في ليلة كانت فيها الكلمة لآلة القانون بامتياز.. الفنان العالمي «إيتاش دوغان» يسحر جمهور «رمضان في المدينة» ويقوده في رحلة بين المقامات التركية والعربية
من ميزات السهرة ذلك الصمت العميق للجمهور وهو صمت لا يشبه الفراغ، بل يشبه الامتلاء والإنصات الحقيقي للفن.
الفنانة رنا زروق ضيفة السهرة أعادت إلى الأذهان روائع الطرب العربي الأصيل
في أمسية رمضانية اتشحت فيها مدينة الثقافة «الشاذلي القليبي» بسكونها المضيء، بدا مسرح الجهات، مساء الأحد غرة مارس الجاري، وكأنه يستعد لاحتضان لحظة استثنائية ضمن فعاليات الدورة السادسة لمهرجان «رمضان في المدينة»، حيث أحيا الفنان التركي العالمي وملك آلة القانون إيتاش دوغان سهرة ارتقت منذ بدايتها إلى مستوى الحدث الفني الكامل، لا باعتبارها عرضا عابرا في روزنامة رمضانية، بل بوصفها تجربة موسيقية كثيفة الملامح، متعددة الطبقات، جمعت بين الجمالية التقنية والركحية والحميمية الشعورية في آن واحد.
لم يكن دوغان على الركح مجرد عازف بارع، بل قائد رؤية موسيقية متكاملة، أحاط نفسه فيها بخماسي متناغم أسهم بوضوح في تشكيل الهوية الصوتية للعرض، فقد انسابت أنامل شفق كانسويو على الكمنجة بخفة وشفافية، ترسم خطوطا لحنية تلتف حول جمل القانون وتفتح لها آفاقا أوسع، فيما تولى رفيق الغربي على البيانو والكايبورد إثراء البنية الموسيقية ومنحها بعدا حداثيا محسوبا، وأضاف عبد العزيز الشريف على «القيتارباص» عمقا إيقاعيا دافئا، بينما ضبط محمد حاتم هميلة على الدرامز الإيقاع العام بحساسية دقيقة، متجنبا الاستعراض لصالح التوازن، ليصنع الجميع حالة انسجام موسيقي واضحة شدت الحاضرين منذ اللحظات الأولى وحتى ختام السهرة.
واستهل إيتاش دوغان برنامجه بمختارات من الرصيد التركي الحديث، مثل “HasretinleYandıGönlüm” و“BöyleAyrılıkOlmaz”، فبدت المقامات وهي تتشكل في انسياب مدروس يكشف عن فهم عميق لروح هذه الأعمال، حيث لا يطغى الأداء التقني على العاطفة، ولا تنفصل الجملة الموسيقية عن بعدها التعبيري. كان القانون في هذه اللحظات أشبه بصوت داخلي يهمس أكثر مما يصرخ، يتدرج في تصاعده دون قفزات مفاجئة، مستندا إلى خبرة طويلة في إدارة المنحنى الشعوري للعمل.
ومع الانتقال إلى فقرة «Taksim» المرتبطة بـ“KaybolanYıllar”، فتح دوغان باب الارتجال على مصراعيه، متنقلا بين المقامات بمرونة لافتة، يختبر المسافات بينها ويعيد ترتيبها وفق حساسيته الخاصة، فخيم على القاعة صمت عميق لا يشبه الفراغ، بل يشبه الامتلاء، صمت إنصات حقيقي لفنان يكتب لحظته على الهواء.
حضور الموسيقى التصويرية من خلال مقطوعات مثل “Ezel” و“Ask-ı Memnu” منح السهرة بعدا دراميا واضحا، إذ استعادت الألحان ذاكرة بصرية راسخة لدى جزء من الجمهور، لكنها تحررت هنا من سياقها التلفزيوني لتصبح نصوصا موسيقية قائمة بذاتها. ومع كل تصعيد إيقاعي، كانت القاعة تستجيب بتصفيق متواتر، في حين يعود الهدوء ليسود فور انطلاق مقطع هامس، ما يعكس قدرة دوغان على التحكم في ديناميكية التلقي وبناء إيقاع داخلي للعرض بأكمله، يقوم على التناوب بين التوتر والانفراج.
وكعادته في حفلاته بتونس، لم يحصر دوغان حضوره في العزف فحسب، بل حرص على مخاطبة الجمهور بكلمات صادقة عبّر فيها عن امتنانه لذائقته الرفيعة وتفاعله اللافت، مؤكدا أن العلاقة التي تربطه بهذا البلد تتجاوز إطار الحفلات العابرة. وفي التفاتة تعكس إيمانه بالحوار الفني، أفسح المجال للفنانة رنا زروق لتكون ضيفة السهرة، حيث أعادت إلى الأذهان روائع الطرب العربي الأصيل بأداء أعمال من رصيد نجاة الصغيرة «متى ستعرف» وأم كلثوم «إنت عمري»، في قراءة حافظت على جوهر اللحن وأفسحت للقانون مساحة قيادة واضحة في تمهيد الجمل والرد عليها. ولم تغب الأغنية التونسية عن هذا اللقاء، إذ استحضرت رنا زروق رائعة خالدة للفنانة صليحة «ودعوني يا البنات»، فامتزج عبق التراث بنَفَس توزيع حديث، في لحظة تماهى فيها الحنين مع الشجن في تناغم عميق بين الصوت والآلة.
وفي ذروة السهرة، تحولت القاعة إلى فضاء مشترك ينبض بإحساس واحد، ففي المقاطع الرقيقة ساد إنصات مهيب، يكاد يُسمع فيه وقع الأنفاس، قبل أن تنفجر المساحة بالتصفيق والغناء مع كل تصعيد إيقاعي. ردد الجمهور مع فيروز «نسم علينا الهواء» و»قداش فيه ناس» بحماسة صادقة، كما شارك بالغناء في أعمال فضل شاكر مثل «صحاك الشوق» و»معقول أنساك»، في مشهد جسّد معنى الوجد الجماعي حين تبلغ الموسيقى ذروتها وتذيب المسافة بين الركح والمقاعد. ولم تخلُ الأمسية من مفاجآت، إذ منح دوغان مساحة للعازفين قيس المليتي وخليل جماعة لتقديم عدد من المعزوفات، فأضفى حضورهما تنويعا إضافيا على البرنامج وأكد روح الانفتاح والتشارك التي طبعت السهرة.
ومن اللحظات اللافتة أيضا أداء معزوفة «God Father» التي قدمها دوغان منفردا، مبرزا قدرة القانون على استيعاب لحن عالمي ذي طابع سينمائي درامي وإعادة صياغته بلمسة شرقية شفافة دون أن يفقده روحه الأصلية. كما حضرت مقطوعتا «Mihriban» و»Zalim» بزخم عاطفي مكثف أعاد الجمهور إلى المناخ التركي المشحون بالشجن، قبل أن يختتم العرض بأعمال أكثر إشراقا مثل «Kulagim» و»Sina Nari»، في صيغة بدت كتحية موسيقية أخيرة لجمهور ظل وفيا في إنصاته وتفاعله حتى آخر لحظة.
السهرة كانت أيضا استعادة لذاكرة فنان بدأت حكايته في سن الثالثة عشرة، حين صنع له جده أول قانون، لتقوده الأقدار لاحقا إلى مرافقة كبار النجوم مثل إبراهيم تاتليس، وإلى الوقوف على مسارح عالمية عديدة، قبل أن تعيده الذاكرة إلى تونس التي زارها أول مرة قبل عقدين مرافقا للمطربة نجاة الصغيرة في مهرجان قرطاج الدولي. هذا البعد الشخصي أضفى على الأمسية طابعا وجدانيا مضاعفا، إذ بدت العودة إلى تونس استمرارا لخيط قديم لم ينقطع.
يمكن القول، إنّ سهرة إيتاش دوغان لم تكن مجرد عرض موسيقي ناجح، بل تأكيدا جديدا على أن الذائقة التونسية تظل وفية للجودة ومنحازة للفن الراقي، وأن مسرح أوبرا تونس ما يزال فضاء قادرا على احتضان تجارب موسيقية عابرة للحدود، وتجعل الجمهور يحمل في وجدانه صدى أوتار تبقى تتردد لفترة طويلة، كدليل على أن الموسيقى، حين تُعزف بصدق، تصبح اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة.
إيمان عبد اللطيف
من ميزات السهرة ذلك الصمت العميق للجمهور وهو صمت لا يشبه الفراغ، بل يشبه الامتلاء والإنصات الحقيقي للفن.
الفنانة رنا زروق ضيفة السهرة أعادت إلى الأذهان روائع الطرب العربي الأصيل
في أمسية رمضانية اتشحت فيها مدينة الثقافة «الشاذلي القليبي» بسكونها المضيء، بدا مسرح الجهات، مساء الأحد غرة مارس الجاري، وكأنه يستعد لاحتضان لحظة استثنائية ضمن فعاليات الدورة السادسة لمهرجان «رمضان في المدينة»، حيث أحيا الفنان التركي العالمي وملك آلة القانون إيتاش دوغان سهرة ارتقت منذ بدايتها إلى مستوى الحدث الفني الكامل، لا باعتبارها عرضا عابرا في روزنامة رمضانية، بل بوصفها تجربة موسيقية كثيفة الملامح، متعددة الطبقات، جمعت بين الجمالية التقنية والركحية والحميمية الشعورية في آن واحد.
لم يكن دوغان على الركح مجرد عازف بارع، بل قائد رؤية موسيقية متكاملة، أحاط نفسه فيها بخماسي متناغم أسهم بوضوح في تشكيل الهوية الصوتية للعرض، فقد انسابت أنامل شفق كانسويو على الكمنجة بخفة وشفافية، ترسم خطوطا لحنية تلتف حول جمل القانون وتفتح لها آفاقا أوسع، فيما تولى رفيق الغربي على البيانو والكايبورد إثراء البنية الموسيقية ومنحها بعدا حداثيا محسوبا، وأضاف عبد العزيز الشريف على «القيتارباص» عمقا إيقاعيا دافئا، بينما ضبط محمد حاتم هميلة على الدرامز الإيقاع العام بحساسية دقيقة، متجنبا الاستعراض لصالح التوازن، ليصنع الجميع حالة انسجام موسيقي واضحة شدت الحاضرين منذ اللحظات الأولى وحتى ختام السهرة.
واستهل إيتاش دوغان برنامجه بمختارات من الرصيد التركي الحديث، مثل “HasretinleYandıGönlüm” و“BöyleAyrılıkOlmaz”، فبدت المقامات وهي تتشكل في انسياب مدروس يكشف عن فهم عميق لروح هذه الأعمال، حيث لا يطغى الأداء التقني على العاطفة، ولا تنفصل الجملة الموسيقية عن بعدها التعبيري. كان القانون في هذه اللحظات أشبه بصوت داخلي يهمس أكثر مما يصرخ، يتدرج في تصاعده دون قفزات مفاجئة، مستندا إلى خبرة طويلة في إدارة المنحنى الشعوري للعمل.
ومع الانتقال إلى فقرة «Taksim» المرتبطة بـ“KaybolanYıllar”، فتح دوغان باب الارتجال على مصراعيه، متنقلا بين المقامات بمرونة لافتة، يختبر المسافات بينها ويعيد ترتيبها وفق حساسيته الخاصة، فخيم على القاعة صمت عميق لا يشبه الفراغ، بل يشبه الامتلاء، صمت إنصات حقيقي لفنان يكتب لحظته على الهواء.
حضور الموسيقى التصويرية من خلال مقطوعات مثل “Ezel” و“Ask-ı Memnu” منح السهرة بعدا دراميا واضحا، إذ استعادت الألحان ذاكرة بصرية راسخة لدى جزء من الجمهور، لكنها تحررت هنا من سياقها التلفزيوني لتصبح نصوصا موسيقية قائمة بذاتها. ومع كل تصعيد إيقاعي، كانت القاعة تستجيب بتصفيق متواتر، في حين يعود الهدوء ليسود فور انطلاق مقطع هامس، ما يعكس قدرة دوغان على التحكم في ديناميكية التلقي وبناء إيقاع داخلي للعرض بأكمله، يقوم على التناوب بين التوتر والانفراج.
وكعادته في حفلاته بتونس، لم يحصر دوغان حضوره في العزف فحسب، بل حرص على مخاطبة الجمهور بكلمات صادقة عبّر فيها عن امتنانه لذائقته الرفيعة وتفاعله اللافت، مؤكدا أن العلاقة التي تربطه بهذا البلد تتجاوز إطار الحفلات العابرة. وفي التفاتة تعكس إيمانه بالحوار الفني، أفسح المجال للفنانة رنا زروق لتكون ضيفة السهرة، حيث أعادت إلى الأذهان روائع الطرب العربي الأصيل بأداء أعمال من رصيد نجاة الصغيرة «متى ستعرف» وأم كلثوم «إنت عمري»، في قراءة حافظت على جوهر اللحن وأفسحت للقانون مساحة قيادة واضحة في تمهيد الجمل والرد عليها. ولم تغب الأغنية التونسية عن هذا اللقاء، إذ استحضرت رنا زروق رائعة خالدة للفنانة صليحة «ودعوني يا البنات»، فامتزج عبق التراث بنَفَس توزيع حديث، في لحظة تماهى فيها الحنين مع الشجن في تناغم عميق بين الصوت والآلة.
وفي ذروة السهرة، تحولت القاعة إلى فضاء مشترك ينبض بإحساس واحد، ففي المقاطع الرقيقة ساد إنصات مهيب، يكاد يُسمع فيه وقع الأنفاس، قبل أن تنفجر المساحة بالتصفيق والغناء مع كل تصعيد إيقاعي. ردد الجمهور مع فيروز «نسم علينا الهواء» و»قداش فيه ناس» بحماسة صادقة، كما شارك بالغناء في أعمال فضل شاكر مثل «صحاك الشوق» و»معقول أنساك»، في مشهد جسّد معنى الوجد الجماعي حين تبلغ الموسيقى ذروتها وتذيب المسافة بين الركح والمقاعد. ولم تخلُ الأمسية من مفاجآت، إذ منح دوغان مساحة للعازفين قيس المليتي وخليل جماعة لتقديم عدد من المعزوفات، فأضفى حضورهما تنويعا إضافيا على البرنامج وأكد روح الانفتاح والتشارك التي طبعت السهرة.
ومن اللحظات اللافتة أيضا أداء معزوفة «God Father» التي قدمها دوغان منفردا، مبرزا قدرة القانون على استيعاب لحن عالمي ذي طابع سينمائي درامي وإعادة صياغته بلمسة شرقية شفافة دون أن يفقده روحه الأصلية. كما حضرت مقطوعتا «Mihriban» و»Zalim» بزخم عاطفي مكثف أعاد الجمهور إلى المناخ التركي المشحون بالشجن، قبل أن يختتم العرض بأعمال أكثر إشراقا مثل «Kulagim» و»Sina Nari»، في صيغة بدت كتحية موسيقية أخيرة لجمهور ظل وفيا في إنصاته وتفاعله حتى آخر لحظة.
السهرة كانت أيضا استعادة لذاكرة فنان بدأت حكايته في سن الثالثة عشرة، حين صنع له جده أول قانون، لتقوده الأقدار لاحقا إلى مرافقة كبار النجوم مثل إبراهيم تاتليس، وإلى الوقوف على مسارح عالمية عديدة، قبل أن تعيده الذاكرة إلى تونس التي زارها أول مرة قبل عقدين مرافقا للمطربة نجاة الصغيرة في مهرجان قرطاج الدولي. هذا البعد الشخصي أضفى على الأمسية طابعا وجدانيا مضاعفا، إذ بدت العودة إلى تونس استمرارا لخيط قديم لم ينقطع.
يمكن القول، إنّ سهرة إيتاش دوغان لم تكن مجرد عرض موسيقي ناجح، بل تأكيدا جديدا على أن الذائقة التونسية تظل وفية للجودة ومنحازة للفن الراقي، وأن مسرح أوبرا تونس ما يزال فضاء قادرا على احتضان تجارب موسيقية عابرة للحدود، وتجعل الجمهور يحمل في وجدانه صدى أوتار تبقى تتردد لفترة طويلة، كدليل على أن الموسيقى، حين تُعزف بصدق، تصبح اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة.