إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

سهراته تتوزع على أبرز الفضاءات الثقافية بتونس العتيقة الحاملة لذاكرة المهرجان.. بين جيل يصعد وآخر يُكرَّم.. مهرجان المدينة يشعل شمعته الثانية والأربعين

◄ هيئة المهرجان تؤكد على أهمية إعادة تنشيط الحركية الثقافية ليلا في رمضان.

◄ الإبقاء على أسعار التذاكر في المتناول، انطلاقا من مبدأ أن التظاهرة تظل غير ربحية.

◄ نسبة هامة من العروض في المسرح البلدي، والعروض تتوزع على فضاءات المهرجان التقليدية

◄ أسباب تقنية وراء التخلي عن فضاء «سانت كروا» الثقافي.

تستعيد مدينة تونس العتيقة، مع حلول شهر رمضان المعظم، أبرز مواعيدها الثقافية التي ارتبطت بذاكرة أجيال كاملة، إذ تنطلق يوم السبت 21 فيفري الجاري فعاليات الدورة الثانية والأربعين لمهرجان المدينة، في دورة تتوزع على ثلاثين عرضا موسيقيا ومسرحيا، وتتواصل إلى غاية 15 مارس، وتراهن، وفق ما أعلنته الهيئة المنظمة، على تثبيت معادلة دقيقة تجمع بين الوفاء للتراث والانفتاح على التجارب الجديدة، وبين دعم الأصوات الشابة واستقطاب الأسماء القادرة على ملء الفضاءات التاريخية التي تحتضن السهرات الرمضانية.

ويأتي افتتاح هذه الدورة من المسرح البلدي بعرض “رياض العاشقين” للفنان الشاب زياد مهدي، في خطوة رمزية تعكس توجها واضحا نحو تمكين جيل جديد من اعتلاء ركح المهرجان، على أن تُختتم السهرات يوم الأحد 15 مارس، الموافق لـ26 رمضان، بصوت الفنانة نبيهة كراولي، في استعادة لمسار فني ارتبط في بداياته بهذا الموعد الرمضاني العريق. وبين الافتتاح والاختتام تنسج المدينة العتيقة لياليها على إيقاع المالوف والإنشاد الصوفي والجاز والتوشيحات والمسرح والقدود الحلبية، موزعة عروضها بين المسرح البلدي ودار الأصرم والمركز الثقافي بئر الأحجار والنادي الثقافي الطاهر الحداد وزاوية سيدي محرز، حيث تُفتح الأبواب يوميا في التاسعة والنصف ليلا لتنطلق العروض على الساعة العاشرة، في تقليد يحفظ خصوصية السهر الرمضاني ويمنح الجمهور فسحة للانتقال بين أزقة المدينة قبل الاستقرار في فضاءات طالما شكلت ذاكرة حية للمهرجان.

الندوة الصحفية التي احتضنها النادي الثقافي الطاهر الحداد عشية يوم الجمعة 13 فيفري كشفت أن هذه الدورة لا تُقدَّم بوصفها مجرد تجميع لعروض متفرقة، بل كمشروع ثقافي يستند إلى فلسفة واضحة قوامها «إحياء المدينة من الداخل».

فقد أكد رئيس جمعية مهرجان المدينة الشاذلي بن يونس أن الهدف الأساسي هو إعادة تنشيط الحركة الثقافية ليلا في المدينة العتيقة خلال شهر رمضان، عبر استثمار فضاءاتها التاريخية مثل دار الأصرم والمركز الثقافي بئر الأحجار والنادي الثقافي الطاهر الحداد وزاوية سيدي محرز، إلى جانب المسرح البلدي، باعتبارها فضاءات ليست محايدة، بل حاملة لذاكرة المهرجان ذاته.

وأوضح أن الحفاظ على هذه الأمكنة كمنابر ثقافية يندرج ضمن رؤية تسعى إلى صون طابع المدينة وإعادة ضخ الحياة فيها خلال ليالي الشهر الكريم، مشيرا في المقابل إلى أن الاستغناء عن فضاء “سانت كروا” جاء نتيجة اعتبارات تقنية تتعلق بجودة الصوت وارتداداته، وهو قرار يعكس أولوية الجودة الفنية على أي اعتبارات شكلية.

ويبرز في هذه الدورة حضور لافت للمسرح البلدي، الذي كان مبرمجا للغلق من أجل الصيانة، غير أن الهيئة بادرت باتصالات مكثفة للإبقاء عليه مفتوحا خلال رمضان، إدراكا منها لمحدودية طاقة استيعاب بقية الفضاءات التي لا تتجاوز، في أفضل الحالات، 300 متفرج. هذا المعطى يكشف وعيا تنظيميا بأهمية إتاحة العروض الكبرى لأوسع شريحة ممكنة من الجمهور، خاصة في ظل إقبال متزايد تشهده سهرات المهرجان في السنوات الأخيرة. وفي هذا السياق شدد بن يونس على أن المهرجان، رغم ارتفاع كلفة الإنتاج، يحرص على إبقاء أسعار التذاكر في متناول العموم، مذكرا بأن التظاهرة ليست ذات طابع ربحي، وأن التوازن المالي يظل رهانا معقدا في ظل محدودية الدعم العمومي.

أما على مستوى البرمجة، فيمكن قراءة الدورة الثانية والأربعين من زاويتين متكاملتين: الأولى فنية جمالية، والثانية استراتيجية ثقافية. فمن الناحية الجمالية، يتوزع البرنامج بين المالوف والموشحات والإنشاد الصوفي والجاز والعروض الفرجوية والمسرح، في محاولة لبناء خارطة سمعية تعكس تنوع المرجعيات الموسيقية في تونس وانفتاحها على الفضاء المتوسطي والعربي.

فدار الأصرم تحتضن عرض “Taqasim” لفوزي الشكيلي، وعرض “سحر النغم” لملاك عبد المولى، إلى جانب عرض “Ahmed Ajabi Jazztet – Bop Elation” الذي يزاوج بين روح الجاز والارتجال، بينما يقدم المركز الثقافي بئر الأحجار عروضا، من بينها مشاركة جمعية نادي المالوف خميس ترنان ببنزرت، في تأكيد على انفتاح المهرجان على الجهات، وعرض “مقام الطرب” لمكرم الأنصاري، فضلا عن “أنغام من العراق” للفنان علي حسين، في استحضار للأصوات الشرقية.

كما يشهد البرنامج حضورا متوسطيا من خلال عرض “Le Chœur de chants grecs de Tunis” بإدارة زياد بن عمر، والعرض الإسباني “Tawshihat depuis le Mashreq – Voix Méditerranéennes de femmes”، بما يرسخ فكرة المدينة العتيقة كمفترق طرق ثقافي بين ضفتي المتوسط.

ومن الناحية الاستراتيجية، تبدو البرمجة قائمة على خيار مزدوج أعلنه رئيس الجمعية بوضوح، يتمثل في الجمع بين الأسماء المعروفة القادرة على استقطاب جمهور واسع، ومنح الفرصة للمواهب الشابة. اختيار زياد مهدي لافتتاح الدورة يندرج في هذا السياق، تماما كما يعكس تكريم زياد غرسة في عرض “أعراض عشق” بالمسرح البلدي يوم 13 مارس، وتكريم روح الفاضل الجزيري من خلال عرض “الحضرة”، بعدا احتفائيا يؤكد وفاء المهرجان لرموزه. هذا التوازن بين الذاكرة والتجديد ليس تفصيلا برمجيا فحسب، بل يمثل أحد مفاتيح استمرارية المهرجان منذ أكثر من أربعين سنة، إذ لطالما كان ركح دار الأصرم أو نادي الطاهر الحداد نقطة انطلاق لفنانين أصبحوا اليوم نجوما في الساحة الفنية.

ولا يغيب الفن الرابع عن هذه الدورة، حيث يُعرض يوم 1 مارس بالمسرح البلدي العمل المسرحي  “كحلة الأهداب” من إخراج طاهر عيسى بالعربي، في خطوة تعيد التذكير بأن مهرجان المدينة، وإن غلب عليه الطابع الموسيقي، ظل منذ نشأته منفتحا على المسرح والفرجة الركحية، وهو ما يتعزز أيضا بعرض “نغمة وحكاية” للفنان منتصر العميري الذي يمزج بين السرد والموسيقى.

كما يستضيف المهرجان حفلا موسيقيا من إسطنبول بعنوان “من يونس إمره إلى مولانا”، في تقاطع مع العرض الصوفي للمنشد أحمد جلمام “بين المشرق والمغرب”، في لحظة تلتقي فيها التجربة الروحية بالبعد الجمالي.

اللافت أيضا في هذه الدورة هو حضور البعد الاجتماعي الذي أصبح تقليدا في السنوات الأخيرة، إذ أعلن المنظمون عن تخصيص جزء من مداخيل أحد العروض لفائدة جمعية قرطاج الأفق دعما لقسم جراحة الأطفال بمستشفى نابل، في مبادرة تؤكد أن التظاهرة الثقافية يمكن أن تكون أداة تضامن ومساهمة مدنية، وليست مجرد فضاء للترفيه.

إيمان عبد اللطيف

سهراته تتوزع على أبرز الفضاءات الثقافية بتونس العتيقة الحاملة لذاكرة المهرجان..    بين جيل يصعد وآخر يُكرَّم.. مهرجان المدينة يشعل شمعته الثانية والأربعين

◄ هيئة المهرجان تؤكد على أهمية إعادة تنشيط الحركية الثقافية ليلا في رمضان.

◄ الإبقاء على أسعار التذاكر في المتناول، انطلاقا من مبدأ أن التظاهرة تظل غير ربحية.

◄ نسبة هامة من العروض في المسرح البلدي، والعروض تتوزع على فضاءات المهرجان التقليدية

◄ أسباب تقنية وراء التخلي عن فضاء «سانت كروا» الثقافي.

تستعيد مدينة تونس العتيقة، مع حلول شهر رمضان المعظم، أبرز مواعيدها الثقافية التي ارتبطت بذاكرة أجيال كاملة، إذ تنطلق يوم السبت 21 فيفري الجاري فعاليات الدورة الثانية والأربعين لمهرجان المدينة، في دورة تتوزع على ثلاثين عرضا موسيقيا ومسرحيا، وتتواصل إلى غاية 15 مارس، وتراهن، وفق ما أعلنته الهيئة المنظمة، على تثبيت معادلة دقيقة تجمع بين الوفاء للتراث والانفتاح على التجارب الجديدة، وبين دعم الأصوات الشابة واستقطاب الأسماء القادرة على ملء الفضاءات التاريخية التي تحتضن السهرات الرمضانية.

ويأتي افتتاح هذه الدورة من المسرح البلدي بعرض “رياض العاشقين” للفنان الشاب زياد مهدي، في خطوة رمزية تعكس توجها واضحا نحو تمكين جيل جديد من اعتلاء ركح المهرجان، على أن تُختتم السهرات يوم الأحد 15 مارس، الموافق لـ26 رمضان، بصوت الفنانة نبيهة كراولي، في استعادة لمسار فني ارتبط في بداياته بهذا الموعد الرمضاني العريق. وبين الافتتاح والاختتام تنسج المدينة العتيقة لياليها على إيقاع المالوف والإنشاد الصوفي والجاز والتوشيحات والمسرح والقدود الحلبية، موزعة عروضها بين المسرح البلدي ودار الأصرم والمركز الثقافي بئر الأحجار والنادي الثقافي الطاهر الحداد وزاوية سيدي محرز، حيث تُفتح الأبواب يوميا في التاسعة والنصف ليلا لتنطلق العروض على الساعة العاشرة، في تقليد يحفظ خصوصية السهر الرمضاني ويمنح الجمهور فسحة للانتقال بين أزقة المدينة قبل الاستقرار في فضاءات طالما شكلت ذاكرة حية للمهرجان.

الندوة الصحفية التي احتضنها النادي الثقافي الطاهر الحداد عشية يوم الجمعة 13 فيفري كشفت أن هذه الدورة لا تُقدَّم بوصفها مجرد تجميع لعروض متفرقة، بل كمشروع ثقافي يستند إلى فلسفة واضحة قوامها «إحياء المدينة من الداخل».

فقد أكد رئيس جمعية مهرجان المدينة الشاذلي بن يونس أن الهدف الأساسي هو إعادة تنشيط الحركة الثقافية ليلا في المدينة العتيقة خلال شهر رمضان، عبر استثمار فضاءاتها التاريخية مثل دار الأصرم والمركز الثقافي بئر الأحجار والنادي الثقافي الطاهر الحداد وزاوية سيدي محرز، إلى جانب المسرح البلدي، باعتبارها فضاءات ليست محايدة، بل حاملة لذاكرة المهرجان ذاته.

وأوضح أن الحفاظ على هذه الأمكنة كمنابر ثقافية يندرج ضمن رؤية تسعى إلى صون طابع المدينة وإعادة ضخ الحياة فيها خلال ليالي الشهر الكريم، مشيرا في المقابل إلى أن الاستغناء عن فضاء “سانت كروا” جاء نتيجة اعتبارات تقنية تتعلق بجودة الصوت وارتداداته، وهو قرار يعكس أولوية الجودة الفنية على أي اعتبارات شكلية.

ويبرز في هذه الدورة حضور لافت للمسرح البلدي، الذي كان مبرمجا للغلق من أجل الصيانة، غير أن الهيئة بادرت باتصالات مكثفة للإبقاء عليه مفتوحا خلال رمضان، إدراكا منها لمحدودية طاقة استيعاب بقية الفضاءات التي لا تتجاوز، في أفضل الحالات، 300 متفرج. هذا المعطى يكشف وعيا تنظيميا بأهمية إتاحة العروض الكبرى لأوسع شريحة ممكنة من الجمهور، خاصة في ظل إقبال متزايد تشهده سهرات المهرجان في السنوات الأخيرة. وفي هذا السياق شدد بن يونس على أن المهرجان، رغم ارتفاع كلفة الإنتاج، يحرص على إبقاء أسعار التذاكر في متناول العموم، مذكرا بأن التظاهرة ليست ذات طابع ربحي، وأن التوازن المالي يظل رهانا معقدا في ظل محدودية الدعم العمومي.

أما على مستوى البرمجة، فيمكن قراءة الدورة الثانية والأربعين من زاويتين متكاملتين: الأولى فنية جمالية، والثانية استراتيجية ثقافية. فمن الناحية الجمالية، يتوزع البرنامج بين المالوف والموشحات والإنشاد الصوفي والجاز والعروض الفرجوية والمسرح، في محاولة لبناء خارطة سمعية تعكس تنوع المرجعيات الموسيقية في تونس وانفتاحها على الفضاء المتوسطي والعربي.

فدار الأصرم تحتضن عرض “Taqasim” لفوزي الشكيلي، وعرض “سحر النغم” لملاك عبد المولى، إلى جانب عرض “Ahmed Ajabi Jazztet – Bop Elation” الذي يزاوج بين روح الجاز والارتجال، بينما يقدم المركز الثقافي بئر الأحجار عروضا، من بينها مشاركة جمعية نادي المالوف خميس ترنان ببنزرت، في تأكيد على انفتاح المهرجان على الجهات، وعرض “مقام الطرب” لمكرم الأنصاري، فضلا عن “أنغام من العراق” للفنان علي حسين، في استحضار للأصوات الشرقية.

كما يشهد البرنامج حضورا متوسطيا من خلال عرض “Le Chœur de chants grecs de Tunis” بإدارة زياد بن عمر، والعرض الإسباني “Tawshihat depuis le Mashreq – Voix Méditerranéennes de femmes”، بما يرسخ فكرة المدينة العتيقة كمفترق طرق ثقافي بين ضفتي المتوسط.

ومن الناحية الاستراتيجية، تبدو البرمجة قائمة على خيار مزدوج أعلنه رئيس الجمعية بوضوح، يتمثل في الجمع بين الأسماء المعروفة القادرة على استقطاب جمهور واسع، ومنح الفرصة للمواهب الشابة. اختيار زياد مهدي لافتتاح الدورة يندرج في هذا السياق، تماما كما يعكس تكريم زياد غرسة في عرض “أعراض عشق” بالمسرح البلدي يوم 13 مارس، وتكريم روح الفاضل الجزيري من خلال عرض “الحضرة”، بعدا احتفائيا يؤكد وفاء المهرجان لرموزه. هذا التوازن بين الذاكرة والتجديد ليس تفصيلا برمجيا فحسب، بل يمثل أحد مفاتيح استمرارية المهرجان منذ أكثر من أربعين سنة، إذ لطالما كان ركح دار الأصرم أو نادي الطاهر الحداد نقطة انطلاق لفنانين أصبحوا اليوم نجوما في الساحة الفنية.

ولا يغيب الفن الرابع عن هذه الدورة، حيث يُعرض يوم 1 مارس بالمسرح البلدي العمل المسرحي  “كحلة الأهداب” من إخراج طاهر عيسى بالعربي، في خطوة تعيد التذكير بأن مهرجان المدينة، وإن غلب عليه الطابع الموسيقي، ظل منذ نشأته منفتحا على المسرح والفرجة الركحية، وهو ما يتعزز أيضا بعرض “نغمة وحكاية” للفنان منتصر العميري الذي يمزج بين السرد والموسيقى.

كما يستضيف المهرجان حفلا موسيقيا من إسطنبول بعنوان “من يونس إمره إلى مولانا”، في تقاطع مع العرض الصوفي للمنشد أحمد جلمام “بين المشرق والمغرب”، في لحظة تلتقي فيها التجربة الروحية بالبعد الجمالي.

اللافت أيضا في هذه الدورة هو حضور البعد الاجتماعي الذي أصبح تقليدا في السنوات الأخيرة، إذ أعلن المنظمون عن تخصيص جزء من مداخيل أحد العروض لفائدة جمعية قرطاج الأفق دعما لقسم جراحة الأطفال بمستشفى نابل، في مبادرة تؤكد أن التظاهرة الثقافية يمكن أن تكون أداة تضامن ومساهمة مدنية، وليست مجرد فضاء للترفيه.

إيمان عبد اللطيف