إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في ندوته الصحفية الأولى بعد انتخاب المكتب الجديد.. اتحاد الكتاب التونسيين يكشف عن وضعيته المالية ويعلن تفعيل الفصل التاسع من قانونه الأساسي

◄ رئيس اتحاد الكتاب التونسيين لـ “الصباح”: الاتحاد عانى خلال السنوات الأخيرة من استسهال الحديث عنه

عقدت الهيئة المديرة الجديدة لاتحاد الكتّاب التونسيين، صباح أمس الأربعاء 11 فيفري الجاري، ندوة صحفية خُصصت لتقديم برنامج عملها وتوضيح جملة من الإشكاليات التي رافقت المرحلة الأخيرة، في لقاء اتسم بكثافة الأسئلة وارتفاع منسوب الجدل بخصوص واقع الاتحاد، موقعه في المشهد الثقافي، وعلاقته بمؤسسات الدولة. الندوة لم تكن مجرد عرض لأنشطة قادمة، بل تحولت إلى مساحة لكشف خفايا الوضع الإداري والمالي للاتحاد، والرد على الاتهامات المتداولة، وطرح أسئلة أعمق حول مستقبل هذه المنظمة التي شكّلت لعقود عنوانا رمزيا للثقافة التونسية.

قدّم رئيس اتحاد الكتّاب التونسيين، محمد سعد برغل، جملة من التوضيحات بشأن تأخر تنظيم الندوة الإعلامية، كما تطرّق إلى عدد من الإشكاليات الهيكلية والمالية التي يمر بها الاتحاد، منتقدا في الآن ذاته ما اعتبره غيابا للأسئلة الجوهرية في التعاطي الإعلامي مع وضع المنظمة.

وأوضح رئيس الاتحاد أن التأخير، الذي لم يتجاوز شهرا، يعود إلى ثلاثة أسباب رئيسية. السبب الأول إداري بالأساس، باعتبار أن الاتحاد جمعية ثقافية تخضع للمرسوم المنظم للجمعيات في تونس، وهو ما يفرض استكمال الملف الإداري لدى الجهات المختصة ضمن آجال قانونية قد تصل إلى ثلاثة أسابيع، ولا يمكن قبل ذلك الإعلان عن أي نشاط رسمي.

أما السبب الثاني، فاعتبره اتصاليا وتنظيميا، ويتعلق بطبيعة النظام الانتخابي داخل اتحاد الكتّاب، القائم على انتخاب الأفراد لا القائمات. وأشار إلى أن هذا النظام لا يسمح بتقديم برامج انتخابية مسبقة كما هو معمول به في هياكل أخرى تعتمد الترشح عبر قائمات متنافسة لكل منها مشروع واضح. وبيّن أن الأعضاء لا يمكنهم الاتفاق على برنامج إلا بعد الانتخابات، ما يجعل بلورة مشروع متكامل مسألة لاحقة للانتخاب وليست سابقة له.

أما السبب الثالث، فيرتبط – وفق تعبيره – بالمسؤولية الأدبية تجاه الرأي العام، إذ لا يمكن الدعوة إلى ندوة لعرض برامج الاتحاد دون وجود تصور واضح ومشروع متفق عليه داخل الهيئة المديرة. لذلك اختارت الهيئة التريث والتشاور إلى حين الاتفاق على الخطوط العريضة لبرنامج عملها.

وفي محور ثانٍ، اعتبر رئيس اتحاد الكتاب التونسيين أن الهيئة الحالية لا تدّعي أنها الأفضل تمثيلا للمشهد الأدبي في تونس، مشيرا إلى وجود كتّاب ومثقفين أكثر حضورا وإنتاجا، لكنهم إما انسحبوا من الاتحاد أو لم يجددوا انخراطهم.

وطرح في هذا السياق جملة من الأسئلة التي رأى أنها لم تحظ بالنقاش الكافي إعلاميا، من بينها سبب ابتعاد عدد من كبار المثقفين عن الاتحاد؟ وما الذي جعل عدد المنخرطين لا يعكس حجم الساحة الأدبية في تونس؟ وما طبيعة العلاقة بين الاتحاد ووزارة الشؤون الثقافية؟ ولماذا تم – وفق قوله – تجفيف منابع الدعم، بل والمطالبة باسترجاع المقر التاريخي للاتحاد؟ واعتبر أن هذه القضايا تمثل جوهر الإشكال، وكان من المفترض أن تكون موضوع نقاش وطني واسع، حتى يتحول الاتحاد إلى رافد من روافد التنمية الثقافية ومدافع فعلي عن الكتّاب والمبدعين، منتقدا ما وصفه بغياب الاتحاد كهيكل منتخب عن المنابر الإعلامية، مقابل حضور بعض الأفراد بصفات شخصية. وتساءل عن أسباب عدم دعوة الهيئة المديرة لعرض وجهة نظرها، في إطار ما سماه «التوازن الإعلامي» وحق الرد، مؤكدا أن المسألة لا تتعلق بأشخاص بل بهيكل منتخب يمثل منظمة وطنية.

أزمة دار الكاتب… خسائر متراكمة

وفي جانب مالي لافت، كشف رئيس الاتحاد عن وضعية مالية «حرجة»، مشيرا إلى أن الهيئة تسلمت مهامها والاتحاد مثقل بديون تفوق 160 ألف دينار. وأوضح أن «دار الكاتب»، التي تمثل المورد المالي الأساسي للاتحاد منذ التسعينات، أُغلقت منذ أفريل 2025 بقرار إداري – وفق قوله – دون تمكين الهيئة من وثيقة رسمية تبرر الغلق. ونتيجة لذلك، خسر الاتحاد مورد كراء يناهز 6 آلاف دينار شهريا، في مقابل التزامات شهرية ثابتة تقدر بحوالي 7 آلاف دينار، ما أدى إلى تراكم الديون.

وتوقف رئيس الاتحاد عند المؤتمر الانتخابي الأخير، موضحا أنه انعقد احتراما لما ينصّ عليه القانون الأساسي من دورية زمنية، رغم غياب الدعم المالي. وقال إن الهيئة اضطرت إلى تنظيم المؤتمر في يوم واحد بدل يومين، تقليصا للمصاريف، مع مساهمات شخصية من بعض الأعضاء لتغطية الحد الأدنى من التكاليف. كما دافع عما اسماه بسلامة الإجراءات القانونية للمؤتمر، من تلاوة التقريرين الأدبي والمالي ومناقشتهما، وانتخاب لجنة تدقيق مالي، وتشكيل رئاسة الجلسة العامة وفق ما ينصّ عليه القانون الأساسي، مشيرا إلى أن رئاسة المؤتمر آلت إلى أحد الأعضاء بعد اعتذار الأكبر سنا لأسباب صحية، وتم ذلك برفع الأيدي ودون اعتراض من الحاضرين. وأكد أن أشغال المؤتمر الانتخابي، الذي انعقد يوم 21 ديسمبر 2025، دامت من الصباح إلى حدود الساعة الخامسة مساء، دون تسجيل إشكالات تُذكر، معتبرا أن ما راج من اتهامات بوجود خروقات «لا يستند إلى معطيات دقيقة»، وأنّ الجدل القائم الذي رافق عقد المؤتمر تركز حول التوكيلات خلال المؤتمر الانتخابي، مشيرا إلى أن المسألة معروضة حاليا على القضاء، قائلا إن الهيئة تحترم المسار القضائي وستمتنع عن الخوض في تفاصيل الملف إلى حين صدور الحكم مطلع شهر مارس القادم.

وشدد رئيس الاتحاد في مداخلته على أن الإشكال يتجاوز الأشخاص والهيئات، ليتصل بمكانة الثقافة والكتّاب في السياسات العمومية. وتساءل عن الكيفية التي يمكن بها لاتحاد يعاني من شح الموارد وإغلاق مقره ومراكمة الديون أن يضطلع بدوره كاملا في الدفاع عن المبدعين. وفي تصريحه لـ»الصباح» على هامش الندوة الصحفية، اعتبر رئيس اتحاد الكتّاب التونسيين، محمد سعد برغل، أن الأسئلة المطروحة اليوم حول وضعية الاتحاد مشروعة، بل وضرورية، مؤكدا أن الاتحاد نفسه مطالب بتقديم إجابات واضحة للرأي العام بشأن الأسباب التي أوصلته إلى هذا الوضع. وأوضح أن «ما يعيشه الاتحاد ليس نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تراكمات وسياقات متعددة، في مقدمتها سياق دولي تغيّرت فيه مكانة الاتحادات عموما، حيث لم تعد تحظى بالهيبة والسطوة والفاعلية نفسها التي كانت لها خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي وبداية الألفية، وهو ما انعكس على مختلف الهياكل المهنية والثقافية، ومنها اتحادات الكتّاب.»

على المستوى الوطني

أما على المستوى الوطني، فقد أشار إلى أن الاتحاد عانى خلال السنوات الأخيرة من استسهال الحديث عنه، سواء في ما يتعلق بمشاريعه أو بوضعه المالي، إلى درجة تحوّل فيها اتهام الاتحاد بالفساد إلى خطاب متداول دون أن يُدعم، حسب قوله، بقضايا مرفوعة أو بأحكام قضائية تثبت تلك الادعاءات. واعتبر أن تكرار الاتهامات عبر وسائل التواصل الاجتماعي ساهم في اهتراء صورة الاتحاد لدى الرأي العام، بل ودفع بعض الأصوات إلى المطالبة بإنهائه أو القطيعة معه، مؤكدا أن من يملك مؤيدات حول فساد مالي فالقضاء مفتوح أمامه، أما الاكتفاء بالتشكيك العلني فقد ألحق ضررا معنويا كبيرا بالمنظمة.

وفي هذا السياق، أعلن أن الهيئة المديرة قررت، بداية من يوم انعقاد هذه الندوة الصحفية، تفعيل الفصل التاسع من القانون الأساسي، الذي يتيح اتخاذ إجراءات داخلية في حق كل عضو تثبت إساءته للاتحاد بعد استكمال المسار المنصوص عليه، مشددا على أن القرار لا يستهدف أشخاصا بعينهم، بل يشمل جميع المنخرطين دون استثناء، سواء كانوا في القيادة أو في الفروع، وأن الجميع سواسية أمام القانون الداخلي للاتحاد. كما ذكّر بأن القانون التونسي يجرّم بدوره الإساءة إلى الأشخاص والمؤسسات عبر الفضاء الرقمي، مؤكدا أن الهدف ليس التصعيد بل وضع حد لما اعتبره تجاوزات متكررة أضرت بصورة الاتحاد.

وبخصوص العلاقة بوزارة الشؤون الثقافية، أوضح أن الهيئة الجديدة لم تتقدم بعد بمطلب دعم مالي، وإنما طلبت لقاء تعارفيا مع الوزيرة، تم خلاله تقديم الهيئة وبرنامجها العام، مبيّنا أن الاتحاد لا يخضع لسلطة إشراف الوزارة باعتباره جمعية تخضع لأحكام المرسوم عدد 88 المنظم للجمعيات، وأن الاعتراف القانوني يتم عبر رئاسة الحكومة، فيما تظل العلاقة مع وزارة الشؤون الثقافية علاقة تعاون وشراكة في ما يتصل بالشأن الثقافي. كما أشار إلى أن الإشكال المتعلق بترخيص «دار الكاتب» يعود إلى قرار صادر عن والي تونس، مؤكدا أن المسألة لا تخص الهيئة الحالية فقط بل تعود إلى فترة سابقة. وأكد رئيس الاتحاد أن الهيئة الحالية منتخبة وأن المؤتمر الذي أفرزها كان قانونيا وشرعيا، وأن أي طعن في شرعيتها يجب أن يُحسم قضائيا، مضيفا أن الاتحاد سيواصل عمله في انتظار أي قرار يصدر عن الجهات المختصة. وختم تصريحه بدعوة المثقفين وكل من يعلن حرصه على المال العام إلى المساهمة في استعادة مكانة الاتحاد بدل تغذية الخطابات التي تسيء إليه، معتبرا أن إنقاذ صورته مسؤولية جماعية تتطلب لمّ الشمل، واستعادة الثقة، والعمل على إعادة الاتحاد إلى موقعه الطبيعي داخل المشهد الثقافي التونسي والعربي.

الهيئة المديرة لاتحاد الكتاب التونسيين تعلن عن برنامج الأشهر القادمة

كشفت الهيئة الجديدة لاتحاد الكتاب التونسيين (مطبوعة تم توزيعها خلال الندوة الصحفية) عن جدول برامجه في الأشهر القادمة، والتي تشمل سلسلة من الأيام الدراسية والندوات والأنشطة الرقمية والإصدارات.

ويتضمن البرنامج تنظيم أيام دراسية وتأطيرية في تونس خلال عام 2026، تجمع ممثلي فروع الاتحاد بمسؤولين من الإدارة العامة للكتاب واتحاد الناشرين للتباحث في «حقوق التأليف والنشر». كما يشهد شهر فيفري 2026 تنظيم يومين دراسيين في «ابن شرف» بتونس، الأول حول «الجسد في الفلسفة» والثاني حول «المرجع في تدريس السينما والسمعي البصري» بالتعاون مع الدكتور سمير الزغبي. ومن المقرر أن تمتد ندوات فروع اتحاد الكتاب لتشمل كامل ولايات الجمهورية طيلة سنتي 2026 و2027.

بخصوص الندوات والملتقيات، برمج الاتحاد ندوة حول «التراث والحداثة» في شهر ماي 2026، تليها في شهر جوان ندوة مغاربية بعنوان «هوية المؤلف في الألفية الثالثة»، إضافة إلى ندوة حول «الإصلاح التربوي» في الشهر ذاته. وخلال النصف الثاني من عام 2026، سيتم تنظيم «سمبوزيوم: شعراء من العالم».

أما في ما يتعلق بالمشاريع الرقمية والأرشفة، فقد أعلنت الهيئة عن تفعيل موقع الاتحاد الرقمي الرسمي بداية من شهر فيفري 2026. كما سيشرع في شهر أكتوبر 2026 في تنفيذ مشروع لرقمنة أرشيف مجلة «المسار» وأعداد مجلة «حوارات فكرية».

ومن المنتظر أن يشهد شهر ديسمبر 2026 إصدار أعداد جديدة من مجلتي «المسار» و»حوارات فكرية»، ونشر أعمال «الشعرية والحداثة»، بالإضافة إلى إصدار مداخلات اليوم الدراسي المتعلق بـ «النقد الثقافي». وعلى صعيد الأنشطة الدورية، يستمر نادي الشعر في تنظيم أمسيات وتقديم الكتب على امتداد السنة.

إيمان عبد اللطيف

 

في ندوته الصحفية الأولى بعد انتخاب المكتب الجديد..   اتحاد الكتاب التونسيين يكشف عن وضعيته المالية ويعلن تفعيل الفصل التاسع من قانونه الأساسي

◄ رئيس اتحاد الكتاب التونسيين لـ “الصباح”: الاتحاد عانى خلال السنوات الأخيرة من استسهال الحديث عنه

عقدت الهيئة المديرة الجديدة لاتحاد الكتّاب التونسيين، صباح أمس الأربعاء 11 فيفري الجاري، ندوة صحفية خُصصت لتقديم برنامج عملها وتوضيح جملة من الإشكاليات التي رافقت المرحلة الأخيرة، في لقاء اتسم بكثافة الأسئلة وارتفاع منسوب الجدل بخصوص واقع الاتحاد، موقعه في المشهد الثقافي، وعلاقته بمؤسسات الدولة. الندوة لم تكن مجرد عرض لأنشطة قادمة، بل تحولت إلى مساحة لكشف خفايا الوضع الإداري والمالي للاتحاد، والرد على الاتهامات المتداولة، وطرح أسئلة أعمق حول مستقبل هذه المنظمة التي شكّلت لعقود عنوانا رمزيا للثقافة التونسية.

قدّم رئيس اتحاد الكتّاب التونسيين، محمد سعد برغل، جملة من التوضيحات بشأن تأخر تنظيم الندوة الإعلامية، كما تطرّق إلى عدد من الإشكاليات الهيكلية والمالية التي يمر بها الاتحاد، منتقدا في الآن ذاته ما اعتبره غيابا للأسئلة الجوهرية في التعاطي الإعلامي مع وضع المنظمة.

وأوضح رئيس الاتحاد أن التأخير، الذي لم يتجاوز شهرا، يعود إلى ثلاثة أسباب رئيسية. السبب الأول إداري بالأساس، باعتبار أن الاتحاد جمعية ثقافية تخضع للمرسوم المنظم للجمعيات في تونس، وهو ما يفرض استكمال الملف الإداري لدى الجهات المختصة ضمن آجال قانونية قد تصل إلى ثلاثة أسابيع، ولا يمكن قبل ذلك الإعلان عن أي نشاط رسمي.

أما السبب الثاني، فاعتبره اتصاليا وتنظيميا، ويتعلق بطبيعة النظام الانتخابي داخل اتحاد الكتّاب، القائم على انتخاب الأفراد لا القائمات. وأشار إلى أن هذا النظام لا يسمح بتقديم برامج انتخابية مسبقة كما هو معمول به في هياكل أخرى تعتمد الترشح عبر قائمات متنافسة لكل منها مشروع واضح. وبيّن أن الأعضاء لا يمكنهم الاتفاق على برنامج إلا بعد الانتخابات، ما يجعل بلورة مشروع متكامل مسألة لاحقة للانتخاب وليست سابقة له.

أما السبب الثالث، فيرتبط – وفق تعبيره – بالمسؤولية الأدبية تجاه الرأي العام، إذ لا يمكن الدعوة إلى ندوة لعرض برامج الاتحاد دون وجود تصور واضح ومشروع متفق عليه داخل الهيئة المديرة. لذلك اختارت الهيئة التريث والتشاور إلى حين الاتفاق على الخطوط العريضة لبرنامج عملها.

وفي محور ثانٍ، اعتبر رئيس اتحاد الكتاب التونسيين أن الهيئة الحالية لا تدّعي أنها الأفضل تمثيلا للمشهد الأدبي في تونس، مشيرا إلى وجود كتّاب ومثقفين أكثر حضورا وإنتاجا، لكنهم إما انسحبوا من الاتحاد أو لم يجددوا انخراطهم.

وطرح في هذا السياق جملة من الأسئلة التي رأى أنها لم تحظ بالنقاش الكافي إعلاميا، من بينها سبب ابتعاد عدد من كبار المثقفين عن الاتحاد؟ وما الذي جعل عدد المنخرطين لا يعكس حجم الساحة الأدبية في تونس؟ وما طبيعة العلاقة بين الاتحاد ووزارة الشؤون الثقافية؟ ولماذا تم – وفق قوله – تجفيف منابع الدعم، بل والمطالبة باسترجاع المقر التاريخي للاتحاد؟ واعتبر أن هذه القضايا تمثل جوهر الإشكال، وكان من المفترض أن تكون موضوع نقاش وطني واسع، حتى يتحول الاتحاد إلى رافد من روافد التنمية الثقافية ومدافع فعلي عن الكتّاب والمبدعين، منتقدا ما وصفه بغياب الاتحاد كهيكل منتخب عن المنابر الإعلامية، مقابل حضور بعض الأفراد بصفات شخصية. وتساءل عن أسباب عدم دعوة الهيئة المديرة لعرض وجهة نظرها، في إطار ما سماه «التوازن الإعلامي» وحق الرد، مؤكدا أن المسألة لا تتعلق بأشخاص بل بهيكل منتخب يمثل منظمة وطنية.

أزمة دار الكاتب… خسائر متراكمة

وفي جانب مالي لافت، كشف رئيس الاتحاد عن وضعية مالية «حرجة»، مشيرا إلى أن الهيئة تسلمت مهامها والاتحاد مثقل بديون تفوق 160 ألف دينار. وأوضح أن «دار الكاتب»، التي تمثل المورد المالي الأساسي للاتحاد منذ التسعينات، أُغلقت منذ أفريل 2025 بقرار إداري – وفق قوله – دون تمكين الهيئة من وثيقة رسمية تبرر الغلق. ونتيجة لذلك، خسر الاتحاد مورد كراء يناهز 6 آلاف دينار شهريا، في مقابل التزامات شهرية ثابتة تقدر بحوالي 7 آلاف دينار، ما أدى إلى تراكم الديون.

وتوقف رئيس الاتحاد عند المؤتمر الانتخابي الأخير، موضحا أنه انعقد احتراما لما ينصّ عليه القانون الأساسي من دورية زمنية، رغم غياب الدعم المالي. وقال إن الهيئة اضطرت إلى تنظيم المؤتمر في يوم واحد بدل يومين، تقليصا للمصاريف، مع مساهمات شخصية من بعض الأعضاء لتغطية الحد الأدنى من التكاليف. كما دافع عما اسماه بسلامة الإجراءات القانونية للمؤتمر، من تلاوة التقريرين الأدبي والمالي ومناقشتهما، وانتخاب لجنة تدقيق مالي، وتشكيل رئاسة الجلسة العامة وفق ما ينصّ عليه القانون الأساسي، مشيرا إلى أن رئاسة المؤتمر آلت إلى أحد الأعضاء بعد اعتذار الأكبر سنا لأسباب صحية، وتم ذلك برفع الأيدي ودون اعتراض من الحاضرين. وأكد أن أشغال المؤتمر الانتخابي، الذي انعقد يوم 21 ديسمبر 2025، دامت من الصباح إلى حدود الساعة الخامسة مساء، دون تسجيل إشكالات تُذكر، معتبرا أن ما راج من اتهامات بوجود خروقات «لا يستند إلى معطيات دقيقة»، وأنّ الجدل القائم الذي رافق عقد المؤتمر تركز حول التوكيلات خلال المؤتمر الانتخابي، مشيرا إلى أن المسألة معروضة حاليا على القضاء، قائلا إن الهيئة تحترم المسار القضائي وستمتنع عن الخوض في تفاصيل الملف إلى حين صدور الحكم مطلع شهر مارس القادم.

وشدد رئيس الاتحاد في مداخلته على أن الإشكال يتجاوز الأشخاص والهيئات، ليتصل بمكانة الثقافة والكتّاب في السياسات العمومية. وتساءل عن الكيفية التي يمكن بها لاتحاد يعاني من شح الموارد وإغلاق مقره ومراكمة الديون أن يضطلع بدوره كاملا في الدفاع عن المبدعين. وفي تصريحه لـ»الصباح» على هامش الندوة الصحفية، اعتبر رئيس اتحاد الكتّاب التونسيين، محمد سعد برغل، أن الأسئلة المطروحة اليوم حول وضعية الاتحاد مشروعة، بل وضرورية، مؤكدا أن الاتحاد نفسه مطالب بتقديم إجابات واضحة للرأي العام بشأن الأسباب التي أوصلته إلى هذا الوضع. وأوضح أن «ما يعيشه الاتحاد ليس نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تراكمات وسياقات متعددة، في مقدمتها سياق دولي تغيّرت فيه مكانة الاتحادات عموما، حيث لم تعد تحظى بالهيبة والسطوة والفاعلية نفسها التي كانت لها خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي وبداية الألفية، وهو ما انعكس على مختلف الهياكل المهنية والثقافية، ومنها اتحادات الكتّاب.»

على المستوى الوطني

أما على المستوى الوطني، فقد أشار إلى أن الاتحاد عانى خلال السنوات الأخيرة من استسهال الحديث عنه، سواء في ما يتعلق بمشاريعه أو بوضعه المالي، إلى درجة تحوّل فيها اتهام الاتحاد بالفساد إلى خطاب متداول دون أن يُدعم، حسب قوله، بقضايا مرفوعة أو بأحكام قضائية تثبت تلك الادعاءات. واعتبر أن تكرار الاتهامات عبر وسائل التواصل الاجتماعي ساهم في اهتراء صورة الاتحاد لدى الرأي العام، بل ودفع بعض الأصوات إلى المطالبة بإنهائه أو القطيعة معه، مؤكدا أن من يملك مؤيدات حول فساد مالي فالقضاء مفتوح أمامه، أما الاكتفاء بالتشكيك العلني فقد ألحق ضررا معنويا كبيرا بالمنظمة.

وفي هذا السياق، أعلن أن الهيئة المديرة قررت، بداية من يوم انعقاد هذه الندوة الصحفية، تفعيل الفصل التاسع من القانون الأساسي، الذي يتيح اتخاذ إجراءات داخلية في حق كل عضو تثبت إساءته للاتحاد بعد استكمال المسار المنصوص عليه، مشددا على أن القرار لا يستهدف أشخاصا بعينهم، بل يشمل جميع المنخرطين دون استثناء، سواء كانوا في القيادة أو في الفروع، وأن الجميع سواسية أمام القانون الداخلي للاتحاد. كما ذكّر بأن القانون التونسي يجرّم بدوره الإساءة إلى الأشخاص والمؤسسات عبر الفضاء الرقمي، مؤكدا أن الهدف ليس التصعيد بل وضع حد لما اعتبره تجاوزات متكررة أضرت بصورة الاتحاد.

وبخصوص العلاقة بوزارة الشؤون الثقافية، أوضح أن الهيئة الجديدة لم تتقدم بعد بمطلب دعم مالي، وإنما طلبت لقاء تعارفيا مع الوزيرة، تم خلاله تقديم الهيئة وبرنامجها العام، مبيّنا أن الاتحاد لا يخضع لسلطة إشراف الوزارة باعتباره جمعية تخضع لأحكام المرسوم عدد 88 المنظم للجمعيات، وأن الاعتراف القانوني يتم عبر رئاسة الحكومة، فيما تظل العلاقة مع وزارة الشؤون الثقافية علاقة تعاون وشراكة في ما يتصل بالشأن الثقافي. كما أشار إلى أن الإشكال المتعلق بترخيص «دار الكاتب» يعود إلى قرار صادر عن والي تونس، مؤكدا أن المسألة لا تخص الهيئة الحالية فقط بل تعود إلى فترة سابقة. وأكد رئيس الاتحاد أن الهيئة الحالية منتخبة وأن المؤتمر الذي أفرزها كان قانونيا وشرعيا، وأن أي طعن في شرعيتها يجب أن يُحسم قضائيا، مضيفا أن الاتحاد سيواصل عمله في انتظار أي قرار يصدر عن الجهات المختصة. وختم تصريحه بدعوة المثقفين وكل من يعلن حرصه على المال العام إلى المساهمة في استعادة مكانة الاتحاد بدل تغذية الخطابات التي تسيء إليه، معتبرا أن إنقاذ صورته مسؤولية جماعية تتطلب لمّ الشمل، واستعادة الثقة، والعمل على إعادة الاتحاد إلى موقعه الطبيعي داخل المشهد الثقافي التونسي والعربي.

الهيئة المديرة لاتحاد الكتاب التونسيين تعلن عن برنامج الأشهر القادمة

كشفت الهيئة الجديدة لاتحاد الكتاب التونسيين (مطبوعة تم توزيعها خلال الندوة الصحفية) عن جدول برامجه في الأشهر القادمة، والتي تشمل سلسلة من الأيام الدراسية والندوات والأنشطة الرقمية والإصدارات.

ويتضمن البرنامج تنظيم أيام دراسية وتأطيرية في تونس خلال عام 2026، تجمع ممثلي فروع الاتحاد بمسؤولين من الإدارة العامة للكتاب واتحاد الناشرين للتباحث في «حقوق التأليف والنشر». كما يشهد شهر فيفري 2026 تنظيم يومين دراسيين في «ابن شرف» بتونس، الأول حول «الجسد في الفلسفة» والثاني حول «المرجع في تدريس السينما والسمعي البصري» بالتعاون مع الدكتور سمير الزغبي. ومن المقرر أن تمتد ندوات فروع اتحاد الكتاب لتشمل كامل ولايات الجمهورية طيلة سنتي 2026 و2027.

بخصوص الندوات والملتقيات، برمج الاتحاد ندوة حول «التراث والحداثة» في شهر ماي 2026، تليها في شهر جوان ندوة مغاربية بعنوان «هوية المؤلف في الألفية الثالثة»، إضافة إلى ندوة حول «الإصلاح التربوي» في الشهر ذاته. وخلال النصف الثاني من عام 2026، سيتم تنظيم «سمبوزيوم: شعراء من العالم».

أما في ما يتعلق بالمشاريع الرقمية والأرشفة، فقد أعلنت الهيئة عن تفعيل موقع الاتحاد الرقمي الرسمي بداية من شهر فيفري 2026. كما سيشرع في شهر أكتوبر 2026 في تنفيذ مشروع لرقمنة أرشيف مجلة «المسار» وأعداد مجلة «حوارات فكرية».

ومن المنتظر أن يشهد شهر ديسمبر 2026 إصدار أعداد جديدة من مجلتي «المسار» و»حوارات فكرية»، ونشر أعمال «الشعرية والحداثة»، بالإضافة إلى إصدار مداخلات اليوم الدراسي المتعلق بـ «النقد الثقافي». وعلى صعيد الأنشطة الدورية، يستمر نادي الشعر في تنظيم أمسيات وتقديم الكتب على امتداد السنة.

إيمان عبد اللطيف