تجاوز الرهان اليوم حدود ما تمت صياغته من ترسانة قانونية وتشريعية، ليطال من يتولى فعليا تنفيذها وتحويلها إلى سياسات ناجعة تُحدث الفارق وتعيد للدولة هيبتها وفاعليتها.
فلم يعد المطلوب، في الوقت الراهن، مزيدا من النصوص التشريعية بقدر ما باتت الحاجة ملحة إلى منظومة تنفيذية تقودها عقول وأياد جديدة لا تؤمن بالبيروقراطية المعطلة.
وتتحلى بالكفاءة والنزاهة والجرأة على كسر حلقات الجمود والتعطيل، كما تمتلك الإرادة لتحويل الآليات القانونية من مجرد عناوين مدرجة في الرائد الرسمي إلى واقع ملموس، بما يؤشر لدولة فاعلة لا تكتفي فقط بالتشريع وإنما تؤسس لمسار جديد تترجم فيه جدية الدولة واهتمامها بمدى قدرتها على تحويل مختلف السياسات والنصوص إلى واقع ملموس.
من هذا المنطلق، جاءت رسالة رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال لقائه برئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري بقصر قرطاج واضحة لا لبس فيها: «العبرة» تتجاوز النص والترسانة التشريعية برمتها لتطال المنظومة البشرية التي تُمسك بمفاصل الدولة وبزمام القرار والتي تتولى السهر على تنفيذ مختلف السياسات العمومية.
فهذه المنظومة يتعين عليها أن تتحلى بروح المسؤولية وأن تدرك جيدا أن المنصب ليس امتيازا بل أمانة، وأن خدمة الصالح العام تقتضي انضباطا ونزاهة حتى يكون القرار الإداري في مستوى تطلعات المواطنين.
كفاءات تراعي الصالح العام
من وجهة نظر رئيس الدولة قيس سعيد، فإن التحديات الراهنة لا يمكن اختزالها في فراغ تشريعي، وإنما هي في جوهرها أزمة تنفيذ وإرادة ومسؤولية، وعدم قدرة على التكيف مع مقتضيات المرحلة الراهنة.
فالدولة التي راكمت على مدى عقود نصوصا قانونية وترتيبية لا تعاني «أزمة» على مستوى القوانين بقدر ما تعاني من غياب كفاءات قادرة على تجسيمها، أولئك الذين يؤمنون بها فعلا ويتعفّفون عن توظيفها لخدمة مصالحهم وحساباتهم الضيقة.
وهذا الطرح يعكس التحول اللافت في رؤية رئيس الدولة قيس سعيد لإصلاح الإدارة والدولة. فالإصلاح، وفق هذا التصور، لا يبدأ من سن القوانين بقدر ما يبدأ من إعادة بناء الجهاز التنفيذي نفسه، وتطهيره من شبكات المصالح واللوبيات التي عطّلت الدولة وأفرغت النصوص من محتواها.
وفي هذا الإطار، يراهن رئيس الدولة قيس سعيد على كفاءات تراعي المصلحة الوطنية قبل كل اعتبار، وتتحلّى بالالتزام الأخلاقي والنجاعة في الأداء، على أن الأهم هو أن تكون قادرة على القطع مع منطق التسيير التقليدي القائم على الانتظار والتبرير. كفاءات تُدرك أن المسؤولية تكليف لا تشريف، وأن نجاح الدولة يُترجم بمدى قدرتها على خدمة المواطن وتحقيق العدالة الاجتماعية بما يؤسّس لمرحلة جديدة يكون عنوانها الرئيسي: الإنجاز.
ففي مقاربته يبحث رئيس الجمهورية قيس سعيد عن «الإنسان الجديد» داخل منظومة الحكم. «العبرة ليست في النص وحده، بل في من يسعى «متعففا» لتحقيق أهدافه». وهذا التأكيد على صفة «التعفف» يعيد الأخلاق إلى قلب الفعل السياسي والإداري.
فالإدارة التونسية، التي عانت لسنوات من تغلغل المحسوبية والولاءات الضيقة، تحتاج اليوم إلى جيل جديد من المسؤولين الذين لا يرون في مناصبهم غنيمة. هؤلاء «القائمون الجدد» الذين يراهن عليهم رئيس الجمهورية قيس سعيد هم من سيقفون سدا منيعا في وجه اللوبيات المتجذرة داخل مفاصل الإدارة والتي تعمل على إحباط أي مشروع إصلاحي يهدد مصالحها الضيقة.
من جانب آخر وفي نفس الإطار، أعاد رئيس الدولة قيس سعيد خلال هذا اللقاء إثارة مسألة التضخم التشريعي. فالإفراط في سن القوانين وإحداث الهياكل لم يؤدّ إلى مزيد من النجاعة، وإنما إلى تشتيت القرار، وتعقيد المسارات، وإهدار المال العام في ظل تحول بعض المؤسّسات إلى هياكل بلا روح تُستهلك فيها الميزانيات دون أثر ملموس على حياة المواطنين.
وفي هذا السياق، يضع رئيس الدولة قيس سعيد إصبعه على مكمن الداء، مؤكدا مجددا أن معركة الإصلاح لا تنحصر في إنتاج قوانين جديدة، وإنما في مراجعة شاملة لمنظومة التنظيم والتأطير نفسها بما يضمن النجاعة، ويُعيد الاعتبار لمبدأ المسؤولية والمحاسبة.
من جهة أخرى ولدى تناوله لمشاريع النصوص المتعلقة بالاستثمار، أعاد رئيس الجمهورية قيس سعيد ترتيب الأولويات: لا استثمار حقيقي دون عدالة اجتماعية. فالمشكلة، في نظره، لا تكمن فقط في النصوص، بل في أسباب تعثّر تطبيقها، وفي البيئة الإدارية التي احتضنت الفساد وسمحت بتمدّد اللوبيات داخل أجهزة الدولة ودواليبها.
وهذا التشخيص يضع الاستثمار في سياقه الحقيقي، باعتباره مسارا متكاملا لا يقتصر على الامتيازات والحوافز بل يرتبط بالحوكمة، والشفافية، ومبدأ تكافؤ الفرص. فطالما بقيت أسباب التعطيل قائمة، فإن تغيير النصوص لن يُفضي إلا إلى إعادة إنتاج الفشل، وربما إلى إفشال متعمد لكل محاولة إصلاح.
وضمن هذه المقاربة، يؤكد رئيس الجمهورية قيس سعيد أنّ أي سياسة استثمارية ناجحة لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن إصلاح البيئة الحاضنة والحدّ من النفوذ غير المشروع للّوبيات، فضلاً عن أهمية مكافحة الفساد المستشري داخل الإدارة.
معركة الدولة مع اللوبيات والفساد
واحدة من أكثر النقاط وضوحا في خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيد هو تحميله المسؤولية المباشرة لما وصفه بالتعثّر والإفشال المتعمّد، مؤكدا أن اللوبيات المتغلغلة داخل الإدارة شكّلت على مدى سنوات حاجزا صلبا أمام أي إصلاح حقيقي. فالدولة، وفقا لهذا التصور، لم تكن عاجزة بقدر ما كانت مُكبّلة، ومقيّدة بشبكات مصالح تمعشت من سياسة التعطيل والمماطلة.
وهنا، فإن القضاء على الفساد لا يُطرح كشعار وإنما كشرط جوهري وأساسي لإنجاح أي سياسة عمومية، فمتى لم يقع تفكيك هذه المنظومات والشبكات، لن يتغير الكثير، بل قد لا يتغير شيء، مهما تتالت النصوص وتعددت المبادرات، وهو ما يسعى رئيس الدولة قيس سعيد إلى تغييره جذريا من خلال إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وفرض آليات صارمة للمحاسبة والمتابعة والتطوير من كفاءة الجهاز التنفيذي بحيث يصبح قادرًا على تطبيق السياسات بجدية وفاعلية.
فالرؤية التي يؤكد عليها رئيس الدولة قيس سعيد لا تقتصر على سن القوانين بل تتجاوز ذلك إلى بناء منظومة تحكمها الشفافية والنزاهة وتقطع مع ثقافة التسويف والتأجيل، لتضع المواطن في صلب كل قرار، وتضمن أن تتحول الإرادة السياسية إلى إنجازات ملموسة.
معركة الدولة ضد غلاء الأسعار
وفي محور يعتبر بالغ الدقة والحساسية، تطرّق رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى ضرورة إعداد النصوص الترتيبية الكفيلة بالحفاظ على القدرة الشرائية ومواجهة غلاء الأسعار، مع التشديد على مكافحة المضاربين والتقليص من الواردات غير الضرورية. وهنا، يتقدّم الدور الاجتماعي للدولة بوصفه أولوية لا تقبل التأجيل في ظل أوضاع اقتصادية ضاغطة وتحديات معيشية يومية تثقل كاهل المواطن.
غير أن اللافت في هذا الطرح هو الربط بين السيادة الاقتصادية والخيارات الوطنية المستقلة. فرئيس الدولة قيس سعيد يقدّم المعركة ضد الغلاء باعتبارها جزءا من خيار سيادي شامل اختارت فيه تونس أن ترسم طريقها بنفسها، رغم محاولات التشكيك والضغط، بل ورغم دعوات صريحة من بعض الأطراف لتسليط عقوبات اقتصادية على البلاد، على حد قوله.
وهذا الخطاب يكشف بوضوح عن معركة إرادة: بين دولة تصرّ على حماية شعبها ولو كلّفها ذلك صداما مع قوى داخلية وخارجية، وبين أطراف راهنت على فشل التجربة، بل سعت إليه صراحة تحت يافطات كاذبة وزائفة.
المراهنة على جيل جديد
ومن خلال لقاء قرطاج الأخير، يعود رئيس الجمهورية قيس سعيد مجددا إلى فكرة جوهرية لطالما تعرض إليها في لقاءاته الرسمية السابقة، تدعو إلى ضرورة تحمّل جيل جديد للمسؤولية. فالشعب، كما شدّد، لم يعد في حاجة إلى خطاب جديد فحسب، بل إلى إنجازات ملموسة تُنجز بسرعة ودون عراقيل، بما يعكس إدراكا عميقا لحالة الانتظار المجتمعي ولحاجة التونسيين إلى نتائج تُترجم الأقوال إلى وقائع.
والرهان هنا يتجاوز مجرد تغيير الأشخاص ليطال تغييرا في الثقافة الإدارية نفسها، بما يفضي إلى بناء علاقة جديدة بين الدولة والمواطن، تقوم على الثقة، والوضوح، والالتزام، والإنجاز.
الدولة بين الحسم والمسؤولية
في هذا الخضم، يقدم رئيس الجمهورية قيس سعيد من خلال لقاء قرطاج رؤية متكاملة لدولة تريد أن تستعيد قدرتها على الفعل والإنجاز بعيدا عن ثقافة تكديس النصوص. لدولة تتطلع إلى بناء جهاز تنفيذي جديد متحرّر من اللوبيات، ومنحاز للعدالة الاجتماعية، وقادر على تحويل الإرادة السياسية إلى إنجازات ملموسة.
وهذه المعركة التي تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والإدارة بالأخلاق، عنوانها الرئيسي: إما دولة فاعلة تُنفّذ وتُنجز، أو دولة مُكبّلة تُراكم النصوص وتُهدر الفرص. وبين الخيارين، يبدو أن رئيس الجمهورية قيس سعيد قد حسم المسألة بوضوح، واضعا الجميع أمام مسؤولياتهم كاملة.
منال حرزي
تجاوز الرهان اليوم حدود ما تمت صياغته من ترسانة قانونية وتشريعية، ليطال من يتولى فعليا تنفيذها وتحويلها إلى سياسات ناجعة تُحدث الفارق وتعيد للدولة هيبتها وفاعليتها.
فلم يعد المطلوب، في الوقت الراهن، مزيدا من النصوص التشريعية بقدر ما باتت الحاجة ملحة إلى منظومة تنفيذية تقودها عقول وأياد جديدة لا تؤمن بالبيروقراطية المعطلة.
وتتحلى بالكفاءة والنزاهة والجرأة على كسر حلقات الجمود والتعطيل، كما تمتلك الإرادة لتحويل الآليات القانونية من مجرد عناوين مدرجة في الرائد الرسمي إلى واقع ملموس، بما يؤشر لدولة فاعلة لا تكتفي فقط بالتشريع وإنما تؤسس لمسار جديد تترجم فيه جدية الدولة واهتمامها بمدى قدرتها على تحويل مختلف السياسات والنصوص إلى واقع ملموس.
من هذا المنطلق، جاءت رسالة رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال لقائه برئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري بقصر قرطاج واضحة لا لبس فيها: «العبرة» تتجاوز النص والترسانة التشريعية برمتها لتطال المنظومة البشرية التي تُمسك بمفاصل الدولة وبزمام القرار والتي تتولى السهر على تنفيذ مختلف السياسات العمومية.
فهذه المنظومة يتعين عليها أن تتحلى بروح المسؤولية وأن تدرك جيدا أن المنصب ليس امتيازا بل أمانة، وأن خدمة الصالح العام تقتضي انضباطا ونزاهة حتى يكون القرار الإداري في مستوى تطلعات المواطنين.
كفاءات تراعي الصالح العام
من وجهة نظر رئيس الدولة قيس سعيد، فإن التحديات الراهنة لا يمكن اختزالها في فراغ تشريعي، وإنما هي في جوهرها أزمة تنفيذ وإرادة ومسؤولية، وعدم قدرة على التكيف مع مقتضيات المرحلة الراهنة.
فالدولة التي راكمت على مدى عقود نصوصا قانونية وترتيبية لا تعاني «أزمة» على مستوى القوانين بقدر ما تعاني من غياب كفاءات قادرة على تجسيمها، أولئك الذين يؤمنون بها فعلا ويتعفّفون عن توظيفها لخدمة مصالحهم وحساباتهم الضيقة.
وهذا الطرح يعكس التحول اللافت في رؤية رئيس الدولة قيس سعيد لإصلاح الإدارة والدولة. فالإصلاح، وفق هذا التصور، لا يبدأ من سن القوانين بقدر ما يبدأ من إعادة بناء الجهاز التنفيذي نفسه، وتطهيره من شبكات المصالح واللوبيات التي عطّلت الدولة وأفرغت النصوص من محتواها.
وفي هذا الإطار، يراهن رئيس الدولة قيس سعيد على كفاءات تراعي المصلحة الوطنية قبل كل اعتبار، وتتحلّى بالالتزام الأخلاقي والنجاعة في الأداء، على أن الأهم هو أن تكون قادرة على القطع مع منطق التسيير التقليدي القائم على الانتظار والتبرير. كفاءات تُدرك أن المسؤولية تكليف لا تشريف، وأن نجاح الدولة يُترجم بمدى قدرتها على خدمة المواطن وتحقيق العدالة الاجتماعية بما يؤسّس لمرحلة جديدة يكون عنوانها الرئيسي: الإنجاز.
ففي مقاربته يبحث رئيس الجمهورية قيس سعيد عن «الإنسان الجديد» داخل منظومة الحكم. «العبرة ليست في النص وحده، بل في من يسعى «متعففا» لتحقيق أهدافه». وهذا التأكيد على صفة «التعفف» يعيد الأخلاق إلى قلب الفعل السياسي والإداري.
فالإدارة التونسية، التي عانت لسنوات من تغلغل المحسوبية والولاءات الضيقة، تحتاج اليوم إلى جيل جديد من المسؤولين الذين لا يرون في مناصبهم غنيمة. هؤلاء «القائمون الجدد» الذين يراهن عليهم رئيس الجمهورية قيس سعيد هم من سيقفون سدا منيعا في وجه اللوبيات المتجذرة داخل مفاصل الإدارة والتي تعمل على إحباط أي مشروع إصلاحي يهدد مصالحها الضيقة.
من جانب آخر وفي نفس الإطار، أعاد رئيس الدولة قيس سعيد خلال هذا اللقاء إثارة مسألة التضخم التشريعي. فالإفراط في سن القوانين وإحداث الهياكل لم يؤدّ إلى مزيد من النجاعة، وإنما إلى تشتيت القرار، وتعقيد المسارات، وإهدار المال العام في ظل تحول بعض المؤسّسات إلى هياكل بلا روح تُستهلك فيها الميزانيات دون أثر ملموس على حياة المواطنين.
وفي هذا السياق، يضع رئيس الدولة قيس سعيد إصبعه على مكمن الداء، مؤكدا مجددا أن معركة الإصلاح لا تنحصر في إنتاج قوانين جديدة، وإنما في مراجعة شاملة لمنظومة التنظيم والتأطير نفسها بما يضمن النجاعة، ويُعيد الاعتبار لمبدأ المسؤولية والمحاسبة.
من جهة أخرى ولدى تناوله لمشاريع النصوص المتعلقة بالاستثمار، أعاد رئيس الجمهورية قيس سعيد ترتيب الأولويات: لا استثمار حقيقي دون عدالة اجتماعية. فالمشكلة، في نظره، لا تكمن فقط في النصوص، بل في أسباب تعثّر تطبيقها، وفي البيئة الإدارية التي احتضنت الفساد وسمحت بتمدّد اللوبيات داخل أجهزة الدولة ودواليبها.
وهذا التشخيص يضع الاستثمار في سياقه الحقيقي، باعتباره مسارا متكاملا لا يقتصر على الامتيازات والحوافز بل يرتبط بالحوكمة، والشفافية، ومبدأ تكافؤ الفرص. فطالما بقيت أسباب التعطيل قائمة، فإن تغيير النصوص لن يُفضي إلا إلى إعادة إنتاج الفشل، وربما إلى إفشال متعمد لكل محاولة إصلاح.
وضمن هذه المقاربة، يؤكد رئيس الجمهورية قيس سعيد أنّ أي سياسة استثمارية ناجحة لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن إصلاح البيئة الحاضنة والحدّ من النفوذ غير المشروع للّوبيات، فضلاً عن أهمية مكافحة الفساد المستشري داخل الإدارة.
معركة الدولة مع اللوبيات والفساد
واحدة من أكثر النقاط وضوحا في خطاب رئيس الجمهورية قيس سعيد هو تحميله المسؤولية المباشرة لما وصفه بالتعثّر والإفشال المتعمّد، مؤكدا أن اللوبيات المتغلغلة داخل الإدارة شكّلت على مدى سنوات حاجزا صلبا أمام أي إصلاح حقيقي. فالدولة، وفقا لهذا التصور، لم تكن عاجزة بقدر ما كانت مُكبّلة، ومقيّدة بشبكات مصالح تمعشت من سياسة التعطيل والمماطلة.
وهنا، فإن القضاء على الفساد لا يُطرح كشعار وإنما كشرط جوهري وأساسي لإنجاح أي سياسة عمومية، فمتى لم يقع تفكيك هذه المنظومات والشبكات، لن يتغير الكثير، بل قد لا يتغير شيء، مهما تتالت النصوص وتعددت المبادرات، وهو ما يسعى رئيس الدولة قيس سعيد إلى تغييره جذريا من خلال إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وفرض آليات صارمة للمحاسبة والمتابعة والتطوير من كفاءة الجهاز التنفيذي بحيث يصبح قادرًا على تطبيق السياسات بجدية وفاعلية.
فالرؤية التي يؤكد عليها رئيس الدولة قيس سعيد لا تقتصر على سن القوانين بل تتجاوز ذلك إلى بناء منظومة تحكمها الشفافية والنزاهة وتقطع مع ثقافة التسويف والتأجيل، لتضع المواطن في صلب كل قرار، وتضمن أن تتحول الإرادة السياسية إلى إنجازات ملموسة.
معركة الدولة ضد غلاء الأسعار
وفي محور يعتبر بالغ الدقة والحساسية، تطرّق رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى ضرورة إعداد النصوص الترتيبية الكفيلة بالحفاظ على القدرة الشرائية ومواجهة غلاء الأسعار، مع التشديد على مكافحة المضاربين والتقليص من الواردات غير الضرورية. وهنا، يتقدّم الدور الاجتماعي للدولة بوصفه أولوية لا تقبل التأجيل في ظل أوضاع اقتصادية ضاغطة وتحديات معيشية يومية تثقل كاهل المواطن.
غير أن اللافت في هذا الطرح هو الربط بين السيادة الاقتصادية والخيارات الوطنية المستقلة. فرئيس الدولة قيس سعيد يقدّم المعركة ضد الغلاء باعتبارها جزءا من خيار سيادي شامل اختارت فيه تونس أن ترسم طريقها بنفسها، رغم محاولات التشكيك والضغط، بل ورغم دعوات صريحة من بعض الأطراف لتسليط عقوبات اقتصادية على البلاد، على حد قوله.
وهذا الخطاب يكشف بوضوح عن معركة إرادة: بين دولة تصرّ على حماية شعبها ولو كلّفها ذلك صداما مع قوى داخلية وخارجية، وبين أطراف راهنت على فشل التجربة، بل سعت إليه صراحة تحت يافطات كاذبة وزائفة.
المراهنة على جيل جديد
ومن خلال لقاء قرطاج الأخير، يعود رئيس الجمهورية قيس سعيد مجددا إلى فكرة جوهرية لطالما تعرض إليها في لقاءاته الرسمية السابقة، تدعو إلى ضرورة تحمّل جيل جديد للمسؤولية. فالشعب، كما شدّد، لم يعد في حاجة إلى خطاب جديد فحسب، بل إلى إنجازات ملموسة تُنجز بسرعة ودون عراقيل، بما يعكس إدراكا عميقا لحالة الانتظار المجتمعي ولحاجة التونسيين إلى نتائج تُترجم الأقوال إلى وقائع.
والرهان هنا يتجاوز مجرد تغيير الأشخاص ليطال تغييرا في الثقافة الإدارية نفسها، بما يفضي إلى بناء علاقة جديدة بين الدولة والمواطن، تقوم على الثقة، والوضوح، والالتزام، والإنجاز.
الدولة بين الحسم والمسؤولية
في هذا الخضم، يقدم رئيس الجمهورية قيس سعيد من خلال لقاء قرطاج رؤية متكاملة لدولة تريد أن تستعيد قدرتها على الفعل والإنجاز بعيدا عن ثقافة تكديس النصوص. لدولة تتطلع إلى بناء جهاز تنفيذي جديد متحرّر من اللوبيات، ومنحاز للعدالة الاجتماعية، وقادر على تحويل الإرادة السياسية إلى إنجازات ملموسة.
وهذه المعركة التي تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والإدارة بالأخلاق، عنوانها الرئيسي: إما دولة فاعلة تُنفّذ وتُنجز، أو دولة مُكبّلة تُراكم النصوص وتُهدر الفرص. وبين الخيارين، يبدو أن رئيس الجمهورية قيس سعيد قد حسم المسألة بوضوح، واضعا الجميع أمام مسؤولياتهم كاملة.