إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

تجارة تخالف التشريعات وتروج عبر الإنترنت.. بيع الحيوانات البرية خطر يهدد الصحة العامة.. وعميد البياطرة يحذر

انتقل أمير من تونس العاصمة إلى مدينة بنزرت من أجل اقتناء حيوانه المفضل وهو قرد، بعد أن تواصل مع صاحبه الذي نشر إعلان بيع مرفقا بصور للقرد ورقم هاتفه على مواقع التواصل الاجتماعي. كان الأمر سهلا وبسيطا، اتفقوا على السعر وموعد اللقاء، وانتهت الصفقة. وفي حديثه لـ«الصباح»، قال أمير إن سن القرد كان حوالي الشهر والنصف، وهو عمر يمكنه فيه أن ينفصل عن أمه، أما بالنسبة للسعر، فقد أفاد أنه كان في حدود 3 آلاف دينار. تشكل قصة بيع القرد، رغم أنه من الحيوانات الممنوعة تربيتها حسب القانون، أحد الأمثلة المنتشرة لنوع من الاتجار بالحيوانات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتمركز سوق لهذا النوع من تجارة الحيوانات البرية، مثل القردة والأفاعي والثعابين والنسر والصقر والثعلب والنمر وغيرها من الحيوانات الأخرى.

يمكن القول إن السنوات الأخيرة شهدت تنامي ظاهرة تربية الحيوانات غير الأليفة داخل المنازل، وتحولت صور هذه الحيوانات إلى وسيلة استعراض وجذب للانتباه. غير أن ما يبدو للبعض «هواية مميزة» يخفي في طياته مخاطر صحية جسيمة وإشكالات قانونية قد تصل إلى التتبعات الجزائية.

وينبّه عميد الأطباء البياطرة أحمد رجب في تصريحه لـ«الصباح» من الإقدام أو التفكير في تربية الحيوانات البرية باعتبار أنه ممنوع بالقانون التونسي. وأوضح قائلاً: «إن منع تربية الحيوانات البرية يجب أن نلتزم به ونضبط له».

وبيّن العميد أنه من غير المنطقي أن نتحدث عن أطر وسبل تربية هذا النوع من الحيوانات، فهو أمر غير قانوني. وحذر من خرق القانون والإقدام على تربيتها باعتبار ما تشكله من خطر على صحة الإنسان ومحيطه. وذكر أحمد رجب أن 75 % من الأمراض الجديدة والمستجدة تنتقل من الحيوانات، وبالتالي فإن جلب حيوان بري يمكن أن يكون حاملا لمرض من شأنه أن يشكل خطرا على صاحبه وعلى عائلته ومحيطه.

وفي فيديو نشرته على مواقع التواصل الاجتماعي، حذرت البيطرية ألفة عبيد من ظاهرة بيع القردة عبر الإنترنت، وذكرت أن القردة التي لا يتجاوز سنها الـ15 و20 يوما يتم أخذها من أمهاتها ثم بيعها عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون رقيب أو حسيب، في الوقت الذي لا يمكن للقردة أن تعيش مع الإنسان حسب تصريحها. فنوع القرد «le macaque de barbarie»، وهو من أنواع القردة المتواجدة في الجزائر والمغرب، وكان له تواجد في تونس أيضا غير أنه انقرض.

وبيّنت أن هذا النوع من القردة مهدد بالانقراض ومصنف حسب المنظمة العالمية للمحافظة على الطبيعة في خطر. واختطاف «الأطفال» القردة من أمهاتها هو الأمر الأكثر تهديدا اليوم لهذا الصنف من القردة.

وقالت ألفة عبيد: «إن تربية القردة ممنوعة قانونيا، واليوم يتم تهريبها عبر الجزائر إلى تونس ويقع بيعها في تجارة غير قانونية عبر الإنترنت في غياب تام للسلطات المعنية».

وأكدت في نفس السياق أن هذه الحيوانات لا يمكنها أن تعيش مع الإنسان (تعيش في شكل مجموعات) ويمكن أن تصبح عنيفة للغاية وتشكل خطرا على الإنسان.

يحذر الأطباء البياطرة من خطورة الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان (Zoonoses)، والتي يمكن أن تنتقل عبر العض أو الخدش أو حتى من خلال الفضلات والأسطح الملوثة.

القردة، على سبيل المثال، قد تنقل فيروسات وبكتيريا خطيرة، فيما ترتبط الزواحف مثل الثعابين والسلاحف ببكتيريا «السالمونيلا» التي قد تسبب تسمما غذائيا حادا، خاصة لدى الأطفال وكبار السن وأصحاب المناعة الضعيفة. كما أن بعض الحيوانات البرية قد تحمل طفيليات أو فيروسات غير شائعة في الوسط الحضري، ما يعقّد عملية التشخيص والعلاج.

ويؤكد مختصون أن الخطر لا يقتصر على صاحب الحيوان، بل قد يمتد إلى الجيران والمحيطين به في حال هروب الحيوان أو انتقال العدوى بطريقة غير مباشرة. على خلاف الكلاب والقطط التي خضعت لقرون من الاستئناس، فإن الحيوانات البرية تحتفظ بغرائزها الأصلية حتى وإن تربت في بيئة منزلية. فالقردة قد تصبح عدوانية عند البلوغ، والثعابين - خاصة الكبيرة الحجم - قد تشكل خطرا حقيقيا في حال سوء التعامل معها أو إهمال شروط السلامة.

في تونس، يخضع الاتجار بالحيوانات البرية وتنقلها إلى جملة من النصوص القانونية المنظمة للصيد وحماية الثروة الحيوانية والبيئة، من بينها أحكام مجلة الغابات والتشريعات المتعلقة بحماية الأصناف المهددة بالانقراض. ويضبط الفصل 183 و213 منها شروط الصيد وأنواع المصيد وحماية الحياة البرية، مما يعني أن تربية الحيوانات البرية خارج إطار القانون تعتبر غير قانونية.

وتمنع القوانين مسك بعض الحيوانات البرية دون ترخيص مسبق من السلطات المختصة، كما يُجرم الاتجار غير القانوني بها. وفي حال ثبوت المخالفة، يتم مصادرة الحيوان، وتتراوح العقوبات بين الغرامات المالية وصولا إلى التتبعات الجزائية، خاصة إذا تعلق الأمر بأصناف محمية أو مهددة بالانقراض.

كما تتولى المصالح الديوانية والأمنية حجز الحيوانات التي يتم إدخالها أو بيعها خارج الأطر القانونية، في إطار مكافحة الاتجار غير المشروع بالحيوانات البرية.

ويعود تفاقم الظاهرة إلى تنامي التجارة الإلكترونية غير المنظمة، حيث تُعرض حيوانات برية للبيع عبر صفحات خاصة دون رقابة بيطرية أو قانونية واضحة. هذه التجارة الموازية لا تهدد الصحة العامة فحسب، بل تساهم أيضًا في استنزاف التنوع البيولوجي وتهريب الأنواع من بيئاتها الأصلية.

ويؤكد البياطرة أن تربية الحيوانات غير الأليفة ليست مسألة هواية أو ذوق شخصي، بل قضية ترتبط بالسلامة العامة وبالالتزام بالقانون. فاقتناء حيوان بري دون معرفة علمية دقيقة بطبيعته واحتياجاته، ودون احترام الأطر القانونية، قد يحول الهواية إلى خطر حقيقي. وفي ظل تزايد هذه الظاهرة، تتعالى الدعوات إلى تكثيف حملات التوعية والرقابة، وتشديد العقوبات على الاتجار غير المشروع، حماية لصحة المواطنين وصونا للثروة الحيوانية في تونس.

ريم سوودي

تجارة تخالف التشريعات وتروج عبر الإنترنت..   بيع الحيوانات البرية خطر يهدد الصحة العامة.. وعميد البياطرة يحذر

انتقل أمير من تونس العاصمة إلى مدينة بنزرت من أجل اقتناء حيوانه المفضل وهو قرد، بعد أن تواصل مع صاحبه الذي نشر إعلان بيع مرفقا بصور للقرد ورقم هاتفه على مواقع التواصل الاجتماعي. كان الأمر سهلا وبسيطا، اتفقوا على السعر وموعد اللقاء، وانتهت الصفقة. وفي حديثه لـ«الصباح»، قال أمير إن سن القرد كان حوالي الشهر والنصف، وهو عمر يمكنه فيه أن ينفصل عن أمه، أما بالنسبة للسعر، فقد أفاد أنه كان في حدود 3 آلاف دينار. تشكل قصة بيع القرد، رغم أنه من الحيوانات الممنوعة تربيتها حسب القانون، أحد الأمثلة المنتشرة لنوع من الاتجار بالحيوانات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتمركز سوق لهذا النوع من تجارة الحيوانات البرية، مثل القردة والأفاعي والثعابين والنسر والصقر والثعلب والنمر وغيرها من الحيوانات الأخرى.

يمكن القول إن السنوات الأخيرة شهدت تنامي ظاهرة تربية الحيوانات غير الأليفة داخل المنازل، وتحولت صور هذه الحيوانات إلى وسيلة استعراض وجذب للانتباه. غير أن ما يبدو للبعض «هواية مميزة» يخفي في طياته مخاطر صحية جسيمة وإشكالات قانونية قد تصل إلى التتبعات الجزائية.

وينبّه عميد الأطباء البياطرة أحمد رجب في تصريحه لـ«الصباح» من الإقدام أو التفكير في تربية الحيوانات البرية باعتبار أنه ممنوع بالقانون التونسي. وأوضح قائلاً: «إن منع تربية الحيوانات البرية يجب أن نلتزم به ونضبط له».

وبيّن العميد أنه من غير المنطقي أن نتحدث عن أطر وسبل تربية هذا النوع من الحيوانات، فهو أمر غير قانوني. وحذر من خرق القانون والإقدام على تربيتها باعتبار ما تشكله من خطر على صحة الإنسان ومحيطه. وذكر أحمد رجب أن 75 % من الأمراض الجديدة والمستجدة تنتقل من الحيوانات، وبالتالي فإن جلب حيوان بري يمكن أن يكون حاملا لمرض من شأنه أن يشكل خطرا على صاحبه وعلى عائلته ومحيطه.

وفي فيديو نشرته على مواقع التواصل الاجتماعي، حذرت البيطرية ألفة عبيد من ظاهرة بيع القردة عبر الإنترنت، وذكرت أن القردة التي لا يتجاوز سنها الـ15 و20 يوما يتم أخذها من أمهاتها ثم بيعها عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون رقيب أو حسيب، في الوقت الذي لا يمكن للقردة أن تعيش مع الإنسان حسب تصريحها. فنوع القرد «le macaque de barbarie»، وهو من أنواع القردة المتواجدة في الجزائر والمغرب، وكان له تواجد في تونس أيضا غير أنه انقرض.

وبيّنت أن هذا النوع من القردة مهدد بالانقراض ومصنف حسب المنظمة العالمية للمحافظة على الطبيعة في خطر. واختطاف «الأطفال» القردة من أمهاتها هو الأمر الأكثر تهديدا اليوم لهذا الصنف من القردة.

وقالت ألفة عبيد: «إن تربية القردة ممنوعة قانونيا، واليوم يتم تهريبها عبر الجزائر إلى تونس ويقع بيعها في تجارة غير قانونية عبر الإنترنت في غياب تام للسلطات المعنية».

وأكدت في نفس السياق أن هذه الحيوانات لا يمكنها أن تعيش مع الإنسان (تعيش في شكل مجموعات) ويمكن أن تصبح عنيفة للغاية وتشكل خطرا على الإنسان.

يحذر الأطباء البياطرة من خطورة الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان (Zoonoses)، والتي يمكن أن تنتقل عبر العض أو الخدش أو حتى من خلال الفضلات والأسطح الملوثة.

القردة، على سبيل المثال، قد تنقل فيروسات وبكتيريا خطيرة، فيما ترتبط الزواحف مثل الثعابين والسلاحف ببكتيريا «السالمونيلا» التي قد تسبب تسمما غذائيا حادا، خاصة لدى الأطفال وكبار السن وأصحاب المناعة الضعيفة. كما أن بعض الحيوانات البرية قد تحمل طفيليات أو فيروسات غير شائعة في الوسط الحضري، ما يعقّد عملية التشخيص والعلاج.

ويؤكد مختصون أن الخطر لا يقتصر على صاحب الحيوان، بل قد يمتد إلى الجيران والمحيطين به في حال هروب الحيوان أو انتقال العدوى بطريقة غير مباشرة. على خلاف الكلاب والقطط التي خضعت لقرون من الاستئناس، فإن الحيوانات البرية تحتفظ بغرائزها الأصلية حتى وإن تربت في بيئة منزلية. فالقردة قد تصبح عدوانية عند البلوغ، والثعابين - خاصة الكبيرة الحجم - قد تشكل خطرا حقيقيا في حال سوء التعامل معها أو إهمال شروط السلامة.

في تونس، يخضع الاتجار بالحيوانات البرية وتنقلها إلى جملة من النصوص القانونية المنظمة للصيد وحماية الثروة الحيوانية والبيئة، من بينها أحكام مجلة الغابات والتشريعات المتعلقة بحماية الأصناف المهددة بالانقراض. ويضبط الفصل 183 و213 منها شروط الصيد وأنواع المصيد وحماية الحياة البرية، مما يعني أن تربية الحيوانات البرية خارج إطار القانون تعتبر غير قانونية.

وتمنع القوانين مسك بعض الحيوانات البرية دون ترخيص مسبق من السلطات المختصة، كما يُجرم الاتجار غير القانوني بها. وفي حال ثبوت المخالفة، يتم مصادرة الحيوان، وتتراوح العقوبات بين الغرامات المالية وصولا إلى التتبعات الجزائية، خاصة إذا تعلق الأمر بأصناف محمية أو مهددة بالانقراض.

كما تتولى المصالح الديوانية والأمنية حجز الحيوانات التي يتم إدخالها أو بيعها خارج الأطر القانونية، في إطار مكافحة الاتجار غير المشروع بالحيوانات البرية.

ويعود تفاقم الظاهرة إلى تنامي التجارة الإلكترونية غير المنظمة، حيث تُعرض حيوانات برية للبيع عبر صفحات خاصة دون رقابة بيطرية أو قانونية واضحة. هذه التجارة الموازية لا تهدد الصحة العامة فحسب، بل تساهم أيضًا في استنزاف التنوع البيولوجي وتهريب الأنواع من بيئاتها الأصلية.

ويؤكد البياطرة أن تربية الحيوانات غير الأليفة ليست مسألة هواية أو ذوق شخصي، بل قضية ترتبط بالسلامة العامة وبالالتزام بالقانون. فاقتناء حيوان بري دون معرفة علمية دقيقة بطبيعته واحتياجاته، ودون احترام الأطر القانونية، قد يحول الهواية إلى خطر حقيقي. وفي ظل تزايد هذه الظاهرة، تتعالى الدعوات إلى تكثيف حملات التوعية والرقابة، وتشديد العقوبات على الاتجار غير المشروع، حماية لصحة المواطنين وصونا للثروة الحيوانية في تونس.

ريم سوودي