة يطرح سؤال التوازن بين استقطاب التجارب المخضرمة وضمان حضور الأجيال الصاعدة.
يستضيف مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي بداية من يوم الغد الخميس - إلى غاية 8 مارس الجاري - فعاليات الدورة الـ24 لمهرجان الأغنية التونسية تحت شعار «لكل غناية حكاية»، في محطة جديدة من مسار تظاهرة عرفت منذ تأسيسها سنة 1987 تحولات عميقة في الاسم والوظيفة والرهانات، بين رغبة دائمة في صون الأغنية التونسية بوصفها ركيزة من ركائز الهوية الثقافية، وبين محاولات متكررة لإعادة تعريف موقعها داخل المشهد الموسيقي الوطني الذي اتسع وتعددت فيه المنصات والأنماط والمهرجانات.
فالمهرجان الذي انطلق كمنصة للتعريف بالأغنية التونسية الأصلية والنهوض بها، تحول بين سنتي 2005 - 2010 إلى «مهرجان الموسيقى التونسية»، في إشارة إلى توسيع الدائرة من الأغنية إلى الموسيقى بمختلف تجلياتها، قبل أن يتم إيقافه لأسباب يطول شرحها، ويحل محلّه سنة 2010 «أيام قرطاج الموسيقية»، وهو تحول عكس آنذاك توجها نحو تدويل التظاهرة وربطها بشبكات أوسع، لكنه في المقابل أذاب خصوصيتها كفضاء تنافسي مخصص حصريا للأغنية التونسية، التي عادت سنة 2021 في دورتها العشرين إلى اسمها الأصلي في محاولة لاستعادة هوية ضاعت بين التسميات والبرمجات، ومعلنة عن رغبة في ترميم ما انقطع وبناء استمرارية جديدة قوامها الإنتاج الوطني والمسابقات الفنية.
وربما تأتي الدورة الـ24 في هذا السياق كحلقة ضمن مسار إعادة التشكل، بما أن وزارة الشؤون الثقافية قد راهنت على مؤسسة مسرح أوبرا تونس لتمويلها وتنظيمها، في صيغة تركز أساسا على المسابقات في مجالات إنتاج الأغاني والمعزوفات والأداء، دون الطابع التقليدي القائم على سهرات افتتاح واختتام موسعة، باستثناء سهرة الاختتام التي تحييها الفنانة المغربية لطيفة رأفت، في توجه يندرج ضمن انفتاح مغاربي يراد له أن يعزز التقارب بين التجارب الموسيقية في المنطقة، وفق تصريحات المشرفين على التظاهرة.
وعلى مستوى الأرقام، بلغ عدد الملفات المترشحة لهذه الدورة 105 ملفات، وزعوا إلى 76 ملفا في مسابقة إنتاج الأغاني و19 في مسابقة المعزوفات و10 في مسابقة الأداء، قبل أن يتم قبول 34 عملا للمشاركة في المنافسات: 18 في مسابقة إنتاج الأغاني و9 في مسابقة المعزوفة و7 مترشحين في مسابقة الأداء، على أن تنتظم العروض أيام 5 و6 و7 مارس، ويقام حفل الاختتام يوم 8 مارس، مع جوائز جملية تقدر بـ105 آلاف دينار.
غير أن قراءة هذه المعطيات في ضوء تطور الدورات السابقة تكشف عن تحولات لافتة في طبيعة البرمجة وتوازن المسابقات. ففي الدورة الثالثة والعشرون تم اختيار 13 أغنية في فئة الإنتاج الجديد و3 أعمال فقط في مسابقة الأداء الفردي و10 مشاريع موسيقية في مسابقة المعزوفات، بينما خصصت الدورة الحادية والعشرون 14 عملا لمسابقة «الأغنية الوترية» و10 أعمال في مسابقة «الأنماط الجديدة»، وشهدت الدورة العشرون توزيعا أوسع شمل 23 عملا في مسابقة الأغنية الوترية و12 في مسابقة الإبداع الحر و6 أعمال موسيقية ملتزمة و18 أغنية ضمن مسابقة الفيديو كليب.
هذا التدرج يكشف أن المهرجان انتقل من صيغ متعددة الفئات والأنماط إلى تركيز أوضح على «الإنتاج الجديد» باعتباره العمود الفقري للدورة، مقابل تقلص ملحوظ في عدد المشاركات في الأداء الفردي إذا ما قورن بتاريخ التظاهرة، إذ نسجل مشاركة سبعة مترشحين فقط في دورة 2026 وعشرة ملفات واردة في الأصل، مقابل حضور كان في دورات سابقة أكثر تنوعا من حيث الصيغ والمسابقات.
هذا التحول نحو تكريس «الأغنية الجديدة» يمكن قراءته بوصفه محاولة لإعادة ضخ دماء جديدة في المشهد الغنائي التونسي، عبر تشجيع التأليف والتلحين والتوزيع المعاصر، ومنح مساحة أوسع للمشاريع التي تقدم أعمالا أصلية بدل الاقتصار على الأداء أو إعادة تقديم رصيد موجود. لكنه في المقابل يطرح تساؤلات حول موقع الأداء الفردي داخل هذه المعادلة، وحول ما إذا كان تقلص مسابقة الأداء يعكس عزوفا من المطربين المعروفين عن خوض غمار التنافس، أم أنه خيار برمجي يهدف إلى تحويل المهرجان من منصة نجومية إلى مختبر إنتاج. فالقائمة المعلنة لمسابقة الأداء تضم سبعة أسماء، في حين أن تاريخ المهرجان ارتبط في الذاكرة الجماعية بأصوات برزت من خلاله وأصبحت لاحقا علامات في الأغنية التونسية، وهو ما يطرح سؤالا حول مدى قدرة الصيغة الحالية على صناعة نجوم جدد.
ومن جهة أخرى، يُلاحظ ارتفاع عدد الأعمال المقبولة في مسابقة إنتاج الأغاني إلى 18 عملا، مقارنة بـ13 في الدورة السابقة، وقد يعكس ذلك الرغبة في توسيع دائرة التنافس في هذا المجال تحديدا، مقابل استقرار نسبي في مسابقة المعزوفات التي تضم تسعة أعمال بعد أن كانت عشرة في الدورة الثالثة والعشرين. غير أن طبيعة هذه المعزوفات تظل بدورها محل تساؤل: هل تميل إلى الطابع التونسي التقليدي من حيث المقامات والإيقاعات والآلات، أم أنها تنفتح على تجارب معاصرة؟ وهل يظل معيار «الهوية التونسية» حاضرا بقوة في الانتقاء، أم أن المهرجان يسعى إلى تعريف أوسع لهذه الهوية بوصفها هوية متحركة وقابلة للتجدد؟ هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة في ظل الشعار المرفوع «لكل غناية حكاية»، الذي يوحي بتركيز على السردية الفنية وعلى خصوصية كل عمل، بما قد يفتح الباب أمام تنوع في المرجعيات والأساليب.
التحولات التي شهدها المهرجان لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع للمشهد الموسيقي في تونس، حيث تعددت المهرجانات والمنصات، وفي مقدمتها «أيام قرطاج الموسيقية» التي تمثل تظاهرة ذات بعد عربي وإفريقي ودولي، وتقوم بدورها على مسابقات وبرمجة عروض متنوعة. ومن هنا يطرح سؤال التداخل بين التظاهرتين: إلى أي حد ينجح مهرجان الأغنية التونسية في الحفاظ على خصوصيته وعدم الذوبان مجددا في منطق يشبه «أيام قرطاج الموسيقية»؟ وإذا كان قد تم في مرحلة سابقة إلغاؤه قبل أن يستعيد مكانته، فهل تضمن الصيغة الحالية تمايزا واضحا من حيث الرؤية والأهداف، أم أن التركيز على الإنتاج الجديد والمسابقات قد يجعله أقرب إلى نسخة محلية من تظاهرة أوسع؟
من زاوية أخرى، يُلاحظ تراجع مشاركة الأسماء المعروفة في المسابقات، وهو معطى يعزز الانطباع بأن المهرجان يتجه تدريجيا نحو فضاء يغلب عليه حضور الهواة أو الفنانين في بدايات مساراتهم. هذا المعطى قد يُقرأ إيجابيا باعتباره يفتح المجال أمام طاقات جديدة ويمنحها فرصة الظهور في فضاء مؤسساتي رسمي، خاصة وأن الجوائز المرصودة، والبالغة 105 آلاف دينار، تمثل حافزا ماديا مهما في ظل صعوبات الإنتاج التي يعرفها القطاع. لكنه قد يُقرأ أيضا باعتباره مؤشرا على فقدان جزء من جاذبية التنافس لدى الأسماء الراسخة التي قد تفضل مسارات أخرى للعرض والترويج خارج إطار المسابقات، ما يطرح تحديا أمام إدارة المهرجان في تحقيق توازن بين استقطاب التجارب المخضرمة وضمان حضور الأجيال الصاعدة.
وبالتالي، ما يمكن استنتاجه أن الدورة الرابعة والعشرين لمهرجان الأغنية التونسية تبدو وكأنها محطة جديدة في مسار بحث متواصل عن صيغة توازن بين المحافظة والتجديد، بين الاحتفاء بالصوت الفردي وتشجيع المشروع الغنائي المتكامل، بين الهوية المحلية والانفتاح المغاربي، وبين استقطاب الأسماء المعروفة ومنح الفرصة للهواة.
والأرقام تعكس توجها واضحا نحو تكريس مسابقة الإنتاج الجديد كقاطرة أساسية، مقابل تقلص في الأداء الفردي واستقرار نسبي في المعزوفات، ما قد يُفهم منه أنه هناك تحول في فلسفة المهرجان واقترابه أكثر من فكرة المختبر الإبداعي. غير أن نجاح هذا التحول سيظل رهين مدى قدرة الأعمال المشاركة على تقديم إضافة نوعية تعيد للأغنية التونسية بريقها، وتؤكد أن لكل غناية فعلا حكاية تستحق أن تُروى، وأن المهرجان، وهو يقترب من أربعة عقود على تأسيسه، لا يكتفي بإدارة مسابقة سنوية، بل يساهم فعليا في رسم ملامح المشهد الموسيقي الوطني وتحديد اتجاهاته في السنوات القادمة.
إيمان عبد اللطيف
-هل يعكس تقلص مسابقة الأداء عزوفا من المطربين المعروفين عن خوض غمار التنافس.. أم أنه خيار من المنظمين؟
-غياب «نجوم الأغنية» عن المنافسة يطرح سؤال التوازن بين استقطاب التجارب المخضرمة وضمان حضور الأجيال الصاعدة.
يستضيف مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي بداية من يوم الغد الخميس - إلى غاية 8 مارس الجاري - فعاليات الدورة الـ24 لمهرجان الأغنية التونسية تحت شعار «لكل غناية حكاية»، في محطة جديدة من مسار تظاهرة عرفت منذ تأسيسها سنة 1987 تحولات عميقة في الاسم والوظيفة والرهانات، بين رغبة دائمة في صون الأغنية التونسية بوصفها ركيزة من ركائز الهوية الثقافية، وبين محاولات متكررة لإعادة تعريف موقعها داخل المشهد الموسيقي الوطني الذي اتسع وتعددت فيه المنصات والأنماط والمهرجانات.
فالمهرجان الذي انطلق كمنصة للتعريف بالأغنية التونسية الأصلية والنهوض بها، تحول بين سنتي 2005 - 2010 إلى «مهرجان الموسيقى التونسية»، في إشارة إلى توسيع الدائرة من الأغنية إلى الموسيقى بمختلف تجلياتها، قبل أن يتم إيقافه لأسباب يطول شرحها، ويحل محلّه سنة 2010 «أيام قرطاج الموسيقية»، وهو تحول عكس آنذاك توجها نحو تدويل التظاهرة وربطها بشبكات أوسع، لكنه في المقابل أذاب خصوصيتها كفضاء تنافسي مخصص حصريا للأغنية التونسية، التي عادت سنة 2021 في دورتها العشرين إلى اسمها الأصلي في محاولة لاستعادة هوية ضاعت بين التسميات والبرمجات، ومعلنة عن رغبة في ترميم ما انقطع وبناء استمرارية جديدة قوامها الإنتاج الوطني والمسابقات الفنية.
وربما تأتي الدورة الـ24 في هذا السياق كحلقة ضمن مسار إعادة التشكل، بما أن وزارة الشؤون الثقافية قد راهنت على مؤسسة مسرح أوبرا تونس لتمويلها وتنظيمها، في صيغة تركز أساسا على المسابقات في مجالات إنتاج الأغاني والمعزوفات والأداء، دون الطابع التقليدي القائم على سهرات افتتاح واختتام موسعة، باستثناء سهرة الاختتام التي تحييها الفنانة المغربية لطيفة رأفت، في توجه يندرج ضمن انفتاح مغاربي يراد له أن يعزز التقارب بين التجارب الموسيقية في المنطقة، وفق تصريحات المشرفين على التظاهرة.
وعلى مستوى الأرقام، بلغ عدد الملفات المترشحة لهذه الدورة 105 ملفات، وزعوا إلى 76 ملفا في مسابقة إنتاج الأغاني و19 في مسابقة المعزوفات و10 في مسابقة الأداء، قبل أن يتم قبول 34 عملا للمشاركة في المنافسات: 18 في مسابقة إنتاج الأغاني و9 في مسابقة المعزوفة و7 مترشحين في مسابقة الأداء، على أن تنتظم العروض أيام 5 و6 و7 مارس، ويقام حفل الاختتام يوم 8 مارس، مع جوائز جملية تقدر بـ105 آلاف دينار.
غير أن قراءة هذه المعطيات في ضوء تطور الدورات السابقة تكشف عن تحولات لافتة في طبيعة البرمجة وتوازن المسابقات. ففي الدورة الثالثة والعشرون تم اختيار 13 أغنية في فئة الإنتاج الجديد و3 أعمال فقط في مسابقة الأداء الفردي و10 مشاريع موسيقية في مسابقة المعزوفات، بينما خصصت الدورة الحادية والعشرون 14 عملا لمسابقة «الأغنية الوترية» و10 أعمال في مسابقة «الأنماط الجديدة»، وشهدت الدورة العشرون توزيعا أوسع شمل 23 عملا في مسابقة الأغنية الوترية و12 في مسابقة الإبداع الحر و6 أعمال موسيقية ملتزمة و18 أغنية ضمن مسابقة الفيديو كليب.
هذا التدرج يكشف أن المهرجان انتقل من صيغ متعددة الفئات والأنماط إلى تركيز أوضح على «الإنتاج الجديد» باعتباره العمود الفقري للدورة، مقابل تقلص ملحوظ في عدد المشاركات في الأداء الفردي إذا ما قورن بتاريخ التظاهرة، إذ نسجل مشاركة سبعة مترشحين فقط في دورة 2026 وعشرة ملفات واردة في الأصل، مقابل حضور كان في دورات سابقة أكثر تنوعا من حيث الصيغ والمسابقات.
هذا التحول نحو تكريس «الأغنية الجديدة» يمكن قراءته بوصفه محاولة لإعادة ضخ دماء جديدة في المشهد الغنائي التونسي، عبر تشجيع التأليف والتلحين والتوزيع المعاصر، ومنح مساحة أوسع للمشاريع التي تقدم أعمالا أصلية بدل الاقتصار على الأداء أو إعادة تقديم رصيد موجود. لكنه في المقابل يطرح تساؤلات حول موقع الأداء الفردي داخل هذه المعادلة، وحول ما إذا كان تقلص مسابقة الأداء يعكس عزوفا من المطربين المعروفين عن خوض غمار التنافس، أم أنه خيار برمجي يهدف إلى تحويل المهرجان من منصة نجومية إلى مختبر إنتاج. فالقائمة المعلنة لمسابقة الأداء تضم سبعة أسماء، في حين أن تاريخ المهرجان ارتبط في الذاكرة الجماعية بأصوات برزت من خلاله وأصبحت لاحقا علامات في الأغنية التونسية، وهو ما يطرح سؤالا حول مدى قدرة الصيغة الحالية على صناعة نجوم جدد.
ومن جهة أخرى، يُلاحظ ارتفاع عدد الأعمال المقبولة في مسابقة إنتاج الأغاني إلى 18 عملا، مقارنة بـ13 في الدورة السابقة، وقد يعكس ذلك الرغبة في توسيع دائرة التنافس في هذا المجال تحديدا، مقابل استقرار نسبي في مسابقة المعزوفات التي تضم تسعة أعمال بعد أن كانت عشرة في الدورة الثالثة والعشرين. غير أن طبيعة هذه المعزوفات تظل بدورها محل تساؤل: هل تميل إلى الطابع التونسي التقليدي من حيث المقامات والإيقاعات والآلات، أم أنها تنفتح على تجارب معاصرة؟ وهل يظل معيار «الهوية التونسية» حاضرا بقوة في الانتقاء، أم أن المهرجان يسعى إلى تعريف أوسع لهذه الهوية بوصفها هوية متحركة وقابلة للتجدد؟ هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة في ظل الشعار المرفوع «لكل غناية حكاية»، الذي يوحي بتركيز على السردية الفنية وعلى خصوصية كل عمل، بما قد يفتح الباب أمام تنوع في المرجعيات والأساليب.
التحولات التي شهدها المهرجان لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع للمشهد الموسيقي في تونس، حيث تعددت المهرجانات والمنصات، وفي مقدمتها «أيام قرطاج الموسيقية» التي تمثل تظاهرة ذات بعد عربي وإفريقي ودولي، وتقوم بدورها على مسابقات وبرمجة عروض متنوعة. ومن هنا يطرح سؤال التداخل بين التظاهرتين: إلى أي حد ينجح مهرجان الأغنية التونسية في الحفاظ على خصوصيته وعدم الذوبان مجددا في منطق يشبه «أيام قرطاج الموسيقية»؟ وإذا كان قد تم في مرحلة سابقة إلغاؤه قبل أن يستعيد مكانته، فهل تضمن الصيغة الحالية تمايزا واضحا من حيث الرؤية والأهداف، أم أن التركيز على الإنتاج الجديد والمسابقات قد يجعله أقرب إلى نسخة محلية من تظاهرة أوسع؟
من زاوية أخرى، يُلاحظ تراجع مشاركة الأسماء المعروفة في المسابقات، وهو معطى يعزز الانطباع بأن المهرجان يتجه تدريجيا نحو فضاء يغلب عليه حضور الهواة أو الفنانين في بدايات مساراتهم. هذا المعطى قد يُقرأ إيجابيا باعتباره يفتح المجال أمام طاقات جديدة ويمنحها فرصة الظهور في فضاء مؤسساتي رسمي، خاصة وأن الجوائز المرصودة، والبالغة 105 آلاف دينار، تمثل حافزا ماديا مهما في ظل صعوبات الإنتاج التي يعرفها القطاع. لكنه قد يُقرأ أيضا باعتباره مؤشرا على فقدان جزء من جاذبية التنافس لدى الأسماء الراسخة التي قد تفضل مسارات أخرى للعرض والترويج خارج إطار المسابقات، ما يطرح تحديا أمام إدارة المهرجان في تحقيق توازن بين استقطاب التجارب المخضرمة وضمان حضور الأجيال الصاعدة.
وبالتالي، ما يمكن استنتاجه أن الدورة الرابعة والعشرين لمهرجان الأغنية التونسية تبدو وكأنها محطة جديدة في مسار بحث متواصل عن صيغة توازن بين المحافظة والتجديد، بين الاحتفاء بالصوت الفردي وتشجيع المشروع الغنائي المتكامل، بين الهوية المحلية والانفتاح المغاربي، وبين استقطاب الأسماء المعروفة ومنح الفرصة للهواة.
والأرقام تعكس توجها واضحا نحو تكريس مسابقة الإنتاج الجديد كقاطرة أساسية، مقابل تقلص في الأداء الفردي واستقرار نسبي في المعزوفات، ما قد يُفهم منه أنه هناك تحول في فلسفة المهرجان واقترابه أكثر من فكرة المختبر الإبداعي. غير أن نجاح هذا التحول سيظل رهين مدى قدرة الأعمال المشاركة على تقديم إضافة نوعية تعيد للأغنية التونسية بريقها، وتؤكد أن لكل غناية فعلا حكاية تستحق أن تُروى، وأن المهرجان، وهو يقترب من أربعة عقود على تأسيسه، لا يكتفي بإدارة مسابقة سنوية، بل يساهم فعليا في رسم ملامح المشهد الموسيقي الوطني وتحديد اتجاهاته في السنوات القادمة.