قالت النائبة عن كتلة الأحرار ومقررة لجنة الحقوق والحريات بمجلس نواب الشعب هالة جاب الله، إن اللجنة ستواصل النظر خلال الفترة القادمة في مقترح القانون الأساسي المتعلق بحماية المعطيات الشخصية الذي تم إدراجه ضمن الأولويات التشريعية للجنة خلال الدورة النيابية الحالية.
وأضافت في تصريح لـ«الصباح» أن نقاش هذا المقترح تحت قبة البرلمان يكتسي أهمية كبيرة في وقت أضحت فيه المعطيات الشخصية تباع وتشترى دون حسيب أو رقيب، وذكرت أن معطيات المواطن التونسي لم تعد في مأمن خاصة في ظل تنامي استخدام التطبيقات الحديثة وبروز تحديات جديدة منها بالخصوص الذكاء الاصطناعي، وقد تضمن مقترح القانون المذكور حسب قولها أحكاما جديدة رائدة في علاقة بتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي وكذلك الشأن بالنسبة إلى استعمال المعطيات الشخصية الصحية في مجالات البحث العلمي.
ويذكر في هذا السياق أن أصحاب المبادرة التشريعية المتعلقة بحماية المعطيات الشخصية وفي مقدمتهم النائب صابر المصمودي أشاروا في وثيقة شرح الأسباب إلى أن العالم شهد في العقد الأخير تحولا رقميا عميقا مسه الذكاء الاصطناعي وتوسع الانترنيت والاستخدام المكثف للمعطيات البيومترية وانتشار أجهزة المراقبة الذكية وهو ما جعل من حماية المعطيات الشخصية تحديا حقيقيا أمام المشرّعين، وفي هذا السياق جاء مقترح القانون الأساسي ليقدم إطارا جديدا وحديثا تماشيا مع أرقى القواعد القانونية المعتمدة عالميا ومطابقا لالتزامات تونس الدولية خاصة الاتفاقيات الأممية واتفاقيات الاتحاد الأوروبي بشأن حماية المعطيات وحقوق الإنسان.
وبين أصحاب المبادرة في نفس الوثيقة أنه رغم ريادة تونس في إقرار قانون لحماية المعطيات الشخصية منذ سنة 2004 فإن التطور السريع للتقنيات الرقمية وظهور تحديات جديدة مثل المعالجة البيومترية والذكاء الاصطناعي ونقل البيانات إلى الخارج وتوسع استخدام كاميرات المراقبة الذكية والمعطيات الصحية جعل الإطار التشريعي القديم غير قادر على الاستجابة لمتطلبات العصر إذ كشفت التجربة عدة نقائص هيكلية.
وتتمثل أبرز هذه النقائص في قصور القانون الجاري به العمل حاليا في تونس عن تنظيم معالجة المعطيات الحساسة أو فرض التزامات على المؤسسات بشأن احترام حقوق الأفراد الرقمية، والفراغ المؤسساتي الناجم عن غياب دور فعال للهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية منذ سنوات وأدى هذا الفراغ حسب ما أشارت إليه جهة المبادرة في وثيقة شرح الأسباب، إلى ترك المواطنين بلا حماية فعلية، وسمح بانتشار معالجات غير قانونية لمعطياتهم الشخصية دون محاسبة، ثم أن الهيئة لا تتمتع بصلاحيات إصدار عقوبات ردعية أو جزائية، وهو ما حد من قدرتها على التصدي للانتهاكات الجسيمة وعلى ممارسة رقابة فعالة، فضلا عن غياب أي تنظيم قانوني دقيق لمعالجة المعطيات في قطاعات حساسة مثل الصحافة والإعلام وكاميرات المراقبة وكذلك معالجتها بواسطة الذكاء الاصطناعي، وضعف حماية المعطيات عند نقلها إلى الخارج في ظل غياب إطار يضمن المعاملة بالمثل أو التحقق من توفر مستوى حماية كاف في الدول المستقبلة للمعطيات.
وخلص أصحاب مقترح القانون الأساسي المعروض على أنظار لجنة الحقوق والحريات إلى أن مقترحهم لم يأت فقط لتدارك النقائص سالفة الذكر بل ليحدث نقلة نوعية نحو منظومة متكاملة تكرس حقوق الأفراد وتفعل الرقابة وتواكب أفضل الممارسات الدولية بما يعزز سيادة الدولة ويحمي المجتمع ويخلق فرصا جديدة في سوق الشغل الرقمي والقانوني.
وتتمثل النقاط الجوهرية الجديدة التي جاء بها مقترح القانون الأساسي المتعلق بحماية المعطيات الشخصية حسب ما ورد في وثيقة شرح الأسباب في ملاءمة التشريع الوطني مع المعايير الدولية حيث تمت صياغة المقترح وفق أحدث المبادئ المستلهمة من اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات والمبادئ التوجيهية الأممية والاتفاقيات التي أمضتها تونس في مجال الحقوق الرقمية، كما أنه قدم تصورا جديدا لحماية المعطيات الحساسة خاصة منها المعطيات البيومترية وأخضع معالجتها إلى شروط صارمة، ومن بين عناصر التجديد الأخرى ما تعلق بالذكاء الاصطناعي من خلال إدماج معالجة المعطيات الشخصية عبر الخورزميات والذكاء الاصطناعي مع فرض التزامات دقيقة لضمان الشفافية والمساءلة وإضافة إلى ذلك جاء المقترح بتصورات جديدة لأجهزة المراقبة وكاميرات الفيديو. كما تضمن المقترح إحداث وظيفة المكلف بحماية المعطيات الشخصية وإحداث آلية جديدة تتمثل في الأشخاص المعتمدين لدى هيئة حماية المعطيات الشخصية الذين يمكنهم اقتراح علامة مطابقة للامتثال القانوني في معالجة المعطيات. وفي علاقة بالحق في النسيان ونقل المعطيات أقر المقترح جملة من الحقوق الفردية الجديدة وفي نفس السياق فقد تضمن أحكاما خاصة بمعالجة المعطيات في العمل الصحفي.
مقترحات تعديل
وتعقيبا على سؤال حول حصيلة جلسات الاستماع التي عقدتها لجنة الحقوق والحريات بمناسبة النظر في مقترح القانون الأساسي المتعلق بحماية المعطيات الشخصية أشارت مقررة اللجنة هالة جاب الله أن اللجنة استمعت في مرحلة أولى إلى جهة المبادرة التي تولت تقديم عرض حول مقترح القانون الأساسي المتعلق بالمعطيات الشخصية ثم تم إثر ذلك الشروع في تنظيم جلسات استماع إلى الجهات المعنية بالمقترح وفي مقدمتها الوظيفة التنفيذية حيث تم الاستماع إلى حد الآن إلى ممثلين عن كل من وزارة الصحة ورئاسة الحكومة والهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية.
وأضافت أن ما يمكنها ملاحظته من خلال جلسات الاستماع التي دارت صلب اللجنة هو عدم وجود نقاط الخلافية حول مسائل جوهرية، وفسرت أن جميع الأطراف رحبوا بمقترح القانون وقدموا جملة من الملاحظات الشكلية ولكن هناك أيضا ملاحظات أخرى حول مضامين بعض الفصول ومقترحات لتجويد صياغتها أو تعديلها، وهو ما سيتم أخذه بعين الاعتبار عند النظر في الفصول فصلا فصلا.
واستنادا إلى البلاغات الصادرة عن اللجنة إثر جلسات الاستماع، يذكر أن ممثّلة وزارة الصحة أشارت إلى أنّ الوزارة لديها ملفات صحية للمرضى وللمتعاملين معها، وبينت أنّ النّصوص الحالية تقضي بملكية المعطيات الصحية للمؤسسة الصحية ولا يمكن الإطلاع عليها إلاّ من طرف الإطار الطبي والشبه الطبي في حين تلتزم الأطراف الفنية للوزارة بمعالجة هذه المعطيات دون التعرف على المعنيين بالمعالجة. وبخصوص برامج ومشاريع البحث العلمي التي تعتمد جملة من الضوابط والشروط، أوضحت ممثّلة الوزارة أنّها تقتضي الحصول على ترخيص من هيئة حماية المعطيات الشخصية عند معالجة المعطيات الصحية، وهو ما من شأنه أن يعطّل أحيانا هذه المشاريع باعتبار غياب الهيئة منذ سنة 2024 وتحدثت عن الدور الذي يلعبه المركز الوطني للإعلامية في وزارة الصحة باعتباره هيكلا وطنيا منظّما بمقتضى نصوص قانونية وهو مسؤول أساسا عن تسيير وتطوير نظم المعلومات والتكنولوجيات الرقمية داخل القطاع الصحي ويختص بمعالجة ونقل المعطيات الصحية وتأمين البنية التحتية الرقمية. وأضافت أنّه لا يوجد تخزين للمعطيات الصحية خارج التراب التونسي عملا بالتشريع الجاري به العمل حاليا.
أما الممثّلين عن مصالح مستشار القانون والتشريع برئاسة الحكومة فقد ثمنوا المبادرة التشريعية المتعلقة بحماية المعطيات الشخصية، وأكدوا أن تونس تاريخيا تعدّ من أكثر الدول التي اهتمّت بالمعطيات الشخصية وكانت رائدة على الصعيدين العربي والإفريقي في إحداث هيئة تختصّ بحماية المعطيات الشخصية ، وهي من أوّل الدول التي أصدرت قانونا خاصا في هذا المجال، كما قدموا جملة من الملاحظات الشكلية والجوهرية لمزيد تجويد نصّ المقترح، تعلّقت خاصة بتركيبة الهيئة وجهازها الإداري المكلّف بالكتابة العامة، والعضوية فيها لكامل الوقت، معتبرين أنّ هذه المسائل قد تطرح إشكاليات عند التطبيق. كما لاحظوا بخصوص وجوبيّة إنابة محام أمام الهيئة التي تعتبر شبه قضائية أن ذلك قد يتعارض مع فلسفة ومقتضيات الدولة الاجتماعية خاصة وأنّ هذه الإنابة تثقل كاهل المواطن بكلفة مالية مرتفعة وقدّموا بعض التجارب المقارنة في مجال حماية المعطيات الشخصية وتركيبة الهيكل المعني بحماية هذه المعطيات وسلطة الإشراف عليه إضافة إلى مقترحات تعديل بعض الفصول سواء من حيث الشكل أو المضمون ومنها الدعوة إلى إعادة النظر في الفصل 16 ومراجعة إسناد السلطة الترتيبية للهيئة في مجالها تفاديا لتشتّت المهام وتضاربها مع سلطة الإشراف مما يخلق إشكالات عند التطبيق.
النقاش فصلا فصلا
وذكرت هالة جاب الله مقررة لجنة الحقوق والحريات أنه من المنتظر أن تبرمج اللجنة جلسات استماع أخرى في قادم الأيام إلى بقية الأطراف المعنية بمقترح القانون الأساسي المتعلق بحماية المعطيات الشخصية لكنها ستعمل بالتوازي مع جلسات الاستماع على مواصلة النظر في الفصول ونقاشها فصلا فصلا.
وللتذكير فقد تضمن هذا المقترح 132 فصلا تم توزيعها على ستة أبواب تعلّق الباب الأول بالأحكام العامة وتمت الإشارة فيه بالخصوص إلى أن هذا القانون يهدف إلى ضمان حق كل شخص في حماية معطياته الشخصية وهو يضبط الشروط والإجراءات الواجب احترمها في معالجة تلك المعطيات وتنطبق أحكامه على المعالجة الآلية وغير الآلية للمعطيات الشخصية والتي تتم على التراب التونسي فيما لا يتعارض مع مقتضيات الأمن العام والدفاع الوطني وفقا للتشريع الجاري به العمل. ولا تنطبق أحكام مقترح القانون على كل سلطة عمومية أو هيكل عمومي مكلف بالتوقي من الجرائم والبحث والتحقيق فيها والتتبع بشأنها وبتنفيذ العقوبات الجزائية والوقاية من التهديدات للأمن العام أو الدفاع الوطني أو المصالح النقدية للدولة. ولا تنطبق أحكامه على معالجة المعطيات الشخصية لغايات الاستعمال الشخصي أو العائلي. أما الباب الثاني من مقترح القانون فيتعلق بالمبادئ العامة لمعالجة المعطيات الشخصية وحقوق الشخص المعني بالمعالجة، في حين يتعلق بالباب الثالث بأنظمة معالجة المعطيات الشخصية، ويتعلق الباب الرابع بهيئة حماية المعطيات الشخصية، ويتعلق الباب الخامس بالعقوبات، ويتعلق الباب السدس بالأحكام الختامية والانتقالية.
تنظيم الجمعيات
وتعقيبا عن سؤال آخر حول مآل المبادرة التشريعية المتعلقة بتنظيم الجمعيات بينت مقررة لجنة الحقوق والحريات هالة جاب الله أن اللجنة عقدت عديد الجلسات لنقاشها كما استمعت إلى عدة أطراف لكنها مازلت تنتظر من وزارة العدل ورئاسة الحكومة إرسال ملاحظاتها حول هذه المبادرة، وفي نفس الوقت فإن جهة المبادرة نفسها كانت قد تعهدت منذ شهر أوت 2024 بتقديم صيغة معدلة لمقترح القانون بناء على الملاحظات المقدمة من قبل أعضاء اللجنة أو من قبل الجهات التي تم الاستماع إليها لكنها إلى حد الآن لم ترسل الصيغة المعدلة للجنة.
وأشارت جاب الله إلى أنه إضافة إلى مقترحي القانونين المتعلقين بتنظيم الجمعيات وحماية المعطيات الشخصية فإن لجنة الحقوق والحريات معنية بإبداء الرأي في مقترح القانون المتعلق بتنقيح وإتمام المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المؤرخ في 13 سبتمبر 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال الموجود أمام أنظار لجنة التشريع العام، كما طلب منها مكتب المجلس في وقت سابق إبداء الرأي في مقترح القانون الأساسي المتعلّق بحرية الاتصال السمعي البصري وبتنظيم هيئة الاتصال السمعي البصري وضبط اختصاصاتها الذي قرر إحالته إلى لجنة التشريع العام لكن تم تقديم طلب تنازع اختصاص من قبل لجنة الحقوق والحريات كما تولت لجنة التشريع العام التنازل عن المبادرة التشريعية المذكورة لفائدة لجنة الحقوق والحريات ولكن إلى حد الآن لم تتوصل اللجنة بإعلام رسمي بخصوص مآل طلب تنازع الاختصاص.
الوثائق البيومترية
وإجابة عن استفسار حول ما إذا كانت لجنة الحقوق والحريات ستتابع في إطار دورها الرقابي مآل قانونين نظرت فيهما سابقا وهما القانـون الأساسي عدد 23 لسنة 2024 المؤرخ في 11 مارس 2024 المتعلّق بتنقيح وإتمام القانون عدد 40 لسنة 1975 المؤرّخ في 14 ماي 1975 المتعلّق بجوازات السفر ووثائق السفر والقانون الأساسي عدد 22 لسنة 2024 المؤرخ في 11 مارس 2024 المتعلّق بتنقيح وإتمام القانون عدد 27 لسنة 1993 المؤرّخ في 22 مارس 1993 المتعلّق ببطاقة التعريف الوطنية، بينت هالة جاب الله أنه سبق أن تم توجيه سؤال كتابي منذ أشهر إلى الحكومة حول الوثائق البيومترية لكن لم تقع الإجابة عنه، ثم تم طرح نفس الموضوع بمناسبة نظر لجنة الدفاع والأمن والقوات الحاملة للسلاح في مشروع ميزانية الدولة وجاء في إجابة وزارة الداخلية أن تنفيذ مشروع الوثائق البيومترية سينطلق قريبا، وذكرت أنه تم التنصيص في القانونين على أوامر ترتيبية ولكن هذه النصوص لم تصدر بعد.
سعيدة بوهلال
قالت النائبة عن كتلة الأحرار ومقررة لجنة الحقوق والحريات بمجلس نواب الشعب هالة جاب الله، إن اللجنة ستواصل النظر خلال الفترة القادمة في مقترح القانون الأساسي المتعلق بحماية المعطيات الشخصية الذي تم إدراجه ضمن الأولويات التشريعية للجنة خلال الدورة النيابية الحالية.
وأضافت في تصريح لـ«الصباح» أن نقاش هذا المقترح تحت قبة البرلمان يكتسي أهمية كبيرة في وقت أضحت فيه المعطيات الشخصية تباع وتشترى دون حسيب أو رقيب، وذكرت أن معطيات المواطن التونسي لم تعد في مأمن خاصة في ظل تنامي استخدام التطبيقات الحديثة وبروز تحديات جديدة منها بالخصوص الذكاء الاصطناعي، وقد تضمن مقترح القانون المذكور حسب قولها أحكاما جديدة رائدة في علاقة بتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي وكذلك الشأن بالنسبة إلى استعمال المعطيات الشخصية الصحية في مجالات البحث العلمي.
ويذكر في هذا السياق أن أصحاب المبادرة التشريعية المتعلقة بحماية المعطيات الشخصية وفي مقدمتهم النائب صابر المصمودي أشاروا في وثيقة شرح الأسباب إلى أن العالم شهد في العقد الأخير تحولا رقميا عميقا مسه الذكاء الاصطناعي وتوسع الانترنيت والاستخدام المكثف للمعطيات البيومترية وانتشار أجهزة المراقبة الذكية وهو ما جعل من حماية المعطيات الشخصية تحديا حقيقيا أمام المشرّعين، وفي هذا السياق جاء مقترح القانون الأساسي ليقدم إطارا جديدا وحديثا تماشيا مع أرقى القواعد القانونية المعتمدة عالميا ومطابقا لالتزامات تونس الدولية خاصة الاتفاقيات الأممية واتفاقيات الاتحاد الأوروبي بشأن حماية المعطيات وحقوق الإنسان.
وبين أصحاب المبادرة في نفس الوثيقة أنه رغم ريادة تونس في إقرار قانون لحماية المعطيات الشخصية منذ سنة 2004 فإن التطور السريع للتقنيات الرقمية وظهور تحديات جديدة مثل المعالجة البيومترية والذكاء الاصطناعي ونقل البيانات إلى الخارج وتوسع استخدام كاميرات المراقبة الذكية والمعطيات الصحية جعل الإطار التشريعي القديم غير قادر على الاستجابة لمتطلبات العصر إذ كشفت التجربة عدة نقائص هيكلية.
وتتمثل أبرز هذه النقائص في قصور القانون الجاري به العمل حاليا في تونس عن تنظيم معالجة المعطيات الحساسة أو فرض التزامات على المؤسسات بشأن احترام حقوق الأفراد الرقمية، والفراغ المؤسساتي الناجم عن غياب دور فعال للهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية منذ سنوات وأدى هذا الفراغ حسب ما أشارت إليه جهة المبادرة في وثيقة شرح الأسباب، إلى ترك المواطنين بلا حماية فعلية، وسمح بانتشار معالجات غير قانونية لمعطياتهم الشخصية دون محاسبة، ثم أن الهيئة لا تتمتع بصلاحيات إصدار عقوبات ردعية أو جزائية، وهو ما حد من قدرتها على التصدي للانتهاكات الجسيمة وعلى ممارسة رقابة فعالة، فضلا عن غياب أي تنظيم قانوني دقيق لمعالجة المعطيات في قطاعات حساسة مثل الصحافة والإعلام وكاميرات المراقبة وكذلك معالجتها بواسطة الذكاء الاصطناعي، وضعف حماية المعطيات عند نقلها إلى الخارج في ظل غياب إطار يضمن المعاملة بالمثل أو التحقق من توفر مستوى حماية كاف في الدول المستقبلة للمعطيات.
وخلص أصحاب مقترح القانون الأساسي المعروض على أنظار لجنة الحقوق والحريات إلى أن مقترحهم لم يأت فقط لتدارك النقائص سالفة الذكر بل ليحدث نقلة نوعية نحو منظومة متكاملة تكرس حقوق الأفراد وتفعل الرقابة وتواكب أفضل الممارسات الدولية بما يعزز سيادة الدولة ويحمي المجتمع ويخلق فرصا جديدة في سوق الشغل الرقمي والقانوني.
وتتمثل النقاط الجوهرية الجديدة التي جاء بها مقترح القانون الأساسي المتعلق بحماية المعطيات الشخصية حسب ما ورد في وثيقة شرح الأسباب في ملاءمة التشريع الوطني مع المعايير الدولية حيث تمت صياغة المقترح وفق أحدث المبادئ المستلهمة من اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات والمبادئ التوجيهية الأممية والاتفاقيات التي أمضتها تونس في مجال الحقوق الرقمية، كما أنه قدم تصورا جديدا لحماية المعطيات الحساسة خاصة منها المعطيات البيومترية وأخضع معالجتها إلى شروط صارمة، ومن بين عناصر التجديد الأخرى ما تعلق بالذكاء الاصطناعي من خلال إدماج معالجة المعطيات الشخصية عبر الخورزميات والذكاء الاصطناعي مع فرض التزامات دقيقة لضمان الشفافية والمساءلة وإضافة إلى ذلك جاء المقترح بتصورات جديدة لأجهزة المراقبة وكاميرات الفيديو. كما تضمن المقترح إحداث وظيفة المكلف بحماية المعطيات الشخصية وإحداث آلية جديدة تتمثل في الأشخاص المعتمدين لدى هيئة حماية المعطيات الشخصية الذين يمكنهم اقتراح علامة مطابقة للامتثال القانوني في معالجة المعطيات. وفي علاقة بالحق في النسيان ونقل المعطيات أقر المقترح جملة من الحقوق الفردية الجديدة وفي نفس السياق فقد تضمن أحكاما خاصة بمعالجة المعطيات في العمل الصحفي.
مقترحات تعديل
وتعقيبا على سؤال حول حصيلة جلسات الاستماع التي عقدتها لجنة الحقوق والحريات بمناسبة النظر في مقترح القانون الأساسي المتعلق بحماية المعطيات الشخصية أشارت مقررة اللجنة هالة جاب الله أن اللجنة استمعت في مرحلة أولى إلى جهة المبادرة التي تولت تقديم عرض حول مقترح القانون الأساسي المتعلق بالمعطيات الشخصية ثم تم إثر ذلك الشروع في تنظيم جلسات استماع إلى الجهات المعنية بالمقترح وفي مقدمتها الوظيفة التنفيذية حيث تم الاستماع إلى حد الآن إلى ممثلين عن كل من وزارة الصحة ورئاسة الحكومة والهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية.
وأضافت أن ما يمكنها ملاحظته من خلال جلسات الاستماع التي دارت صلب اللجنة هو عدم وجود نقاط الخلافية حول مسائل جوهرية، وفسرت أن جميع الأطراف رحبوا بمقترح القانون وقدموا جملة من الملاحظات الشكلية ولكن هناك أيضا ملاحظات أخرى حول مضامين بعض الفصول ومقترحات لتجويد صياغتها أو تعديلها، وهو ما سيتم أخذه بعين الاعتبار عند النظر في الفصول فصلا فصلا.
واستنادا إلى البلاغات الصادرة عن اللجنة إثر جلسات الاستماع، يذكر أن ممثّلة وزارة الصحة أشارت إلى أنّ الوزارة لديها ملفات صحية للمرضى وللمتعاملين معها، وبينت أنّ النّصوص الحالية تقضي بملكية المعطيات الصحية للمؤسسة الصحية ولا يمكن الإطلاع عليها إلاّ من طرف الإطار الطبي والشبه الطبي في حين تلتزم الأطراف الفنية للوزارة بمعالجة هذه المعطيات دون التعرف على المعنيين بالمعالجة. وبخصوص برامج ومشاريع البحث العلمي التي تعتمد جملة من الضوابط والشروط، أوضحت ممثّلة الوزارة أنّها تقتضي الحصول على ترخيص من هيئة حماية المعطيات الشخصية عند معالجة المعطيات الصحية، وهو ما من شأنه أن يعطّل أحيانا هذه المشاريع باعتبار غياب الهيئة منذ سنة 2024 وتحدثت عن الدور الذي يلعبه المركز الوطني للإعلامية في وزارة الصحة باعتباره هيكلا وطنيا منظّما بمقتضى نصوص قانونية وهو مسؤول أساسا عن تسيير وتطوير نظم المعلومات والتكنولوجيات الرقمية داخل القطاع الصحي ويختص بمعالجة ونقل المعطيات الصحية وتأمين البنية التحتية الرقمية. وأضافت أنّه لا يوجد تخزين للمعطيات الصحية خارج التراب التونسي عملا بالتشريع الجاري به العمل حاليا.
أما الممثّلين عن مصالح مستشار القانون والتشريع برئاسة الحكومة فقد ثمنوا المبادرة التشريعية المتعلقة بحماية المعطيات الشخصية، وأكدوا أن تونس تاريخيا تعدّ من أكثر الدول التي اهتمّت بالمعطيات الشخصية وكانت رائدة على الصعيدين العربي والإفريقي في إحداث هيئة تختصّ بحماية المعطيات الشخصية ، وهي من أوّل الدول التي أصدرت قانونا خاصا في هذا المجال، كما قدموا جملة من الملاحظات الشكلية والجوهرية لمزيد تجويد نصّ المقترح، تعلّقت خاصة بتركيبة الهيئة وجهازها الإداري المكلّف بالكتابة العامة، والعضوية فيها لكامل الوقت، معتبرين أنّ هذه المسائل قد تطرح إشكاليات عند التطبيق. كما لاحظوا بخصوص وجوبيّة إنابة محام أمام الهيئة التي تعتبر شبه قضائية أن ذلك قد يتعارض مع فلسفة ومقتضيات الدولة الاجتماعية خاصة وأنّ هذه الإنابة تثقل كاهل المواطن بكلفة مالية مرتفعة وقدّموا بعض التجارب المقارنة في مجال حماية المعطيات الشخصية وتركيبة الهيكل المعني بحماية هذه المعطيات وسلطة الإشراف عليه إضافة إلى مقترحات تعديل بعض الفصول سواء من حيث الشكل أو المضمون ومنها الدعوة إلى إعادة النظر في الفصل 16 ومراجعة إسناد السلطة الترتيبية للهيئة في مجالها تفاديا لتشتّت المهام وتضاربها مع سلطة الإشراف مما يخلق إشكالات عند التطبيق.
النقاش فصلا فصلا
وذكرت هالة جاب الله مقررة لجنة الحقوق والحريات أنه من المنتظر أن تبرمج اللجنة جلسات استماع أخرى في قادم الأيام إلى بقية الأطراف المعنية بمقترح القانون الأساسي المتعلق بحماية المعطيات الشخصية لكنها ستعمل بالتوازي مع جلسات الاستماع على مواصلة النظر في الفصول ونقاشها فصلا فصلا.
وللتذكير فقد تضمن هذا المقترح 132 فصلا تم توزيعها على ستة أبواب تعلّق الباب الأول بالأحكام العامة وتمت الإشارة فيه بالخصوص إلى أن هذا القانون يهدف إلى ضمان حق كل شخص في حماية معطياته الشخصية وهو يضبط الشروط والإجراءات الواجب احترمها في معالجة تلك المعطيات وتنطبق أحكامه على المعالجة الآلية وغير الآلية للمعطيات الشخصية والتي تتم على التراب التونسي فيما لا يتعارض مع مقتضيات الأمن العام والدفاع الوطني وفقا للتشريع الجاري به العمل. ولا تنطبق أحكام مقترح القانون على كل سلطة عمومية أو هيكل عمومي مكلف بالتوقي من الجرائم والبحث والتحقيق فيها والتتبع بشأنها وبتنفيذ العقوبات الجزائية والوقاية من التهديدات للأمن العام أو الدفاع الوطني أو المصالح النقدية للدولة. ولا تنطبق أحكامه على معالجة المعطيات الشخصية لغايات الاستعمال الشخصي أو العائلي. أما الباب الثاني من مقترح القانون فيتعلق بالمبادئ العامة لمعالجة المعطيات الشخصية وحقوق الشخص المعني بالمعالجة، في حين يتعلق بالباب الثالث بأنظمة معالجة المعطيات الشخصية، ويتعلق الباب الرابع بهيئة حماية المعطيات الشخصية، ويتعلق الباب الخامس بالعقوبات، ويتعلق الباب السدس بالأحكام الختامية والانتقالية.
تنظيم الجمعيات
وتعقيبا عن سؤال آخر حول مآل المبادرة التشريعية المتعلقة بتنظيم الجمعيات بينت مقررة لجنة الحقوق والحريات هالة جاب الله أن اللجنة عقدت عديد الجلسات لنقاشها كما استمعت إلى عدة أطراف لكنها مازلت تنتظر من وزارة العدل ورئاسة الحكومة إرسال ملاحظاتها حول هذه المبادرة، وفي نفس الوقت فإن جهة المبادرة نفسها كانت قد تعهدت منذ شهر أوت 2024 بتقديم صيغة معدلة لمقترح القانون بناء على الملاحظات المقدمة من قبل أعضاء اللجنة أو من قبل الجهات التي تم الاستماع إليها لكنها إلى حد الآن لم ترسل الصيغة المعدلة للجنة.
وأشارت جاب الله إلى أنه إضافة إلى مقترحي القانونين المتعلقين بتنظيم الجمعيات وحماية المعطيات الشخصية فإن لجنة الحقوق والحريات معنية بإبداء الرأي في مقترح القانون المتعلق بتنقيح وإتمام المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المؤرخ في 13 سبتمبر 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال الموجود أمام أنظار لجنة التشريع العام، كما طلب منها مكتب المجلس في وقت سابق إبداء الرأي في مقترح القانون الأساسي المتعلّق بحرية الاتصال السمعي البصري وبتنظيم هيئة الاتصال السمعي البصري وضبط اختصاصاتها الذي قرر إحالته إلى لجنة التشريع العام لكن تم تقديم طلب تنازع اختصاص من قبل لجنة الحقوق والحريات كما تولت لجنة التشريع العام التنازل عن المبادرة التشريعية المذكورة لفائدة لجنة الحقوق والحريات ولكن إلى حد الآن لم تتوصل اللجنة بإعلام رسمي بخصوص مآل طلب تنازع الاختصاص.
الوثائق البيومترية
وإجابة عن استفسار حول ما إذا كانت لجنة الحقوق والحريات ستتابع في إطار دورها الرقابي مآل قانونين نظرت فيهما سابقا وهما القانـون الأساسي عدد 23 لسنة 2024 المؤرخ في 11 مارس 2024 المتعلّق بتنقيح وإتمام القانون عدد 40 لسنة 1975 المؤرّخ في 14 ماي 1975 المتعلّق بجوازات السفر ووثائق السفر والقانون الأساسي عدد 22 لسنة 2024 المؤرخ في 11 مارس 2024 المتعلّق بتنقيح وإتمام القانون عدد 27 لسنة 1993 المؤرّخ في 22 مارس 1993 المتعلّق ببطاقة التعريف الوطنية، بينت هالة جاب الله أنه سبق أن تم توجيه سؤال كتابي منذ أشهر إلى الحكومة حول الوثائق البيومترية لكن لم تقع الإجابة عنه، ثم تم طرح نفس الموضوع بمناسبة نظر لجنة الدفاع والأمن والقوات الحاملة للسلاح في مشروع ميزانية الدولة وجاء في إجابة وزارة الداخلية أن تنفيذ مشروع الوثائق البيومترية سينطلق قريبا، وذكرت أنه تم التنصيص في القانونين على أوامر ترتيبية ولكن هذه النصوص لم تصدر بعد.