حافظ شهر رمضان على خصوصيته وتميزه ودوره في إدخال تغييرات جوهرية في الحياة الخاصة والعامة في تونس، تجسدت بالأساس في خلق ديناميكية اقتصادية واجتماعية وثقافية وروحانية بشكل غير مألوف خلال بقية أشهر السنة. مما أضفى أجواء جديدة خيم عليها البعد الإنساني في أبهى تمظهراته التي تبين مدى تعلق التونسيين بالحياة والميل إلى موجبات المتعة والترفيه والتلاقي والتضامن. وهي مظاهر طبعت الواقع اليومي لأغلب الأسر وتجلت في الفضاءات الخاصة والعامة وداخل المؤسسات أيضًا، على نحو يجعل من هذا الشهر مناسبة استثنائية يتقاطع فيها الديني والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والترفيهي، على نحو تغيب فيه الفوارق الاجتماعية والعمرية.
فحضور البعد الديني والروحي خلال أيام هذا الشهر خيار يلتزم به عدد كبير من التونسيين، سواء تعلق ذلك بالتزام بأداء فريضة الصيام أو الإقبال على أداء الصلوات، إضافة إلى المشاركة في الأنشطة الدينية، خاصة أن وزير الشؤون الدينية أحمد البوهالي كان قد أعلن في بداية رمضان أنه تم ضبط برنامج ثري بالأنشطة الدينية طيلة شهر الصيام في كامل جهات الجمهورية، يتضمن أكثر من مائة ألف نشاط ديني.
ولعل ما يُحسب في هذا الشهر هو المعادلة التي توحّد كل التونسيين تقريبًا في ظل الإجماع حول نفس المظاهر، لكن حسب خصوصية كل جهة وإمكانيات كل فرد، والمتمثلة في تمتع مختلف فئات المجتمع والفئات العمرية بجميع المظاهر والسلوكيات التي تنتعش خلال هذا الشهر، وذلك حسب اختلاف الجهات والعادات والأنماط الحياتية. على نحو يبين أن التونسي قابل للتغيير، وأنه قادر على تجاوز الصعوبات والتحديات للارتقاء بمستوى عيشه وذوقه متى أراد ورغب.
ليحرك شهر رمضان في رمزيته ومعانيه الإنسانية والدينية نزعة الأفراد لتغيير قواعد التعامل مع الشؤون اليومية وفق الأساليب والممارسات المتعارف عليها، والقفز على العادات «النمطية» التي ترافقه خلال سائر أشهر السنة.
لذلك، يلجأ البعض إلى التداين والاقتراض من أجل الاستمتاع بقضاء شهر رمضان على النحو المطلوب، رغم تأكيد العديد من الجهات أن نسبة الغلاء في رمضان هذا العام هي في حدود 20 % في شموليتها.
وقد دأب الجميع على التمسك بعادات وأنشطة وظواهر وممارسات تعيد تسطير ما اعتادوا عليه خلال سائر أشهر السنة، بشكل يعيد ترتيب الأولويات والاهتمامات والواجبات. على نحو تتحول أيام شهر رمضان إلى مناسبة لتجديد التعلق بالحياة والبحث عن ممكنات المتعة والترفيه، سواء من خلال الإقبال المتزايد على الشراءات والرغبة في تصنيف ما لذ وطاب من الأطعمة والأكلات والحلويات، والخروج لقضاء السهرات الرمضانية خارج الإطار النمطي، إضافة إلى ما يمثله هذا الشهر من مناسبة للاحتفال وشراء الملابس الجديدة.
والأهم في هذه المعادلة الحياتية هو أنها تساهم في تنشيط الحركة التجارية والاقتصادية على نحو غير مسبوق.
ورغم تنبيه العديد من الجهات لضرورة مراعاة الأفراد للإمكانيات المادية والشروط الصحية وعدم اللهفة في اقتناء المواد الاستهلاكية والأكل، في محاولة لترشيد الاستهلاك والتوعية الصحية، إلا أن الرغبة في التمتع بالقدر الممكن من مزايا هذا الشهر، من التنويع في الأطعمة والاستجابة لـ»الشهوات»، تعد من العوامل التي تساهم في بعث ديناميكية اقتصادية غير مسبوقة، تدفع بدورها إلى إنعاش القطاعات الفلاحية والتجارية بالأساس، باعتبارها المزود الأساسي للأسواق بالخضر والغلال وغيرها من المواد الاستهلاكية التي يحتاجها المواطنون خلال هذه الأيام، إضافة إلى الحركية التي يسجلها قطاع النقل.
فلم يعد المشهد يقتصر على الازدحام المسجل في الأسواق التقليدية أو المحلات والفضاءات التجارية المتعارف عليها، بل يتعداه، نظرًا لتزامن هذا الشهر مع بعث مساحات تجارية وأسواق جلها «عشوائية» مستجدة في الفضاءات الخاصة والعامة، بما يفسح المجال لأصحاب بعض المهن والصناعات التقليدية من العمل والنشاط خلال هذه الفترة، سواء تعلق الأمر بصناعة الحلويات بجميع أنواعها وأصنافها أو بيع الخضر والغلال أو بعض الأطعمة الجاهزة وغيرها من المواد الاستهلاكية التي تجد الإقبال والرواج خلال هذا الشهر المبارك. وبدورها تتحول بعض المقاهي إلى فضاءات ترفيهية بصفة استثنائية تقدم أنشطة وبرامج متنوعة تجمع بين العلمي والثقافي والفكري والفني، الأمر الذي يشجع أغلب فئات المجتمع على التوجه للاستمتاع بخدمات هذه النوعية من الأنشطة، وذلك رغم وجود برامج لعروض فنية وثقافية متنوعة في الفضاءات المخصصة لذلك.
لتشهد المقاهي والمطاعم وبعض المحلات التجارية حركية نوعية خلال أيام شهر رمضان في ظل ما تسجله من إقبال من المواطنين. وهو ما ينعكس إيجابيًا على الحياة الاجتماعية أيضًا، نظرًا لما يوفره ذلك من فرص للعمل والتشغيل.
فتنتعش بذلك بعض المهن والقطاعات الفلاحية بالأساس خلال هذه الفترة من كل سنة، إذ يتحول شهر رمضان بذلك إلى مناسبة و»ميسرة» لتوفير مداخيل وموارد رزق إضافية لبعض فئات المجتمع.
كما تتجه اهتمامات نسبة كبيرة من المواطنين إلى العمل الخيري والإنساني والتواصل والتراحم وتبادل الزيارات بين الأقارب والأحبة. وهي ممارسات تقلص من فجوة التباعد التي فرضتها مشاغل الحياة اليومية وتغير نمط الحياة العصرية من ناحية، وذكتها آليات التواصل التكنولوجية الحديثة التي أصبحت بديلاً لدى البعض من ناحية أخرى.
وتطالعنا الأخبار حول انتصاب موائد الإفطار المخصصة للمعوزين والمحتاجين في أغلب جهات الجمهورية، لتجسد العمل الخيري وثقافة التراحم والتآزر والتعاون لدى التونسيين في أبهى مظاهرها، فضلا عن تنظيم موائد الإفطار المنتشرة في بعض المناطق الأخرى من ربوع الجمهورية، تكون موجهة لعابري السبيل، بما يؤكد أن روح التكافل الاجتماعي والعمل التضامني لا يزال محفورًا في ثقافة التونسي ولا يمكن أن تضمحل بفعل العصرنة والتطور والانفتاح الثقافي والحضاري.
ولا يقتصر العمل الإنساني والتضامن الاجتماعي على ما تقدمه الجهات الرسمية للدولة أو بعض الهياكل المدنية التي دأبت على النشاط في هذا المجال من مساعدات مادية لفئات محددة من المجتمع، بل يتعداها ليشمل المبادرات الفردية والجماعية والمدنية التي تجد الإقبال خلال هذا الشهر. وذلك عبر تقديم المساعدات المادية وتوزيع «قفة» رمضان على العائلات المعوزة والمحتاجين، أو إقدام البعض الآخر على مساعدة العائلات والأفراد من الفئات المهمشة والفقيرة بتوفير ما يحتاجونه من تجهيزات منزلية ومواد استهلاكية وملابس للأطفال وغيرها من المساعدات الأخرى.
وهي كلها مظاهر وسلوكيات تؤكد مدى تشبث التونسي بالمبادئ الإنسانية في أبهى تجلياتها، لكن في كنف المحافظة على «الخصوصية» التونسية التي تتجسد في روح التضامن والتكافل والتآزر، وتكرس النزعة للتغيير نحو الأفضل والقطع مع النمطية من أجل السموّ بالحياة على الطريقة التونسية.
نزيهة الغضباني
حافظ شهر رمضان على خصوصيته وتميزه ودوره في إدخال تغييرات جوهرية في الحياة الخاصة والعامة في تونس، تجسدت بالأساس في خلق ديناميكية اقتصادية واجتماعية وثقافية وروحانية بشكل غير مألوف خلال بقية أشهر السنة. مما أضفى أجواء جديدة خيم عليها البعد الإنساني في أبهى تمظهراته التي تبين مدى تعلق التونسيين بالحياة والميل إلى موجبات المتعة والترفيه والتلاقي والتضامن. وهي مظاهر طبعت الواقع اليومي لأغلب الأسر وتجلت في الفضاءات الخاصة والعامة وداخل المؤسسات أيضًا، على نحو يجعل من هذا الشهر مناسبة استثنائية يتقاطع فيها الديني والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والترفيهي، على نحو تغيب فيه الفوارق الاجتماعية والعمرية.
فحضور البعد الديني والروحي خلال أيام هذا الشهر خيار يلتزم به عدد كبير من التونسيين، سواء تعلق ذلك بالتزام بأداء فريضة الصيام أو الإقبال على أداء الصلوات، إضافة إلى المشاركة في الأنشطة الدينية، خاصة أن وزير الشؤون الدينية أحمد البوهالي كان قد أعلن في بداية رمضان أنه تم ضبط برنامج ثري بالأنشطة الدينية طيلة شهر الصيام في كامل جهات الجمهورية، يتضمن أكثر من مائة ألف نشاط ديني.
ولعل ما يُحسب في هذا الشهر هو المعادلة التي توحّد كل التونسيين تقريبًا في ظل الإجماع حول نفس المظاهر، لكن حسب خصوصية كل جهة وإمكانيات كل فرد، والمتمثلة في تمتع مختلف فئات المجتمع والفئات العمرية بجميع المظاهر والسلوكيات التي تنتعش خلال هذا الشهر، وذلك حسب اختلاف الجهات والعادات والأنماط الحياتية. على نحو يبين أن التونسي قابل للتغيير، وأنه قادر على تجاوز الصعوبات والتحديات للارتقاء بمستوى عيشه وذوقه متى أراد ورغب.
ليحرك شهر رمضان في رمزيته ومعانيه الإنسانية والدينية نزعة الأفراد لتغيير قواعد التعامل مع الشؤون اليومية وفق الأساليب والممارسات المتعارف عليها، والقفز على العادات «النمطية» التي ترافقه خلال سائر أشهر السنة.
لذلك، يلجأ البعض إلى التداين والاقتراض من أجل الاستمتاع بقضاء شهر رمضان على النحو المطلوب، رغم تأكيد العديد من الجهات أن نسبة الغلاء في رمضان هذا العام هي في حدود 20 % في شموليتها.
وقد دأب الجميع على التمسك بعادات وأنشطة وظواهر وممارسات تعيد تسطير ما اعتادوا عليه خلال سائر أشهر السنة، بشكل يعيد ترتيب الأولويات والاهتمامات والواجبات. على نحو تتحول أيام شهر رمضان إلى مناسبة لتجديد التعلق بالحياة والبحث عن ممكنات المتعة والترفيه، سواء من خلال الإقبال المتزايد على الشراءات والرغبة في تصنيف ما لذ وطاب من الأطعمة والأكلات والحلويات، والخروج لقضاء السهرات الرمضانية خارج الإطار النمطي، إضافة إلى ما يمثله هذا الشهر من مناسبة للاحتفال وشراء الملابس الجديدة.
والأهم في هذه المعادلة الحياتية هو أنها تساهم في تنشيط الحركة التجارية والاقتصادية على نحو غير مسبوق.
ورغم تنبيه العديد من الجهات لضرورة مراعاة الأفراد للإمكانيات المادية والشروط الصحية وعدم اللهفة في اقتناء المواد الاستهلاكية والأكل، في محاولة لترشيد الاستهلاك والتوعية الصحية، إلا أن الرغبة في التمتع بالقدر الممكن من مزايا هذا الشهر، من التنويع في الأطعمة والاستجابة لـ»الشهوات»، تعد من العوامل التي تساهم في بعث ديناميكية اقتصادية غير مسبوقة، تدفع بدورها إلى إنعاش القطاعات الفلاحية والتجارية بالأساس، باعتبارها المزود الأساسي للأسواق بالخضر والغلال وغيرها من المواد الاستهلاكية التي يحتاجها المواطنون خلال هذه الأيام، إضافة إلى الحركية التي يسجلها قطاع النقل.
فلم يعد المشهد يقتصر على الازدحام المسجل في الأسواق التقليدية أو المحلات والفضاءات التجارية المتعارف عليها، بل يتعداه، نظرًا لتزامن هذا الشهر مع بعث مساحات تجارية وأسواق جلها «عشوائية» مستجدة في الفضاءات الخاصة والعامة، بما يفسح المجال لأصحاب بعض المهن والصناعات التقليدية من العمل والنشاط خلال هذه الفترة، سواء تعلق الأمر بصناعة الحلويات بجميع أنواعها وأصنافها أو بيع الخضر والغلال أو بعض الأطعمة الجاهزة وغيرها من المواد الاستهلاكية التي تجد الإقبال والرواج خلال هذا الشهر المبارك. وبدورها تتحول بعض المقاهي إلى فضاءات ترفيهية بصفة استثنائية تقدم أنشطة وبرامج متنوعة تجمع بين العلمي والثقافي والفكري والفني، الأمر الذي يشجع أغلب فئات المجتمع على التوجه للاستمتاع بخدمات هذه النوعية من الأنشطة، وذلك رغم وجود برامج لعروض فنية وثقافية متنوعة في الفضاءات المخصصة لذلك.
لتشهد المقاهي والمطاعم وبعض المحلات التجارية حركية نوعية خلال أيام شهر رمضان في ظل ما تسجله من إقبال من المواطنين. وهو ما ينعكس إيجابيًا على الحياة الاجتماعية أيضًا، نظرًا لما يوفره ذلك من فرص للعمل والتشغيل.
فتنتعش بذلك بعض المهن والقطاعات الفلاحية بالأساس خلال هذه الفترة من كل سنة، إذ يتحول شهر رمضان بذلك إلى مناسبة و»ميسرة» لتوفير مداخيل وموارد رزق إضافية لبعض فئات المجتمع.
كما تتجه اهتمامات نسبة كبيرة من المواطنين إلى العمل الخيري والإنساني والتواصل والتراحم وتبادل الزيارات بين الأقارب والأحبة. وهي ممارسات تقلص من فجوة التباعد التي فرضتها مشاغل الحياة اليومية وتغير نمط الحياة العصرية من ناحية، وذكتها آليات التواصل التكنولوجية الحديثة التي أصبحت بديلاً لدى البعض من ناحية أخرى.
وتطالعنا الأخبار حول انتصاب موائد الإفطار المخصصة للمعوزين والمحتاجين في أغلب جهات الجمهورية، لتجسد العمل الخيري وثقافة التراحم والتآزر والتعاون لدى التونسيين في أبهى مظاهرها، فضلا عن تنظيم موائد الإفطار المنتشرة في بعض المناطق الأخرى من ربوع الجمهورية، تكون موجهة لعابري السبيل، بما يؤكد أن روح التكافل الاجتماعي والعمل التضامني لا يزال محفورًا في ثقافة التونسي ولا يمكن أن تضمحل بفعل العصرنة والتطور والانفتاح الثقافي والحضاري.
ولا يقتصر العمل الإنساني والتضامن الاجتماعي على ما تقدمه الجهات الرسمية للدولة أو بعض الهياكل المدنية التي دأبت على النشاط في هذا المجال من مساعدات مادية لفئات محددة من المجتمع، بل يتعداها ليشمل المبادرات الفردية والجماعية والمدنية التي تجد الإقبال خلال هذا الشهر. وذلك عبر تقديم المساعدات المادية وتوزيع «قفة» رمضان على العائلات المعوزة والمحتاجين، أو إقدام البعض الآخر على مساعدة العائلات والأفراد من الفئات المهمشة والفقيرة بتوفير ما يحتاجونه من تجهيزات منزلية ومواد استهلاكية وملابس للأطفال وغيرها من المساعدات الأخرى.
وهي كلها مظاهر وسلوكيات تؤكد مدى تشبث التونسي بالمبادئ الإنسانية في أبهى تجلياتها، لكن في كنف المحافظة على «الخصوصية» التونسية التي تتجسد في روح التضامن والتكافل والتآزر، وتكرس النزعة للتغيير نحو الأفضل والقطع مع النمطية من أجل السموّ بالحياة على الطريقة التونسية.