تؤكد المؤشرات الإحصائية في كل مرة عمق أزمة السكن في تونس، والتوجه المتزايد نحو التخلي نهائيا عن فكرة امتلاك منزل لدى أغلب التونسيين. فقد كشفت معطيات البنك المركزي مرة أخرى أنه مقارنة بالتطور الصافي لحجم القروض (القروض التي تم سدادها والقروض الجديدة)، فإن قروض السكن حققت نموا سلبيا لأول مرة منذ عام 2011 بتراجع بلغ 197.6 مليون دينار.
ومرد هذا التراجع، وفق تحليلات المختصين، الأزمة التي يعاني منها قطاع السكن في تونس، لا سيما وأن جزءا كبيرا من التونسيين أصبح غير قادر على الحصول على التمويلات البنكية لاقتناء مسكن، في ظل نسب الفائدة المرتفعة وصعوبة توفير التمويل الذاتي، مع تراجع القدرة على التداين من جهة، وتوجيه أولوياته نحو المعيشة اليومية والتعليم والصحة من جهة أخرى. بالتوازي مع ذلك، تؤكد المؤشرات المحينة الصادرة بشأن بورصة العقارات اتساع الهوة بين القدرة الشرائية للتونسي والأسعار المتداولة للعقارات القديمة والجديدة على حد سواء.
بورصة الأسعار
ووفق موقع «مبوب» (Mubawab.tn) المختص في متابعة العقارات، فقد سجلت سنة 2025 ارتفاعًا في متوسط سعر المتر المربع للشقق على صعيد وطني بنسبة 5 % مقارنة بسنة 2024.
وتبدو الزيادات المسجلة أكثر وضوحًا في بعض أحياء تونس الكبرى، من بينها:
سكرة (+22 %)
حي الغزالة (+19 %)
شطرانة 1 (+13 %)
بومهل (+12 %)
حدائق المنزه 2 (+10 %)
وقد «تصدرت سكرة قائمة الأحياء الأكثر طلبًا في تونس الكبرى، بمتوسط أسعار بلغ 3900 دينار للمتر المربع للعقارات الجديدة و3400 دينار للعقارات القديمة.
وتلتها العوينة، التي احتلت المرتبة الثانية بعد تصدرها السوق خلال السنتين الماضيتين، بأسعار بلغت 3500 دينار للمتر المربع للعقارات الجديدة و2740 دينارًا للعقارات القديمة.
كما حافظت عين زغوان الشمالية بالعاصمة على موقعها ضمن الأحياء الثلاثة الأولى، بمتوسط سعر بلغ 4,600 دينار للمتر المربع للعقارات الجديدة، في حين أكدت حدائق قرطاج مكانتها كمنطقة ذات طابع فاخر، بمتوسط سعر بلغ 5,690 دينارًا للمتر المربع للعقارات الجديدة».
تقلص الخيارات
الملاحظة أيضًا في ظل مؤشرات واقع السكن اليوم هي تراجع إقبال الباعثين العقاريين على إنجاز مشاريع جديدة، حيث «تقلص معدل المساكن المُحدثة إلى ما بين 6 و7 آلاف وحدة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2022 و2024، مقابل 20 ألف وحدة خلال الفترة بين 2017 و2022».
كما تغيرت وتقلصت الخيارات أمام المواطن على مستوى اختيار مساحة المسكن ونوعية البناء. فالمساكن ذات المساحة الكبيرة أصبحت مكلفة، ولا تتلاءم أسعارها مع متوسط الأجور في تونس.
ووفق نتائج التعداد العام للسكان والسكنى التي نشرت مؤخرًا، «تستأثر المساكن صغيرة ومتوسطة الحجم التي تتراوح مساحتها ما بين 50 و149 مترا مربعا بنسبة 78.5 % من مجموع مساكن التونسيين المقدرة بأكثر من 4.2 مليون مسكن».
لمواجهة حدة التغيرات والتحديات في واقع السكن في تونس، أعلنت الدولة عن توجهها نحو دعم السكن الاجتماعي كضرورة مهمة في صميم التوجهات الاجتماعية للدولة.
وكان وزير التجهيز والإسكان صلاح الزواري قد أعلن مؤخرا أنه سيتم تسليم المساكن في إطار الكراء المُملك بداية من سنة 2027. وأضاف أن الوزارة اتجهت إلى وضع خطة لإنجاز قرابة 5 آلاف مسكن في المخطط التنموي للمرحلة القادمة 2026/2030، أي بمعدل 1000 مسكن اجتماعي لفائدة الأجراء سنويا.
وأضاف الوزير أنه تم «وضع هدف خاص بسنة 2026 يتمثل في الانطلاق في إحداث حوالي 1200 مسكن تشمل 11 ولاية، بكلفة 200 مليون دينار، لافتا إلى أن هذه الكلفة تم تخصيصها في ميزانية الدولة لسنة 2026، وأنه سيبدأ في السداسي الأول من العام الحالي في أشغال قرابة 600 مسكن في إطار آلية الكراء المُملك، ومثلها في السداسية الثانية».
مقترحات ومبادرات
وعلى الرغم من أهمية برنامج الكراء المُملك، إلا أن البعض يعتبره غير كاف لمواجهة حاجة التونسيين، مقترحين المزيد من الإجراءات.
فقد اعتبر نائب رئيس الغرفة الوطنية للباعثين العقاريين في تونس، جلال المزيو، «مبادرة الكراء المُملك فكرة إيجابية ومبادرة طيبة من حيث المبدأ، قد تخدم الفئة الضعيفة، لكن يجب ألا ننسى الطبقة المتوسطة التي هي أساس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد».
ويقترح الباعثون العقاريون تفعيل مقترحهم السابق في تمكين كل شاب تونسي من قرض سكني بنسبة فائدة 3 % فقط، في حدود 500 ألف دينار كحد أقصى، لشراء مسكن من اختياره. والفارق بين نسبة الفائدة المنخفضة (3 %) ونسب الفائدة البنكية الحالية (التي تتراوح بين 10 % و12 %) يمكن أن يتحمله صندوق السكن.
ويؤكد نائب رئيس غرفة الباعثين العقاريين في تصريحاته أن «هذا النموذج أكثر عدالة وواقعية»، لأنه يتيح للشباب والطبقة المتوسطة امتلاك مساكن دون أعباء مالية مفرطة. والكراء المُملك فيه مخاطر كثيرة، لأن المستأجر قد يتخلف عن الدفع، ما يخلق نزاعات قانونية ويعطل المشاريع، بينما القرض بنسبة فائدة منخفضة يضمن للمواطن حريته في اختيار المسكن، وللباعث العقاري سيولته المالية، وللدولة استقرار المنظومة.
في السياق ذاته، اعتبر رئيس لجنة التخطيط الاستراتيجي بمجلس نواب الشعب، صابر الجلاصي، أن «آلية الكراء المُملك التي صادق عليها البرلمان مؤخرا تمثل خطوة مهمة في اتجاه معالجة أزمة السكن، لكنها تبقى غير كافية بالنظر إلى حجم الإشكال القائم».
وأوضح الجلاصي في تصريح إعلامي مؤخرا أن «نحو 30 % من التونسيين لا يمتلكون مساكنا»، معتبرًا أن آلاف الوحدات السكنية التي تعتزم وزارة التجهيز إنجازها في إطار مشروع الكراء المُملك لن تكون كافية بمفردها لحل أزمة السكن في تونس.
كما كشف النائب عن جملة من مقترحات القوانين التي قد تساهم في تقديره في حل أزمة السكن في تونس، مثل «تسوية وضعية الأحياء العشوائية، إضافة إلى مشروع قانون مرتقب لتنقيح نظام «فوبرولوس»، خاصة فيما يتعلق بشروط الانتفاع، وعلى رأسها شرط الدخل الأدنى الذي يحرم عددًا من محدودي ومتوسطي الدخل من الاستفادة من السكن الاجتماعي».
◗ م.ي
تؤكد المؤشرات الإحصائية في كل مرة عمق أزمة السكن في تونس، والتوجه المتزايد نحو التخلي نهائيا عن فكرة امتلاك منزل لدى أغلب التونسيين. فقد كشفت معطيات البنك المركزي مرة أخرى أنه مقارنة بالتطور الصافي لحجم القروض (القروض التي تم سدادها والقروض الجديدة)، فإن قروض السكن حققت نموا سلبيا لأول مرة منذ عام 2011 بتراجع بلغ 197.6 مليون دينار.
ومرد هذا التراجع، وفق تحليلات المختصين، الأزمة التي يعاني منها قطاع السكن في تونس، لا سيما وأن جزءا كبيرا من التونسيين أصبح غير قادر على الحصول على التمويلات البنكية لاقتناء مسكن، في ظل نسب الفائدة المرتفعة وصعوبة توفير التمويل الذاتي، مع تراجع القدرة على التداين من جهة، وتوجيه أولوياته نحو المعيشة اليومية والتعليم والصحة من جهة أخرى. بالتوازي مع ذلك، تؤكد المؤشرات المحينة الصادرة بشأن بورصة العقارات اتساع الهوة بين القدرة الشرائية للتونسي والأسعار المتداولة للعقارات القديمة والجديدة على حد سواء.
بورصة الأسعار
ووفق موقع «مبوب» (Mubawab.tn) المختص في متابعة العقارات، فقد سجلت سنة 2025 ارتفاعًا في متوسط سعر المتر المربع للشقق على صعيد وطني بنسبة 5 % مقارنة بسنة 2024.
وتبدو الزيادات المسجلة أكثر وضوحًا في بعض أحياء تونس الكبرى، من بينها:
سكرة (+22 %)
حي الغزالة (+19 %)
شطرانة 1 (+13 %)
بومهل (+12 %)
حدائق المنزه 2 (+10 %)
وقد «تصدرت سكرة قائمة الأحياء الأكثر طلبًا في تونس الكبرى، بمتوسط أسعار بلغ 3900 دينار للمتر المربع للعقارات الجديدة و3400 دينار للعقارات القديمة.
وتلتها العوينة، التي احتلت المرتبة الثانية بعد تصدرها السوق خلال السنتين الماضيتين، بأسعار بلغت 3500 دينار للمتر المربع للعقارات الجديدة و2740 دينارًا للعقارات القديمة.
كما حافظت عين زغوان الشمالية بالعاصمة على موقعها ضمن الأحياء الثلاثة الأولى، بمتوسط سعر بلغ 4,600 دينار للمتر المربع للعقارات الجديدة، في حين أكدت حدائق قرطاج مكانتها كمنطقة ذات طابع فاخر، بمتوسط سعر بلغ 5,690 دينارًا للمتر المربع للعقارات الجديدة».
تقلص الخيارات
الملاحظة أيضًا في ظل مؤشرات واقع السكن اليوم هي تراجع إقبال الباعثين العقاريين على إنجاز مشاريع جديدة، حيث «تقلص معدل المساكن المُحدثة إلى ما بين 6 و7 آلاف وحدة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2022 و2024، مقابل 20 ألف وحدة خلال الفترة بين 2017 و2022».
كما تغيرت وتقلصت الخيارات أمام المواطن على مستوى اختيار مساحة المسكن ونوعية البناء. فالمساكن ذات المساحة الكبيرة أصبحت مكلفة، ولا تتلاءم أسعارها مع متوسط الأجور في تونس.
ووفق نتائج التعداد العام للسكان والسكنى التي نشرت مؤخرًا، «تستأثر المساكن صغيرة ومتوسطة الحجم التي تتراوح مساحتها ما بين 50 و149 مترا مربعا بنسبة 78.5 % من مجموع مساكن التونسيين المقدرة بأكثر من 4.2 مليون مسكن».
لمواجهة حدة التغيرات والتحديات في واقع السكن في تونس، أعلنت الدولة عن توجهها نحو دعم السكن الاجتماعي كضرورة مهمة في صميم التوجهات الاجتماعية للدولة.
وكان وزير التجهيز والإسكان صلاح الزواري قد أعلن مؤخرا أنه سيتم تسليم المساكن في إطار الكراء المُملك بداية من سنة 2027. وأضاف أن الوزارة اتجهت إلى وضع خطة لإنجاز قرابة 5 آلاف مسكن في المخطط التنموي للمرحلة القادمة 2026/2030، أي بمعدل 1000 مسكن اجتماعي لفائدة الأجراء سنويا.
وأضاف الوزير أنه تم «وضع هدف خاص بسنة 2026 يتمثل في الانطلاق في إحداث حوالي 1200 مسكن تشمل 11 ولاية، بكلفة 200 مليون دينار، لافتا إلى أن هذه الكلفة تم تخصيصها في ميزانية الدولة لسنة 2026، وأنه سيبدأ في السداسي الأول من العام الحالي في أشغال قرابة 600 مسكن في إطار آلية الكراء المُملك، ومثلها في السداسية الثانية».
مقترحات ومبادرات
وعلى الرغم من أهمية برنامج الكراء المُملك، إلا أن البعض يعتبره غير كاف لمواجهة حاجة التونسيين، مقترحين المزيد من الإجراءات.
فقد اعتبر نائب رئيس الغرفة الوطنية للباعثين العقاريين في تونس، جلال المزيو، «مبادرة الكراء المُملك فكرة إيجابية ومبادرة طيبة من حيث المبدأ، قد تخدم الفئة الضعيفة، لكن يجب ألا ننسى الطبقة المتوسطة التي هي أساس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد».
ويقترح الباعثون العقاريون تفعيل مقترحهم السابق في تمكين كل شاب تونسي من قرض سكني بنسبة فائدة 3 % فقط، في حدود 500 ألف دينار كحد أقصى، لشراء مسكن من اختياره. والفارق بين نسبة الفائدة المنخفضة (3 %) ونسب الفائدة البنكية الحالية (التي تتراوح بين 10 % و12 %) يمكن أن يتحمله صندوق السكن.
ويؤكد نائب رئيس غرفة الباعثين العقاريين في تصريحاته أن «هذا النموذج أكثر عدالة وواقعية»، لأنه يتيح للشباب والطبقة المتوسطة امتلاك مساكن دون أعباء مالية مفرطة. والكراء المُملك فيه مخاطر كثيرة، لأن المستأجر قد يتخلف عن الدفع، ما يخلق نزاعات قانونية ويعطل المشاريع، بينما القرض بنسبة فائدة منخفضة يضمن للمواطن حريته في اختيار المسكن، وللباعث العقاري سيولته المالية، وللدولة استقرار المنظومة.
في السياق ذاته، اعتبر رئيس لجنة التخطيط الاستراتيجي بمجلس نواب الشعب، صابر الجلاصي، أن «آلية الكراء المُملك التي صادق عليها البرلمان مؤخرا تمثل خطوة مهمة في اتجاه معالجة أزمة السكن، لكنها تبقى غير كافية بالنظر إلى حجم الإشكال القائم».
وأوضح الجلاصي في تصريح إعلامي مؤخرا أن «نحو 30 % من التونسيين لا يمتلكون مساكنا»، معتبرًا أن آلاف الوحدات السكنية التي تعتزم وزارة التجهيز إنجازها في إطار مشروع الكراء المُملك لن تكون كافية بمفردها لحل أزمة السكن في تونس.
كما كشف النائب عن جملة من مقترحات القوانين التي قد تساهم في تقديره في حل أزمة السكن في تونس، مثل «تسوية وضعية الأحياء العشوائية، إضافة إلى مشروع قانون مرتقب لتنقيح نظام «فوبرولوس»، خاصة فيما يتعلق بشروط الانتفاع، وعلى رأسها شرط الدخل الأدنى الذي يحرم عددًا من محدودي ومتوسطي الدخل من الاستفادة من السكن الاجتماعي».