تبدأ الرقابة من أعلى هرم الدولة، كجزء من استراتيجية حاكمة في إدارة الشأن العام، حيث تفرض تفاعلا ميدانيا ومتابعة دقيقة لمسارات التنفيذ، مع ارتباط وثيق بين المسؤولية والمحاسبة. هذا ما يعيد الانضباط إلى مؤسسات الدولة، ويعزز ثقة المواطنين في فعالية القرار.
وقد تجسّد هذا الطرح عمليا في الزيارة الميدانية التي قام بها رئيس الجمهورية قيس سعيد مؤخرا إلى شركة اللحوم بالوردية وسوق باب الفلة بالعاصمة، والتي كشفت جوهريا أن إدارة الشأن العام قد تجاوزت منطق التقارير الإدارية والاجتماعات المغلقة، وأصبحت ممارسة ميدانية تلامس تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.
حين يتوجه رئيس الدولة قيس سعيد إلى فضاءات الإنتاج والتوزيع، فإن الرسالة لا تتوجه إلى الرأي العام فحسب، بل إلى جميع أجهزة الدولة، مفادها أن الرقابة لا تُمارس عن بُعد، وأن المعاينة المباشرة تظل أداة إصلاح أساسية. هذه التنقلات الميدانية تكشف أن لا أحد فوق المساءلة، وأن أي قطاع لا يُعفى من المتابعة.
بين القرار والمعاينة، تتشكل معادلة تسيير ترتكز على الاحتكاك المباشر مع المواطن، وعلى ربط المسؤولية بالمحاسبة، حيث تتحول الرقابة من إجراء إداري روتيني إلى ممارسة سياسية تبدأ من أعلى هرم السلطة وتمتد إلى أدق مفاصل الدولة.
إرادة الحضور المباشر
في هذا السياق، تبرز الزيارات الميدانية لرئيس الجمهورية قيس سعيد كأحد أبرز ملامح أسلوب إدارة الشأن العام خلال السنوات الأخيرة، بما يعكس إرادة سياسية تركز على الحضور المباشر، وتؤكد أن الدولة لا تكتفي بدور «المتفرج».
هذه الزيارات تُكرس من خلالها فلسفة «الدولة الحاضرة»، في بعدها العملي، بوصفها تمثل سعيًا لإعادة الانضباط إلى دواليب الإدارة، وفتح خط «التماس المباشر» مع الواقع اليومي للمواطن. وبذلك، تصبح الزيارات الميدانية التي يقوم بها رئيس الدولة قيس سعيد أداة لكسر حلقات البيروقراطية التي غالبا ما تحجب الحقائق عن مراكز القرار، حيث تصبح المعاينة المباشرة آلية لكشف أغلب الإشكاليات والمنطلق الأساسي لاتخاذ القرارات الحاسمة.
جدير بالذكر أن هذه الزيارات تكتسي أهمية استثنائية كونها تأتي محملة بـ»القرار النافذ»، فهي ليست مجرد جولات تفقدية، بل هي محطات لمعاينة الإخلالات ومحاسبة أي تقصير. عندما يزور رئيس الدولة شركة اللحوم، فإن الرسالة تكون حازمة للمسالك التوزيعية ومنظومات الاحتكار: الدولة استعادت دورها «التعديلي». هذه التحركات تعيد تعريف هيبة الدولة وقدرتها على النفاذ إلى أدق التفاصيل التي تمس المقدرة الشرائية للمواطن، بما يكرس حماية «جيب التونسي» من خلال متابعة لصيقة من أعلى مستويات القرار.
وهذا الضغط الميداني يقلص من فرص الفساد الإداري والتقاعس، ويحول الإدارة التونسية من جهاز مثقل بالتعقيدات إلى أداة مرنة تستجيب بسرعة لمتطلبات اللحظة الراهنة، مما يساهم في استرجاع الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
التشخيص الميداني
في هذا الإطار، تندرج الزيارة الميدانية التي أداها رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى شركة اللحوم بالوردية، التي تحمل رمزية تاريخية تعود إلى عام 1961، ضمن مقاربة تهدف إلى إعادة الاعتبار لمبدأ الدولة الراعية والضامنة للأمن الغذائي. إن اختيار هذا المرفق العمومي يعكس إدراكا بأن إصلاح المنظومة الاقتصادية يبدأ من المؤسسات المرتبطة مباشرة بقوت التونسيين.
فاللحوم الحمراء ليست مجرد منتج عادي في الثقافة الاقتصادية والاجتماعية التونسية، بل هي مؤشر دقيق يرتبط مباشرة بالقدرة الشرائية، وبمنظومة الإنتاج، وبقضية الاحتكار والمضاربة. حين يختار رئيس الدولة التوجه إلى هذا المرفق، فإن الرسالة واضحة: الدولة منتبهة إلى أحد مفاصل السوق الحيوية، وزمن التراخي قد ولى، وكل مسؤول معني بالانضباط والنجاعة.
وبموجب هذه المقاربة، فإن الوقوف على سير العمل والتحاور مع المسؤولين حول ما تم تسجيله من إخلالات وتجاوزات، لا سيما ملفات الفساد، يكشف عن توجه يرتكز على التشخيص الميداني كمدخل أساسي للمحاسبة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تأكيد رئيس الدولة قيس سعيد على متابعته للأوضاع «عن كثب» يأتي في سياق تكريس مبدأ أن الرقابة التي تنطلق من أعلى هرم الدولة تتجاوز كونها زيارة ميدانية، بل تمثل إعادة ضبط بوصلة التسيير داخل مؤسسات عمومية عانت من إخلالات متراكمة.
كما أن استحضار المحطات التاريخية للمؤسسة يحمل رسالة ضمنية مفادها أن ما تحقق في مراحل سابقة يمكن استعادته، وأن استرجاع «سالف النشاط» ليس شعارًا بل إنه هدف سياسي يرتبط بإرادة الإصلاح.
وفي نفس الاتجاه، فإن زيارة رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى سوق باب الفلة بالعاصمة يوسّع دائرة المعاينة لتشمل فضاء الاستهلاك. فالسوق، بما تعكسه من مستويات الأسعار وقدرة شرائية، تمثل مختبرا لمدى نجاعة السياسات الاقتصادية. كما أن الاستماع إلى المواطنين يعزز صورة القرب من مشاغلهم، ويكرس فكرة أن القرار السياسي لا ينفصل عن نبض الشارع.
عندما يشدد رئيس الدولة قيس سعيد على مواصلة «المسار الاجتماعي»، فإنه يضع هذه التحركات ضمن رؤية أشمل لدور الدولة في حماية الفئات المتضررة من تقلبات السوق. وبذلك يصبح التدخل الميداني جزءا من استراتيجية تهدف إلى تحقيق التوازن بين مقتضيات السوق ومتطلبات العدالة الاجتماعية.
من جهة أخرى، تجسد الزيارة التي قام بها رئيس الدولة قيس سعيد إلى شركة اللحوم وسوق باب الفلة التوجه الثابت الذي اتبعه منذ توليه إدارة الشأن العام، والذي يعتمد على التنقل الميداني إلى الأسواق باعتبارها المؤشر الحقيقي لنجاعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
هنا تتجلى خصوصية الزيارات الميدانية، إذ تنقل النقاش من مستوى الأرقام والتقارير إلى مستوى الواقع المعاش. حيث تتحول المعاينة المباشرة إلى مدخل لاتخاذ قرارات حاسمة وإطلاق إصلاحات عملية تترجم الإرادة السياسية إلى إجراءات ملموسة.
الزيارات الميدانية كآلية عمل
ثقافة الزيارات الميدانية لم تقتصر على رئيس الجمهورية قيس سعيد فقط، بل امتدت إلى عدد من الوزراء الذين قاموا بدورهم مؤخرا بزيارات ميدانية في مجالاتهم. وهذه الديناميكية ليست معزولة عن التوجه العام الذي رسمه رئيس الدولة، بل تمثل امتدادا له.
عندما يقوم وزير ما بزيارة ميدانية بتوجيهات من رئيس الجمهورية، فإن ذلك يندرج ضمن رؤية تقوم على تكثيف الرقابة، وإعادة ربط المركز بالجهات، وتفعيل مبدأ المساءلة، لا سيما وأن الزيارات المفاجئة تُعد أداة فعّالة لكشف النقائص والإشكاليات والتحديات المطروحة.
أحد أبرز أهداف هذه الزيارات هو زيادة منسوب الرقابة داخل أجهزة الدولة. فالرقابة التقليدية، المعتمدة على التقارير الإدارية، غالبا ما تشوبها المجاملات أو نقص المعطيات. أما النزول الميداني، فإنه يكشف الواقع كما هو دون «مساحيق تجميلية».
وهكذا تتعزز ثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي إحدى الشعارات المركزية في خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيد، ليصبح «الميدان» المعيار الذي يضبط مدى نجاعة السياسات المعتمدة.
الدولة القوية
يسعى رئيس الدولة قيس سعيد، من خلال ترسيخ آلية الزيارات الميدانية، إلى تعزيز صورة الدولة القوية القادرة على التدخل السريع. فالمواطن الذي يلمس تفاعل أعلى سلطة في البلاد مع مشاغله اليومية يشعر، نظريًا على الأقل، بأن صوته مسموع. وهذا البعد الرمزي يعتبر مهمًا للغاية في سياق اجتماعي يشهد تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة.
ورغم الأهمية التي تكتسبها الزيارات الميدانية، فإنها تطرح بدورها تحديات، أهمها تعصير الإدارة. لذا، ينبغي أن تتحول هذه الديناميكية إلى ثقافة مؤسساتية لا ترتبط فقط بحضور رئيس الدولة أو وزير ما.
كما أن تحسين الأداء الرقابي يتطلب تدعيم أجهزة التفقد، وتحديث آليات الرقابة الرقمية، وتعزيز الشفافية. فالزيارة الميدانية يمكن أن تكون شرارة انطلاق، لكنها تحتاج إلى منظومة متكاملة تضمن استمرارية الإصلاح.
حين تصبح الرقابة ممارسة
في هذا الإطار، لا يمكن قراءة الزيارات الميدانية لرئيس الجمهورية قيس سعيد خارج رؤية أوسع لإعادة تعريف علاقة الدولة بمؤسساتها وبمواطنيها. حين تصبح الرقابة ممارسة تنطلق من أعلى هرم السلطة وتمتد إلى الأسواق ومواقع الإنتاج، فإن الرسالة تتجاوز بعدها الظرفي لتؤسس لثقافة حكم قائمة على المتابعة والمساءلة والنجاعة.
بين شركة اللحوم بالوردية وسوق باب الفلة بالعاصمة، تتشكل صورة دولة تسعى إلى الإمساك بزمام المبادرة، دولة تعتبر أن الأمن الغذائي والاجتماعي جزء من سيادتها، وأن القانون هو الفيصل والإطار المرجعي الذي يحمي الجميع دون استثناء.
فالانتقال من «سياسة المكاتب» إلى «سياسة الميدان» لا يعكس قطيعة شكلية في أسلوب العمل فحسب، بل يؤسس لمرحلة تُعلي من قيمة القرب من المواطن، وتجعل من المعاينة المباشرة مدخلًا لاتخاذ القرار. وهو توجه يعزز منطق الدولة الحاضرة التي تراقب وتصحح وتطوّر أداءها انطلاقًا من واقع الناس واحتياجاتهم الفعلية، بما يفتح أفقًا لإصلاح تدريجي ومستدام يعيد الثقة ويكرس ثقافتي الإنجاز والفعل.
منال حرزي
-----
تبدأ الرقابة من أعلى هرم الدولة، كجزء من استراتيجية حاكمة في إدارة الشأن العام، حيث تفرض تفاعلا ميدانيا ومتابعة دقيقة لمسارات التنفيذ، مع ارتباط وثيق بين المسؤولية والمحاسبة. هذا ما يعيد الانضباط إلى مؤسسات الدولة، ويعزز ثقة المواطنين في فعالية القرار.
وقد تجسّد هذا الطرح عمليا في الزيارة الميدانية التي قام بها رئيس الجمهورية قيس سعيد مؤخرا إلى شركة اللحوم بالوردية وسوق باب الفلة بالعاصمة، والتي كشفت جوهريا أن إدارة الشأن العام قد تجاوزت منطق التقارير الإدارية والاجتماعات المغلقة، وأصبحت ممارسة ميدانية تلامس تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.
حين يتوجه رئيس الدولة قيس سعيد إلى فضاءات الإنتاج والتوزيع، فإن الرسالة لا تتوجه إلى الرأي العام فحسب، بل إلى جميع أجهزة الدولة، مفادها أن الرقابة لا تُمارس عن بُعد، وأن المعاينة المباشرة تظل أداة إصلاح أساسية. هذه التنقلات الميدانية تكشف أن لا أحد فوق المساءلة، وأن أي قطاع لا يُعفى من المتابعة.
بين القرار والمعاينة، تتشكل معادلة تسيير ترتكز على الاحتكاك المباشر مع المواطن، وعلى ربط المسؤولية بالمحاسبة، حيث تتحول الرقابة من إجراء إداري روتيني إلى ممارسة سياسية تبدأ من أعلى هرم السلطة وتمتد إلى أدق مفاصل الدولة.
إرادة الحضور المباشر
في هذا السياق، تبرز الزيارات الميدانية لرئيس الجمهورية قيس سعيد كأحد أبرز ملامح أسلوب إدارة الشأن العام خلال السنوات الأخيرة، بما يعكس إرادة سياسية تركز على الحضور المباشر، وتؤكد أن الدولة لا تكتفي بدور «المتفرج».
هذه الزيارات تُكرس من خلالها فلسفة «الدولة الحاضرة»، في بعدها العملي، بوصفها تمثل سعيًا لإعادة الانضباط إلى دواليب الإدارة، وفتح خط «التماس المباشر» مع الواقع اليومي للمواطن. وبذلك، تصبح الزيارات الميدانية التي يقوم بها رئيس الدولة قيس سعيد أداة لكسر حلقات البيروقراطية التي غالبا ما تحجب الحقائق عن مراكز القرار، حيث تصبح المعاينة المباشرة آلية لكشف أغلب الإشكاليات والمنطلق الأساسي لاتخاذ القرارات الحاسمة.
جدير بالذكر أن هذه الزيارات تكتسي أهمية استثنائية كونها تأتي محملة بـ»القرار النافذ»، فهي ليست مجرد جولات تفقدية، بل هي محطات لمعاينة الإخلالات ومحاسبة أي تقصير. عندما يزور رئيس الدولة شركة اللحوم، فإن الرسالة تكون حازمة للمسالك التوزيعية ومنظومات الاحتكار: الدولة استعادت دورها «التعديلي». هذه التحركات تعيد تعريف هيبة الدولة وقدرتها على النفاذ إلى أدق التفاصيل التي تمس المقدرة الشرائية للمواطن، بما يكرس حماية «جيب التونسي» من خلال متابعة لصيقة من أعلى مستويات القرار.
وهذا الضغط الميداني يقلص من فرص الفساد الإداري والتقاعس، ويحول الإدارة التونسية من جهاز مثقل بالتعقيدات إلى أداة مرنة تستجيب بسرعة لمتطلبات اللحظة الراهنة، مما يساهم في استرجاع الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
التشخيص الميداني
في هذا الإطار، تندرج الزيارة الميدانية التي أداها رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى شركة اللحوم بالوردية، التي تحمل رمزية تاريخية تعود إلى عام 1961، ضمن مقاربة تهدف إلى إعادة الاعتبار لمبدأ الدولة الراعية والضامنة للأمن الغذائي. إن اختيار هذا المرفق العمومي يعكس إدراكا بأن إصلاح المنظومة الاقتصادية يبدأ من المؤسسات المرتبطة مباشرة بقوت التونسيين.
فاللحوم الحمراء ليست مجرد منتج عادي في الثقافة الاقتصادية والاجتماعية التونسية، بل هي مؤشر دقيق يرتبط مباشرة بالقدرة الشرائية، وبمنظومة الإنتاج، وبقضية الاحتكار والمضاربة. حين يختار رئيس الدولة التوجه إلى هذا المرفق، فإن الرسالة واضحة: الدولة منتبهة إلى أحد مفاصل السوق الحيوية، وزمن التراخي قد ولى، وكل مسؤول معني بالانضباط والنجاعة.
وبموجب هذه المقاربة، فإن الوقوف على سير العمل والتحاور مع المسؤولين حول ما تم تسجيله من إخلالات وتجاوزات، لا سيما ملفات الفساد، يكشف عن توجه يرتكز على التشخيص الميداني كمدخل أساسي للمحاسبة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تأكيد رئيس الدولة قيس سعيد على متابعته للأوضاع «عن كثب» يأتي في سياق تكريس مبدأ أن الرقابة التي تنطلق من أعلى هرم الدولة تتجاوز كونها زيارة ميدانية، بل تمثل إعادة ضبط بوصلة التسيير داخل مؤسسات عمومية عانت من إخلالات متراكمة.
كما أن استحضار المحطات التاريخية للمؤسسة يحمل رسالة ضمنية مفادها أن ما تحقق في مراحل سابقة يمكن استعادته، وأن استرجاع «سالف النشاط» ليس شعارًا بل إنه هدف سياسي يرتبط بإرادة الإصلاح.
وفي نفس الاتجاه، فإن زيارة رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى سوق باب الفلة بالعاصمة يوسّع دائرة المعاينة لتشمل فضاء الاستهلاك. فالسوق، بما تعكسه من مستويات الأسعار وقدرة شرائية، تمثل مختبرا لمدى نجاعة السياسات الاقتصادية. كما أن الاستماع إلى المواطنين يعزز صورة القرب من مشاغلهم، ويكرس فكرة أن القرار السياسي لا ينفصل عن نبض الشارع.
عندما يشدد رئيس الدولة قيس سعيد على مواصلة «المسار الاجتماعي»، فإنه يضع هذه التحركات ضمن رؤية أشمل لدور الدولة في حماية الفئات المتضررة من تقلبات السوق. وبذلك يصبح التدخل الميداني جزءا من استراتيجية تهدف إلى تحقيق التوازن بين مقتضيات السوق ومتطلبات العدالة الاجتماعية.
من جهة أخرى، تجسد الزيارة التي قام بها رئيس الدولة قيس سعيد إلى شركة اللحوم وسوق باب الفلة التوجه الثابت الذي اتبعه منذ توليه إدارة الشأن العام، والذي يعتمد على التنقل الميداني إلى الأسواق باعتبارها المؤشر الحقيقي لنجاعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
هنا تتجلى خصوصية الزيارات الميدانية، إذ تنقل النقاش من مستوى الأرقام والتقارير إلى مستوى الواقع المعاش. حيث تتحول المعاينة المباشرة إلى مدخل لاتخاذ قرارات حاسمة وإطلاق إصلاحات عملية تترجم الإرادة السياسية إلى إجراءات ملموسة.
الزيارات الميدانية كآلية عمل
ثقافة الزيارات الميدانية لم تقتصر على رئيس الجمهورية قيس سعيد فقط، بل امتدت إلى عدد من الوزراء الذين قاموا بدورهم مؤخرا بزيارات ميدانية في مجالاتهم. وهذه الديناميكية ليست معزولة عن التوجه العام الذي رسمه رئيس الدولة، بل تمثل امتدادا له.
عندما يقوم وزير ما بزيارة ميدانية بتوجيهات من رئيس الجمهورية، فإن ذلك يندرج ضمن رؤية تقوم على تكثيف الرقابة، وإعادة ربط المركز بالجهات، وتفعيل مبدأ المساءلة، لا سيما وأن الزيارات المفاجئة تُعد أداة فعّالة لكشف النقائص والإشكاليات والتحديات المطروحة.
أحد أبرز أهداف هذه الزيارات هو زيادة منسوب الرقابة داخل أجهزة الدولة. فالرقابة التقليدية، المعتمدة على التقارير الإدارية، غالبا ما تشوبها المجاملات أو نقص المعطيات. أما النزول الميداني، فإنه يكشف الواقع كما هو دون «مساحيق تجميلية».
وهكذا تتعزز ثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي إحدى الشعارات المركزية في خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيد، ليصبح «الميدان» المعيار الذي يضبط مدى نجاعة السياسات المعتمدة.
الدولة القوية
يسعى رئيس الدولة قيس سعيد، من خلال ترسيخ آلية الزيارات الميدانية، إلى تعزيز صورة الدولة القوية القادرة على التدخل السريع. فالمواطن الذي يلمس تفاعل أعلى سلطة في البلاد مع مشاغله اليومية يشعر، نظريًا على الأقل، بأن صوته مسموع. وهذا البعد الرمزي يعتبر مهمًا للغاية في سياق اجتماعي يشهد تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة.
ورغم الأهمية التي تكتسبها الزيارات الميدانية، فإنها تطرح بدورها تحديات، أهمها تعصير الإدارة. لذا، ينبغي أن تتحول هذه الديناميكية إلى ثقافة مؤسساتية لا ترتبط فقط بحضور رئيس الدولة أو وزير ما.
كما أن تحسين الأداء الرقابي يتطلب تدعيم أجهزة التفقد، وتحديث آليات الرقابة الرقمية، وتعزيز الشفافية. فالزيارة الميدانية يمكن أن تكون شرارة انطلاق، لكنها تحتاج إلى منظومة متكاملة تضمن استمرارية الإصلاح.
حين تصبح الرقابة ممارسة
في هذا الإطار، لا يمكن قراءة الزيارات الميدانية لرئيس الجمهورية قيس سعيد خارج رؤية أوسع لإعادة تعريف علاقة الدولة بمؤسساتها وبمواطنيها. حين تصبح الرقابة ممارسة تنطلق من أعلى هرم السلطة وتمتد إلى الأسواق ومواقع الإنتاج، فإن الرسالة تتجاوز بعدها الظرفي لتؤسس لثقافة حكم قائمة على المتابعة والمساءلة والنجاعة.
بين شركة اللحوم بالوردية وسوق باب الفلة بالعاصمة، تتشكل صورة دولة تسعى إلى الإمساك بزمام المبادرة، دولة تعتبر أن الأمن الغذائي والاجتماعي جزء من سيادتها، وأن القانون هو الفيصل والإطار المرجعي الذي يحمي الجميع دون استثناء.
فالانتقال من «سياسة المكاتب» إلى «سياسة الميدان» لا يعكس قطيعة شكلية في أسلوب العمل فحسب، بل يؤسس لمرحلة تُعلي من قيمة القرب من المواطن، وتجعل من المعاينة المباشرة مدخلًا لاتخاذ القرار. وهو توجه يعزز منطق الدولة الحاضرة التي تراقب وتصحح وتطوّر أداءها انطلاقًا من واقع الناس واحتياجاتهم الفعلية، بما يفتح أفقًا لإصلاح تدريجي ومستدام يعيد الثقة ويكرس ثقافتي الإنجاز والفعل.