لمياء العمري تسجل عودة قوية للشاشة .. وآية بلاغة ممثلة واعدة وحضور أسماء باتت «ملازمة» لأعمال المخرجة
لعبة التشويق والتحكم في أدواتها من العناصر التي تُحسب للعمل
تعلن سوسن الجمني عن جوهر «خطيفة» في المشهد الأول من أحدث مسلسلاتها لرمضان 2026 .. ستارة بيضاء تحجب نسبيًا ملامح بطلة العمل، هل هو إعلان عن عودة لمياء العمري للتمثيل بعد غياب، أم هو إعلان عن ولادة درامية جديدة لبطلة «ضفائر» للمخرج الحبيب المسلماني .. في اعتقادنا تتجاوز المخرجة سوسن الجمني هذه الرسائل السطحية في خياراتها الدرامية الأخيرة (الفوندو .. فلوجة.. الفتنة) وتعكس نضج التمكن من مفاتيح شخصياتها المجسدة في الدراما الاجتماعية «خطيفة»..
تتراءى ملامح «خديجة» (لمياء العمري) في أجواء من السكون خلف ستارة تذكرنا بالبيوت التونسية الدافئة والبسيطة في نهاية التسعينيات.. سيدة أمام آلة خياطة ترتدي كنزة بيضاء، وتخيط قطعة قماش مرتدية أساور ذهبية بمعصمها، وفي هدوء تنهي عملها لنكتشف معًا عالم هذه الأم ... كيف عرفنا أن خديجة «أمًا» قبل أن نتابع المشهد اللاحق في عتابها لابنتها الصغيرة وهي ترقص على إيقاع شعبي قبل احتفالات رأس السنة؟
اللقطة الأولى لمسلسل «خطيفة» كانت كافية لتعبر عن نضج سوسن الجمني الفني والتقني، فقد أسست لملامح شخصيتها الرئيسية وأبعادها السيكولوجية، فأدركنا من خلال هذا الخيار الجمالي الذي ركز على تفاصيل البطلة عبر زوايا تصوير موظفة جيدًا (اللقطات المقربة واللقطات الخلفية والذاتية..) أننا أمام شخصية (رمزية الأم)، رغم السكون المحيط بها، ينتظرها الكثير بعيدًا عن آلة الخياطة، فقد نجحت سوسن الجمني في دفعنا للشعور بمعاني الترقب والرغبة في اكتشاف ماذا يخفي عالم «خديجة»، وكأن بالستارة البيضاء تعلن عن فصل جديد في حياتها ... فلا معنى لهذا السكون إلا شيء واحد.. المأساة قادمة..
أسست سوسن الجمني منذ الحلقات الأولى لملامح شخوصها الرئيسية، ورغم كلاسيكية حكاية ضياع طفل (أو خطفه في مرحلة ثانية) وعودته بعد سنوات للجذور والعائلة، إلا أن المعالجة الدرامية للعمل (كتابة سندس عبد الرحمان وسوسن الجمني) منحته إيقاعًا سلسًا وبناء متينًا للمعنى، موظفة تقنيات المونتاج (المراوحة بين اللقطات المقربة والعامة عن الشخصيات والفضاء المكاني والزماني للأحداث في ربط جيد بين الأبطال وخلفياتهم الاجتماعية) والتصوير (تعدد زوايا التصوير) في لغة بصرية ناضجة تخلت في رؤيتها، على سبيل الذكر، عن الحوار في مشهد البداية، فاسحة المجال للمشاهد للتعايش مع مشاعر البطلة ومرافقتها منذ البداية في حكاية تشهد تحولها الدرامي لحظة ضياع طفلها «يوسف»..
تحترف سوسن الجمني في عملها الدرامي الأخير جيدًا أدوات التشويق، فمع نهاية كل حلقة تقدم لمتابعي «خطيفة» مشهدًا متعدد الاحتمالات (لقاء شرطة على الطريق .. شخص غير متوقع آخر الليل .. صوت مبهم في خلفية مشهد...)، فالمخرجة تجيد لعبة «التخمين» والحفاظ على جمهور أعمالها الدرامية، غير أن الملفت في مسلسلها لرمضان 2026 هو محاولتها الابتعاد نسبيًا عن الإثارة والطرح الجريء في مغازلة واضحة لجمهور «العائلات» التونسية، مقترحة سردًا بصريًا عالي الحرفية ومشوقًا في دراما عائلية تلامس الوجدان.
ومع ذلك لا يمكننا إغفال مسألة شديدة الأهمية، وطالما كانت الحلقة الأضعف في خيارات سوسن الجمني، وهي هاجس التسويق لمنتوجها الدرامي عبر أسماء فنية مكررة، فرغم تميز ريم الرياحي في دور «الأم» بمسلسل «خطيفة» بالتوازي مع العائدة للدراما لمياء عمري، إلا أن الحضور الدائم في السنوات الأخيرة لريم الرياحي في أدوار بطولة مسلسلات الحوار التونسي (خطيفة، الفتنة، فلوجة، براءة)، كذلك محمد مراد، عزة سليمان، فارس عبد الدايم و»نوردو»، ينسج بالضرورة في ذهن المشاهد صورة التكرار في أعمال سوسن الجمني، وهذا الاستهلاك للأسماء نفسها أمام كاميرا ذات المخرجة يضر بمسار هؤلاء الممثلين كما صاحبة العمل، فمن الجيد أن ينطلق فارس عبد الدايم بعيدًا عن أعمال الحوار التونسي لفترة على غرار محاولاته السينمائية (خاصة في برج الرومي)، كما تحتاج عزة سليمان لوقفة تأمل بعد نجاحها في خيارات أفضل من دورها في «خطيفة»، ويبقى التنوع سمة ترافق محمد مراد بفضل تجاربه السينمائية ورصيده الدرامي السابق قبل انضمامه لـ«كاست» سوسن الجمني المفضل، وبالتالي الذكاء الفني لهذا الممثل يفرض رغبته في التجريب والتحدي، لذلك نتصور أن بطل «خطيفة» في رمضان 2026 سيكون ربما الأقدر في المستقبل على النجاة من «فخ» التكرار ..
وفي حديثنا عن كاستينغ «خطيفة» يجب أن نعرج على عودة غانم الزرلي لدراما رمضان، ولئن لم يبح الدور بالكثير إلى حدود الحلقة السابعة، إلا أن حضور هذا الممثل يرفع كثيرًا من قيمة المشاهد على مستوى الأداء، ويؤكد أن مكانته استثنائية في الدراما التونسية، وغيابه كان واضحًا في إنتاجات السنوات السابقة.. غانم الزرلي من الممثلين القادرين على إثراء الدراما التونسية، إذ كتبت أعمال فنية تبرز إمكاناته، اجتماعية كانت أو تاريخية.
لم نذكر في ورقتنا عن مسلسل «خطيفة» مشاركة كمال التواتي في العمل، والأكيد أن الممثل القدير والمتمرس يدرك جيدًا تفاصيل العمل المشارك في تجسيد بطولته، ولكن الأحداث لم تكشف بعد الكثير عن شخصيته في المسلسل، والعارف بخيارات سوسن الجمني الدرامية يدرك أن الحلقات القادمة تخفي أحداثًا مشوقة على مستوى صراع الشخصيات وتشابكها.
المفاجأة المميزة لهذا العمل في خانة «الكاستينغ» تظل آية بلاغة، الممثلة الشابة الناضجة في خياراتها الفنية، تراوح بين السينما والدراما، متأنية في ظهورها، تدرس خطواتها الفنية وتقدم وجهًا واعدًا لجيل شاب من الممثلات.
وفي اعتقادنا سوسن الجمني، التي كانت من مساعدي الإخراج في دراما التلفزة التونسية قبل أن تقدم رؤيتها الإخراجية الخاصة ضمن برمجة قناة الحوار التونسي، على معرفة عميقة بإمكانات معظم الممثلين في المشهد الفني التونسي، وبالتالي هي قادرة على خيارات أفضل على مستوى الكاستينغ، وحضور لمياء العمري في «خطيفة» يؤكد هذه السمة في سوسن الجمني.
نقطة أخرى من الضروري الإشارة إلى أهميتها، وهي الاستشارة على مستوى اللهجات، فمن المهم الاستعانة بمصحح لهجات في هذا العمل الدرامي ليرافق الممثلين في مشاهدهم، خاصة وأن سوسن الجمني غالبًا ما تستعين في أعمالها بأسماء شابة لا تملك تكوينًا مسرحيًا معمقًا يسمح لها بضبط الأداء وتطويره حسب البيئة الاجتماعية والزمنية للعمل، وحقيقة هذه الثغرة تنسحب على عدد من الإنتاجات التونسية التي تستهين بأهمية هذا العنصر في دعم مصداقية الدراما، حتى المتفرج العادي يمكن أن يلاحظ بسهولة اختلاف نطق اللهجة بين أفراد العائلة الواحدة في مسلسل «خطيفة» !؟
«خطيفة» دراما عائلية مشوقة، قصتها كلاسيكية مستهلكة، ولكن المعالجة الدرامية للعمل تنقذ الحكاية من الرتابة عبر سرد بصري ناضج وموسيقى تصويرية مميزة لمهدي مولهي، وحضور مغاير لصوت لبنى نعمان في شارة العمل.
نجلاء قموع
لمياء العمري تسجل عودة قوية للشاشة .. وآية بلاغة ممثلة واعدة وحضور أسماء باتت «ملازمة» لأعمال المخرجة
لعبة التشويق والتحكم في أدواتها من العناصر التي تُحسب للعمل
تعلن سوسن الجمني عن جوهر «خطيفة» في المشهد الأول من أحدث مسلسلاتها لرمضان 2026 .. ستارة بيضاء تحجب نسبيًا ملامح بطلة العمل، هل هو إعلان عن عودة لمياء العمري للتمثيل بعد غياب، أم هو إعلان عن ولادة درامية جديدة لبطلة «ضفائر» للمخرج الحبيب المسلماني .. في اعتقادنا تتجاوز المخرجة سوسن الجمني هذه الرسائل السطحية في خياراتها الدرامية الأخيرة (الفوندو .. فلوجة.. الفتنة) وتعكس نضج التمكن من مفاتيح شخصياتها المجسدة في الدراما الاجتماعية «خطيفة»..
تتراءى ملامح «خديجة» (لمياء العمري) في أجواء من السكون خلف ستارة تذكرنا بالبيوت التونسية الدافئة والبسيطة في نهاية التسعينيات.. سيدة أمام آلة خياطة ترتدي كنزة بيضاء، وتخيط قطعة قماش مرتدية أساور ذهبية بمعصمها، وفي هدوء تنهي عملها لنكتشف معًا عالم هذه الأم ... كيف عرفنا أن خديجة «أمًا» قبل أن نتابع المشهد اللاحق في عتابها لابنتها الصغيرة وهي ترقص على إيقاع شعبي قبل احتفالات رأس السنة؟
اللقطة الأولى لمسلسل «خطيفة» كانت كافية لتعبر عن نضج سوسن الجمني الفني والتقني، فقد أسست لملامح شخصيتها الرئيسية وأبعادها السيكولوجية، فأدركنا من خلال هذا الخيار الجمالي الذي ركز على تفاصيل البطلة عبر زوايا تصوير موظفة جيدًا (اللقطات المقربة واللقطات الخلفية والذاتية..) أننا أمام شخصية (رمزية الأم)، رغم السكون المحيط بها، ينتظرها الكثير بعيدًا عن آلة الخياطة، فقد نجحت سوسن الجمني في دفعنا للشعور بمعاني الترقب والرغبة في اكتشاف ماذا يخفي عالم «خديجة»، وكأن بالستارة البيضاء تعلن عن فصل جديد في حياتها ... فلا معنى لهذا السكون إلا شيء واحد.. المأساة قادمة..
أسست سوسن الجمني منذ الحلقات الأولى لملامح شخوصها الرئيسية، ورغم كلاسيكية حكاية ضياع طفل (أو خطفه في مرحلة ثانية) وعودته بعد سنوات للجذور والعائلة، إلا أن المعالجة الدرامية للعمل (كتابة سندس عبد الرحمان وسوسن الجمني) منحته إيقاعًا سلسًا وبناء متينًا للمعنى، موظفة تقنيات المونتاج (المراوحة بين اللقطات المقربة والعامة عن الشخصيات والفضاء المكاني والزماني للأحداث في ربط جيد بين الأبطال وخلفياتهم الاجتماعية) والتصوير (تعدد زوايا التصوير) في لغة بصرية ناضجة تخلت في رؤيتها، على سبيل الذكر، عن الحوار في مشهد البداية، فاسحة المجال للمشاهد للتعايش مع مشاعر البطلة ومرافقتها منذ البداية في حكاية تشهد تحولها الدرامي لحظة ضياع طفلها «يوسف»..
تحترف سوسن الجمني في عملها الدرامي الأخير جيدًا أدوات التشويق، فمع نهاية كل حلقة تقدم لمتابعي «خطيفة» مشهدًا متعدد الاحتمالات (لقاء شرطة على الطريق .. شخص غير متوقع آخر الليل .. صوت مبهم في خلفية مشهد...)، فالمخرجة تجيد لعبة «التخمين» والحفاظ على جمهور أعمالها الدرامية، غير أن الملفت في مسلسلها لرمضان 2026 هو محاولتها الابتعاد نسبيًا عن الإثارة والطرح الجريء في مغازلة واضحة لجمهور «العائلات» التونسية، مقترحة سردًا بصريًا عالي الحرفية ومشوقًا في دراما عائلية تلامس الوجدان.
ومع ذلك لا يمكننا إغفال مسألة شديدة الأهمية، وطالما كانت الحلقة الأضعف في خيارات سوسن الجمني، وهي هاجس التسويق لمنتوجها الدرامي عبر أسماء فنية مكررة، فرغم تميز ريم الرياحي في دور «الأم» بمسلسل «خطيفة» بالتوازي مع العائدة للدراما لمياء عمري، إلا أن الحضور الدائم في السنوات الأخيرة لريم الرياحي في أدوار بطولة مسلسلات الحوار التونسي (خطيفة، الفتنة، فلوجة، براءة)، كذلك محمد مراد، عزة سليمان، فارس عبد الدايم و»نوردو»، ينسج بالضرورة في ذهن المشاهد صورة التكرار في أعمال سوسن الجمني، وهذا الاستهلاك للأسماء نفسها أمام كاميرا ذات المخرجة يضر بمسار هؤلاء الممثلين كما صاحبة العمل، فمن الجيد أن ينطلق فارس عبد الدايم بعيدًا عن أعمال الحوار التونسي لفترة على غرار محاولاته السينمائية (خاصة في برج الرومي)، كما تحتاج عزة سليمان لوقفة تأمل بعد نجاحها في خيارات أفضل من دورها في «خطيفة»، ويبقى التنوع سمة ترافق محمد مراد بفضل تجاربه السينمائية ورصيده الدرامي السابق قبل انضمامه لـ«كاست» سوسن الجمني المفضل، وبالتالي الذكاء الفني لهذا الممثل يفرض رغبته في التجريب والتحدي، لذلك نتصور أن بطل «خطيفة» في رمضان 2026 سيكون ربما الأقدر في المستقبل على النجاة من «فخ» التكرار ..
وفي حديثنا عن كاستينغ «خطيفة» يجب أن نعرج على عودة غانم الزرلي لدراما رمضان، ولئن لم يبح الدور بالكثير إلى حدود الحلقة السابعة، إلا أن حضور هذا الممثل يرفع كثيرًا من قيمة المشاهد على مستوى الأداء، ويؤكد أن مكانته استثنائية في الدراما التونسية، وغيابه كان واضحًا في إنتاجات السنوات السابقة.. غانم الزرلي من الممثلين القادرين على إثراء الدراما التونسية، إذ كتبت أعمال فنية تبرز إمكاناته، اجتماعية كانت أو تاريخية.
لم نذكر في ورقتنا عن مسلسل «خطيفة» مشاركة كمال التواتي في العمل، والأكيد أن الممثل القدير والمتمرس يدرك جيدًا تفاصيل العمل المشارك في تجسيد بطولته، ولكن الأحداث لم تكشف بعد الكثير عن شخصيته في المسلسل، والعارف بخيارات سوسن الجمني الدرامية يدرك أن الحلقات القادمة تخفي أحداثًا مشوقة على مستوى صراع الشخصيات وتشابكها.
المفاجأة المميزة لهذا العمل في خانة «الكاستينغ» تظل آية بلاغة، الممثلة الشابة الناضجة في خياراتها الفنية، تراوح بين السينما والدراما، متأنية في ظهورها، تدرس خطواتها الفنية وتقدم وجهًا واعدًا لجيل شاب من الممثلات.
وفي اعتقادنا سوسن الجمني، التي كانت من مساعدي الإخراج في دراما التلفزة التونسية قبل أن تقدم رؤيتها الإخراجية الخاصة ضمن برمجة قناة الحوار التونسي، على معرفة عميقة بإمكانات معظم الممثلين في المشهد الفني التونسي، وبالتالي هي قادرة على خيارات أفضل على مستوى الكاستينغ، وحضور لمياء العمري في «خطيفة» يؤكد هذه السمة في سوسن الجمني.
نقطة أخرى من الضروري الإشارة إلى أهميتها، وهي الاستشارة على مستوى اللهجات، فمن المهم الاستعانة بمصحح لهجات في هذا العمل الدرامي ليرافق الممثلين في مشاهدهم، خاصة وأن سوسن الجمني غالبًا ما تستعين في أعمالها بأسماء شابة لا تملك تكوينًا مسرحيًا معمقًا يسمح لها بضبط الأداء وتطويره حسب البيئة الاجتماعية والزمنية للعمل، وحقيقة هذه الثغرة تنسحب على عدد من الإنتاجات التونسية التي تستهين بأهمية هذا العنصر في دعم مصداقية الدراما، حتى المتفرج العادي يمكن أن يلاحظ بسهولة اختلاف نطق اللهجة بين أفراد العائلة الواحدة في مسلسل «خطيفة» !؟
«خطيفة» دراما عائلية مشوقة، قصتها كلاسيكية مستهلكة، ولكن المعالجة الدرامية للعمل تنقذ الحكاية من الرتابة عبر سرد بصري ناضج وموسيقى تصويرية مميزة لمهدي مولهي، وحضور مغاير لصوت لبنى نعمان في شارة العمل.